الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بصُورةِ فاعل حقيقيٍّ مع جواز الانفكاكِ عند السَّكاكيِّ.
تَنبيه:
وفَوائده مِمَّا زادَ على المفتاح.
وحاصِلُ التَّنبيهِ: بيانُ أن الاستعارة في الأَفعالِ والحُروفِ يُمكن بالأَصالة.
أَمَّا الفعل فيدلُّ على النِّسبةِ المحصَّلة؛ لأنَّها ذاتيّةٌ ويستدعي حدثًا وزمانًا في الأكثر، وإنْ كان قد يُعرّى عن الحدثِ؛ كالأفعال الوجوديّة المسمّاة بالأفعال النَّاقصة كـ (كان) وشقائقها، أو يعرَّى عن الزمان؛ كـ (نعم)، و (بئس)، و (بعت)(1)، و (عسى)؛ من أَفْعال المدح، والذمِّ، والمقاربة؛ إذا استحدِثَ به الحُكْم؛ أَيْ: إذا أنْشِئ به حكمٌ، ولم يكن المرادُ الإخبارَ.
والاسْتعارة متصوَرة في كل من الثلاثة: النِّسبة، والحدثِ، والزَّمانِ؛ ففي النِّسبة؛ كـ (هزمَ الأمير الجيش)؛ فإن لفظَ (هزَم) باق على زمانه الماضي، وعلى الحدث الذي هو الهزيمة؛ لكن تُصرِّفَ في نسبته إلى الأمير استعارة؛ لأن جند (2) الأمير هو الهازمُ لا هو نفسه.
وفي الزمان كـ (ونادى أصحَابُ الْجَنَّة} (3) فإن نادى مُجرى على حقيقته في الحدثِ والنِّسبة؛ لكن استعير في زمانه؛ لأَن النِّداء
(1) هكذا -أيضًا- في ف. والكلمة ساقطة من أ، ب.
(2)
في الأصل: "ضِدَّ" وهو تحريف بالنَّقص والقلب، والصَّواب من أ، ب.
(3)
سورة الأعراف، من الآية:44.
في يومِ القيامةِ.
وفي الحدث: {فَبَشّرهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (1)؛ فإِنَّه استعير (2) البشارة فيه للإِنْذارِ، وفي الآخرين باقٍ على أَصْله.
وأَمَّا الحروفُ (3) فـ (في) -مثلًا- وُضعت لكلِّ ظرفيّةٍ خاصّةٍ؛ كان كان الوضْع بأمرٍ عامٍّ؛ أي: باعتبار معنى عَامٍّ؛ كالظرفيّةِ المطلَقةِ عُقلَت الظرفيّةَ الخاصّة به؛ بذلك الأمر العامّ؛ وأَنها؛ أي: تلك الظّرفيّة الخاصَّة الّتي هي فردٌ من ذلك العامِّ لا تُتحصّلُ إلّا بذكر المتعلّق الذي لذلك الحرفِ؛ كـ (الدّار) للفظة (في)؛ لأنّ النَّسبة لا تتعيّن ولا تتحصّل (4) إلّا بالمنسوب إليه.
والحاصل: أن وضعَ الحرفِ عامٌّ، والموضوع له خاصٌّ، ولأنّه نسبة خاصّة لا تحصل إلّا بذكر المنسوب إليه؛ فإذا أُريدَ بها؛ بالظّرفيّة استعلاءٌ؛ كما في قوله -تعالى-:{وَلأصَلِّبَنكم فِي جُذُوع النَّخْلِ} (5) فإن المرادَ في الآيةِ الاستعلاءُ لا الظرفيّةُ. فقد نقل؛ أي: لفظ
(1) سورة آل عمران، من الآية:21. والتّوبة من الآية: 34. والانشقاق، من الآية:24.
(2)
في أ، زيادة:"في زمانه لأَن النِّداء في يوم القيامة إلى" وهذه الزّيادة من انتقال النّظر لسبق ورودها.
(3)
هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ: "الحرف".
(4)
في الأَصل زيادة: "ولا يتعيّن" ولا وجه لتكرارها.
(5)
سورة طه؛ من الآية: 71.
(في) عن الموضوع له؛ أي: الظّرفيّة إلى الاستعلاء. أَوْ نُقِل الموضوعُ له؛ وهو الظرّفيّة إلى الاستعلاء؛ بمعني أنه شَبَّه الاستعلاءَ بالظرفيّة؛ في شدّة تمكّن المصلوبِ على الجذع؛ تمكّن المظروف في الظرف مبالغةً، ثم تُرك المشبّهُ وذُكر المشبّهُ به استعارة.
وعلى الأَوَّل النّقل والتَّصرُّف في اللفظ؛ فهو مجازٌ.
وعلى الثاني- التَّصرّف في المعنى؛ لأنّه استعارةٌ مصرّحة تحقيقيَّةٌ كان الاستعلاء؛ أيضًا؛ موضوعٌ له على سبيل الادِّعاء-؛ فاللفظُ: حقيقيةٌ.
والمدخولُ عليه وهو جذوع النَّخل قرينةٌ للنَّقل على التَّقديرين؛ لتعذُّر الظرفيّة الحقيقيّةِ فيها؛ وكلُّ ذلك من التَّصرُّفات التي في الفعل أو في الحرف. بالأصالة؛ لا بالتَّبعيّةِ؛ وهذا هو المقصودُ من [هذا](1) التَّنبيه.
لَكنَّكَ بعد التَّحقيقِ لا تُشاح بصيغةِ فعل النَّهي، في التَّسمية إذْ لا مُشاحة في الاصطلاحاتِ.
وللأستاذِ (2) في بيان (3) اختلاف الوضع والموضوع له؛ عمومًا وخصوصًا؛ في شرحه المختصر [تحقيق](4)، قال (5): "وإن كنتَ تريدُ حقيقة الحالِ في ذلك فاعلم أوّلًا مقدِّمة؛ وهي: أن اللّفظَ قد يوضع
(1) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصْل. ومثبت من أ، ب.
(2)
في الأَصْل: "والأستاذ" والمثبت من أ، ب.
(3)
في أ: "شأن".
(4)
ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصْل. ومثبت من أ، ب.
(5)
أي: مختصر منتهى السّؤل والأمل: (1/ 187 - 189).
وضعًا عامًّا لأمور مخصوصةٍ؛ كسائرِ صيغ المشتقاتِ والمُبْهمات؛ فإن الواضعَ لَمَّا قال: صيغة فاعل من كلِّ مصدرٍ لمن قامَ به مدلوله، وصيغة مفعول منه (1) لمن وقع عليه- علم منه حالُ؛ نحو:(ضارب)، و (مضروب) من غيرِ التَّعرّض (2) بخُصُوصهما، وكَذَلك إذا قال:(هذا) لكلِّ مشارٍ إليه مخصوص، و (أنا) لكَلِّ متكلِّمٍ، و (الذي) لكلِّ معيَّن تحمله. وليس وضع (هذا) كوضع (رجل)؛ فإن الموضوع له فيه عامٌّ؛ وهذه وضعت باعتبارِ المعني العامِّ للخصوصيّاتِ التي تحته؛ حتَّى [إذا](3) استُعمِل (رجلٌ) في (زيدٍ) بخصوصه كانَ مجازًا، وإذا أُريد به العامّ المُطابق له كان حقيقة. بخلاف:(هذا)، و (أَنا)، و (الذي)؛ فإِنَّه إذا أُريدَ به الخصوصِيَّات كانت حقائق ولا يُراد بها العموم أصلًا؛ فلا يُقال:(هذا) والمرادُ أحدٌ (4) مما يُشارُ إليه، ولا (أنا) والمرادُ به متكلّمٌ ما.
وإذ قد (5) تحقّق ذلك؛ فنقول: الحرفُ وضع باعتبارِ معني عام وهو نوعٌ من النِّسبة كالابتداءِ والانتهاءِ لكلِّ ابتداء وانتهاءِ معني بخصوصه، والنِّسبة لا تتعيَّنُ إلّا بالمنسوب إليه؛ فالابتداءُ الذي للبصرة يتعيّن بالبصرة، والانتهاءُ الذي للكوفة يتعيّنُ بالكوفة؛ فما لم يُذْكر متعلّقه لا يُتَحصَّل
(1) في الأَصْل: "به"، والصَّواب من: أ، ب. والمراد صيغة (مفعول) من كل مصدر.
(2)
في ب: "التّعريض" وهو تحريف بالزيادة.
(3)
ما بين المعقوفين ساقط من الأصْل. ومثبت من أ، ب، مصدر القول.
(4)
في الأَصْل: "واحد". والمثبت من أ، ب، مصدر القول.
(5)
في الأَصْل: "يراد" ولا وجه له. والصَّواب من أ، ب، مصدر القول.
فردٌ من ذلك النَّوع هو مدلول الحرف لا في النّقل ولا في الخارج، وإنّما يُتحصّلُ بالمنسوبِ إليه، فيتعقّل بتعقّله، بخلافِ ما وُضع للنّوع بعينه؛ كالابتداءِ والانتهاء؛ بخلاف ما وضع لذاتٍ ما باعتبارِ نسبة، نحو:(ذو)، و (فوق)، و (عن)، و (على)، و (الكاف)؛ إذا أُريدَ به عُلوّ وتجاوز وشبه مُطلقًا؛ فهو كالابتداءِ والانتهاء".
الرَّابعُ: الحكمُ، التَّابعُ (1): للاستعارةِ، من وصفٍ؛ أو تَفْريع كلامٍ (2) أو غيره، إن ناسبَ المُشبَّه، أي: المُسْتعار له، لا المُشبَّه به والتَّشبيهِ (3) فمجرّدةٌ، أي: فتُسمَّى تلك الاسْتعارة مجرّدة، لتجرُّدها عمَّا يناسبُ المشبَّه به والتَّشبيه.
وإن ناسبَ (4) المشبّه به؛ أي: المستعار منه، فمرشّحة؛ أي: فتُسمَّى: استعارة مرشحة، لأن التَّرشِيح هو التَّربية، وإيرادُ ما يُناسب المُشَبَّه به تقويةً لأمر الاستعارةِ وتربيةً له.
وإن عُدم الحكمُ، وذَلك بأَن لا (5) يُقْرن به مَا يُنَاسب أحدهما؛ لا وصفًا (6)، ولا تفريعًا، ولا غَيْره. فَمُطْلقة؛ أي: فتُسمَّى: مطلقةً؛
(1) في الأَصْل: "الرّابع" وهو تحريف، والصَّواب من أ، ب.
(2)
كلمة: "كلام" ساقطة من ب.
(3)
في ب: "ولا التَّشبيه".
(4)
هكذا -أيضًا- في ف. وفي أ، ب:"أَوْ ناسب".
(5)
هكذا في الأَصْل. وفي أ، ب:"لم".
(6)
في أ: "لا وصفًا"، وفيه تحريف وتصحيف.
لعدمِ اقترانِ حكمٍ بها.
فـ (رأيتُ أسدًا) إطلاقٌ.
وقولك بَعْده: (شاكيَ السِّلاح)؛ أي: تامَّ (1) السلاح، أو ذا شوكةٍ في سلاحه، وهو مقلوب (شائك). (يجرُّ رُمْحه): تجريدٌ؛ لأن التَّسلُّح، وجر الرُّمح، مِمَّا يلائمُ المشبَّه.
و (حادّ المخالبِ)؛ المخلب: ظُفُرُ البُرْثُنِ، والبُرْثُنُ للسِّباع بمنْزلةِ الأَنامل [للإنسان] (2). (دامي البراثن): ترشيحٌ؛ لأن المخلبَ، والبُرْثُن؛ ممّا يُلائم المشبَّه به.
وقوله: (بعده) يُشعر بأن ذكرَ الحكم المناسبِ يجب أن يكون بعد ذكر الاستعارةِ؛ لكن لا يجبُ. فالمرادُ به ما هو المراد من قولِ السَّكاكيِّ: بالتَّعقيبِ، في قوله (3):"إنّما يلحقُها بالتَّجريد أو التَّرشيح إذا عقّبت بذلك".
وقال الشّارحُ (4): "المرادُ من التَّعقيب: الزيادةُ على معنى الاستعارةِ؛ سواءٌ كان المعقّبُ قبل الاستعارة أو بعدها، أو كان بعضُه قبل وبعضُه بعد".
(1) في الأَصْل، ب:"تمام". والصَّواب من أ.
(2)
ما بين المعقوفين ساقط من الأَصْل، ب. ومثبت من أ.
(3)
المفتاح: (385).
(4)
أي: الشّيرازيّ؛ شارح المفتاح. وقوله في مفتاح المفتاح: (1008) باختلاف يسير.
وقد يجتمعان [أي: التَّرشيح والتَّجريد](1) كما في قوله (2):
لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِّلاح مُقَذَّفٍ.
أي: كثير القذفِ لنفسِه إلى الوقائع، وهما صفتان للمستعار له.
لَهُ لِبَدٌ ..................
جمع لبدة؛ وهي الشَّعر المُتراكب بين كتفي الأسد.
.......... أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ
وهاتان للمستعار منه.
ومبنى التَّرشيح (3): تناسي التَّشْبيه، وصَرْفُ النَّفسِ عن توهُّمه؛ كما قال أبو تَمّامٍ (4):
(1) ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصْل، ب. ومثبت من أ.
(2)
البيتُ من الطويل. وقائله: زهير بن أبي سُلمى؛ قاله ضمن معلقته المشهور (أمن أمِّ أوفى دمنة لم تكلم)؛ مادحًا حصين بن ضمضم.
والبيت في ديوان الشاعر: (84)، والشعر والشّعراء:(1/ 158)، ونهاية الأرب:(7/ 54).
واستُشهد به في نهاية الإيجاز: (250)، المصباح:(137)، والإيضاح:(5/ 102)، والتبيان:(394).
وهو في المعاهد: (2/ 112).
(3)
في الأَصْل: "ومنه". وفي ب: "ومعني التّرشيح". والصَّواب من أ، ف.
(4)
هو أبو تمام؛ حبيب بن أوس بن الحارث الطائي. شاعر أَديب؛ وفي أخباره: أنه حفظ أربع عشرة ألف أرجوزة من أراجيز العرب غير القصائد والمقاطيع، له تصانيف؛ منها:"ديوان الحماسة"، "الوحشيَّات"، "ديوان شعر". توفي بعد أَنْ ولي بريد الموصل سنة 231 هـ.=
ويَصْعَدُ حتَّى يَظُنَّ الجَهولُ
…
بأَن له حاجةً في السَّمَاءِ.
ناسيًا حديثَ الاستعارة؛ نابذًا (1) أَمرَها وراءَ الظُّهورِ؛ حتَّى لم يُبالِ أن يبني (2) على علوّ القدر وسموّ المنْزلة ما بنَي على العُلُوِّ المكاني.
يفعلون؛ أي: أصحاب التَّشبيهاتِ. ذلك؛ أي: التَّرشيح، ونسيانِ التَّشبيه معَ التَّصريحِ بالتَّشبيه؛ كما في قوله (3):
= ينظر في ترجمته: طبقات الشّعراء: (282، 286)، وتاريخ الطبريِّ:(9/ 124)، الأغاني:(8/ 525 - 537)، والفهرست:(190)، وانظر كتابًا في سيرته وأخباره بعنوان: أخبار أبي تمام لأبي بكر محمد الصولي.
والبيت من المتقارب. قاله الشّاعر ضمن قصيدة يرثي بها خالد بن يزيد الشَّيبانيّ.
والبيتُ في ديوانه: (4/ 34)"شرح التبريزيّ" برواية:
"وَيَصْعدُ حتَّى يَظُنَّ الجَهُولُ
…
أَنّ لَهُ مَنْزلًا في السَّمَاء".
وفي نهاية الأرب: (7/ 56) برواية: "يظن الحسود".
واستُشْهد به -برواية المتن- في أسرار البلاغة: (302)، المفتاح:(385)، والإيضاح:(5/ 103).
وهو في المعاهد: (2/ 152).
(1)
هكذا في الأَصْل. وفي أ، ب:"بابداء"، ولعلّه تحريف ما ورد في الأَصْل؛ يؤيّده لفظه المفتاح:"نبذوا".
(2)
في الأَصْل: "يتبين" والصَّواب من أ، ب.
(3)
البيتان من المتقارب، وقائلهما: العبَّاس بن الأَحْنف، وهما في ديوانه:(126)، وديوان المعاني:(1/ 269)، وزهر الآداب:(4/ 168).
واستشهد بهما في أسرار البلاغة: (307)، والمفتاح:(387)، والمصباح:(139)، والإيضاح:(5/ 105).
وهما في المعاهد: (2/ 161).
هِيَ الشَّمْسُ مَسْكَنُهَا فِي السَّمَاءِ
…
فَعَزّ الفُؤادَ عَزَاءً جَمِيلا
فَلنْ تَستطيعَ إِلَيْهَا الصُّعُودَ
…
وَلَنْ تَستطِيعَ إِليْكَ النُّزُولا
فمع ترْكِ التَّصريح به؛ بل مع جحدِ التَّشبيه؛ كما في الاستعارة بالطريق الأَوْلى.