المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ أبان بن عبد الحميد اللاحقى - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ٣

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌العصر العباسى الأول

- ‌الفصل الأوّلالحياة السياسية

- ‌1 - الثورة العباسية

- ‌2 - بناء بغداد ثم سامرّاء

- ‌3 - النظم السياسية والإدارية

- ‌4 - العلويون والخوارج

- ‌5 - أحداث مختلفة

- ‌الفصل الثانىالحياة الاجتماعية

- ‌1 - الحضارة والثراء والترف

- ‌2 - الرقيق والجوارى والغناء

- ‌3 - المجون

- ‌4 - الشعوبية والزندقة

- ‌5 - الزهد

- ‌الفصل الثالثالحياة العقلية

- ‌1 - الامتزاج الجنسى واللغوى والثقافى

- ‌2 - الحركة العلمية

- ‌3 - علوم الأوائل: نقل ومشاركة

- ‌4 - العلوم اللغوية والتاريخ

- ‌5 - العلوم الدينية وعلم الكلام والاعتزال

- ‌الفصل الرابعازدهار الشعر

- ‌1 - ملكات الشعراء اللغوية

- ‌2 - طوابع عقلية دقيقة

- ‌3 - التجديد فى الموضوعات القديمة

- ‌4 - موضوعات جديدة

- ‌[5 - ]التجديد فى الأوزان والقوافى

- ‌الفصل الخامسأعلام الشعراء

- ‌1 - بشار

- ‌2 - أبو نواس

- ‌3 - أبو العتاهية

- ‌5 - أبو تمام

- ‌الفصل السادسشعراء السياسة والمديح والهجاء

- ‌1 - شعراء الدعوة العباسية

- ‌ أبو دلامة

- ‌[2 - ]شعراء الشيعة

- ‌ السيد الحميرى

- ‌دعبل

- ‌ ديك الجن

- ‌3 - شعراء البرامكة

- ‌ أبان بن عبد الحميد اللاحقى

- ‌4 - شعراء الوزراء والولاة والقواد

- ‌أبو الشيّص

- ‌ على بن جبلة

- ‌الخريمىّ

- ‌5 - شعراء الهجاء

- ‌ أبو عيينة المهلّبى

- ‌الفصل السّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل

- ‌ العباس بن الأحنف

- ‌ربيعة الرّقى

- ‌2 - شعراء المجون والزندقة

- ‌ حماد عجرد

- ‌3 - شعراء الزهد

- ‌ عبد الله بن المبارك

- ‌4 - شعراء الاعتزال

- ‌ العتابى

- ‌ بشر بن المعتمر

- ‌النظام

- ‌5 - شعراء النزعات الشعبية

- ‌ أبو الشمقمق

- ‌الفصل الثامنتطور النثر وفنونه

- ‌1 - تطور النثر

- ‌2 - الخطب والوعظ والقصص

- ‌3 - المناظرات

- ‌4 - الرسائل الديوانية والعهود والوصايا والتوقيعات

- ‌5 - الرسائل الإخوانية والأدبية

- ‌الفصل التاسعأعلام الكتّاب

- ‌خاتمة

- ‌كتب للمؤلف مطبوعة بالدار

الفصل: ‌ أبان بن عبد الحميد اللاحقى

أيدى بنى برمك لدينا

تبكى عليهم بكلّ واد

كانت بهم برهة عروسا

فأضحت الأرض فى حداد

وكان الفضل بن عبد الصمد الرّقاشى منقطعا إليهم، وطالما نوّهوا باسمه وأجزلوا فى عطائه، فلما صلب جسد جعفر على الجسر اجتاز به وهو على الجذع فوقف يبكى أحرّ بكاء، ثم أنشأ يقول (1):

أما والله لولا خوف واش

وعين للخليفة لا تنام

لطفنا حول جذعك واستلمنا

كما للناس بالحجر استلام

وما أبصرت قبلك يا بن يحيى

حساما حتفه السيف الحسام

على اللذات والدنيا جميعا

ودولة آل برمك السلام

وأخذ يتحسر عليهم ويتفجع فى مراث كثيرة، ونحن نقف قليلا عند شاعرين من أهم شعرائهما:

‌ أبان بن عبد الحميد اللاحقى

وأشجع بن عمرو السّلمىّ.

أبان (2) بن عبد الحميد (3) اللاحقى

من موالى البصرة، وبها منشؤه ومرباه، وقد تفتحت شاعريته مبكرة وأخذ يتجه بها نحو الهجاء، وسرعان ما اصطدم بالمعذّل بن غيلان، واستطار بينهما الشّرّ، ونرى المعذّل فى هجائه يتهمه بأنه مانوى (4) زنديق، وهى تهمة ظلت عالقة به، مما يدلّ على أن لها أساسا فى حياته، وسنرى الجاحظ لا ينفيها عنه، بل يثبتها متعجبا، ويظهر أنه كان يضم إلى هذه الزندقة شيئا من العكوف على اللهو والمجون شأن أخدانه من الشعراء. وممن هجاهم أيضا فى باكورة حياته بعض

(1) أغانى (ساسى) 15/ 34 وانظر له مرثية أخرى فى غرر الخصائص الواضحة الوطواط (طبعة بولاق سنة 1284 هـ) ص 407.

(2)

انظر فى ترجمة أبان وأخباره وأشعاره الأغانى (طبعة الساسى) 20/ 73 والأوراق للصولى (قسم أخبار الشعراء) طبع مطبعة الصاوى ص 1 - 52 وابن المعتز ص 202 وما بعدها وص 241 والوزراء والكتاب للجهشيارى ص 218 والحيوان للجاحظ 4/ 447 وما بعدها وتاريخ بغداد 7/ 44 والنجوم الزاهرة 2/ 167

(3)

فى الفهرست لابن النديم: حميد. انظر ص 163.

(4)

الصولى ص 7.

ص: 330

قضاة البصرة، ومن طريف ما يروى من هجائه أنه كان فى جواره بالبصرة رجل من ثقيف يقال له محمد بن خالد كان شديد العداوة له، فتزوج ثقفية يقال لها عمّارة بنت عبد الرحمن، كانت موفورة الثراء، فقال أبان يهجوها ويحذرها منه:

لما رأيت البزّ والشّاره

والفرش قد ضاقت به الحاره

واللّوز والسّكّر يرمى به

من فوق ذى الدار وذى الداره

وأحضروا الملهين لم يتركوا

طبلا ولا صاحب زمّاره

قلت لماذا؟ قيل أعجوبة

محمد زوّج عمّاره

لا عمّر الله بها بيته

ولا رأته مدركا ثاره

ماذا رأت فيه؟ وماذا رجت؟

وهى من النسوان مختاره

أسود كالسّفّود ينسى لدى التّ

نّور بل محراك قيّاره

يجرى على أولاده خمسة

أرغفة كالرّيش طيّاره

وأهله-فى الأرض من خوفه

إن أفرطوا فى الأكل-سيّاره

وما كادت عمارة تسمع هذا الهجاء حتى فرّت على وجهها، وهو هجاء يدل على ما وراءه من ظرف. ولا يكاد يظلّ الناس عصر الرشيد والبرامكة الأجواد حتى نراه يهاجر من موطنه إلى بغداد، متجها توّا إلى الفضل (1). يحيى، ومدبجا فيه قصيدة طويلة صوّر فيها نفسه مثالا للنديم وأوصافه التى كانت تشترط لهذا العصر فى الندماء، يقول:

أنا من بغية الأمير وكنز

من كنوز الأمير ذو أرباح

كاتب حاسب أديب خطيب

ناصح راجح على النّصّاح

شاعر مفلق أخفّ من الري

شة مما تكون تحت الجناح

وظريف الحديث من كلّ فنّ

وبصير بترّهات الملاح

كم وكم قد خبأت عندى حديثا

هو عند الملوك كالتّفّاح

(1) فى بعض الروايات أنه اتجه إلى جعفر.

ص: 331

ومضى فى القصيدة يصف أخذه من كل علم بطرف وبصره بالصيد وشئونه وأنه ليس قصيرا ولا مفرط الطول، مع صباحة الوجه ولطافة المزاج. فوصله الفضل وخفّ على نفسه ونفس أبيه يحيى وأخيه جعفر، وقرب من قلوبهم جميعا حتى صار صاحبهم وحظيّهم. وقد نوّه بالفضل طويلا حين قضى على ثورة يحيى ابن عبد الله العلوى بالديلم لسنة 175 للهجرة وجاء به إلى بغداد، وكان قد طلب الصلح حقنا للدماء، وفى ذلك يقول أبان مخاطبا الرشيد:

هنيئا أمير المؤمنين لك الظّفر

فقد تمّت النّعمى وقد ساعد القدر

أتاك بيحيى الفضل سلما يقوده

مقرّا ولولا يمن جدّك ما أقرّ

ويظهر أنه كان يتشيع للعلويين تشيعا يستره ولا يظهره، ففى أخباره أنه عتب على البرامكة أنهم لا يصلونه بالرشيد، ذاكرا لهم أمنيته فى أن يحظى من جوائزه السنية ما يحظى به مروان بن أبى حفصة، فقالوا له إنه إنما يحظى بتلك الجوائز لدفاعه عن حق البيت العباسى فى الخلافة ورده على العلويين ردّا عنيفا، فاسلك طريقه إن شئت، فقال: لا أستحلّ ذلك. ثم حليت فى عينه صلات الرشيد، فراجع نفسه ونظم فيه مدحة طويلة يقول فى تضاعيفها:

نشدت بحقّ الله من كان مسلما

أعمّ بما قد قلته العحم والعرب

أعمّ رسول الله أقرب زلفة

لديه أم ابن العمّ فى رتبة النّسب

وأيهما أولى به وبعهده

ومن ذا له حقّ التراث بما وجب؟

فإن كان عباس أحقّ بتلكم

وكان علىّ بعد ذاك على سبب

فأبناء عباس هم يرثونه

كما العمّ لابن العمّ فى الإرث قد حجب

ولم يكد يفرغ من إنشاد القصيدة بين يدى الرشيد حتى أمر له بعشرين ألف درهم واتصل مدحه به. وبلغ من عظم قدره عند يحيى بن خالد أن قلّده ديوان الشعر فكان الشعراء يرفعون إليه أشعاره فى البرامكة، فيسقط منها ما يرى إسقاطه ويعرض ما يرى أنه خليق بالعرض، مميزا بينهم مقدرا لكل منهم المكافأة التى يستحقها جزاء إحسانه. وحدث أن تقدم إليه أبو نواس بقصيدة مع طائفة

ص: 332

من الشعراء، فأمر له بدرهم ناقص، وفى رواية أنه أسقط قصيدته، فاغتاظ غيظا شديدا، وهجاه وتبادلا الهجاء طويلا. ويقال إن الهجاء بينهما إنما اندلعت تارة لأن يحيى بن خالد كان قد تقدّم إلى أبى نواس بنظم كليلة ودمنة فزيّن له أبان أن يستعفى يحيى من النهوض بهذا العمل المضنى، ثم حبس نفسه فى بيته لا يخرج منه حتى فرغ من نقلها إلى الشعر فى أربعة أشهر بالغا بها أربعة (1) عشر ألف بيت. وحمل نقله إلى يحيى بن خالد، فأعطاه عليه مائة ألف درهم، وفى رواية أنه أعطاه عليه عشرة آلاف دينار وأعطاه الفضل خمسة آلاف. فحزن أبو نواس ووجد عليه وجدا شديدا، وأخذ يقتصّ منه بهجاء مرير، وردّ عليه أبان، فاشتعلت بينهما معركة هجاء عنيفة، كان أبو نواس دائما هو الذى يكثر فيها من السهام المسمومة.

وقد أتاه كثيرا من ثغرة زندقته، وروى له الجاحظ فى حيوانه هجائية من هذا اللون، وهو يتهمه فيها بأنه مانوى وأنه يتشبه بمطيع بن إياس ووالبة وحماد عجرد وغيرهم من المجان، ولا ينفى الجاحظ تهمة الزندقة عن أبان غير أنه ينفى أن يوضع مع مطيع وأمثاله فى كفة واحدة، يقول:«ولقد كان أبان وهو سكران أصحّ عقلا من هؤلاء وهم صحاة» . ويقول ابن المعتز موازنا بينه وبين أبى نواس: «كان فى جميع أحواله أرفع طبقة من أبى نواس، وقد هجاه أبو نواس بشعر كثير فما سار له فيه شئ على شهرة شعره، ولم يقل فى أبى نواس غير ثلاثة أبيات، وقد سارت فى الدنيا، وهى هذه:

أبو نواس بن هانى

وأمّه جلّبان (2)

والناس أفطن شئ

إلى حروف المعانى

إن زدت بيتا على ذى

ما عشت فاقطع لسانى

وهى أبيات لاذعة. ويروى الرواة أنه كان له جار يعاديه، فاعتلّ علة طويلة، وأرجف أبان بموته، ثم صحّ من علته، وخرج فجلس على بابه، وإذا أبان ينشده أهجية، فلم يلبث أن أرعد منها واضطرب، ودخل منزله فما خرج منه حتى

(1) فى ابن المعتز: أن أبانا إنما بلغ بها خمسة آلاف بيت.

(2)

الجلبان: شجرة الورد، وهو اسم أم أبى نواس، وكأن أبانا يتخذ من ذلك مغمزا له.

ص: 333

مات. وكان يحسن الرثاء، ومرثيته التى رواها الصولى فى سوار بن عبد الله قاضى البصرة من أجود المراثى، وهى طويلة طولا مسرفا.

وأهم ما نهض به أبان فى الشعر نظمه لكليلة ودمنة، وقد نظم بجانبها-كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع-أرجوزة مزدوجة فى الصوم والزكاة ومزدوجات أخرى فى التاريخ الفارسى وقصيدة فى نشأة الخلق وعلم المنطق. وبذلك مكّن لشيوع الشعر التعليمى فى العربية، ونكتفى هنا بقطعة من هذا الشعر افتتح بها باب الأسد والثور فى كليلة ودمنة، وهى تمضى على هذه الشاكلة:

وإن من كان دنى النّفس

يرضى من الأرفع بالأخسّ

كمثل الكلب الشقّى البائس

يفرح بالعظم العتيق اليابس

وإن أهل الفضل لا يرضيهم

شئ إذا ما كان لا يعنيهم

كالأسد الذى يصيد الأرنبا

ثم يرى العير المجدّ هربا (1)

فيرسل الأرنب من أظفاره

ويتبع العير على أدباره

وتطّرد أرجوزته فى كليلة ودمنة وفى كثير من الموضوعات التعليمية التى عنى بالنظم فيها على هذا النمط المزدوج الذى اصطفى له لغة جزلة متينة طالما راعت معاصريه ومن تلاهم، حتى ليقول ابن المعتز فى التعريف به:«كان شاعرا أديبا، عالما ظريفا، منطيقا، مطبوعا على الشعر مقتدرا عليه. . وهو الذى نقل كليلة ودمنة شعرا بتلك الألفاظ الحسنة العجيبة. . ولم يقدر أحد من الناس أن يتعلق عليه بخطأ فى نقله، ولا أن يقول: ترك من لفظ الكتاب أو معناه» . وترجم الصولى لأخيه عبد الله وابنه حمدان وحفيده أبان. ونظن ظنّا أنه ظل مشغولا بعد البرامكة بشعره التعليمى، حتى توفى سنة 200 للهجرة، فإنه لم يؤثر له شعر فى مديح الأمين ولا فى مديح المأمون وقواده ووزرائه.

(1) العير: حمار الوحش.

ص: 334

أشجع (1) بن عمرو السّلمى

من بنى الشريد السّلمييّن، كان أبوه ينزل البصرة، وتعلق بامرأة من أهل اليمامة، فشخص معها إلى موطنها وتزوجها، فولدت له بموطنها أشجع حيث قضى السنوات الأولى من حياته. ومات أبوه فقدمت به أمه إلى البصرة تطلب ميراث أبيه، وكانت قد رزقت منه أيضا ولديها أحمد وحريثا. وأكمل أشجع نشأته ومرباه بالبصرة، وتفتحت مواهبه الشعرية فابتهجت به قبيلته وأخواتها من القبائل القيسية، وكان الشعر يومئذ فى ربيعة واليمن، ولم يكن لقيس شاعر معدود، فلما نجم أشجع ولمع اسمه افتخرت به قيس، وبادلها فخرا بفخر من مثل قوله:

إذا افتخرت قيس بطيب العناصر

على الناس طاطا رأسه كلّ فاخر

ولم يلبث أن شد رحاله إلى بغداد لأواخر عهد المنصور (136 - 158 هـ) فمدح ابنه جعفرا، ويقال إن الذى وصله به عوف بن أحمد بن يزيد السّلمى، وله فيه وفى أبيه أحمد وعمه محمد مدائح مختلفة. ولم يكد يبزغ عصر الرشيد حتى وصلته به زوجه زبيدة بنت جعفر بعد وفاة أبيها ممدوحه، فأسنى جوائزه، ويقال: بل الذى وصله به جعفر بن يحيى البرمكى. وتؤكد بعض الروايات أن أول اتصاله به إنما كان فى الرّقّة حين انتقل اليها من بغداد سنة 180 لينفر منها سريعا إلى حرب الروم حين يدعو الداعى، ومن أجل ذلك استوطنها مدة.

ونظن أن اتصاله بالرشيد يسبق هذا التاريخ، فقد روى صاحب الأغانى عنه أنه قال: «دخلت على محمد الأمين حين أجلس مجلس الأدب للتعليم وهو ابن أربع سنين، وكان يجلس فيه ساعة ثم يقوم، فأنشدت:

ملك أبوه وأمّه من نبعة

منها سراج الأمة الوهّاج (2)

(1) انظر فى أشجع وأشعاره وأخباره ابن المعتز ص 251 والشعر والشعراء لا بن قتيبة ص 857 والأغانى (طبعة الساسى) 17/ 30 والأوراق للصولى (قسم أخبار الشعراء) ص 74 وتاريخ بغداد 7/ 45 والمرشح للمرزبانى ص 295 ومروج الذهب للمسعودى 3/ 296 والوزراء والكتاب للجهشيارى ص 215 والمرزوقى على الحماسة ص 856.

(2)

النبعة: شجرة ضخمة تتخذ منها القسى والسهام، والاستعارة واضحة.

ص: 335

شربت بمكة فى ربى بطحائها

ماء النبوة ليس فيه مزاج (1)

فأمرت له أمه زبيدة بمائة ألف درهم، ويقال إنه لم يتولّ الخلافة أحد أبوه وأمه من بنى هاشم إلا على بن أبى طالب ومحمد الأمين». ومعروف أن الأمين ولد سنة 170 ومعنى ذلك أن دخول أشجع عليه ومدحه كانا فى سنة 174 وفى ابن المعتز ما يدل على أن البيتين من قصيدة مدح بها الرشيد. وسنراه يكثر من مدحه فى حربه لنقفور، وقد مضى يوثق عهده للمأمون بولايته العهد بعد أخيه الأمين توثيقا شديدا بقوله:

بيعة المأمون آخذة

بعنان الحقّ فى أفقه

لن يفكّ المرء ربقتها

أو يفك الدين من عنقه

وله من وجه والده

صورة تمت ومن خلقه

وكتب الرشيد لولديه كتابا بهذا العهد، وعلّقه فى سقف الكعبة سنة 182 فانبرى أشجع يصوب رأيه ويؤكّده فى قصيدة طرب لها الرشيد.

على أن ضلته به إنما كانت فى ثنايا صلة وثيقة بجعفر بن يحيى البرمكى وأبيه وأخيه، حتى لكأنما اقتطعوه منه، ويقال إن أنس بن أبى شيخ كاتب جعفر هو الذى وصله به، ثم انعقدت صلته بأخيه الفضل وأبيه يحيى وكان أول ما أنشده:

ذهبت مكارم جعفر وفعاله

فى الناس مثل مذاهب الشّمس

ملك نسوس له المعالى نفسه

والعقل خير سياسة النّفس

فأمر له بعشرة آلاف درهم، وكان جعفر حينئذ بمجلس فى أحد قصورهم بحى الصالحية. فقال له صف موضعنا، فأنشد على البديهة:

قصور الصلطانيّة كالعذارى

لبسن ثيابهن ليوم عرس

مطلاّت على روض كسته

أيادى الماء وشيا نسج غرس

إذا ما الطّلّ أثّر فى ثراه

تنفّس نوره من غير نفس (2)

(1) بطحاء مكة: واديها بين الربى والجبال وكانت تنزله فى الجاهلية عشائرها الشريفة.

(2)

الطل: الندى والمطر الخفيف.

ص: 336

فتغبقه السماء بصبغ ورس

وتصبحه بأكوس عين شمس (1)

وأعجب جعفر بحسن بديهته. وأصبح شاعره وشاعر أسرته يمدحه ويمدح أباه يحيى وأخاه الفضل، ويغدقون جميعا عليه العطايا الجزيلة، ومن قوله فى يحيى:

كفانى صروف الدهر يحيى بن خالد

فأصبحت لا أرتاع للحدثان

كفانى-كفاه الله كلّ ملمّة-

طلاب فلان مرّة وفلان

فأصبحت فى رغد من العيش واسع

أقلّب فيه ناظرى ولسانى

ونراه يرافق جعفرا حين هاجت العصبية بين النزارية واليمنية فى الشام لسنة 180 وقد ظفر بجماعة ممن سعوا بالفساد وشرّد آخرين وأصلح ذات البين بين الفئتين المتناحرتين. وأكثر من مديحه حينئذ، ويقال إنه كان يجرى عليه فى كل يوم جمعة مائة دينار وأشجع يجرى عليه أشعاره من مثل قوله:

أصلحت أمر الشام محتسبا

ورتقت ما فيها من الفتق

ما كان يدرك بالقتال ولا

بالمال ما أدركت بالرّفق

وعزم الرشيد فى نفس السنة على تولية جعفر خراسان وسجستان وأخرج له الأمر بذلك، فابتهج وابتهج معه شاعره، ولم يلبث أن دبّج فيه إحدى روائعه وفيها يقول:

يريد الملوك مدى جعفر

ولا يصنعون كما يصنع

وليس بأوسعهم فى الغنى

ولكنّ معروفه أوسع

وكيف ينالون غاياته

وهم يجمعون ولا يجمع

بديهته مثل تدبيره

متى رمته فهو مستجمع

وبدا للرشيد فرجع فى أمره وعزيمته، فأنشده شعرا طريفا يسليه به، زاعما أن الرشيد رأى حاجته إليه أمسّ من حاجة أهل خراسان. ويكثر من مديح جعفر

(1) تغبقه: من الغبوق وهو شرب الخمر فى المساء، والورس: زهر أصفر. تصبحه: من الصبوح وهو شرب الخمر فى الصباح.

ص: 337

ولا يلمّ به مرض هو أو أبوه إلا ويكثر من دعائه لهما بالشفاء وفى يحيى يقول وقد أخذته علة:

إذا ما الموت أخطأه فلسنا

نبالى الموت حيث غدا وراحا

ولما استأذن من الرشيد أن يجاور بمكة لسنة 181 ظل يردد افتقاد بغاة الخير له وحزنهم لطول غيبته من مثل قوله:

قد غاب يحيى فما أرى أحدا

يأنس إلا بذكره الحسن

أوحشت الأرض حين فارقها

من الأيادى العظام والمنن

لولا رجاء الإياب لا نصدعت

قلوبنا بعده من الحزن

ويروى صاحب الأغانى أن جعفرا ولاه عملا، فرفع إليه أهله شكايات كثيرة متظلمين منه، فصرفه جعفر عنهم، فلما رجع إليه من عمله مثل بين يديه وأنشده قصيدة طويلة يقول فيها:

لقد هزّت سنان القول منى

رجال وقيعة لم يعرفونى

أطافوا بى لديك وغبت عنهم

ولو أدنيتنى لتجنّبونى

فوصله جعفر وخلع عليه. وظل يتغنى بجعفر وبأبيه وأسرته حتى نكبهم الرشيد، فتحسر عليهم طويلا ومن قوله فيهم:

كأنما أيامهم كلها

كانت لأهل الأرض أعيادا

وجعلته صلته بالبرامكة يمدح كتّابهم وأصحابهم من مثل إسماعيل بن صبيح، ومن جيد قوله فيه:

له نظر لا يغمض الأمر دونه

تكاد ستور الغيب عنه تمزّق

ولعله لم يكثر من مديح صاحب لهم كما أكثر من مديح محمد بن منصور ابن زياد. وقد مضى بعد نكبتهم يحاول القربى من الرشيد، وأوصله له حاجبه ووزيره الفضل بن الربيع قائلا له: «هو أشعر شعراء أهل الزمان وقد اقتطعه

ص: 338

عنك البرامكة فأمر بإيصاله مع الشعراء» وقد تغنى بانتصاراته على نقفور وجنوده وفتحه لهرقلة غناء حارّا، من مثل قوله:

برقت سماؤك فى العدوّ وأمطرت

هاما لها ظلّ السيوف غمام (1)

وعلا عدوّك يا بن عمّ محمد

رصدان: ضوء الصبح والإظلام

فإذا تنبّه رعته وإذا غفا

سلّت عليه سيوفك الأحلام

ولما بلغ هذا البيت فى القصيدة اهتز الرشيد، وأمر بأن ينثر عليه الدر إعجابا واستحسانا، وله يقول من قصيدة أخرى وقد جلس للشعراء عقب هذا الفتح فى يوم عيد:

لا زلت تنشر أعيادا وتطويها

تمضى بها لك أيّام وتمضيها

وليهنك الفتح والأيام مقبلة

بالنصر والعزّ معقودا نواصيها

أمست هرقلة تهوى من جوانبها

وناصر الله والإسلام يرميها

وكان الرشيد يكثر من حجه إلى البيت الحرام ومن جهاده العنيف للروم، قاسما سنيه بين حج وغزو، فصور ذلك أشجع تصويرا بديعا فى قصيدة استقبله بها فى يوم قدوم له من حج بإحدى السنوات، وفيها يقول:

ألف الحجّ والجهاد فما ين

فكّ من سفرتين فى كل عام

سفر للجهاد نحو عدوّ

والمطايا لسفرة الإحرام (2)

طلب الله فهو يسعى إليه

بالمطايا وبالجياد السّوام

فيداه يد بمكة تدعو

هـ وأخرى فى دعوة الإسلام

وله مدائح مختلفة فى الفضل بن الربيع. وكان يجيد الرثاء كما كان يجيد المديح، إذ كان يعرف كيف يمس القلوب وكيف يستثير الحزن فى الصدور، على نحو ما يلقانا فى رثائه لمحمد بن منصور بن زياد، وفيه يقول:

(1) الهام: الرءوس.

(2)

جعل المطايا أى الإبل رمزا للحج والجياد رمزا للجهاد، والسوام: من سامت الريح: إذا مرت واستمرت.

ص: 339

أنعى فتى الجود إلى الجود

ما مثل من أنعى بموجود

أنعى فتى مصّ الثرى بعده

بقيّة الماء من العود

فالأرض يبست أشجارها بموته. ومن مراثيه الرائعة التى رواها أبو تمام فى حماسته مرثيته فيمن يسمى ابن سعيد وفيها يقول:

مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق

ولا مغرب إلا له فيه مادح

وما كنت أدرى ما فواضل كفّه

على الناس حتى غيّبته الصّفائح (1)

فأصبح فى لحد من الأرض ميّتا

وكانت به حيّا تضيق الصحاصح (2)

سأبكيك ما فاضت دموعى فإن تغض

فحسبك منى ما تجنّ الجوانح (3)

وما أنا من رزء وإن جلّ جازع

ولا بسرور بعد موتك فارح

كأن لم يمت حىّ سواك ولم تقم

على أحد إلا عليك النوائح

لئن حسنت فيك المراثى وذكرها

لقد حسنت من قبل فيك المدائح

وغزله رقيق وله خمريات قليلة. وواضح مما أنشدناه له أنه كان غزير المعانى رشيق الأسلوب وأن قصائده الجياد تعد من عيون الشعر فى هذا العصر ودرره النفيسة، وقد عاش حتى شهد قتل الأمين فى سنة 198 إذ روى له الصولى قصيدة فى مديح طاهر بن الحسين الذى حاصره إلى أن ظفر به وقتل صبرا، وفى ذلك يقول مخاطبا له:

سلبت رداء الملك ظالم نفسه

وصنت الذى ولاّك قصم الجبابر

وأكبر الظن أنه توفى بعد ذلك بقليل.

(1) الصفائح: الحجارة العراض فى سقف القبر.

(2)

الصحاصح: الأرض الواسعة المستوية

(3)

تجن: تضمر. الجوانح: الضلوع.

ص: 340