المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌3 - علوم الأوائل: نقل ومشاركة - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ٣

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌العصر العباسى الأول

- ‌الفصل الأوّلالحياة السياسية

- ‌1 - الثورة العباسية

- ‌2 - بناء بغداد ثم سامرّاء

- ‌3 - النظم السياسية والإدارية

- ‌4 - العلويون والخوارج

- ‌5 - أحداث مختلفة

- ‌الفصل الثانىالحياة الاجتماعية

- ‌1 - الحضارة والثراء والترف

- ‌2 - الرقيق والجوارى والغناء

- ‌3 - المجون

- ‌4 - الشعوبية والزندقة

- ‌5 - الزهد

- ‌الفصل الثالثالحياة العقلية

- ‌1 - الامتزاج الجنسى واللغوى والثقافى

- ‌2 - الحركة العلمية

- ‌3 - علوم الأوائل: نقل ومشاركة

- ‌4 - العلوم اللغوية والتاريخ

- ‌5 - العلوم الدينية وعلم الكلام والاعتزال

- ‌الفصل الرابعازدهار الشعر

- ‌1 - ملكات الشعراء اللغوية

- ‌2 - طوابع عقلية دقيقة

- ‌3 - التجديد فى الموضوعات القديمة

- ‌4 - موضوعات جديدة

- ‌[5 - ]التجديد فى الأوزان والقوافى

- ‌الفصل الخامسأعلام الشعراء

- ‌1 - بشار

- ‌2 - أبو نواس

- ‌3 - أبو العتاهية

- ‌5 - أبو تمام

- ‌الفصل السادسشعراء السياسة والمديح والهجاء

- ‌1 - شعراء الدعوة العباسية

- ‌ أبو دلامة

- ‌[2 - ]شعراء الشيعة

- ‌ السيد الحميرى

- ‌دعبل

- ‌ ديك الجن

- ‌3 - شعراء البرامكة

- ‌ أبان بن عبد الحميد اللاحقى

- ‌4 - شعراء الوزراء والولاة والقواد

- ‌أبو الشيّص

- ‌ على بن جبلة

- ‌الخريمىّ

- ‌5 - شعراء الهجاء

- ‌ أبو عيينة المهلّبى

- ‌الفصل السّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل

- ‌ العباس بن الأحنف

- ‌ربيعة الرّقى

- ‌2 - شعراء المجون والزندقة

- ‌ حماد عجرد

- ‌3 - شعراء الزهد

- ‌ عبد الله بن المبارك

- ‌4 - شعراء الاعتزال

- ‌ العتابى

- ‌ بشر بن المعتمر

- ‌النظام

- ‌5 - شعراء النزعات الشعبية

- ‌ أبو الشمقمق

- ‌الفصل الثامنتطور النثر وفنونه

- ‌1 - تطور النثر

- ‌2 - الخطب والوعظ والقصص

- ‌3 - المناظرات

- ‌4 - الرسائل الديوانية والعهود والوصايا والتوقيعات

- ‌5 - الرسائل الإخوانية والأدبية

- ‌الفصل التاسعأعلام الكتّاب

- ‌خاتمة

- ‌كتب للمؤلف مطبوعة بالدار

الفصل: ‌3 - علوم الأوائل: نقل ومشاركة

وقلوبها ما دعم حضارتنا العربية دعما، بما أحدثوا من علوم وبما كتبوا من آثار عقلية رائعة وآيات شعرية خالدة.

‌3 - علوم الأوائل: نقل ومشاركة

كان من أهم الأسباب التى دفعت إلى ازدهار الحركتين العلمية والأدبية لهذا العصر الاتصال الخصب المثمر بين الثقافة العربية الخالصة وبين ثقافات الأمم المغلوبة المستعربة وما طوى فيها من معارف وعلوم. وكان هذا الاتصال يأخذ منذ عصر بنى أمية طريقين: طريق المشافهة مع المستعربين وطريق النقل والترجمة وقد ظل الطريق الثانى ضيقا زمن الأمويين، إذ لا يعدو ما يذكر من أنه ترجمت لخالد بن يزيد بن معاوية بعض كتب فى الصنعة والطب والنجوم (1) وأن عمر بن عبد العزيز أمر بترجمة كتيب فى الطب لأهرن (2) بن أعين وأن كتابا فى تاريخ الساسانيين ونظمهم السياسية ترجم لهشام (3) بن عبد الملك. وقد مضت بيئات المستعربين العلمية تمارس نشاطها حينئذ، وكانت تمثلها الأديرة وما بها من حلقات علمية من المدارس متناثرة فى جنديسابور القريبة من البصرة وفى نصيبين وحرّان والرّها وأنطاكية والإسكندرية، وكانت تغلب عليها جميعا الثقافة اليونانية، كما كان يغلب عليها علماء السريان المسيحيين، وكانوا قد نشطوا منذ القرن الرابع الميلادى فى ترجمة الآثار اليونانية، واستمر نشاطهم فى هذه الترجمة محتدما حتى القرن التاسع، ومن أشهر مترجميهم قبل الإسلام يوحنا فيلوبونوس الإسكندرى المعروف باسم يحيى النحوى وكان يعيش فى القرن السادس الميلادى ونقل عن اليونانية كتبا كثيرة فى المنطق والطبّ والطبيعيات (4). ومن أبرزهم فى العصر الأموى سويرس سيبوخت

(1) ابن النديم ص 340 والبيان والتبيين 1/ 328.

(2)

طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل (نشر المعهد العلمى الفرنسى بالقاهرة) ص 61.

(3)

انظر صفحات عن إيران لصادق نشأت ومصطفى حجازى (نشر مكتبة الأنجار بالقاهرة) ص 81.

(4)

انظر ابن أبى أصيبعة فى الجزء الثانى من القسم الأول (طبعة بيروت) ص 6 وأخبار الحكماء للقفطى ص 232 وعلوم اليونان وصل انتقالها إلى العرب لأوليرى (نشر مكتبة البضة المصرية) ص 37، 123.

ص: 109

أسقف دير قنسرين ويعقوب الرهاوى، وله مصنف مهم فى النحو السريانى.

وكان لمن خلفوهم فى العصر العباسى اليد الطولى فى ترجمة المصنفات اليونانية من لغتها الأصلية التى كان كثير منهم يحذقها ومن لغتهم السريانية إلى اللغة العربية. وكان من أهم مراكزهم مدرسة جنديسابور القريبة من البصرة، ولعلها لذلك سبقت الكوفة فى التعرف على الفلسفة اليونانية. وكان كثير من مصنفات اليونانيين قد ترجم إلى الفارسية، فأدلى الفرس بدلوهم لا فى نقل ثقافتهم فحسب، بل أيضا فى نقل بعض الآثار اليونانية على نحو ما هو معروف من نقل ابن المقفع لمنطق أرسطو، وقد نقل كليلة ودمنة الهندى الأصل إلى العربية، وفى ذلك إشارة إلى ما كان فى الفارسية من ثقافة هندية أخذت تدخل إلى العربية بواسطة نقلتهم (1) وسنرى عما قليل أن قوما من مستعربى الهند شاركوا فى هذا النقل.

ونرى الخلفاء العباسيين منذ فاتحة العصر يعنون بهذا النقل عناية شديدة وينفقون عليه الأموال الطائلة وكأنهم لا يريدون به أن يقف عند حد أو عند غاية، يتقدمهم فى ذلك المنصور وفيه يقول المسعودى:«كان أول خليفة قرّب المنجمين وعمل بأحكام النجوم وكان معه نوبخت المجوسى وأسلم على يديه-وهو أبو هؤلاء النوبختية-وإبراهيم الفزارى المنجم وعلى بن عيسى الإسطرلابى المنجم. وهو أول خليفة ترجمت له الكتب من اللغات العجمية إلى العربية ومنها كتاب كليلة ودمنة وكتاب السند هند، وترجمت له كتب أرسططاليس من المنطقيات وغيرها، وترجم له كتاب المجسطى لبطليموس وكتاب الأرثماطيقى وكتاب أوقليدس (2)» .

واهتمام المنصور بالتنجيم يقترن بنوبخت الفارسى ويظهر أنه كان منجما كبيرا، إذ ينسب له وضع بعض الجداول (3) الفلكية، وكذلك كان صاحباه ولثانيهما وهو على بن عيسى رسالة فى الاسطرلاب-وهو آلة فلكية لرصد الكواكب- وقد نشرها لويس شيخو. ولم يكتف المنصور بما كان عند الفرس من علم الفلك والتنجيم، فقد نقل له كتاب السند هند الهندى وكتاب المجسطى اليونانى لبطليموس وهما فى علم الهيئة والنجوم وحركات الأفلاك والكواكب. ومعنى ذلك أن العرب

(1) كانت مدينة بلخ أهم مركز إيرانى امتزجت فيه الثقافتان الفارسية والهندية، وكان بها معبد النوبهار البوذى المشهور. انظر أوليرى ص 149.

(2)

المسعودى 4/ 241.

(3)

علوم اليونان لأوليرى ص 211.

ص: 110

استمدوا فى هذا العلم من الفرس والهند واليونان ولا بد أنهم استمدوا فيه أيضا من الصابئة ورثة الكلدانيين فى الفلك والتنجيم.

وصوّر نالينو أثر كتاب السند هند فى علم الفلك العربى وكيف وصل إلى العرب ونقل إلى العربية فقال: «إن وفدا من الهند وفد على أبى جعفر المنصور سنة؟ ؟ ؟ حركات الكواكب وحسابها وسائر أعمال الفلك على مذهب علماء أمته وخصوصا على مذهب كتاب باللغة السنسكريتية اسمه (براهمسبهطسد هانت) ألفه سنة 628 م أو 6، 7 هـ الفلكى الرياضى (برهمكبت) فكلف المنصور ذلك الهندى بإملاء مختصر الكتاب، ثم أمر بترجمته إلى اللغة العربية وباستخراج كتاب منه تتخذه العرب أصلا فى حساب حركات الكواكب وما يتعلق به من الأعمال. وتولى ذلك الفزارى وعمل منه زيجا (1) اشتهر بين علماء العرب حتى إنهم لم يعملوا إلا به إلى أيام المأمون حيث ابتدأ مذهب بطليموس فى الحساب والجداول الفلكية. . واقتصر العرب على الجزء الأخير من اسم الكتاب السابق وهو (سد هانت) ثم حرّفوه قليلا وسمّوه السند هند (2)» .

ويذكر نالينو ممن أخذوا عن هذا العالم الهندى يعقوب بن طارق وكان رياضيّا ممتازا وله مؤلفات قيمة فى الفلك (3).

ويذكر المسعودى أنه ترجم للمنصور بجانب المجسطى كتب أرسططاليس من المنطقيات وغيرها وكتاب الأرثماطيقى فى الحساب وكتاب أقليدس وهو فى علم الأشكال الهندسية أمّهاتها ومركباتها، وجميع تلك الكتب يونانية. ولم يذكر المسعودى عناية المنصور بنقل الكتب الطبية إلى العربية، ومعروف أنه استدعى فى سنة 148 للهجرة جورجيس بن جبريل بن بختيشوع كبير الأطباء فى بيمارستان جنديسابور ورئيس مدرسته ليكون بجانبه وقد نقل كتبا كثيرة من اليونانية إلى العربية (4) وأغلب الظن أنها كانت فى جمهورها كتبا طبية. وكان جورجيس من السريان النساطرة، وتعاقبت من بعده أجيال من أبنائه وأحفاده تخدم الطب

(1) الزيج: علم الجداول الفلكية.

(2)

انظر علم الفلك وتاريخه عند العرب لنالينو ص 149.

(3)

نالينوس 156 والفهرست ص 388 وعلوم اليونان لأوليرى ص 209.

(4)

ابن أبى أصيبعة ص 37 والقفطى ص 109.

ص: 111

والترجمة. وممن لمع اسمهم لعهد المنصور فى ترجمة كتب الطب اليونانى أبو يحيى البطريق المتوفى سنة 180 إذ عنى بنقل طائفة من كتب أبقراط وجالينوس (1).

وتنشط الترجمة فى عصر الرشيد ووزرائه البرامكة نشاطا واسعا، وكان مما أذكى جذوتها حينئذ إنشاء دار الحكمة أو خزانة الحكمة وتوظيف طائفة كبيرة من المترجمين بها وجلب الكتب إليها من بلاد الروم، وكان يقوم على هذا العمل الضخم يوحنا بن ماسويه وكان طبيبا نسطوريّا من مدرسة جنديسابور، وفيه يقول ابن جلجل:«قلده الرشيد ترجمة الكتب القديمة الطبية، مما وجد بأنقرة وعمورية وببلاد الروم حين سباها المسلمون، ووضعه أمينا على الترجمة، ووضع له كتابا حذّاقا يكتبون بين يديه (2)» . وقد عاش ابن ماسويه طويلا إذ توفى سنة 243 وله مؤلفات كثيرة فى الطب وتركيب الأدوية. وأسهم فى الترجمة حينئذ جبريل بن بختيشوع كبير أطباء الرشيد إذ تضاف إليه كتب مختلفة فى الطب وكتاب المدخل إلى صناعة المنطق.

وللبرامكة فضل عظيم فى إذكاء الترجمة حينئذ، فقد شجعوا بكل ما استطاعوا على نقل الذخائر النفيسة إلى العربية من الرومية واليونانية والفارسية والهندية، من ذلك طلب يحيى بن خالد البرمكى إلى بطريرك الإسكندرية أن يترجم فى الزراعة كتابا عن الرومية، وقد ترجمه برسمه (3)، وكان مما عنوا به إعادة ترجمة بعض الكتب اليونانية التى ترجمت قبل عصرهم، بحيث تكون أكثر دقة وإتقانا، على نحو ما صنع يحيى بن خالد بكتاب المجسطى لبطليموس، فقد ندب له أبا حسان وسلما صاحب بيت الحكمة، فأتقناه واجتهدا فى تصحيحه بعد أن أحضرا النقلة المجودين، فاختبرا نقلهم وأخذا بأفصحه وأصحّه (4). وقد عنوا عناية واسعة بترجمة التراث الفارسى ونرى جيلا كبيرا ينهض فى عصرهم والعصر الذى تلاهم بهذه الترجمة نذكر من بينهم آل نوبخت وعلى رأسهم الفضل بن نوبخت الذى أكثر من ترجمة كتب الفلك (5)، وآل سهل وعلى رأسهم الفضل وكان يترجم للمأمون فى حداثته بعض الكتب

(1) ابن أبى أصيبعة ص 174 وذكر أوليرى أنه ترجم لبطليموس كتابا فى التنجيم. انظر علوم اليونان ص 42.

(2)

ابن جلجل ص 65 والقفطى ص 249.

(3)

انظر مقال ماكس ما يرهوف عن مدرسة الإسكندرية وانتقالها إلى بغداد فى كتاب التراث اليونانى لعبد الرحمن بدوى.

(4)

الفهرست ص 374.

(5)

الفهرست ص 382.

ص: 112

الفارسية ويعجب بترجمته (1). ومن أبرز المترجمين للتراث الفارسى حينئذ محمد بن جهم البرمكى وزادويه بن شاهويه وبهرام بن مردانشاه وموسى بن عيسى الكسروى وعمر بن الفرّخان وسلم صاحب خزانة الحكمة وسهل بن هرون أحد خزنتها المشهورين (2). ومن أنفس ما نقلوه أمثال بزرجمهر وعهد (3) أردشير بن بابك إلى ابنه سابور وكتاب جاويدان (4) خرد فى صنوف الآداب ومكارم الأخلاق وكتاب هزار أفسانه وهو أصل من أصول ألف ليلة وليلة. وقد نقل أبان بن عبد الحميد كتاب كليلة ودمنة إلى الشعر وأهداه إلى جعفر بن يحيى البرمكى، ويقال إنه نظمه فى أربعة عشر ألف بيت (5)، وأيضا فإنه نقل إلى الشعر العربى سيرة أردشير وسيرة أنوشروان (6). وعلى نحو ما دفع البرامكة إلى ترجمة التراث الفارسى واليونانى دفعوا أيضا إلى الانتفاع بالتراث الهندى وترجمته، يقول الجاحظ:

«اجتلب يحيى بن خالد البرمكى أطباء الهند مثل منكه وبازيرك وقلبرقل وسندباذ وفلان وفلان» وقد عملوا فى البيمارستان الكبير ببغداد وسرعان ما استعربوا وشاركوا هم وغيرهم من مستعربة الهند فى نقل بعض الكنوز الهندية وخاصة فى الطب والعقاقير (7) وشمل نقلهم صحيفة طويلة فى قواعد البلاغة سجلها الجاحظ فى بيانه (8)، كما شمل قصة السندباد وكتبا كثيرة فى الخرافات والأسمار مما تولع به العامة (9).

وتبلغ هذه الموجة الحادة للترجمة أبعد غاياتها فى عهد المأمون، إذ تحول بخزانة الحكمة إلى ما يشبه معهدا علميّا كبيرا وقد ألحق بها مرصده المشهور وجدّ فى الترجمة، يقول ابن النديم: «لما استظهر (غلب) المأمون على ملك الروم كتب إليه يسأله الإذن فى إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة المدّخرة ببلد الروم، فأجاب إلى ذلك بعد امتناع، فأخرج المأمون لذلك جماعة منهم الحجاج ابن مطر وابن البطريق وسلم صاحب بيت الحكمة وغيرهم، فأخذوا مما وجدوا

(1) الجهشيارى ص 232.

(2)

انظر فى هؤلاء النقلة عن الفارسية الفهرست ص 174، 341 وكتاب البيان والتبيين 3/ 29.

(3)

راجع فى هذا الكتاب وسابقه ثلاث رسائل للجاحظ (نشر فنكل) ص 42 وابن أبى أصيبعة ص 109.

(4)

انظر جمع الجواهر للحصرى ص 74 وما بعدها.

(5)

الجهشيارى ص 211.

(6)

الفهرست ص 232.

(7)

الفهرست ص 342، 421.

(8)

البيان والتبيين 1/ 92.

(9)

الفهرست ص 424.

ص: 113

ما اختاروا، فلما حملوه إليه أمرهم بنقله، فنقل، وقد قيل إن يوحنا بن ماسويه ممن نفذ إلى بلد الروم (1)» ويقول ابن نباته فى ترجمته لسهل بن هرون:«جعله المأمون كاتبا على خزائن الحكمة وهى كتب الفلاسفة التى نقلت للمأمون من جزيرة قبرص، وذلك أن المأمون لما هادن صاحب هذه الجزيرة أرسل إليه يطلب خزانة كتب اليونان، وكانت مجموعة عندهم فى بيت لا يظهر عليه أحد، فأرسلها إليه، واغتبط بها المأمون، وجعل سهل بن هرون خازنا لها (2)» .

ونحن نقف قليلا عند هؤلاء المترجمين بتلك المؤسسة الكبيرة، وأولهم الحجاج ابن مطر وقد اشتهر بتحريره لكتاب الأصول فى الهندسة لأوقليدس (3) وكتاب المجسطى لبطليموس (4). وأما يحيى بن البطريق فكان يجيد اللاتينية واليونانية جميعا وقد ترجم لأفلاطون قصة طيماوس وترجم لأرسططاليس مختصرا فى النفس وكتبه فى الآثار العلوية وفى الحيوان وفى العالم (5) وكتاب أرسطو إلى الإسكندر المعروف باسم سر الأسرار، وهو مما نحل على أرسطو ويشتمل على مزيج من القصص وبعض القواعد فى السياسة وفى الصحة والتغذية، وترجم أيضا كتاب الترياق لجالينوس (6).

وقد مضى التعريف بيوحنا بن ماسويه، أما سلم وسهل بن هرون فلم يكونا ممن ينقلون عن اليونانية، إنما كانا ممن يراجعان النقل عنها وينقّحان فيه، وهما من أنبه المترجمين عن الفارسية كما أسلفنا. وممن أخذ اسمه يلمع منذ عهد المأمون فى الترجمة حنين بن إسحق، وكان دقيقا فى ترجمته حتى قالوا إن المأمون رسم له أن يأخذ وزن ما يترجمه ذهبا وقد عاش إلى سنة 264 ومكانه لذلك كتاب العصر العباسى الثانى.

ومن كبار المترجمين سوى من سميناهم عبد المسيح بن عبد الله بن ناعمة الحمصى المتوفى حول سنة 220 للهجرة وقد اشتهر بترجمته لكتاب الأغاليط لأرسططاليس وشرح يحيى النحوى (يوحنا فيلوبونوس) على كتاب السماع الطبيعى له أيضا،

(1) الفهرست ص 339.

(2)

سرح العيون لابن نباته (طبع مطبعة الموسوعات بالقاهرة) ص 166.

(3)

يقول ابن النديم ص 371: نقل هذا الكتاب نقلين يعرف أحدهما بالهارونى نسبة إلى هرون الرشيد والثانى بالمأمونى نسبة إلى المأمون، انظر ابن أبى أصيبعة ص 172 والحيوان للجاحظ 1/ 80 والقفطى ص 64.

(4)

علوم اليونان لأوليرى ص 215.

(5)

تاريخ الفلسفة فى الإسلام لدى بور (نشر لجنة التأليف والترجمة والنشر) ص 22.

(6)

ابن جلجل ص 67 وأوليرى ص 217. والعلم عند العرب لألدومييلى (نشر الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية) ص 127 وما بعدها.

ص: 114

وترجم كتابا نسب إليه خطأ وهو كتاب الربوبية أو أوثولوجيا أرسطو، وهو تلخيص مقتبس من تاسوعات أفلاطون الإسكندرى المتوفى سنة 270 للميلاد ومن أجل ذلك يفيض الكتاب بنزعة أفلاطونية محدثة قوية (1).

وقد جعل المأمون الإشراف على مرصده الكبير ليحيى بن أبى منصور وألحق به طائفة من نابهى الفلكيين (2) مثل على بن عيسى الإسطرلابى ومحمد بن موسى الخوارزمى والعباس بن سعيد الجوهرى. ولم يلبث هذا المرصد أن تحول إلى مدرسة رياضية فلكية كبيرة تخرج فيها غير فلكى مثل بنى موسى بن شاكر. وقد أفادت هذه المدرسة من الأبحاث الفلكية الرياضية والجغرافية التى سبقها إليها الهنود والفرس واليونان، وأضافت إلى ذلك إضافات جديدة باهرة، إذ وضعت لحركات الأفلاك زيجات وجداول أكثر دقة مما كان لدى الأقدمين وأدخلت تحسينات على خريطة بطليموس، واستطاعت أن تقيس درجتين من درجات محيط الأرض على أساس كرويتها، إلى مباحث فلكية وجغرافية ورياضية كثيرة (3).

ومحمد بن موسى الخوارزمى هو أكبر العلماء الرياضيين والفلكيين الذين قاموا على أبحاث هذا المرصد، وهو يعدّ بحق منشئ عصر جديد فى التاريخ العالمى للرياضيات إذ اكتشف علم الجبر وقواعده وأعطاه اسمه للذى شاع من بعده فى العالم كله، وقد أضاف إليه أبحاثا مبتكرة فى أرقام الحساب الهندية وفى حساب المثلثات وفى الجغرافية وفى الأزياج أو الجداول الفلكية، يقول ألدومييلى: «وله فى هذا المجال أعظم تأثير، أولا فى الشعوب الإسلامية ثم بعد ذلك فى الشعوب الغربية المسيحية، وحسابه المفقود نصه العربى مع وجود ترجمة لاتينية له من القرن الثانى عشر الميلادى كان له أعظم الفضل فى تعريف العرب واللاتين من بعدهم بنظام العدد الهندى، وكتابه المشهور المختصر فى حساب الجبر والمقابلة لم يؤدّ فقط إلى وضع لفظ علم الجبر وإعطائه مدلوله الحالى، بل إنه افتتح عصرا جديدا فى الرياضيات. . وألف أيضا كتبا فى الهندسة، ووضع جداول خاصة بحساب

(1) انظر دى بور ص 22 وعلوم اليونان لأوليرى ص 217.

(2)

راجع فى الفلكيين لعهد المأمون الفهرست ص 383.

(3)

انظر فى بحوث هؤلاء الفلكيين ألدومييلى ص 148 وأوليرى ص 223.

ص: 115

المثلثات والسطوح الفلكية (1)».

وقد نشر على مصطفى مشرفه ومحمد موسى أحمد كتابه «الجبر والمقابله» وهو يذكر فى مقدمته تشجيع المأمون له منوّها به. ويظهر أنه نجح فى صنع الجداول الفلكية نجاحا رائعا، ويقول نالينو إنه «اصطنع زيجا سماه السند هند الصغير جمع فيه بين مذاهب الهند والفرس، وجعل أساسه على السند هند، وخالفه فى التعاديل والميل، فجعل تعاديله على مذاهب الفرس وجعل ميل الشمس فيه على مذهب بطليموس (2)» .

والخوارزمى-بدون ريب-يفتتح افتتاحا رائعا سلسلة الرياضيين والفلكيين والجغرافيين من علماء العرب العظام. وقد نبغ فى هذا العصر كثيرون فى الطب وعلم العقاقير على نحو ما تشهد بذلك كتب طبقات الأطباء وما تزخر به من سيول الرسائل والكتب فى الأمراض وطرق علاجها والعقاقير وتركيبها. وقد استطاع يوحنا ابن ماسويه-بما كان يعكف عليه من تشريح القردة (3) -أن يضيف بعض النتائج الجديدة إلى ما خلّفه جالينوس فى علم التشريح، وله فى طب العيون رسالة مهمة سماها «دغل العين» وقد دوّت شهرتها فى عصره وبعد عصره وترجمت إلى اللاتينية (4).

وقد مضى العرب يعنون-منذ خالد بن يزيد بن معاوية-بعلم الصنعة (الكيمياء) وظلوا يزدادون فيه علما حتى ظهر لهذا العصر جابر بن حيان، وهو ابن صيدلى كوفى، فأرسى هذا العلم على دعائم التجربة وخلّف فيه كثيرا من النظريات فى الإكسير وخواصّه، وصوّر ذلك فى أكثر من مائة رسالة، ترجمت منها طائفة كبيرة إلى اللاتينية وأفاد منها الأوربيون فوائد جلّى مما كان له أكبر الأثر فى نهضة الأبحاث الكيميائية بديارهم. وقد تشكك فى شخصية جابر ومصنفاته بعض الباحثين المحدثين (5)، وهو شك بدأه بعض القدماء حتى لنرى ابن النديم يرد عليهم ردّا طويلا (6)، وهو-دون نزاع-المؤسس الأول لعلم الكيمياء عند

(1) الدومييلى ص 154 وقارن بصفحة 148.

(2)

نالينو ص 175.

(3)

ابن أبى أصيبعة ص 128 - 129.

(4)

علوم اليونان لأوليرى ص 224.

(5)

انظر كتاب جابر بن حيان لزكى نجيب محمود فى سلسلة أعلام العرب ص 19 وألدومييلى ص 99 ومادة جابر فى دائرة المعارف الإسلامية.

(6)

الفهرست ص 499.

ص: 116

العرب، كما أن الخوارزمى المؤسس الأول للعلوم الرياضية والجغرافية، وكما أن يوحنا بن ماسويه المؤسس الأول للأبحاث الطبية العربية.

وكان مما عنوا بنقله إلى العربية كتب الموسيقى لأوقليدس وغيره (1)، وكان لها تأثير بعيد فى نهضة الغناء والتلحين وقد استطاع الخليل بن أحمد أن ينفذ مما ترجم منها إلى وضع علم العروض العربى، وأيضا فإنه ألف كتابا بديعا فى علم الإيقاع اتخذه إسحق الموصلى قدوته فى كتبه الموسيقية (2).

وكل هذه السينول من الترجمة كانت تجرى معها سيول أخرى من تراث اليونان والفرس والهند، حتى ليكاد الإنسان يظن أنه لم يبق شئ من هذا التراث لم ينقل إلى العربية، سواء منه ما اتصل بالعلوم أو ما اتصل بالصناعات أو ما اتصل بالعجائب والأسمار والخرافات، أو ما اتصل بالملل والنحل. وكانت كل هذه السيول تتجمع فى دكاكين الوراقين، ويطلب كلّ منها ما يجد فيه متاعه.

وكانت الفلسفة اليونانية والمعارف العلمية أعظم ما حملت هذه السيول، وقد مضى العقل العربى يسيغهما ويتمثلهما ويضيف إليهما إضافات باهرة، والمتكلمون -وعلى رأسهم المعتزلة-هم أهم من تعمقوا الفلسفة بجميع شعبها ودقائقها، وقد عرضوها على بساط البحث، واستطاعوا أن ينفذوا إلى كثير من النظريات والأفكار والآراء التى لم يسبقهم إليها سابق.

وعلى هذا النحو أصبح العقل العربى فى العصر العباسى الأول عقلا متفلسفا كما أصبح عقلا علميّا، لا من حيث فهمه وفقهه بعلوم الأوائل بل أيضا من حيث إسهامه فيها وإضافاته الجديدة حتى ليضيف علوما لأول مرة فى تاريخ الحضارة الإنسانية على نحو ما أضاف الخوارزمى علم الجبر. وكان هذا العقل قد أظهر نضجه العلمى وإحكامه لوضع العلوم منذ القرن الثانى، مما نراه متجليا فى العلوم اللغوية والدينية ومباحث التاريخ وعلم الكلام.

(1) الفهرست ص 372 والأغانى (طبعة دار الكتب) 5/ 271.

(2)

إنباه الرواة 1/ 343 ومعجم الأدباء 11/ 73 والمزهر (طبعة الحلبى) 1/ 81.

ص: 117