الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة ابراهيم
هي مكية سوى آيتين، وهما قوله سبحانه وتعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً إلى آخر الآيتين وهي إحدى وقيل: اثنتان وخمسون آية وثمانمائة وإحدى وستون كلمة وثلاثة ألاف وأربعمائة وأربعة وثلاثون حرفا.
بسم الله الرحمن الرحيم
[سورة إبراهيم (14): الآيات 1 الى 2]
بسم الله الرحمن الرحيم
الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (2)
قوله عز وجل: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ يعني هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد والكتاب هو القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعني بهذا القرآن والمراد من الظلمات الكفر والضلالة والجهل، والمراد بالنور: الإيمان. قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: وفيه دليل على أن طرق الكفر والبدع كثيرة وطريق الحق ليس إلا واحدا لأنه تعالى قال: لتخرج الناس من الظلمات إلى النور فعبر عن الجهل والكفر والضلال بالظلمات وهي صيغة جمع وعبر عن الإيمان والهدى بالنور وهو لفظ مفرد وذلك يدل على أن طرق الكفر والجهل كثيرة، وأما طريق العلم والإيمان فليس إلا واحد بِإِذْنِ رَبِّهِمْ يعني بأمر ربهم وقيل: بعلم ربهم إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ يعني إلى دين الإسلام وهو دينه الذي أمر به عباده، والعزيز هو الغالب الذي لا يغلب والحميد المحمود على كل حال المستحق لجميع المحامد اللَّهِ قرئ بالرفع على الاستئناف وخبره ما بعده وقرئ بالجر نعتا للعزيز الحميد فقال أبو عمرو قراءة الخفض على التقديم والتأخير تقديره إلى صراط الله العزيز الحميد الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يعني ملكا وما فيهما عبيده وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ يعني الذين تركوا عبادة من يستحق العبادة الذي له ما في السموات وما في الأرض، وعبدوا من لا يملك شيئا البتة بل هو مملوك لله لأنه من جملة خلق الله، ومن جملة ما في السموات وما في الأرض مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ يعني معد لهم في الآخرة ثم وصفهم فقال تعالى:
[سورة إبراهيم (14): الآيات 3 الى 14]
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (3) وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (7)
وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَاّ اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَاّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (10) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَاّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَما لَنا أَلَاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (14)
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ يعني يختارون الحياة الدنيا ويؤثرونها على الآخرة وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي ويمنعون الناس عن قبول دين الله وَيَبْغُونَها عِوَجاً يعني ويطلبون لها زيغا وميلا، فحذف الجار وأوصل الفعل. وقيل: معناه يطلبون سبيل الله حائدين عن القصد وقيل الهاء في ويبغونها راجعة إلى الدنيا ومعناه يطلبون الدنيا على طريق الميل عن الحق والميل إلى الحرام أُولئِكَ يعني من هذه صفته فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ يعني عن الحق وقيل يجوز أن يراد في ضلال بعيد ذي بعد أو فيه بعد لأن الضال يبعد عن الطريق. قوله تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ يعني بلغة قومه ليفهموا عنه ما يدعوهم إليه وهو قوله تعالى لِيُبَيِّنَ لَهُمْ يعني ما يأتون وما يذرون. فإن قلت: لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العرب وحدهم وإنما بعث إلى الناس جميعا بدليل قوله تعالى قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً بل هو مبعوث إلى الثقلين الجن والإنس، وهم على ألسنة مختلفة ولغات شتى وقوله بلسان قومه وليس قومه سوى العرب يقتضي بظاهره أنه مبعوث إلى العرب خاصة فكيف يمكن الجمع؟ قلت: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب وبلسانهم والناس تبع للعرب فكان مبعوثا إلى جميع الخلق، لأنهم تبع للعرب ثم إنه يبعث الرسل إلى الأطراف، فيترجمون لهم بألسنتهم ويدعونهم إلى الله تعالى بلغاتهم. وقيل: يحتمل أنه أراد بقومه أهل بلده، وفيهم العرب وغير العرب فيدخل معهم من غير جنسهم في عموم الدعوى وقيل: إن الرسول إذا أرسل بلسان قومه وكانت دعوته خاصة وكان كتابه بلسان قومه كان أقرب لفهمهم عنه وقيام الحجة عليهم في ذلك، فإذا فهموه ونقل عنهم انتشر عنهم علمه وقامت التراجم ببيانه وتفهيمه لمن يحتاج إلى ذلك ممن هو من غير أهله، وإذا كان الكتاب بلغة واحدة مع اختلاف الأمم وتباين اللغات كان ذلك أبلغ في اجتهاد المجتهدين في تعليم معانيه، وتفهيم فوائده وغوامضه وأسراره وعلومه وجميع حدوده وأحكامه وقوله فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ يعني أن الرسول ليس
عليه إلا التبليغ والتبيين والله هو الهادي المضل يفعل ما يشاء وَهُوَ الْعَزِيزُ يعني الذي يغلب ولا يغلب الْحَكِيمُ في جميع أفعاله. قوله عز وجل وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا المراد بالآيات المعجزات التي جاء بها موسى عليه الصلاة والسلام، مثل العصا واليد وفلق البحر وغير ذلك من المعجزات العظيمة الباهرة أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
أي أن أخرج قومك بالدعوة من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ قال ابن عباس وأبي بن كعب ومجاهد وقتادة: يعني بنعم الله. وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة.
يقال: فلان عالم بأيام العرب أي بوقائعهم بما أراد بما كان في أيام الله من النعمة والنقمة، فأخبر بذكر الأيام عن ذلك لأن ذلك كان معلوما عندهم وعلى هذا يكون المعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد. والترغيب والوعد أن يذكرهم بما أنعم الله عليهم به من النعمة، وعلى من قبلهم ممن آمن بالرسل فيما مضى من الأيام، والترهيب والوعيد أن يذكرهم بأس الله، وشدة انتقامه ممن خالف أمره وكذب رسله، وقيل: بأيام الله في حق موسى أن يذكر قومه بأيام المحنة والشدة والبلاء حين كانوا تحت أيدي القبط يسومونهم سوء العذاب فخلصهم الله من ذلك، وجعلهم ملوكا بعد أن كانوا مملوكين إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ الصبّار: الكثير الصبر، والشكور: الكثير الشكر، وإنما خص الشكور والصبور بالاعتبار بالآيات وإن كان فيها عبرة للكافة لأنهم هم المنتفعون بها دون غيرهم فلهذا خصهم بالآيات، فكأنها ليست لغيرهم فهو كقوله «وهدى للمتقين» ولأن الانتفاع بالآيات لا يمكن حصوله إلا لمن يكون صابرا شاكرا أما من لم يكن كذلك فلا ينتفع بها البتة وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ لما أمر الله عز وجل موسى عليه الصلاة والسلام أن يذكر قومه بأيام الله امتثل ذلك الأمر، وذكرهم بأيام الله فقال «اذكروا نعمة الله عليكم» إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أي اذكروا إنعام الله عليكم في ذلك الوقت الذي أنجاكم فيه من آل فرعون يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ. فإن قلت قال في سورة البقرة: يذبحون بغير واو وقال هنا ويذبحون بزيادة واو فما الفرق؟ قلت: إنما حذفت الواو في سورة البقرة لأن قوله يذبحون تفسير لقوله يسومونكم سوء العذاب، وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو كما تقول جاءني القوم زيد وعمرو إذا أردت تفسير القوم وأما دخول الواو هنا في هذه السورة فلأن آل فرعون كانوا يعذبونهم بأنواع من العذاب غير التذبيح وبالتذبيح أيضا فقوله: ويذبحون نوع آخر من العذاب لأنه تفسير العذاب وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ يعني يتركونهن أحياء وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ. فان قلت كيف كان فعل آل فرعون بلاء من ربهم؟ قلت: تمكينهم وإمهالهم حتى فعلوا ما فعلوا بلاء من الله ووجه آخر وهو أذن لكم إشارة إلى الإنجاء، وهو بلاء عظيم لأن البلاء يكون ابتلاء بالنعمة والمحنة جميعا ومنه قوله:«ونبلوكم بالشر والخير فتنة» وهذا الوجه أولى لأنه موافق لأول الآية وهو قوله اذكروا نعمة الله عليكم. فإن قلت: هب أن تذبيح الأبناء فيه بلاء فكيف يكون استحياء النساء فيه بلاء. قلت: كانوا يستحيونهن ويتركونهن تحت أيديهم كالإماء فكان ذلك بلاء وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ هذا من جملة ما قال موسى لقومه كأنه قيل اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذن ربكم، ومعنى تأذن: آذن، أي أعلم ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل كأنه قيل وأذن ربكم إيذانا بليغا تنتفي عنده الشكوك وتنزاح الشبه والمعنى وإذ تأذن ربكم فقال: لَئِنْ شَكَرْتُمْ يعني يا بني إسرائيل ما خولتكم من نعمة الإنجاء وغيرها من النعم بالإيمان الخالص والعمل الصالح لَأَزِيدَنَّكُمْ يعني نعمة إلى نعمة، ولأضاعفن لكم ما أتيتكم قيل شكر الموجود صيد المفقود. وقيل: لئن شكرتم بالطاعة لأزيدنكم في الثواب وأصل الشكر تصور النعمة، وإظهارها وحقيقته الاعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه، وتوطين النفس على هذه الطريقة وهاهنا دقيقة وهي أن العبد إذا اشتغل بمطالعة أقسام نعم الله عز وجل عليه، وأنواع فضله وكرمه وإحسانه إليه اشتغل بشكر تلك النعمة، وذلك يوجب المزيد وبذلك تتأكد محبة العبد لله عز وجل وهو مقام شريف ومقام أعلى منه وهو أن يشغله حب المنعم عن الالتفات إلى النعم، وهذا مقام الصدّيقين نسأل الله القيام بواجب شكر
النعمة حتى يزيدنا من فضله وكرمه وإحسانه وإنعامه. وقوله وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ المراد بالكفر هاهنا كفران النعمة، وهو جحودها لأنه مذكور في مقابلة الشكر إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ يعني لمن كفر نعمتي ولا يشكرها وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا يعني يا بني إسرائيل أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يعني والناس كلهم جميعا فإنما ضرر ذلك يعود على أنفسكم بحرمانها الخير كله فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ يعني عن جميع خلقه حَمِيدٌ أي
محمود في جميع أفعاله لأنه متفضل وعادل أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا يعني خبر الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ قال بعض المفسرين:
يحتمل أن يكون هذا خطابا من موسى لقومه، والمقصود منه أنه عليه الصلاة والسلام يذكرهم بأمر القرون الماضية والأمم الخالية والمقصود منه حصول العبرة بأحوال من تقدم وهلاكهم وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ يعني من بعد هؤلاء الأمم الثلاثة لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ يعني لا يعلم كنه مقاديرهم وعددهم إلا الله لأن علمه محيط بكل شيء «ألا يعلم من خلق» وقيل: المراد بقوله والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله أقوام وأمم ما بلغنا خبرهم أصلا ومنه قوله: «وقرونا بين ذلك كثيرا» وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول: كذب النسابون. يعني أنهم يدعون علم النسب إلى آدم، وقد نفى الله علم ذلك عن العباد. وعن عبد الله بن عباس أنه قال: بين إبراهيم وعدنان ثلاثون قرنا لا يعلمهم إلا الله وكان مالك بن أنس يكره أن ينسب الإنسان نفسه أبا أبا إلى آدم، لأنه لا يعلم أولئك إلا الله. وقوله تعالى جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني بالدلالات الواضحات والمعجزات الباهرات فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ. وفي معنى الأيدي والأفواه قولان: أحدهما أن المراد بهما هاتان الجارحتان المعلومتان ثم في معنى ذلك وجوه. قال ابن مسعود: عضوا أيديهم غيظا. وقال ابن عباس: لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم. وقال مجاهد وقتادة: كذبوا الرسل وردوا ما جاءوا به. يقال: رددت قول فلان في فيه أي كذبته. وقال الكلبي: يعني أن الأمم ردوا أيديهم إلى أفواه أنفسهم، يعني أنهم وضعوا الأيدي على الأفواه إشارة منهم إلى الرسل أن اسكتوا. وقال مقاتل: ردوا أيديهم على أفواه الرسل يسكتونهم بذلك وقيل: إن الأمم لما سمعوا كلام الرسل عجبوا منه. وضحكوا على سبيل السخرية فعند ذلك ردوا أيديهم في أفواههم كما يفعل الذي غلبه الضحك. القول الثاني: أن المراد بالأيدي والأفواه غير الجارحتين فقيل المراد بالأيدي النعم ومعناه ردوا ما لو قبلوه لكان نعمة عليهم يقال لفلان عندي يد أي نعمة، والمراد بالأفواه وتكذيبهم الرسل والمعنى كذبوهم بأفواههم وردوا قولهم وقيل إنهم كفوا عن قبول ما أمروا بقبوله من الحق ولم يؤمنوا به يقال فلان رد يده إلى فيه إذا أمسك عن الجواب فلم يجب وهذا القول فيه بعد لأنهم قد أجابوا بالتكذيب وهو أن الأمم ردوا على رسلهم وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ
يعني إنا كفرنا بما زعمتم أن الله أرسلكم به لأنهم لم يقروا بأنهم أرسلوا إليهم لأنهم لو أقروا بأن الرسل أرسلوا إليهم لكانوا مؤمنين وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ يعني يوجب الريبة أو يوقع في الريبة والتهمة، والريبة قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الأمر الذي يشك فيه. فإن قلت: إنهم قالوا أولا إنا كفرنا بما أرسلتم به فكيف يقولون ثانيا وإنا لفي شك والشك دون الكفر أو داخل فيه. قلت: إنهم لما صرحوا بكفرهم بالرسل فكأنهم حصل لهم شبهة توجب لهم الشك فقالوا: إن لم تدع الجزم في كفرنا فلا أقل من أن نكون شاكّين مرتابين في ذلك قالَتْ رُسُلُهُمْ يعني مجيبين لأممهم أَفِي اللَّهِ شَكٌّ يعني وهل تشكون في الله وهو استفهام إنكار ونفي لما اعتقدوه فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني وهل تشكون في كونه خالق السموات والأرض وخالق جميع ما فيهما يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ يعني ليغفر لكم ذنوبكم إذا آمنتم وصدقتم وحرف (من) صلة وقيل: إنها أصل ليست بصلة، وعلى هذا إنه يغفر لهم ما بينهم وبينه من الكفر والمعاصي دون مظالم العباد وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني إلى حين انقضاء آجالكم فلا يعاجلكم بالعذاب قالُوا يعني الأمم مجيبين للرسل إِنْ أَنْتُمْ يعني ما أنتم إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا يعني في الصورة الظاهرة لستم ملائكة تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا يعني ما تريدون بقولكم: هذا إلا صدنا عن آلهتنا