الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا إذا سمعوا آيات الله سجدوا وبكوا خضوعا وخشوعا وخوفا وحذرا. والمراد من الآيات ما خصهم به من الكتب المنزلة عليهم، وقيل المراد من الآيات ذكر الجنة والنار والوعد والوعيد ففيه استحباب البكاء وخشوع القلب عند سماع القرآن.
(فصل)
وسجدة سورة مريم من عزائم سجود القرآن، فيسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند تلاوة هذه السجدة، وقيل يستحب لمن قرأ آية سجدة فسجد أن يدعوا بما يناسب تلك السجدة، فإن قرأ سجدة سبحان قال اللهم اجعلني من الباكين إليك والخاشعين لك. وإن قرأ سجدة مريم قال اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك. وإن سجد سجدة ألم السجدة قال اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك.
قوله تعالى فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد النبيين المذكورين خَلْفٌ أي قوم سواء أراد بهم اليهود ومن لحق بهم وتابعهم وقيل هم في هذه الأمة أَضاعُوا الصَّلاةَ أي تركوا الصلاة المفروضة. وقيل أخروها عن وقتها وهو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر ولا العصر حتى تأتي المغرب وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ أي آثروا شهوات أنفسهم على طاعة الله وقيل اتبعوا المعاصي وشرب الخمور، وقيل هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ينزو بعضهم على بضع في الأسواق والأزقة فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا قال ابن عباس: الغي واد في جهنم، وإن أودية جهنم لتستعيذ من حره أعد للزاني المصر عليه، ولشارب الخمر المدمن له ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه ولأهل العقوق، ولشاهد الزور وقيل هو واد في جهنم بعيد قعره خبيث طعمه يسيل قيحا ودما، وقيل: واد في جهنم أبعدها قعرا وأشدها حرا فيه بئر تسمى الهيم كلما خبت جهنم فتح الله تلك البئر فتستعر بها جهنم وقيل معنى غيا خسرانا وقيل هلاكا وعذابا، وليس معنى يلقون يرون فقط بل معناه الاجتماع والملابسة مع الرؤية.
قوله تعالى إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً يعني إلا من تاب من التقصير في الصلوات والمعاصي وآمن من الكفر وعمل صالحا بطاعة الله تعالى فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً أي لا ينقصون شيئا ثم وصف الجنة فقال تعالى جَنَّاتِ عَدْنٍ أي بساتين إقامة وصفها بالدوام بخلاف جنات الدنيا فإنها لا تدوم الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ أي إنهم لا يرونها فهي غائبة عنهم وهم غائبون عنها إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا أي آتيا وقيل معنى وعده موعود وهو الجنة مأتيا أي يأتيه أولياء الله وأهل طاعته لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً أي باطلا وفحشا وهو فضول الكلام إِلَّا سَلاماً يعني بل يسمعون فيها سلاما والسلام اسم جامع للخير لأنه يتضمن معنى السلامة، وذلك أن أهل الجنة لا يسمعون فيها ما يؤلمهم، إنما يسمعون تسليمهم، وقيل هو تسليم بعضهم على بعض وتسليم الملائكة عليهم، وقيل هو تسليم الله عليهم وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا قال أهل التفسير:
يؤتون بأرزاقهم على مقدار طرفي النهار كعادتهم في الدنيا، وقيل إنهم يعرفون وقت النهار برفع الحجب، ووقت الليل بإرخاء الحجب، وقيل المراد منه رفاهية العيش وسعة الرزق من غير تضييق ولا تقتير، وقيل: كانت العرب لا تعرف أفضل من الرزق الذي يؤتى به البكرة والعشي، فوصف الله تعالى الجنة بذلك. وقوله تعالى:
[سورة مريم (19): الآيات 63 الى 71]
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (63) وَما نَتَنَزَّلُ إِلَاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (67)
فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (70) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (71)
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا أي نعطي وننزل وقيل يورث عباده المؤمنين المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا مَنْ كانَ تَقِيًّا أي المتقين من عباده عز وجل وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ (خ) عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر ما تزورنا فنزلت وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا» الآية قال فكان هذا جواب جبريل لمحمد صلى الله عليه وسلم «وقيل احتبس جبريل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حين سأله اليهود عن أمر الروح وأصحاب الكهف، ثم نزل بعد أيام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «أبطأت علي حتى ساء ظني واشتقت إليك، فقال له جبريل وإني كنت أشوق إليك، ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا أحبست احتبست» فأنزل الله تعالى وما نتنزل إلا بأمر ربك وأنزل الله تعالى وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى وقوله لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا أي له علم ما بين أيدينا وما خلفنا، وقيل أكد ذلك بقوله ما بين أيدينا وما خلفنا أي هو المدبر لنا في كل الأوقات الماضي والمستقبل، وقيل معناه له ما بين أيدينا من أمر الآخرة والثواب والعقاب وما خلفنا أي ما مضى من الدنيا وَما بَيْنَ ذلِكَ أي من هذا الوقت إلى أن تقوم الساعة، وقيل ما بين ذلك أي ما بين النفختين وهو مقدار أربعين سنة، وقيل ما بين أيدينا ما بقي من الدنيا وما خلفنا ما بقي منها وما بين ذلك أي مدة حياتنا وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا أي ناسيا أي ما نسيك ربك وما تركك رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما أي من يكون كذلك لا يجوز عليه النسيان لأنه لا بد أن يدبر أحوالها كلها، وفيه دليل على أن فعل العبد خلق لله لأنه حاصل بين السموات والأرض فكان لله تعالى فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ أي اصبر على أمره ونهيه هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا قال ابن عباس: مثلا وقيل هل تعلم أحدا يسمى الله غير الله.
قوله تعالى وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أي جنس الإنسان والمراد به الكفار الذين أنكروا البعث، وقيل هو أبي بن خلف الجمحي وكان منكرا للبعث أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا قاله استهزاء وتكذيبا للبعث قال الله تعالى أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أي يتذكر ويتفكر يعني منكر البعث أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً والمعنى أولا يتفكر هذا الجاحد في بدء خلقه فيستدل به على الإعادة. قال بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار ما قدروا عليه، إذ لا شك أن الإعادة ثانيا أهون من الإيجاد أولا ثم أقسم بنفسه فقال تعالى فَوَ رَبِّكَ وفيه تشريف للنبيّ صلى الله عليه وسلم لَنَحْشُرَنَّهُمْ أي لنجمعنهم في المعاد يعني المشركين المنكرين للبعث وَالشَّياطِينَ أي مع الشياطين، وذلك أنه يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا قال ابن عباس: جماعات وقيل جاثين على الركب لضيق المكان، وقيل إن البارك على ركبتيه صورته كصورة الذليل. فإن قلت هذا المعنى حاصل للكل بدليل قوله تعالى وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً.
قلت وصفوا بالجثو على العادة المعهودة في مواقف المقالات والمناقلات، وذلك لما فيه من القلق مما يدهمهم من شدة الأمور التي لا يطيقون معها القيام على أرجلهم فيجثون على ركبهم جثوا ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ أي لنخرجن مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أي من كل أمة وأهل دين من الكفار أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا قال ابن عباس:
يعني جرأة وقيل فجورا وتمردا، وقيل قائدهم رئيسهم في الشرك، والمعنى أنه يقدم في إدخال النار الأعتى ممن هو أكبر جرما وأشد كفرا. وفي بعض الأخبار أنهم يحضرون جميعا حول جهنم مسلسلين مغلولين، ثم يقدم الأكفر فالأكفر فمن كان أشد منهم تمردا في كفره خص بعذاب أعظم وأشد لأن عذاب الضال المضل واجب أن يكون فوق عذاب الضال التابع لغيره في الضلال. وفائدة هذا التمييز التخصيص بشدة العذاب لا التخصيص بأصل