الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كَمَا أبْرَقَتْ؛ -أي: صَارت داتَ بَرْقٍ- قَوْمًا عِطَاشًا غَمَامةٌ فلمَّا رأوها أقْشَعَتْ؛ -انْكَشَفت. وقشَعتُه: كَشَفْتُه وهو مثل: أكبَّ، وكبّ؛ لزُومًا وتعدِّيًا -وتَجَلَّت؛ أي: ظهرت (1). لكَثْرةِ التباسِ الوَصْفِ الحَقِيقيِّ بالاعْتِباريّ، وانْتزاعه من أَمْرين -مثلًا- مع وجوب الانْتزاع من أكثر؛ فتنْزع الوَصْفَ؛ الذي هو وجهُ التَّمثيل، مما لا يتمُّ المرادُ به؛ كالمصراع الأوّل، فتَقع عن غَرضِ الشَّاعر بمَعْزلٍ؛ لوجُوبِ (2) انْتزاع وجهِ الشَّبهِ من مَجْموع البيتِ؛ وهو وصْلُ الابتداءِ المُطْمع بالانْتهاءِ المؤيسِ؛ لا الإطماع فقط.
النَّوعُ الرَّابعُ: في حالِ التَّشبيهِ
؛ من كونهِ قَريبًا أَوْ غَريبًا، مَقْبولًا أَوْ مَرْدُودا.
مُقدِّماتٌ لا بدَّ مِن ذِكْرِها لتُرْشدك (3) إلى كَيْفِيَّةِ سُلوكِ الطريقِ هُنَالك (4):
(1) في ب وردت العبارة المتقدّمة هكذا:
"كَمَا أبْرقَت عِطَاشًا غَمَامةٌ
…
فَلَمَّا رأوها أقشعت وتَجَلَّت.
أبْرقت، أي صارت ذا برقٍ. وأقْشَعت: انكشفت، وقشعته: كشفته، وهو مثل: أكبّ وكبّ لزومًا وتعدّيًا. وتجلّت: أي ظهرت".
(2)
في ب: "الوجوب" وهو تحريف بالزيادة.
(3)
في أ: "فترشدك".
(4)
في أ: "هناك".
الأُوْلى: إِدراكُ الشَّيءِ مُجْمَلًا، كإدراكِ الإنسانِ من حيثُ إنَّه: شيءٌ، أَوْ جسمٌ أسهلُ من إدراكه مُفَصّلًا، كإداركه من حيثُ إِنَّه: جسمٌ نامٍ حسَّاسٌ مُتحرِّكٌ بالإرادةِ ناطقٌ.
الثَّانية: المتكرِّرُ على الحسِّ الحاضِرُ صورَتُه مرّةً بعد أُخرى، كحضورِ صُورةِ القَمر غير مُنْخَسفٍ. أقربُ حُضُورًا من شيءٍ يقل حضورُه (1) على الحسِّ، كحضورِ صورته مُنْخَسِفًا.
الثالثُ: الشَّيءُ مع ما يُنَاسبُه (2) أقربُ حُضُورًا منه مع ما لا يُناسبه، كالحمَّامِ والسَّطل دُونَ السَّخْلِ (3)، فإن الحمَّامَ معَ السَّطلِ أقربُ حُضُورًا منه مع السَّخْلِ.
الرّابعةُ: اسْتِحضارُ الواحدِ أيسرُ من اسْتِحضارِ غيرِ الواحدِ، كاسْتحضارِ القَمرِ في الذِّهنِ؛ فإِنَّه أيسرُ من اسْتِحضاره والمشترِي على تَثْلِيثه، والمرِّيخ على مُقابلته.
الخامسة: ميلُ النَّفْسِ إلى الحسِّيَّاتِ أتمُّ من مَيْلها إلى العَقْليَّات، بناءً على أنَّها -أي: الحسِّيَّات- مجعُولةٌ لها (4)، أي: للنَّفسِ (5)، بالتَّجريدِ
(1) في أ، ب:"وروده"؛ وهما بمعنى.
(2)
هكذا في ف -أيضًا-. وفي أ، ب:"مع مناسبه".
(3)
السَّخْلُ: ولدُ الشَّاةِ من المعزِ والضأن؛ ذكرًا أَوْ أنثى. اللِّسان: (سخل): (11/ 332).
(4)
هكذا -أيضًا- وردت "لها" في ف. ولم ترد في أ.
(5)
في الأَصل: "النَّفس" والصَّواب من: أ، ب.
بسببِ تَجْريدِها إِيَّاها، أي: حذفها التَّعيّناتِ والتَّشَخّصاتِ الخارجيّةِ عن الحسِّيَّاتِ؛ فلها زيادةُ تعلُّقٍ بها، هذا على مذهب مَنْ يقولُ: النَّفسُ لا تُدْرِك الجُزْئيّات؛ بل المشتركَ المنتزعَ عنها التَّشَخُّصات (1).
ولوَ قُلْنا: بأَن مُدْرِكَ الكُلِّيَّات وَالجُزئيّاتِ هو النَّفسُ -كما هو مذهبُ الحكيم-؛ لكنَّها تُدْرِكُ الكليَّات بذاتها، وهي المُسَمَّاةُ بالعقلِيَّات، والجزئيَّاتِ بالآلاتِ، أي: بواسطةِ الحواسِّ؛ وهي المسمَّاةُ: بالحسِّيَّاتِ، لَمَّا كان مَيْلُها إلى إحداهما أتم منه إلى الأخرى؛ ولهذا قال: "ميلُ النّفسِ إلى الحسِّيَّات أتمّ بناءً على أنَّها
…
" إلى آخره.
ولإِلْفِها، عطفٌ على قوله "بناءً"، أي: مَيْلُها إليها أتمُّ لزيادةِ إِلْفِها (2)، أَيْ (3): إِلف النَّفسِ بها، بالحسِّيّاتِ؛ لكثرةِ وُرُودها، أي: الحسِّيَّات بِحَسَبِ جِنْسها عليها (4)، لاختلافِ الطُّرق، طُرُقِ الوُرُود، أَعْني: الحواسَّ المُختلفةَ المؤدِّية لها، بخلافِ العقليّاتِ؛ فإن طريقها واحدٌ.
السادسةُ: النفسُ لما تعرفُ أَقْبلُ مِنها لما لا تعرف، لمحبَّةِ النَّفسِ العِلْم طبعًا؛ ولهذا أكثرَ النُّاسِ يُقبلون على استماع الحكاياتِ، ولا
(1) يعني بذلك السَّكاكيَّ؛ حيث قال (المفتاح: 350): "وأَعْنِي بالحِسِّيَّات ما تجرده منها بناءً على امتناع النَّفسِ من إِداركِ الجُزْئيَّات".
(2)
كلمة: "إلفها" ساقطة من ب.
(3)
في الأَصل: "إلى" ولا يستقيم به السّياق. والصَّواب ما أَثبتّه، وعليه لفظ مفتاح المفتاح. والحرف ساقطة من أ، ب.
(4)
أي: على النّفس.
يُقبلون على المسائلِ العويصةِ (1). وقد سقطت (2) هذه المقدِّمةُ في بعضِ النّسخ عن القَلَمِ.
السابعةُ: الجديدُ أحبُّ إلى النَّفسِ وألذُّ لديها من المُعَاد؛ لاستكراهِ النَّفس التّكرار بالذاتِ؛ كما قيل (3): (أَكْره من مُعَاد) واسْتِحبابه الجِدَّة، كما قيل (4):(لكلِّ جديد لذةٌ).
وههنا نظرٌ؛ كَمَا قَال السَّكاكيُّ (5): "التَّوفيقُ بين حكم الإلف وبينَ [حكم] (6) التّكرارِ أحوَجُ شيءٍ إلى التَّأمُّل"، فإن الإلف بالتّكرارِ يَحْصُلُ فكيف يَتَنافَى حُكْمُهمما؟!؛ أي: حكمُ الإلف والتّكرارِ، حتَّى يكونَ
(1) قول الشّارح: "ولهذا
…
العويصة" استدلالٌ سبقَ إليه الشِّيرازي (مفتاح المفتاح: 895) وهو -في نظري- يفتقد الدقة الَّتي تجعله صادقا على المستدلّ له؛ فإقبال الناس على استماع الحكايات والقصص ليس بدافع العلم المبنيّ على المعرفة في الدّرجة الأولى -كما هو ظاهر كلام الشّارح- وإنما لدَوافع أُخرى مردُّها إشباعُ الروح وإمتاعُ النفس. ولو يكن الأمر كذلك؛ لاستوى إقبالهم على الحكايات مع إقبالهم على المسائل العويصة؛ بناءً على أنّ العلم متحقّق لكليهما.
(2)
في أ، ب:"سقط".
(3)
لم أعثر عليه فما وقفت عليه من كتب الأمثال. وأشار الشيرازي إلى أنَّه مثلُ. ينظر: مفتاح المفتاح: (895).
(4)
سبق تخريجُه ص (648) قسم التّحقيق.
(5)
هكذا في أ، ب. وفي الأصل زيادة:"في" وبها يضطرب السِّياق. والقول في المفتاح: (350).
(6)
ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل. ومثبت من أ، ب، مصدر القول.
المأَلوفُ غيرَ مُسْتكره، والمكرَّرُ مُسْتَكرَهًا؛ بل يجبُ على هذا أن يكون المألوفُ أكرهَ شيءٍ عند النَّفس!.
والمصنّفُ ينقلُ كلامَ السَّكاكيَّ، وإلَّا (1) فالحقُّ عنده على طرفِ التَّمامِ؛ وهو: أن كل تَكْرارِ لا يورثُ الكراهة؛ بل الذي يُورثُها تكرارُ شيءٍ منه بدٌّ؛ وهو مُنافٍ للإِلف؛ وأمَّا تكرارُ شيء لا بدَّ منه؛ كتكرارِ الشَّبه الضُّروريّة (2) عند الطيبِ؛ فهو غيرُ مُنافٍ للإِلفِ؛ بل موجبٌ لهُ (3).
فالحاصلُ: أن الجديدَ ألذُّ من المعاد الغيرِ المألوف.
ثم قربُ التَّشْبيه، وسقوطُه عن درجةِ الاعتبارِ؛ لوحدةِ الجهةِ؛ أي: جهة التَّشبيه بأن يكونَ أمرًا واحدًا؛ كالسَّوادِ في نحو: (زِنجيٌّ كالفَحْمِ)، أَوْ (4) لتَجانُسِ الطرفين وقُرب المناسبة بَيْنهما؛ نحْو: تشبيه عنَبة كبيرة سودَاء بأنَّها (5)؛ كإجَّاصَة (6)، أَوْ كونه؛ أَي: المشتبه أَكْثريُّ الحضورِ لجهةٍ من الجهاتِ؛ كتكرُّرِه على الحسِّ، أَوْ غيره؛ كالبَدْرِ [في] (7) نحو:(وجهٌ كالبدرِ).
(1)"وإلّا" ساقطة من ب.
(2)
في أ، ب: زيادة: "المشهورة"، والسّياق تام بدونها.
(3)
وعليه قول الشّاعر:
أعد ذكرَ نُعمان لنَا إن ذِكْرَهُ
…
هُوَ المِسْكُ ما كَرَّرْتَه يَتَضوَّعُ
(4)
هكذا -أيْضًا- بالعطف بـ "أوْ" في ف. وفي أبالعطف بالواو.
(5)
في أ، ب:"بأنَّه".
(6)
الإجّاصة: ثمرة لنبات من الفصيلة القرنفليّة.
(7)
ما بين المعقوفين ساقط من الأصل. ومثبت من أ، ب.
وبُعدُه؛ أي: بُعدُ التَّشبيه وعدمُ سُقُوطِه؛ أي: غرابتُه وحُسنه.
بحلافه؛ أي: ما ذكرنا في قُرْبه بأَنْ لا يكونَ واحدًا بل كثيرًا (1)؛ إِمَّا في حُكمِ الواحدِ أَوْ لا، أَوْ (2) لا يكونُ المشبّهُ به مُجَانسًا ومُشَابِهًا للمُشَبّهِ (3)، أَوْ لا يَكُون كثيرَ الحضورِ مَشْهورًا؛ كقوله (4):
نَارِنجُها بين الغُصُون كأَنَّها
…
شُمُوسُ عَقيقٍ (5) في سَمَاءِ زَبَرْجدِ
فإنّه شبَّه النَّارنجَ -في الهيئةِ الحاصلةِ من اجْتَماع صورٍ حُمْرٍ وخُضْرٍ- بشُمُوسِ عقيقٍ في حماءِ زَبَرْجَدٍ؛ وهي لَيْست مُجَانسةً ولا قريبةَ المناسبة للمشبَّهِ، مع أَنَّها نادرةُ الحضور؛ ولهذا جاء تَشْبيهًا نادرًا في غايةِ الحُسنِ والبُعدِ.
وكُلَّما كان التَّركيبُ، أي: في وجه الشَّبهِ أكثرَ فهو؛ أي: التَّشبيه (6) أَغْرب؛ كما أَنَّه إذا كان المُشَبّهُ به أَبعد من التَّجانُسِ والتَّناسبِ
(1) كما مرَّ؛ من تشبيه سِقط النَّار بعين الدِّيك، وتشبيه الثُّريّا بعنقود الكرم المنوّر.
(2)
في أ: بالعطف بالواو بدلًا من "أو".
(3)
في أ: تقدّم الشبّه على المشبّه به. والأَوْلَى ما ورد في الأَصل لسبق تعيين الشبّه به.
(4)
البيت من الطويل، وقائله ابن رشيق القيروانِيّ، وهو في ديوانه:(60) برواية: "كأنّه نجوم".
(5)
العقيق: خرز أحمر يُتَّخذ منه الفصوص. اللِّسان: (عقق): (10/ 260).
وقوله: "شموس عقيق" من التَّشبيه البليغ لا من الاستعارة للتَّصريح بالطرّفين. وكذا ما بعده؛ وهو قوله: "سماء زبرجد".
(6)
في أ: "الشَّبه".
أَوْ أَنْدرَ في الحُضُورِ في الذِّهْن (1) كان أغرب، فتأَمل قوله -تعالى-:{إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (2)؛ "أي: حالها العَجِيبة، في سُرْعة تَقَضِّيها، وانقراضِ نعيمها (3) بعد إِقْبالها واغْترارِ النَّاسِ بها. {كَمَاءٍ} ليس لفظُ (4) الماءِ المشبَّه بهِ، وإِنْ وَلِيَه حرفُ التّشبيه، لأَنَّه من التَّشْبيه المُرَكب؛ وإِنَّما المُشَبَّهُ به مَضْمُونُ الحكايةِ، وهو زَوالُ خُضرةِ النَّباتِ فجأة، وذهابُه حُطَامًا بَعْدما كان غَضًّا والْتَفّ وزيَّنَ الأرض بخُضْرَته، حتَّى طَمِع فيه أهلُه، وظنُّوا (5) أنَّه سَلمَ من الجَوائِح"(6).
- تَعْرِف حُسنه لِمَا ذَكَرْنَا.
(1) في الأَصل: "الذين". والصواب من: أ، ب، مفتاح المفتاح.
(2)
سورة يونس؛ من الآية: 24.
(3)
في أ: "نعمها".
(4)
في أ: "لفظة".
(5)
في ب: "فظنوا"، والمعنى واحد.
(6)
مفتاح المفتاح: (899).
(7)
سورة يونس، من الآية:24. وتمام الآية: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
وتأمَّل قوله -تعالى- (1): {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ} (2) الآية؛ فإن وجهَ الشّبهِ (3) بين المُنَافقين وبين ذوي الصَّيِّب؛ هو (4) أنهم في المقامِ المُطْمع في حصولِ الْمطَالبِ لا يَحْظونَ إلا بضدِّ المطموع فيه؛ من مجرّد مُقَاساةِ الأَهْوال؛ حتَّى تَرَى أنَّه لتَركيب فيه وقع تشبيهًا حَسنًا.
وقبوله؛ أي: التَّشبيه بأَن يكونَ وجهُ الشبه -كمَا مَرَّ- (5)؛ حيث قال: حقُّ وجه التَّشْبيه أن يشملَ (6) الطرفين صحِيحًا؛ أي: يَكُونُ شاملًا للطرفين مُتناولًا لهما. مُعْطيًا للغرضِ؛ أَيْ: لغرضِ التَّشبيهِ كَمْلًا؛ أي: تَمَامًا (7)؛ والمرادُ: أَن يكونَ وجهُ الشّبهِ (8) كاملًا في تحصيل ما عُلِّق به من الغرضِ (9)؛ من بيانِ حالِ المُشَبَّه، أَوْ بيانِ مِقْدارِ
(1) هكذا -أيضًا- وردت جملة "قوله تعالى" في ف. وفي أوردت الجملة كُلها ضمن كلام الشَّارح.
(2)
سورة البقرة، من الآية:19. والصَّيِّبُ: المطرُ. تفسير الطبري: (1/ 334).
(3)
في أ: "التشبيه".
(4)
في ب: "وهو" وهو تحريف بالزيادة.
(5)
ينظر ص: (644)، قسم التحقيق.
(6)
في أ: "يشتمل".
(7)
في الأصل: "عامًا" والصَّواب من أ، ب.
(8)
في أ: "التشبيه".
(9)
في الأَصل زيادة: "أي: كاملًا" وإثباتها تكرار لا داعي له.
حاله، أَوْ إِمْكانِ وجُوده، إلى غيرِ ذلك. غيرَ مُبْتذلٍ؛ أي: غيرَ مُمْتَهنٍ مشهورٍ مُتداولٍ يَسْتَعْملُه الجُمْهورُ (1)؛ بلْ يكونُ خاصًّا مُسْتَعمَلًا للخواصِّ. ورَدُّه بِخلافِه بأن لا يكون صحيحًا، أَوْ لا يكون مُعْطيًا (2)، أَوْ لا يكون غيرَ مُبْتذَلٍ (3).
وإذا عرفتَ أسبابَ القبُول عرفتَ أَسْبابَ الرَّدّ؛ لِتُقابل أَسْبابهما، واستعلام أَسْبابِ أحدهما من أسبابِ الآخر.
النّوعُ الخامسُ: في صيغةِ (4) التَّشبيه، وأداوتِه؛ وهي: مثل: (كأَنَّ) و (الكاف)، و (المثل). ولا يجبُ ذكرُ صيغته صريحًا؛ بل قد يُصَرحُ بالتَّشبيه بأَن تُذكر أداتُه، وقد لا يُصَرَّحُ بأَنْ لا تُذْكرَ؛ نحو:(زيدٌ أَسدٌ)(5)، ويتعيّنُ المرادُ وهو أوَل تَشْبيه؛ لامتناع الحَمْل؛ حمل الأسدِ على زيد؛ لأَن زيدًا ليس بعينه هُو الأسدُ؛ فَيَلزم المصيرُ إلى أَنَّه تشبيهٌ بحذفِ كَلِمتِه، وفيه (6) مبالغة؛ لأنَّه لَمَّا حَذَف (7) كلمةَ التَّشبيهِ فكأنه ادّعى أنَّه
(1) كما في تشبيه الشَّعْر الأَسْود بالليل -مثلًا-.
(2)
جملة: "أَوْ لا يكون مُعْطيًا" تكرَّرت في ب.
(3)
في أوردت العبارة هكذا: "بأَنْ لا يكون صحيحًا أوْ مُعْطيًا أوْ غير مبتذل".
(4)
صيغة التّشبيه: هي ما يتوصَّلُ بها إلى وصف الشبّه بالشبّه به. وإنّما قال: (صيغة) لأنها قد تكون حرفًا نحو (كأن)، وفعلًا نحو:(يشْبه) واسما نحو: (مثل).
(5)
كلمة: "أسد" ساقطة من الأَصل. ومثبتة من أ، ب، ف.
(6)
أي: في: (زيد أسد).
(7)
في الأَصل: "حُذفت" بالبناء للمجهول، ولا يناسبه ما بعده من إجراء الكلام على =
نفسُ حقيقةِ الأَسد ومن جِنْسه.
وقد يتركُ (1) المشبّهُ لفظًا مُرادًا معنى (2)، إذ لَوْ لَمْ يُرد معنًى ولم يكن منويًّا فيكون استعارة (3)، إذ لا معنى للاستعارة إلا ذلك. وهذا فيه [أي: في الموضع الّذي يُتْرك المشبهُ لفظًا ويُرادُ مَعنى] (4) دعوى التعيُّن (5) للتَّشبيهِ والإِخبارِ عنه بذلك، كما مر (6) أَن المُسْندَ إليه [يحذفُ](7) عند تعيّنه للخبر.
فقوله: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر} (8) تشبيهٌ لا استعارةٌ لذكرِ (9) الطرفين: الخيطِ، والفجر.
= الغيبة في قوله: "فكأنه ادّعى"، والمثبت من: أ، ب.
(1)
في أ: "ترك" وهو تحريف بالحذف.
(2)
ومثاله قولُ الشّاعر: "أسدٌ عليَّ وفي الحروبِ نعامة" فإنّه لا بدّ لصحّة الكلام من تقدير المبتدأ؛ أي: هو أسد.
(3)
كقولك: "رأيت أسدًا"؛ مُريدًا بالأَسدِ رجلًا شجاعًا.
(4)
ما بين المعقوفين عير موجود في الأَصل، ب،. ومثبت من أ. وبه يتضح المعنى.
(5)
في ب: "اليقين"؛ وفيه تحريف وتصحيف.
(6)
ينظر ص (294) قسم التّحقيق.
(7)
ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبتٌ من أ، ب.
(8)
سورة البقرة؛ من الآية: 187. ويلحظ أَن قوله {مِنَ الْفَجْرِ} استشهد به ضمن كلام المصنّف في أ. وليس كذلك في ف.
(9)
هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "ولذكر" بالعطف بالواو؛ ولا وجه له.
توضيحُه: أن الخيطَ الأَبيضَ وهو أَوّلُ ما يبدو من الفَجْرِ المُعْترضِ في الأُفق كالخيطِ الممدود، والخيطَ الأسودَ وهو ما يمتدُّ معه من غسق الليل -شُبّها بخَيْطين: أبيضَ، وأسودَ، وبُيِّنا بقوله {مِنَ الْفَجْرِ} ؛ والفَجْرُ -وإنْ كان بيانًا للخيط الأبيض- لكن لَمَّا كان بيانُ أحدهما بيانَ الآخر لدلالته عليه اكتفى به عنه، ولولا البيان لكانا من باب الاستعارةِ؛ كما أن قولك:(رأيتُ أسدًا) استعارةٌ؛ فإذا زدت (1) من فلان صار تشبيهًا. وأمّا أنَّه لِمَ زيد (من الفجر) حتَّى صار تشبيهًا وهلَّا اقتصر به على الاستعارةِ التي هي أبلغُ؛ فلأن شرطَ الاستعارةِ أن يدُلٌ عليه الحالُ، ولو لم يذكر من الفجرِ لم يُعلم أن الخيطين مُسْتعاران فَزيدَ (الفجر) وصَارَ (2) تَشْبيهًا.
وقد يُتركُ وجهُ التشبيه إذا عُلم بالقرائنِ؛ استغناءً (3) عن ذكرهِ، وفيه قُوَّةٌ ومبالغةٌ لإِفَادتِه (4) تعميم المُشَابهة (5).
(1) في ب: "أردتّ" وهو خطأٌ ظاهرٌ.
(2)
في أ: "فصار" وفي ب: "حتَّى صَار"؛ ولا اختلاف في المعنى.
(3)
هكذا -أيضًا- في ف، وفي ب:"استعارة" وهو خطأ ظاهر.
(4)
في ب: "لإفادة".
(5)
أي: بَين المشبه والمشبَّه به، حتى يكون المشبَّه كأنَّه المشبَّه به؛ بسبب اشتراكه في ما من شَأنه أَنْ يَشْترك فيه من الصِّفات. فقولك:"زيد كالبحر" -مثلًا- أقوى في المشابهة من قولك: "زيد كالبحر في العطاء"؛ لصدق الأَوَّل على كل ما يصحّ أن يكون التَّشبيه فيه من كَثْرة العطاءِ وكَثْرة ما هو سبب للحياة؛ من الماءِ والعلم =
والمراتبُ (1)، أي: مراتبُ التَّشبيه باعتبارِ المُشَبّه، وكلِمةِ التشبيهِ، ووجهِهِ، ذكرًا وتَرْكًا ثمانيةٌ لا يَخْفى حُكْمُها، من تَضُمُّنها المبالغة والقوَّة، وعدم تضمَّنها إِيّاهما، بما (2) ذكرناه، من أنَّ تركَ المشبّه فيه مبالغةٌ، لإفادته التَّعيين، وترك كلمة التَّشبيه، لأَنَّه الحكمُ على المشبَّه بأنه نفسُ المشبَّه به، وترك وجه التّشبيه، لأن فيه قوّةً لعمومِ وجهِ التَّشبيه (3).
أَمَّا انحصارُه في ثمانية، فلأنَّه لَمَّا امْتَنع حذفُ أَحدِ الأركانِ الأَربعة وهو المشبَّه به، فالمذكورُ إِمَّا كل الأربعة أَوْ لا.
الأَوَّل: قِسْمٌ (4).
والثاني: إمَّا أن يُذكر ثلاثةٌ أَوْ لا.
الأَوَّل: ثلاثةُ أَقسامٍ، لأن (5) مع الشبّه به إمّا المُشبَّه وكلمة التَّشبيه (6)، وإمّا المشبّه والوجه (7)، وإمّا الكلمة
= وكثرة الانْتفاع. بخلاف ما إِذا نصَّ على واحد منها.
(1)
هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "فالمراتب".
(2)
هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "لما".
(3)
عبارة: "لإفادته
…
وجه التَّشبيه" مثبتة من أ. وهي المناسبة لما ذكره المصنِّف قَبْل. وفي الأَصْل، ب، اضطرب السِّياق وجاء هكذا: "لأنَّه الحكمُ على المشبَّه بأنَّه المشبّه به، وترك كلمة التَّشبيه فيه لعموم وجه الشَّبه".
(4)
نحو: "زيد كالأسد في الشَّجاعة".
(5)
في الأَصْل زيادة: "يكون" والسِّياق تامٌّ بدونها.
(6)
نحو: "زيد كالأسد".
(7)
نحو: "زيد أسدٌ في الشّجاعة".
والوجه (1).
والثاني: إمَّا أن يُذكر اثنان، أَوْ لا.
الأَوَّل: ثلاثةٌ -أيضًا؛ لأَنَّ مع المشبَّه به إِمَّا المشبَّه (2)، وإِمَّا الكلمة (3)، وإمّا الوجه (4).
والثاني: قسمٌ واحدٌ (5).
وأمّا التَّفاوُتُ بحسبِ القوَّةِ والمبالغة وعدمه؛ فهو بحسب ذكرِ الوجهِ والكلمة وعدمِه، فمتى (6) ذُكِرا فلا قُوَّة له (7)، ومتى يُذْكَرَا فهو أَقْوي الكُلِّ (8). [ومتى تُرك أحدُهما ففيه نوعٌ من القوَّة، فعليك بالأمثلة وتَطْبيقها عليه](9).
(1) نحو: "كالأسد في الشّجاعة".
(2)
نحو: "زيد أسد".
(3)
نحو: "كالأسد".
(4)
نحو: "أسد في الشّجاعة".
(5)
نحو: "أسد".
(6)
في أ: "ومتى".
(7)
"لأَن القوَّة إما لعموم وجه الشّبه، أَوْ للحكم على المشبّه بأنَّه المشبَّه به مبالغةً، لا أنَّه مثله، وقد عريت هذه المرتبة عن كليهما؛ فلهذا خلت عن القوّة" مفتاح المفتاح (911).
(8)
"لاشتمالها على القوّتين: قوَّةِ الحكم على زيد بأنه أسدٌ، وقوّةِ عموم وجه الشّبه".
المصدر السابق (911).
(9)
ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبتٌ من: أ، ب.
تنبيهٌ:
قد يُعْتبرُ التشبيهُ في التَّضادِّ؛ لأنَّ الضِّدَّين مُتَشابهان؛ من حيثُ أن كل واحدٍ منهما ضدٌّ لصاحبه، فيُجعلُ التَّضادُّ وجْهًا تنْزيلًا له مَنْزلة المُشَابهة. يقال للجبانِ:"أسدٌ"، وللبخيلِ:"حاتم"، لتمليحٍ أَوْ تَهَكُّم؛ أي: استهزاء. وفي الكلام لفٌّ ونَشْرٌ (1)، والظاهر [أنَّه](2) على غير التَّرتيبِ (3).
والتَّمليحُ: أن يُشارَ في فَحْوى الكلامِ إلى مَثَلٍ سائرٍ، أَوْ شِعْرٍ نادرٍ، أَوْ قِصَّةٍ مشهورةٍ، على معنى أَنْ (4) يكون في الكلامِ ما يَنْتقلُ الذِّهنُ منه إلى شيء من ذلك، كقوله (5):
(1) اللفُّ والنَّشر -كما عرَّفه السَّكاكي - (المفتاح: 425): "أن تلفَّ بين شيئين في الذَّكر ثم تُتْبعهما كلامًا مشتملًا على متعلّق بواحد وبآخر من غير تعيين. ثقةً بأَن السَّامع يردّ كلَّا منهما إلى ما هو له. وسيأتي مَعَنَا -إنْ شاء الله تعالى- ص (798) قسم التحقيق.
(2)
ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل. ومثبت من أ، ب.
(3)
فيكون قوله: "للجبان أسد" مثال للتهكم، وقوله:"للبخيل حاتم" مثال للتّمليح. والذي يبدو لي أن كل واحد من المثالين صالح لأَنْ يكون مثالًا للتَّهكّم والتَّمليح، وإنما يُفَرّقُ بينهما بحسبِ المقام؛ فإنْ كان الغَرضُ مجرَّدَ الملاحة والظرافة من غير قصد إلى استهزاء وسخريةٍ؛ فتمليحٌ، وإلا؛ فتهكّم. وعلى هذا الرَّأي سعد الدّين التَّفتازاني. المطوّل (327).
(4)
هكذا في الأصْل. وفي أ، ب:"أنه".
(5)
البيتُ من البسيط، ولم أَعْثر على قائله. والبيت في العمدة:(311)، وحسن التوسّل:(62)، =
المُسْتَجِيرُ بعمرٍو عند كُرْبَتِه
…
كَالْمُسْتجيرِ مِن الرَّمْضَاءِ بالنَّارِ.
[وقيل: إنَّه بلفْظِ التَّلميح؛ بتقديم اللام على الميمِ. ولكل وجهة (1)](2).
= ونهاية الأرب: (7/ 127) برواية: "المستغيث
…
كالمستغيث
…
".
واستُشْهد به في نهاية الإيجاز: (288)، والإيضاح:(2/ 428)، وأشار إليه العبّاسيّ في المعاهد:(4/ 201) وساق قصّته.
(1)
فمن لحظ معنى "الملاحة" سمّاه: تمليحًا. ومن لحظ معنى: "الإلماح" سمّاه: إلماحًا. وعلى كلِّ تسميةٍ فريقٌ من العلماء. ينظر: معجم البلاغة العربية: (632، 659).
على أن صاحبَ المطوَّل أَنكر أَنْ تكون الإشارةُ في فحوى الكلام إلى قصةٍ أَوْ مثلٍ أوْ شعرٍ نادرٍ تمليحًا، وقال رادًّا على الشيرازي التسمية (المطوّل: 327): "وما وقع في شرح المفتاح من أَن التَّمليح هو: أنْ يُشار في فحوى الكلام إلى قِصَّةٍ أوْ مثلٍ أَوْ شعرٍ نادرٍ وإن قلنا "هو حاتم" مثال للتّمليح لا للتهكم فهو غلط؛ لأن ذلك إنّما هو التّلميح؛ بتقديم اللّام على الميم -كما سيجئ في علم البديع- وليس في قولنا "هو حاتم" إشارة إلى شيءٍ من قصَّةِ حاتمٍ".
(2)
ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، ب. ومثبتٌ من أ.