الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر (1) أن الذين يتلون كتاب الله يوفيهم أجرهم، أكد هذا وقرره بأن هذا الكتاب حق وصدق، وهو مصدق لما بين يديه من الكتب، فتاليه مستحق لهذا الأجر والثواب، ثم قسم هؤلاء الذين أورثوا الكتاب أقسامًا ثلاثة، ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات، ثم ذكر جزاء هؤلاء السابقين، وأنهم يدخلون جنات تجري من تحتها الأنهار، وأنهم يحلون فيها أساور الذهب واللؤلؤ ويلبسون الحرير، ويقولون حينئذ: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور، ويقولون: إنه أحلنا دارًا لا نصب فيها ولا تعب.
أسباب النزول
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ
…
} الآية، سبب نزول هذه الآية (2): ما أخرجه عبد الغني بن سعيد الثقفي في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهم أن حصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي نزل فيه {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ
…
} الآية.
قوله تعالى: {لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ
…
} الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه البيهقي في البعث وابن أبي حاتم من طريق نفيع بن الحارث عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إن النوم مما يقر الله به أعيننا في الدنيا، فهل في الجنة من نوم، قال:"إن النوم شريك الموت، وليس في الجنة موت"، قال: فما راحتهم؟ فأعظم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال:"ليس فيها لغوب، كل أمرهم راحة" فنزلت: {لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} .
التفسير وأوجه القراءة
15
- ثم ذكر سبحانه افتقار خلقه إليه ومزيد حاجتهم إلى فضله، فقال:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ} الخطاب فيه عام لا خصوص أهل مكة، كما هو الغالب في الآيات المكية، أو خاص بهم؛ لأن الموضوع فيهم، {أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ}؛ أي: المحتاجون {إِلَى اللَّهِ} سبحانه الاحتياج (3) الكثير الشديد في أنفسكم، وفيما يعرض لكم من أمر مهم، أو
(1) المراغي.
(2)
لباب النقول.
(3)
روح البيان
خطب ملم، فإن كل حادثٍ مفتقر إلى خالقه ليبديه وينشأه أولًا، ويديمه ويبقيه ثانيًا، ثم الإنسان محتاج إلى الرزق، ونحوه من المنافع في الدنيا مع دفع المكاره والعوارض، وإلى المغفرة ونحوها في العقبى، فهو محتاج في ذاته وصفاته وأفعاله إلى كرم الله تعالى وفضله. وإنما (1) خاطب الناس بذلك، وإن كان كل ما سوى الله فقيرًا إليه؛ لأن الناس هم الذي يدّعون الغنى ونسبوه لأنفسهم، قال بعضهم (2): إن الله سبحانه ما شرف شيئًا من المخلوقات بتشريف خطاب أنتم الفقراء إلى الله حتى الملائكة المقربين، سوى الإنسان، وذلك أن افتقار المخلوقات إلى أفعال الله تعالى من حيث الخلق ونحوه، وافتقار الإنسان إلى ذات الله وصفاته، فجميع المخلوقات وإن كانت محتاجة إلى الله تعالى لكن الاحتياج الحقيقي إلى ذات الله وصفاته مختص بالإنسان من بينها، كمثل سلطان له رعية، وهو صاحب جمال، فيكون افتقار جميع رعاياه إلى خزائنه وممالكه، ويكون افتقار عشاقه إلى عين ذاته وصفاته، فيكون غنى كل مفتقر بما يفتقر إليه، فغنى الرعية يكون بالمال والملك، وغنى العاشق يكون بمعشوقه. انتهى.
قال ذو النون (3): الخلق محتاجون إليه تعالى في كل نفس وخطرة ولحظة، وكيف لا ووجودهم وبقاؤهم به. والفقراء (4): جمع فقير: والفقير: من صيغ المبالغة كالمفتقر بمعنى ذي الاحتياج الكثير والشديد، والفقر: وجود الحاجة الضرورية، وفقد ما يحتاج إليه وتعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم، فإنهم لكثرة افتقارهم وشدة احتياجهم هم الفقراء فحسب، وإن افتقار سائر المخلوقات بالنسبة إلى فقرهم كالعدم.
والمعنى (5): يا أيها الناس أنتم أشد الخلق افتقارًا إلى الله تعالى، واحتياجًا إليه في أنفسكم وعيالكم وأموالكم، وفيما يعرض لكم من سائر الأمور، فلا غنى لكم عنه طرفة عين، ولا أقل من ذلك، ومن هنا قول الصديق رضي الله عنه: من عرف نفسه عرف ربه. أي: من عرف نفسه بالفقر والذل والعجز والمسكنة عرف ربه
(1) الصاوي.
(2)
روح البيان.
(3)
النسفي.
(4)
روح البيان.
(5)
الصاوي.
بالغنى والعز والقدرة والكمال؛ أي: أنتم مفتقرون إليه تعالى في كل حالة، في حالة الفقر والغنى والضعف والقوة والذل والعز، فالعبد مفتقر لربه في أي حالة كان بها ذلك العبد. {وَاللَّهُ} سبحانه {هُوَ} وحده {الْغَنِيُّ} عن الأشياء كلها المستغني على الإطلاق، فكل أحد يحتاج إليه تعالى؛ لأن أحدًا لا يقدر أن يصلح أمره إلا بالأعوان؛ لأن الأمير ما لم يكن له خدم وأعوان لا يقدر على الإمارة، وكذا التاجر يحتاج إلى المكارين، والله الغني عن الأعوان وغيرها. {الْحَمِيدُ}؛ أي: المحمود بكل لسان، المنعم على جميع الموجودات حتى استحق عليهم الحمد على نعمته العامة وفضله الشامل، فالله هو الغني المغني الحميد.
وفي "النسفي": ولم يسمهم (1) بالفقراء للتحقير، بل للتعريض على الاستغناء، ولهذا وصف نفسه بالغني الذي هو مطعم الأغنياء، وذكر الحميد بعده ليدل به على أنه الغني النافع بغناء خلقه، والجواد المنعم عليهم؛ إذ ليس كل غني نافعًا بغناه إلا إذا كان الغني جوادًا منعمًا، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم.
قال سهل: لما خلق الله الخلق حكم لنفسه بالغنى، ولهم بالفقر، فمن ادعى الغى حجب عن الله، ومن أظهر فقره أوصله فقره إليه، فينبغي للعبد أن يكون مفتقرًا بالسر إليه، ومنقطعًا عن الغير إليه حتى تكون عبوديته محضة، فالعبودية هي الذل والخضوع، وعلامته: أن لا يسأل من أحد. وقال الواسطي: من استغنى بالله لا يفتقر، ومن تعزز بالله لا يذل. وقال الحسيني: على مقدار افتقار العبد إلى الله يكون غنيًا بالله، وكلما ازداد افتقارًا ازداد غنى، وقال يحيى: الفقر خير للعبد من الغنى؛ لأن المذلة في الفقر، والكبر في الغنى، والرجوع إلى الله بالتواضع والذلة خير من الرجوع إليه بتكثير الأعمال، وقيل: صفة الأولياء ثلاثة: الثقة بالله في كل شيء، والفقر إليه في كل شيء، والرجوع إليه في كل شيء، وقال الشبلي: الفقر يجر البلاء، وبلاؤه كله عز. انتهى من "النسفي".
ومعنى الآية (2): أنتم أيها العباد أولو الحاجة والفقر إلى خالقكم ورازقكم، فإياه فاعبدوا، وإلى رضاه فسارعوا، وهو الغني عن عبادتكم وعن غيرها، وهو المحمود على نعمه، فكل نعمة بكم وبسواكم فهي منه، فله الحمد والشكر على
(1) النسفي.
(2)
المراغي.