الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القانونُ الثاني (*): في الطّلبِ
قد سبقَ أن حقيقةَ الطلبِ حقيقةٌ معلومةٌ مستغنيةٌ عن التَّحديدِ (1)؛ فالكلامُ في مقدّمةٍ يَسْتدعيها المقامُ؛ من بيانِ ما لا بدَّ للطّلبِ منه، ومن تَنوُّعِه؛ والتَّنبيهِ على أبوابِه في الكلامِ (2). وكَيْفِيَّةِ توليدِها لِمَا سِوى أصلِها.
وهو لِمُتصوَّرٍ، أي: لمطلوبٍ مُتصوّرٍ، غيرِ حاصلٍ؛ في الخارج، حينئذ؛ حينَ الطلبِ.
أمَّا أنه لمطلوبٍ؛ فلأن الطّلبَ بدونِ المطلوب لا يُتَصَوَّرُ.
وأمّا أنه لمتصوّر؛ فلأن الطلبَ من غير تَصَوُّرٍ -إمّا إجمالِيّ كشيءٍ مَا، أو تفصيليّ بالنِّسبةِ إلى شيءٍ ما، كإنسانٍ (3) -لا يصحّ (4) وإلا يلزم منه طَلب المجهولِ المطلَق؛ وهو مُمتنع.
وأمّا أنه غيرُ حاصلٍ؛ فلامتناع تحصيلِ الحاصلِ وطلبِه عقلًا (5).
(*) من الفصلِ الأوَّل. في علم المعاني.
(1)
ينظر ص (246) قسم التحقيق.
(2)
عبارة: "والتنبيه
…
في الكلام" ساقطة من أ، ب. وهي موجودة في المفتاح:(302).
(3)
في الأصل، ب:"كالإنسان" بالتعريف. والصواب من أ، لبنائه على التنكير.
(4)
في الأصل: "لا يصلح" والمثبت من أ، ب.
(5)
وهذا - أي: ما تقدّم من بدايةِ قول المصنف-: "وهو لمتصوّر
…
" إلى نهاية كلام الشارح "
…
عقلًا" يُمثل المقدِّمة التي أشارَ إليها الشّارح في بداية حديثه عن الطّلب.
فإمّا أن لا يستدعي الإمكان (1)؛ أي: لا يَسْتدعي في مطلُوبِه إمكانَ الحصولِ؛ لا أنه يستدعي أن لا يمكن. والأَوَّلُ أعمُّ؛ لأنّه كُلّما صدقَ: (يستدعي أنْ لا يُمكن) صدق: (لا يَسْتدعي أن يُمكن) وإلّا لصدقَ (2): (يستدعي أن يُمكن)، فيجتمعُ النَّقيضان. وليسَ كلّما صدق (3):(لا يستدعي أن يُمكن) صدق: (يستدعي (4) أن لا يُمكن)؛ لأن الأَوَّلَ يحتملُ أن يُجامع الإمكانَ وعدمه؛ لاحتمالِه منهما، بخلافِ الثاني فإِنَّه لا يُجامعُ الإمكانَ لاستلزامه عَدَمه (5). وهو التَّمنِّي يقولُ:(ليتَ الشّبابَ يعُود) فيما لا يُمكن؛ لامتناع عودِ الشّبابِ. و (ليت لي مالًا أنفقه) فيما يمكن.
أو يَسْتدعيه؛ أي: إِمكان حُصولِ المطلوب.
(1) هذا شُروع في بيان أنواع الطلب.
(2)
في أ: "صدق" والمعنى واحد.
(3)
كلمة: "صدق" ساقطة من ب.
(4)
في الأصل زيادة: "أي: تقضيه" وظاهرٌ أنها مقحمة داخل السّياق.
(5)
يلحظ أن الشّارح رحمه الله استطرد في إيضاح عبارة المصنف المتقدّمة بما هو أقرب إلى الغموض والإلباس معتمدًا -في ذلك- على ما ذكره الشّيرازيّ في مفتاح المفتاح: (730)؛ إذ بنى حديثَه على كلمتين؛ زاوج بينهما ثمّ أدارهما نفيًا وإثباتًا؛ ليصل إلى مراده على طريقة شيخه السَّكاكي؛ رائد المدرسة البلاغية المنطقيّة. ولم يكن المعنى المنشود بالإيضاح بعيدًا لو فسّر جملة: "لا يستدعي الإمكان" بأنها تتناول الممكن والممتنع، وجملة "تستدعي عدم الإمكان" بأنها لا تتناول الممتنع.
وهو إمَّا للحصولِ في الخارج (1) فلإثباتِ؛ أي: فلحُصولِ إثباتِ أيَّ تَصورٍ؛ لأن التَّصديقَ لا يُطلَبُ كَونه في الخارج؛ لأن النِّسبةَ لا تكون خَارجيّة. أمرٍ؛ نحو (قُم)، أو نِداءٍ؛ نحو:(يا زيدُ)؛ فإنّك تطلُبُ بهذين الكلامين حُصُولَ قيامِ صاحبك، وإِقْباله عليك في الخَارج.
ولنفي؛ أي: لحصولِ نَفْي أيِّ تصوُّر في الخارج (2). نَهْي؛ نحو: (لا تتحرّك)؛ للمُتحرّك؛ فإنّك تطلُبُ به (3) انتفاءَ الحركةِ في الخارج.
أو في الذِّهنِ فاستفهام؛ أي: وإمّا للحُصولِ في الذِّهنِ؛ وهو الاستفهام.
وهو (4) إما لطلبِ حصولِ ثُبوتٍ أو نفي؛ للتَّصوّر (5) أو للتَّصديق (6)؛ فأقسامُه ستّةٌ: لأنَّ الطلب إمّا: لحصولِ ثبوتٍ متصوّرٍ (7)، أو انتفاءٍ مُتَصوَّرٍ؛ وكلاهُما إِمَّا: ذهنيٌّ أو خارجيٌّ، ثم في الذّهنيِّ يزيد قسمان
(1) أي: خارج ذهن الطّالب.
(2)
قوله: "أيّ تصوّر في الخارج" ساقط من أ.
(3)
"به" ساقطة من أ.
(4)
أي: الاستفهام.
(5)
في أ: "لتصور". والمراد به: طلبُ حصولِ صورةِ الشَّيء في الذِّهن من غير حكم عليه أصلًا.
(6)
في أ: "تصديق". والمراد به: طلبُ حصولِ الحكمِ بشيءٍ على شيءٍ في الذِّهن؛ إمّا إيجابًا أو سلبًا.
(7)
في ب: "متصورًا" وهو خطأ ظاهر. ويظهر أن النّاسخ نقل ألف همزة "أو" الواردة بعد الكلمة إليها.
آخران: حصولُ ثبوتِ تصديقٍ، وحصولُ (1) انتفاءِ تصديق.
قال الأستاذُ: ولعل مخالفةَ السَّكاكيِّ للقوم (2) فيما جعل التَّمَنِّي والنِّداء من الطلب، وهم جعلوهما من أقسامِ التَّنبيه- فرعٌ على أن عند المعتزلةِ (3) لا تغايرَ بين الإِرادةِ والطّلبِ (4)، وعندَ غيرهم مُتَغايران؛ فالتَّمنيِ عند غيره (5) الإرادةُ؛ وفيه تنبيهٌ على الطلبِ؛ لا أن الطلبَ مدلُوله وذاتِيَّه [وعنده الطّلبُ مدلوله وذاتيّته](6)؛ كالإرادة، وكذا في النِّداء.
فإنّ عند غيره (7): الطّلبُ فيه بالعرضِ؛ لأنه غرضٌ منه ومُرادٌ عنه، ويلزم منه عَقْلًا لا وضعًا؛ لأنه قيلَ: معنى (يا): "صوتٌ يَهتفُ به الرّجلُ".
قال [به](8) الزّمخشريُّ في الكشّافِ (9). ويلزمُ منه طلب الإقبالِ،
(1) هكذا في الأصل؛ بإثبات واو العطف. وفي أ، ب بحذفهما.
(2)
أي: الجمهور.
(3)
في ب: "للمعتزلة" بدلًا من: "عند المعتزلة" والسياق به مضطّرب.
(4)
حيث عرّفوا الإرادة بأنها: ميل للنفس يتبع اعتقاد النفع أوْ دفع الضّر. ولم يفرّقوا بين هذا الميل والطّلب؛ بناءً على معتقدهم الفاسد؛ إن الإرادة لا يشترط بها تحقّق أصلًا فقد يقع في ملك الله ما لا يريد؛ تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، وعليه فلا يقدح في التّمني ليلحق بالطلب عدم إمكان الحصول.
(5)
في الأصل: "عند غير" والصواب من أ، ب.
(6)
ما بين المعقوفين ساقط من الأصل وهو من انتقال النّظر، ومثبت من أ، ب؛ وبه يستقيم السِّياق، ويتضح المعنى.
(7)
في الأصل: "وقال غيره" والمثبت من: أ، ب وهو المناسب للسِّياق قبلَه.
(8)
ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ب. ومثبت من: أ. ولا بدّ منه لأن قولَ الزمخشري المنصوص عليه متقدم.
(9)
(1/ 121).