الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المحرمات الجنة وقيل: إن السلام قول والصبر فعل ولا يكون القول ثوابا للفعل، فعلى هذا يكون قوله: سلام عليكم دعاء من الملائكة لهم يعني سلمكم الله بما صبرتم. قال مقاتل: إن الملائكة يدخلون عليهم في مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات معهم الهدايا والتحف من الله تعالى. يقولون: سلام عليكم بما صبرتم، وروى البغوي بسنده عن أبي أمامة موقوفا عليه قال:«إن المؤمن ليكون متكئا على أريكته إذا دخل الجنة وعنده سماطان من خدم وعند طرف السماطين باب مبوب فيقبل الملك من ملائكة الله يستأذن فيقوم أدنى الخدم إلى الباب فإذا بالملك يستأذن فيقول: للذي يليه ملك يستأذن. ويقول الآخر: كذلك حتى يبلغ المؤمن فيقول ائذنوا له فيقول أقربهم إلى المؤمن ائذنوا له ويقول الذي يليه ائذنوا له وكذلك حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب فيفتح له، فيدخل فيسلم ثم ينصرف» فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ يعني فنعم العقبى عقبى الدار. وقيل: معناه فنعم عقبى الدار ما أنتم فيه وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ لما ذكر الله أحوال السعداء وما أعد لهم من الكرامات والخيرات ذكر بعده أحوال الأشقياء، وما لهم من العقوبات فقال تعالى وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ونقض العهد ضد الوفاء به، وهذا من صفة الكفار لأنهم هم الذين نقضوا عهد الله يعني خالفوا أمره، ومعنى من بعد ميثاقه من بعد ما أوثقوه على أنفسهم بالاعتراف والقبول وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ يعني ما بينهم وبين المؤمنين من الرحم والقرابة وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ يعني بالكفر والمعاصي أُولئِكَ يعني من هذه صفته لَهُمُ اللَّعْنَةُ يعني الطرد عن رحمة الله يوم القيامة وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ يعني النار لأن منقلب الناس في العرف إلى دورهم، ومنازلهم، فالمؤمنون لهم عقبى الدار وهي الجنة، والكفار لهم سوء الدار وهي النار. قوله تعالى اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ يعني يوسع على من يشاء من عباده فيغنيه من فضله، ويضيق على من يشاء من عباده فيفقره ويقتر عليه، وهذا أمر اقتضته حكمة الله وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا يعني مشركي مكة لما بسط
الله عليهم الرزق أشروا وبطروا، والفرح لذة تحصل في القلب بنيل المشتهى. وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا والركون إليها حرام وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ يعني بالنسبة إلى الآخرة إِلَّا مَتاعٌ أي قليل ذاهب. قال الكلبي: المتاع مثل السكرجة والقصعة والقدر ينتفع بها في الدنيا ثم تذهب كذلك الحياة لأنها ذاهبة لا بقاء لها وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني من أهل مكة لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعني هلا أنزل على محمد آية ومعجزة مثل معجزة موسى وعيسى قُلْ أي قل لهم يا محمد: إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ فلا ينفعه نزول الآيات وكثرة المعجزات إن لم يهده الله عز وجل وهو قوله وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ يعني ويرشد إلى دينه والإيمان به من أناب بقلبه ورجع إليه بكليته الَّذِينَ آمَنُوا بدل من قوله من أناب وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ يعني وتسكن قلوبهم بِذِكْرِ اللَّهِ قال مقاتل: بالقرآن لأنه طمأنينة لقلوب المؤمنين والطمأنينة والسكون إنما تكون بقوة اليقين، والاضطراب إنما يكون بالشك أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ يعني بذكره تسكن قلوب المؤمنين ويستقر اليقين فيها. وقال ابن عباس: هذا في الحلف وذلك أن المسلم إذا حلف بالله على شيء سكنت قلوب المؤمنين إليه. فإن قلت أليس قد قال الله تبارك وتعالى في أول سورة الأنفال إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ والوجل استشعار الخوف، وحصول الاضطراب وهو ضد الطمأنينة فكيف وصفهم بالوجل والطمأنينة وهل يمكن الجمع بينهما في حال واحد. قلت: إنما يكون الوجل عند ذكر الوعيد والعقاب والطمأنينة، إنما تكون عند الوعد والثواب فالقلوب توجل إذا ذكرت عدل الله وشدة حسابه وعقابه وتطمئن إذا ذكرت فضل الله ورحمته وكرمه وإحسانه.
[سورة الرعد (13): الآيات 29 الى 31]
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29) كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (30) وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (31)
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ اختلف العلماء في تفسير طوبى فقال ابن عباس: فرح لهم وقرة أعين. وقال عكرمة: نعمى لهم. وقال قتادة: حسن لهم وفي رواية أخرى، عنه إن هذه الكلمة عربية يقول الرجل للرجل: طوبى لك أي أصبت خيرا. وقال إبراهيم النخعي خير لهم وكرامة. وقال الزجاج: طوبى من الطيب وقيل تأويلها الحال المستطابة لهم وهو كل ما استطابه هؤلاء في الجنة من بقاء بلا فناء وعز بلا ذل وغنى بلا فقر وصحة بلا سقم. قال الأزهري: تقول طوبى لك وطوباك لحن لا تقوله العرب وهو قول أكثر النحويين.
وقال سعيد بن جبير: طوبى اسم الجنة بالحبشية وروي عن أبي أمامة وأبي هريرة وأبي الدرداء أن طوبى اسم شجرة في الجنة تظلل الجنان كلها. وقال عبيد ابن عمير: هي شجرة في جنة عدن أصلها في دار النبي صلى الله عليه وسلم وفي كل دار وغرفة في الجنة منها غصن لم يخلق الله لونا ولا زهرة إلا وفيها منه إلا السواد ولم يخلق الله فاكهة ولا ثمرة إلا وفيها منها ينبع من أصلها عينان: الكافور والسلسبيل. وقال مقاتل: كل ورقة منها تظل أمة عليها ملك يسبح الله بأنواع التسبيح وروي عن أبي سعيد الخدري: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طوبى فقال: «هي شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها» وعن معاوية بن قرة عن أبيه يرفعه. قال: «طوبى شجرة غرسها الله بيده ونفخ فيها من روحه تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة» هكذا ذكر البغوي هذين الحديثين بغير سند، وروي بسنده موقوفا عن أبي هريرة قال:«إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة اقرءوا إن شئتم وظل ممدود» فبلغ ذلك كعب الأحبار فقال: صدق والذي أنزل التوراة على موسى والقرآن على محمد لو أن رجلا ركب فرسا أو حقة أو جذعة، ثم دار بأصل تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرما إن الله غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة، وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. فقال البغوي وبهذا الإسناد عن عبد الله بن المبارك عن الأشعث عن عبد الله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال:«إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى يقول الله لها تفتقي لعبدي عما يشاء فتفتق له عن فرس مسرجة بلجامها وهيئتها كما يشاء وتفتق له عن الراحلة برحلها وزمامها وهيئتها كما يشاء وعن الثياب» (ق) عن سهل بن سعد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» (ق) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام ما يقطعها» (ق) وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة» زاد البخاري في روايته «واقرءوا إن شئتم وظل ممدود» .
وقوله تعالى وَحُسْنُ مَآبٍ يعني ولهم حسن منقلب ومرجع ينقلبون ويرجعون إليه في الآخرة وهي الجنة. قوله عز وجل: كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ يعني كما أرسلناك يا محمد إلى هذه الأمة كذلك أرسلنا أنبياء قبلك إلى أمم قد خلت ومضت لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يعني لتقرأ على أمتك الذي أوحينا إليك من القرآن وشرائع الدين وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قال قتادة ومقاتل وابن جريج: هذه الآية مدنية نزلت في صلح الحديبية وذلك أن سهيل بن عمرو لما جاء للصلح واتفقوا على أن يكتبوا كتاب الصلح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: «اكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم» فقالوا: لا نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب اكتب كما نكتب باسمك اللهم فهذا معنى قوله وهم يكفرون بالرحمن يعني أنهم ينكرونه ويجحدونه والمعروف أن الآية مكية. وسبب نزولها أن أبا جهل سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الحجر يدعو ويقول في دعائه: «يا
الله يا رحمن» فرجع أبو جهل إلى المشركين وقال: إن محمدا يدعو إلهين يدعو الله ويدعو إلها آخر يسمى الرحمن ولا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة فنزلت هذه الآية ونزل قوله تعالى قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وروى الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن» فقال الله تعالى قُلْ أي قل يا محمد إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ يعني عليه اعتمدت في أموري كلها وَإِلَيْهِ مَتابِ يعني وإليه توبتي ورجوعي. قوله تعالى وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ الآية نزلت في نفر من مشركي قريش منهم أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية، جلسوا خلف الكعبة وأرسلوا خلف النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم وقيل: إنه مر بهم وهم جلوس فدعاهم إلى الله عز وجل فقال له عبد الله بن أبي أمية إن سرك أن نتبعك فسير جبال مكة بالقرآن فادفعها عنا حتى تتفتح فإنها أرض ضيقة لمزارعنا واجعل لنا فيها أنهارا وعيونا لنغرس الأشجار، ونزرع ونتخذ البساتين فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود، حيث سخر له الجبال تسير معه أو سخر لنا الريح لنركبها إلى الشام لميرتنا وحوائجنا، ونرجع في يومنا كما سخرت لسليمان كما زعمت فلست بأهون على ربك من سليمان أو أحي لنا جدك قصيا أو من شئت من موتانا لنسأله عن أمرك أحق أو باطل فإن عيسى كان يحيي الموتى ولست بأهون على الله من عيسى فأنزل الله هذه الآية وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ فأذهبت عن وجه الأرض أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ يعني شققت فجعلت أنهارا وعيونا أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى فأحياها واختلفوا في جواب لو فقال قوم جواب لو محذوف، وإنما حذف اكتفاء بمعرفة السامع مراده وتقديره ولو أن قرآنا فعل به كذا وكذا لكان هذا القرآن فهو كقول الشاعر:
فأقسم لو شيء أتانا رسوله
…
سواك ولكن لم نجد لك مدفعا
أراد: لو شيء أتانا رسوله سواك لرددناه، وهذا معنى قول قتادة فإنه قال معناه لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم وقال آخرون: جواب لو تقدم تقدير الكلام وهم يكفرون بالرحمن ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى لكفروا بالرحمن، ولم يؤمنوا به لما سبق في علمنا فيهم كما قال:
«ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا» ثم قال تعالى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً يعني في هذه الأشياء، وفي غيرها إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا قال أكثر المفسرين: معناه أفلم يعلم؟ قال الكلبي: هذه لغة النخع وقيل هي لغة هوازن واختلف أهل اللغة في هذه اللفظة فقال الليث وأبو عبيد ألم ييأس ألم يعلم واستدلوا لهذه اللغة بقول الشاعر:
أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني
…
ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم
يعني ألم تعلموا. واستدلوا عليه أيضا بقول شاعر آخر:
ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه
…
وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا
يعني ألم يعلم الأقوام. قال قطرب: يئس بمعنى علم لغة للعرب. قالوا: ووجه هذه اللغة أنه إنما وقع اليأس في مكان العلم لأن علمك بالشيء ويقينك به ييئسك من غيره. وقيل: لم يرد أن اليأس في موضع كلام العرب للعلم وإنما قصد أن يأس الذين آمنوا من ذلك يقتضي أن يحصل العلم بانتفائه فإذن معنى يأسهم يقتضي حصول العلم. وقال الكسائي ما وجدت العرب تقول يئست بمعنى علمت قال وهذا الحرف في القرآن من اليأس المعروف لا من العلم وذلك أن المشركين لما طالبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآيات اشرأبّ المسلمون لذلك وأرادوا أن يظهر لهم آية ليجتمعوا على الإيمان، فقال الله تعالى: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء ويعلموا علما