الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاستدلال على حدوث الأجسام وأن الإله لا يحل في شيء. ولا يحل فيه شيء ثم بين سبحانه وتعالى المعنى الذي يجب الاستدلال به فقال أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا أي إن العجل لا يرد لهم جوابا إذا دعوه ولا يكلمهم وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً هذا توبيخ لهم إذ عبدوا ما لا يملك ضر من ترك عبادته ولا ينفع من عبده وكان العجل فتنة من الله تعالى ابتلى به بني إسرائيل.
قوله عز وجل وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ أي من قبل رجوع موسى يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ أي ابتليتم بالعجل وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي على ديني في عبادة الله وَأَطِيعُوا أَمْرِي يعني في ترك عبادة العجل.
اعلم أن هارون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه زجرهم أولا عن الباطل بقوله إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ ثم دعا إلى معرفة الله تعالى بقوله إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ ثم دعاهم إلى معرفة النبوة بقوله فَاتَّبِعُونِي ثم دعاهم إلى الشرائع بقوله وَأَطِيعُوا أَمْرِي فهذا هو الترتيب الجيد لأنه لا بد من إماطة الأذى عن الطريق وهي إزالة الشبهات ثم معرفة الله فإنها هي الأصل ثم النبوة ثم الشريعة. وإنما قال وإن ربكم الرحمن فخص هذا الموضع بهذا الاسم لأنه ينبههم على أنهم متى تابوا قبل الله توبتهم لأنه هو التواب الرحيم فقابلوا هذا القول بالإصرار والجحود قالُوا لَنْ نَبْرَحَ يعني لن نزال عَلَيْهِ يعني على عبادة العجل عاكِفِينَ يعني مقيمين حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى كأنهم قالوا لن نقبل حجتك ولا نقبل إلا قول موسى فاعتزلهم هارون ومعه اثنا عشر ألفا الذين لم يعبدوا العجل. فلما رجع موسى سمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل فقال للسبعين الذين معه هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله وقالَ له يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أي أشركوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أي تتبع أمري ووصيتي وهلا قاتلتهم وقد علمت أني لو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم، وقيل معناه ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم فتكون مفارقتك إياهم زجرا لهم عما أتوه أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي يعني خالفت أمري الَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي
يعني بشعر رأسي وكان قد أخذ بذؤابتيه نِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ
يعني لو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضا فتقول رَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ
يعني خشيت إن فارقتهم واتبعتك أن يصيروا أحزابا فيتقاتلون، فتقول فرقت بني إسرائيل لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
يعني لم تحفظ وصيتي حين قلت لك اخلفني في قومي أصلح وأرفق بهم ثم أقبل موسى على السامري قالَ فَما خَطْبُكَ يعني فما أمرك وشأنك وما الذي حملك على ما صنعت يا سامِرِيُّ قالَ يعني السامري بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ يعني من تراب حافر فرس جبريل فَنَبَذْتُها يعني فقذفتها في فم العجل فخار. فإن قلت كيف عرف السامري جبريل ورآه من بين سائر النار. قلت ذكروا فيه وجهين.
أحدهما: أن أمه ولدته في السنة التي كان يقتل فيها البنون فوضعته في كهف حذرا عليه من القتل فبعث الله إليه جبريل ليربيه لما قضى الله على يديه من الفتنة. الوجه الثاني: أنه لما نزل جبريل إلى موسى ليذهب به إلى الطور رآه السامري من بين سائر الناس، فلما رآه قال إن لهذا لشأنا فقبض القبضة من أصل تربة أثر موطئه، فلما سأله موسى قال قبضت قبضة من أثر الرسول إليك يوم جاء للميعاد. وقيل رآه يوم فلق البحر فأخذ القبضة وجعلها في عمامته لما يريد الله أن يظهره من الفتنة على يديه وهو قوله وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ يعني زينت لِي نَفْسِي وقيل إنه من السؤال والمعنى أنه لم يدعني إلى فعلة غيري واتبعت فيه هواي.
[سورة طه (20): الآيات 97 الى 108]
قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (97) إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَاّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (98) كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (100) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً (101)
يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (102) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَاّ عَشْراً (103) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَاّ يَوْماً (104) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (105) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (106)
لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (107) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَاّ هَمْساً (108)
قالَ يعني موسى للسامري فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ يعني ما دمت حيا أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ يعني لا تخالط أحدا ولا يخالطك أحد فعوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أوحش منها ولا أعظم وذلك أن موسى أمر بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا مساس لك ولولدك. فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لا يمس أحد وقيل كان إذا مس أحدا. أو مسه أحد حما جميعا فتحامى الناس وتحاموه وكان لا مساس حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك وَإِنَّ لَكَ يا سامري مَوْعِداً يعني بعذابك في الآخرة لَنْ تُخْلَفَهُ قرئ بكسر اللام ومعناه لن تغيب عنه ولا مذهب لك عنه بل توافيه يوم القيامة، وقرئ بالفتح أي لن تكذبه ولم يخلفكه الله بل يكافئك على فعلك وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ يعني الذي تزعم الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً يعني دمت عليه مقيما تعبده لَنُحَرِّقَنَّهُ بالنار ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ أي لنذرينه فِي الْيَمِّ يعني في البحر نَسْفاً روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم وحرقه في النار ثم ذراه في البحر وقيل معناه لنحرقنه أي لنبردنه فعلى هذا التأويل لم ينقلب لحما ودما فإن ذلك لا يمكن أن يبرد بالمبرد ويمكن أن يقال صار لحما ودما ثم بردت عظامه بالمبرد حتى صارت بحيث يمكن نسفها في البحر فلما فرغ موسى من أمر العجل وإبطال ما ذهب إليه السامري رجع إلى بيان الدين الحق فقال مخاطبا لبني إسرائيل إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ يعني المستحق للعبادة والتعظيم هو الله الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً يعني وسع علمه كل شيء وقيل يعلم من يعبده.
قوله عز وجل: كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ يعني من أخبار ما قَدْ سَبَقَ يعني الأمم الخالية وقيل ما سبق من الأمور وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً وهو القرآن مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ يعني عن القرآن ولم يؤمن به ولم يعمل بما فيه فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً يعني حملا ثقيلا من الإثم خالِدِينَ فِيهِ يعني مقيمين في عذاب الوزر وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا يعني بئس ما حملوا أنفسهم من الإثم يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ قيل هو قرن ينفخ فيه يدعي به الناس للمحشر والمراد بهذه النفخة النفخة الثانية لأنه أتبعه بقوله وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً يعني نحشر المجرمين زرق العيون سود الوجوه وقيل عميا وقيل عطاشا يَتَخافَتُونَ يعني يتشاورون بَيْنَهُمْ ويتكلمون خفية إِنْ لَبِثْتُمْ يعني مكثتم في الدنيا إِلَّا عَشْراً يعني عشر ليال وقيل في القبور وقيل بين النفختين وهو مقدار أربعين سنة وذلك أن العذاب رفع عنهم بين النفختين فاستقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا فقال الله تعالى نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ يعني يتشاورون فيما بينهم إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً أي أوفاهم وأعدلهم قولا إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من أهوال يوم القيامة وقيل نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم قوله عز وجل وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً.
قال ابن عباس: سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف تكون الجبال يوم القيامة فأنزل الله تعالى هذه الآية والنسف هو القلع أي يقلعها من أصولها ويجعلها هباء منثورا فَيَذَرُها أي يدع أماكن الجبال من الأرض قاعاً صَفْصَفاً أي أرضا ملساء مستوية لا نبات فيها لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً يعني لا انخفاضا ولا