المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

شَيْءٍ شَهِيدًا}؛ أي: مطلعًا لا تخفى عليه خافية من الأقوال - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٣

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: شَيْءٍ شَهِيدًا}؛ أي: مطلعًا لا تخفى عليه خافية من الأقوال

شَيْءٍ شَهِيدًا}؛ أي: مطلعًا لا تخفى عليه خافية من الأقوال والأفعال، ولا يتفاوت في علمه الأماكن والأوقات والأحوال.

وفي "التأويلات النجمية": يشير بالآية إلى تسكين قلوبهن بعد فطامهن عن مألوفات العادة، ونقلهن إلى معروف الشريعة، ومفروض العبادة، فمن عليهن وعلى أقربائهن بإنزاله هذه الرخصة؛ لأنه ما أخرجهن، وما خلَّى سبيل الاحتياط لهن مع ذلك فقال:{وَاتَّقِينَ اللَّهَ} فيهن، وفي غيرهن بحفظ الخواطر، وميل النفوس، وهمها. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ} من أعمال النفوس، واحوال القلوب {شَهِيدًا} حاضرًا وناظرًا إليها. قال أبو العباس الفاسي: الشهيد: هو الحاضر الذي لا يغيب عنه معلوم، ولا مرئي، ولا مسموع.

فائدة: وجملة الأزواج التي مات عنهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي المرادة في هذه الآية تسع: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة، وصفية، وميمونة، وزينب، وجويرية، وقد نظمهن بعضهم فقال:

تُوُفِّيْ رَسُوْلُ اللهِ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ

إِلَيْهِنَّ تُعْزَى الْمَكْرُمَاتُ وَتُنْسَبُ

فَعَائِشَةٌ مَيْمُوْنَةٌ وَصَفِيَّةٌ

وَحَفْصَةُ تَتْلُوْهُنَّ هِنْدٌ وَزَيْنَبُ

جُوَيْرِيَّة مَعْ رَمْلَةٍ ثُمَّ سَوْدَةٌ

ثَلَاثٌ وَسِتٌّ ذِكْرُهُنَّ لَيَعْذُبُ

‌56

- {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي: يعتنون بما فيه خيره وصلاح أمره، ويهتمون بإظهار شرفه، وتعظيم شأنه، وذلك من الله تعالى بالرحمة، ومن الملائكة بالدعاء والاستغفار، فقوله:{يُصَلُّونَ} محمول على عموم المجاز؛ إذ لا يجوز إرادة معنيي المشترك معًا، فإنه لا عموم للمشترك مطلقًا؛ أي: سواء كان بين المعاني تنافٍ أم لا.

قال القهستاني: الصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الإنس والجن: القيام والركوع والسجود والدعاء ونحوها، ومن الطير والهوام: التسبيح، والصلاة: اسم مصدر من التصلية، وكلاهما مستعمل بخلاف الصلاة بمعنى أداء الأركان، فإن مصدرها لم يستعمل، فلا يقال: صليت تصليةً، بل يقال: صليت صلاة.

وقال بعضهم: الصلاة من الله تعالى بمعنى الرحمة لغير النبي صلى الله عليه وسلم، وبمعنى

ص: 99

التشريف بمزيد الكرامة للنبي، والرحمة عامة، والصلاة خاصة، كما دل العطف على التغاير في قوله تعالى:{أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} ، وقال بعضهم: صلوات الله على غير النبي رحمة، وعلى النبي صلى الله عليه وسلم ثناء ومدحة، قولًا وتوفيق وتأييد فعلًا، وصلاة الملائكة على غير النبي صلى الله عليه وسلم: استغفار، وعلى النبي: إظهار للفضيلة، والمدح قولًا، والنصرة والمعاونة فعلًا. وصلاة المؤمنين على غير النبي: دعاء، وعلى النبي: طلب الشفاعة قولًا، واتباع السنة فعلًا.

وقال بعضهم: صلوات الله على النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغه إلى المقام المحمود، وهو مقام الشفاعة لأمته، وصلوات الملائكة: دعاؤهم له بؤيادة مرتبته، واستغفارهم لأمته، وصلوات الأمة: متابعتهم له، ومحبتهم إياه، والثناء عليه بالذكر الجميل.

وهذا التشريف الذي شرف الله به نبينا صلى الله عليه وسلم أتم من تشريف آدم عليه السلام بأمر الملائكة بالسجود له؛ لأنه لا يجوز أن يكون الله تعالى مع الملائكة في هذا التشريف لآدم، وقد أخبر تعالى عن نفسه بالصلاة على النبي، ثم عن الملائكة، وما أحسن قول بعضهم:

يُصَلِّيْ عَلَيْهِ اللهُ جل جلاله

بِهَذَا بَدَا لِلْعَالَمِيْنَ كَمَالُهُ

وقرأ الجمهور: {وَمَلَائِكَتَهُ} بنصب الملائكة عطفًا على لفظ اسم {إِنَّ} ، وقرأ ابن عباس وعبد الوارث عن أبي عمرو:{وملائكتُه} بالرفع عطفًا على محل اسم {إِنَّ} ، والضمير في قوله:{يُصَلُّونَ} راجع إلى الله، وإلى الملائكة، وفيه تشريف للملائكة عظيم، حيث جعل الضمير لله ولهم واحدًا، فلا يرد الاعتراض بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم لما سمع قول الخطيب يقول: من يطع الله ورسوله .. فقد رشد، ومن يعصهما .. فقد غوى، فقال:"بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن يعصى الله ورسوله". ووجه ذلك: أنه ليس لأحد أن يجمع ذكر الله سبحانه مع غيره في ضمير واحد، وهذا الحديث ثابت في "الصحيح". وثبت أيضًا في "الصحيح" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر مناديًا ينادي يوم خيبر: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية. ولأهل العلم أبحاث في الجمع بين الحديثين ليس هذا موضع ذكرها، والآية مؤيدة للجواز لجعل الضمير فيها لله ولملائكته واحدًا، والتعليل بالتشريف للملائكة يقال مثله في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجمع بينهما يحمل الذم لذلك الخطيب

ص: 100

الجامع بينهما على أنه صلى الله عليه وسلم، فهم منه إرادة التسوية بين الله سبحانه وبين رسوله، فيختص المنع بمثل ذلك. وهذا أحسن ما قيل في الجمع، وقالت طائفة: في الآية حذف، والتقدير: إن الله يصلي، وملائكته يصلون، وعلى هذا القول فلا تكون الآية مما جمع فيه بين ذكر الله وذكر غيره في ضمير واحد.

ولا يرد أيضًا ما قيل: إن الصلاة من الله الرحمة، ومن ملائكته الدعاء، فكيف يجمع بين هذين المعنيين المختلفين في لفظ {يُصَلُّونَ}. ويقال على القول الأول: إنه أريد بـ {يُصَلُّونَ} معنى مجازي يعم المعنيين، كما مر، وذلك بأن يراد بقوله:{يُصَلُّونَ} يهتمون بإظهار شرفه، أو يعظمون شأنه، أو يعتنون بأمره.

فإن قيل: إذا صلى الله وملائكته عليه، فأي حاجة به إلى صلاتنا؟

أجيب: بأن الصلاة عليه ليس لحاجته إليها، وإلا فلا حاجة به إلى صلاة الملائكة أيضًا، وإنما القصد بها تعظيمه صلى الله عليه وسلم، وعود فائدتها علينا بالثواب والقرب منه صلى الله عليه وسلم. اهـ. "خطيب".

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} وصدقوا بما جاء به محمد {صَلُّوا} ؛ أي: اعتنوا واهتموا أنتم أيضًا بالصلاة {عَلَيْهِ} صلى الله عليه وسلم قولًا، واتباع سنته فعلًا، فإنكم أولى بذلك، وأحوج إليه؛ أي: صلوا عليه صلاة دائمة {وَسَلِّمُوا} عليه {تَسْلِيمًا} كاملًا بأن تقولوا: اللهم صل على محمد وسلم، أو صلى الله عليه وسلم، أو تقولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.

وقيل: معنى {صَلُّوا عَلَيْهِ} ؛ أي: ادعوا له بالرحة المقرونة بالتعظيم، ومعنى {سلموا} عليه؛ أي: حيوه بتحية الإِسلام، وقيل: معنى {صَلُّوا عَلَيْهِ} ؛ أي: قولوا: اللهم صل على محمد، ومعنى {سلموا} عليه؛ أي: قولوا: اللهم صلم على محمد، أو انقادوا لأمره وحكمه.

والذي يحصل به الامتثال لمطلق الأمر في هذه الآية هو أن يقول القائل: اللهم صل وسلم على رسولك، أو على محمد، أو على النبي، أو اللهم صلِّ على محمد وسلم. ومن أراد أن يصلي عليه وسلم عليه بصفة من الصفات التي ورد التعليم بها، والإرشاد إليها، فذلك أكمل، وهي صفات كثيرة قد اشتملت عليها كتب السنة المطهرة.

ص: 101

فمنها: حديث كعب بن عجرة قال: لما نزلت: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ

} الآية .. قلنا: يا رسول الله، قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال:"قولوا: اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" متفق عليه.

ومنها: حديث طلحة بن عبيد الله قال: قلت: يا رسول الله، كيف الصلاة عليك؟ قال:"قل: اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد". أخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأحمد والنسائي.

ومنها: حديث أبي حميد الساعدي: أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قولوا: اللهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.

وفي الأحاديث اختلاف، ففي بعضها على إبراهيم فقط، وفي بعضها بالجمع بينهما، كحديث طلحة المذكور، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًا، وفي بعضها التقييد بالصلاة، كما في حديث أبي مسعود عند ابن خزيمة، والحاكم وصححه، والبيهقي في "سننه": أن رجلًا قال يا رسول الله، أما السلام عليكم .. فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ الحديث.

وأخرج الشافعي في مسنده من حديث أبي هريرة مثله، وجميع التعليمات الواردة عنه صلى الله عليه وسلم في الصلاة عليه مشتملة على الصلاة على آله معه إلا النادر اليسير من الأحاديث، فينبغي للمصلي عليه أن يضم آله إليه في صلاته عليه، وقال بذلك جماعة من العلماء، ونقله إمام الحرمين والغزالي قولًا عن الشافعي، كما رواه عنهما ابن كثير في "تفسيره".

والمراد بآله: الأتقياء من أمته، فدخل فيه بنو هاشم، والأزواج المطهرة، وغيرهم جميعًا.

ص: 102

فإن قلت: أكد السلام بقوله: {تَسْلِيمًا} ؛ لأنه مصدر مؤكد لعامله، ولم يؤكد الصلاة؟

قلتُ: لم تؤكد الصلاة بالمصدر؛ لأنها مؤكدة بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ

} إلخ، وقيل: إنه من الاحتباك، فحذف عليه من أحدهما، والمصدر من الآخر.

فإن قلت: لِمَ خص السلام بالمؤمنين دون الله وملائكته، فخصهما بالصلاة؟

قلتُ: لما جاءت هذه الآية عقب ذكر ما يؤذي النبي، والأذية: إنما هي من البشر ناسب التخصيص بهم والتأكيد، وإليه الإشارة بما ذكر بعده؟

فإن قلت: لِمَ خص اللهم في الصلاة الواردة، ولم يقل: يا رب ويا رحمن صلِّ؟.

قلت: خص لفظ اللهم؛ لأنه اسم جامع قال على الألوهية وعلامة الإِسلام في قوله: لا إله إلا الله، فناسب ذكره وقت الصلاة عليه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم جامع لنعوت الكمال، مشتمل على أسرار الجمال والجلال.

فإن قلت: لم خص لفظ محمد فيها دون أحمد ومحمود؟

قلتُ: خص لفظ محمد من بين أسمائه؛ لأن معناه: المحمود مرة بعد أخرى، فناسب مقام المدح والثناء.

قال في "شرح الكشاف" وغيره: معنى قوله: اللهم صل على محمد: اللهم عظمه في الدنيا بإعلاء دينه، وإعظام ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وتضعيف أجره ومثوبته، وإظهار فضله على الأولين والآخرين، وتقديمه على كافة الأنبياء والمرسلين، ومعنى سلم: اجعله يا رب سالمًا من كل مكروه في الدنيا والآخرة.

ولما لم يكن حقيقة الثناء في وسعنا .. أمرنا أن نكل ذلك إليه تعالى، فالله يصلي. ويسلم عليه بسؤالنا:

سَلَامٌ مِنَ الرَّحْمَنِ نَحْوَ جَنَابِهِ

لأَنَّ سَلَامِي لَا يَلِيْقُ بِبَابِهِ

فإن قلت: فما الفائدة في الأمر بالصلاة؟

قلتُ: إظهار المحبة للصلاة، كما استحمد فقال:{قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} إظهارًا

ص: 103

لمحبة الحمد مع أنه هو الحامد لنفسه في الحقيقة.

وفي "الفتوحات المكية": إنما شرع السلام من المؤمنين؛ لأن مقام الأنبياء يعطي الاعتراض عليهم لأمرهم الناس بما يخالف أهواءهم، فكان المؤمن يقول: يا رسول الله، أنت في أمان من اعتراض عليك في نفسي، وكذلك السلام على عباد الله الصالحين، فإنهم كذلك يأمرون الناس بما يخالف أهواءهم بحكم الإرث للأنبياء، وأما تسليمنا على أنفسنا، فإن فينا ما يقتضي الاعتراض واللوم منا علينا، فنلزم نفوسنا التسليم فيه لنا، ولا نعترض كما يقول الإنسان: قلت لنفسي كذا، فقالت: لا. ولم نقف على رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم في تشهده الذي كان يقوله في الصلاة، هل كان يقول مثلنا:"السلام عليك أيها النبي صلى الله عليه وسلم "، أو كان يقول: السلام عليَّ، أو كان لا يقول شيئًا من ذلك، ويكتفي بقوله:"السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، فإن كان يقول مثل ما أمرنا .. نقول في ذلك وجهان:

أحدهما: أن يكون المسلَّم عليه هو الحق سبحانه، وهو مترجم عنه، كما جاء في سمع الله لمن حمده.

والوجه الثاني: أنه كان يقام في صلاته في مقام الملائكة مثلًا، ثم يخاطب نفسه من حيث المقام الذي أقيم فيه أيضًا من كونه نبيًا، فيقول:"السلام عليك أيها النبي" فعل الأجنبي، فكأنه جرد من نفسه شخصًا آخر. انتهى كلام "الفتوحات".

وإن قيل: ظاهر (1) هذا الأمر بالصلاة والتسليم في الآية أن يقول القائل: صليت على محمد، وسلمت على محمد، أو الصلاة عليه، والسلام عليه فإن الله سبحانه أمر بإيقاع الصلاة والسلام عليه منا، فالامتثال هو أن يكون ذلك على ما ذكرنا، فكيف كان الامتثال لأمر الله لنا بذلك أن نقول: اللهم صل عليه وسلم عليه، بمقابلة أمر الله لنا بأمرنا له بأن يصلي عليه ويُسلِّم عليه.

أجيب عنه: بأن هذه الصلاة والتسليم لما كانت شعارًا عظيمًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وتشريفًا وتكريمًا له .. وكلنا ذلك إلى الله عز وجل، وأرجعناه إليه، وهذا الجواب كما مر آنفًا ضعيف جدًا، وأحسن ما يجاب به أن يقال: إن الصلاة والتسليم

(1) الشوكاني.

ص: 104

المأمور بهما في الآية هما أن نقول: اللهم صلِّ عليه وسلم، أو نحو ذلك مما يؤدي معناه، كما بيَّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا، فاقتضى ذلك البيان في الأحاديث الكثيرة أن هذه هي الصلاة الشرعية.

وإن قيل: السلام (1) مخصوص بالحي، والشعبي عليه السلام ميت، فكيف يصح السلام عليه؟

أجيب عنه: بأن المؤمن لا يموت حقيقة، وإن فارق روحه جسده، فالنبي عليه السلام مصون بدنه الشريف من التفسخ والانحلال في التراب، حي بالحياة البرزخية، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:"إن لله ملائكة سياحين، يبلغونني عن أمتي السلام"، ويؤخذ من هذا الحديث: أنه حي على الدوام في البرزخ الدنيوي؛ لأنه محال عادة أن يخلو الوجود كله من واحد يسلِّم على النبي في ليل أو نهار.

فإن قلت: لم خص إبراهيم بالذكر في الصلاة، وشبه صلوات نبينا بصلاته؟

قلتُ: أمرنا بالصلاة على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم؛ لأنه حين تم بناء البيت .. دعوا للحجاج بالرحمة، فكافأناهم بذلك، وقال الإِمام النيسابوري: لأنه سأل الله أن يبعث نبينا من ذرية إسماعيل فقال: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} ، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أنا دعوة أبي إبراهيم" فكافأه، وشكره، وأثنى عليه مع نفسه بالصلاة التي صلى الله عليه وملائكته. وأيضًا: أُمرنا بالصلاة على إبراهيم، لأن قبلتنا قبلته، ومناسكنا مناسكه، والكعبة بناؤه، وملته متبوعه للأمم، فأوجب الله على أمة محمد ثناءه، فلهذه المعاني خص إبراهيم بالذكر في الصلاة، وشبه صلاة نبينا بصلاته دون صلاة غيره، فاعرف.

فإن قلت: تشبيه الصلاة على محمد بالصلاة على إبراهيم يقتضي أفضلية إبراهيم على محمد عليهما الصلاة والسلام، فينافي قوله صلى الله عليه وسلم:"أنا سيد ولد آدم ولا فخر"؟

قلت: التشبيه لم يقع بين الصلاة عليهما، بل بين الصلاة على آل محمد، والصلاة على إبراهيم وآله؛ لأن المعنى: اللهم صلِّ على محمد صلاة كاملة، وصلِّ

(1) روح البيان.

ص: 105

على آل محمد مثل الصلاة على إبراهيم وآله، فلا يشكل يكون المشبه به أقوى، كما هو المشهور ذكره "القهستاني"، وقال في "الضياء المعنوي": هذا تشبيه من حيث أصل الصلاة، لا من حيث المصلى عليه؛ لأن نبينا أفضل من إبراهيم، فمعناه: اللهم صلِّ على محمد بمقدار فضله وشرفه عندك، كما صليت على إبراهيم بقدر فضله وشرفه. وهذا كقوله تعالى:{فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ} ؛ أي: اذكروا الله بقدر نعمه وآلائه عليكم، كما تذكرون آباءكم بقدر نعمهم عليكم، وتشبيه الشيء بالشيء يصح من وجه واحد، وإن كان لا يشبهه من كل وجه، كما قال تعالى:{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} من وجه واحد، وهو تخليقه عيسى من غير أب. انتهى.

ثم إن الآية الكريمة دلت على وجوب الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتفق العلماء على وجوبها، كما دلت عليه الآية، ثم إنهم (1) اختلفوا فقال قوم: تجب في العمر مرة، واعتمده الكرخي، وعليه أكثر العلماء، وقيل: تجب في كل صلاة في التشهد الأخير، وهو مذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد، وقيل: تجب كلما جرى ذكره على لسانه، أو سمعه من غيره، فاختاره الطحاوي من الحنفية، والحليمي من الشافعية، وهو ضعيف، والواجب اللهم صلِّ على محمد، وما زاد سنة.

وأما الصلاة عليه في التشهد الأخير: فسنة عند أبي حنيفة ومالك، وشرط لجواز الصلاة عند الشافعى، وركن عند أحمد، فتبطل الصلاة عندهما بتركها عمدًا كان أو سهوًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لم يُصل عليَّ في صلاته. قالت الحنفية والمالكية: ذلك محمول على نفي الكمال، ولو كانت فريضةً لعلَّمها النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي حين علَّمه أركان الصلاة.

وأما الصلاة على غير الأنبياء (2): فتجوز تبعًا بأن يقول: اللهم صلِّ على محمد وعلى آله، ويكره استقلالًا وابتداءً كراهة تنزيه، كما هو الصحيح الذي عليه الأكثرون، فلا يقال: اللهم صلِّ على أبي بكر؛ لأن في العرف شعار ذكر الرسل، ومنه كره أن يقال: محمد عز وجل مع كونه عزيزًا جليلًا، ولتأديته إلى الاتهام

(1) الخازن.

(2)

روح البيان.

ص: 106

بالرفض؛ لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم.

وفي الحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقف مواقف التهم"، وأما السلام فهو في معنى الصلاة، فلا يستعمل في الغائب، فلا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: عليُّ عليه السلام، كما تقول الروافض وتكتبه، وسواء في هذا الأحياء والأموات. وأما الحاضر فيخاطب به فيقال: السلام عليك أو عليكم، وسلام عليك أو عليكم. وهذا مجمع عليه، والسلام على الأموات عند الحضور في القبور من قبيل السلام على الحاضر.

وأما إفراد الصلاة عن ذكر السلام وعكسه، فقد اختلفت الروايات فيه: منهم من ذهب إلى عدم كراهته، فإن الواو في {وَسَلِّمُوا} لمطلق الجمع من غير دلالة على المعية، وعن إبراهيم النخعي: إن السلام؛ أي: قول الرجل: عليه السلام، يجزىء عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى:{وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ} ، ولكن لا يقتصر على الصلاة، فإذا صلى أو كتبها .. أتبعها التسليم، ويستحب الترضي والترحم على الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من العلماء والعباد وسائر الأخيار، فيقال: أبو بكر رضي الله عنه، أبو حنيفة رحمه الله، أو نحو ذلك، فليس رضي الله مخصوصًا بالصحابة، بل يقال فيهم: رحمه الله أيضًا، والأرجح في مثل لقمان ومريم والخضر والإسكندر المختلف في نبوته أن يقال: رضي الله عنه، أو عنها، ولو قال: عليه السلام، أو عليها السلام، فلا بأس به، ويقال: تخصيص علي بن أبي طالب بكرَّم الله وجهه من شعار الروافض.

وقال الإِمام اليافعي في "تاريخه"(1): والذي أراه أن يفرَّق بين الصلاة، والسلام، والترضي، والترحم، والعفو، فالصلاة: مخصوصة على المذهب الصحيح بالأنبياء والملائكة، والترضي: مخصوص بالصحابة، والترحم: لمن دونهم، والعفو: للمذنبين، والسلام: مرتبة بين مرتبتي الصلاة والترضي، فحسن أن يكون لمن منزلته بين منزلتين، أعني: يقال لمن اختلف في نبوتهم، كلقمان، والخضر، وذي القرنين، لا لمن دونهم. ويكره أن يرمز للصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم في الخط بأن يقتصر من ذلك على الحرفين هكذا: عم، أو نحو ذلك كمن يكتب:

(1) روح البيان.

ص: 107

صلعم، يشير به إلى: صلى الله عليه وسلم، ويكره حذف واحد من الصلاة والسلام، والاقتصار على أحدهما، وفي الحديث:"من صلى علي في كتاب .. لم تزل صلاته جاريةً له ما دام اسمي في ذلك الكتاب"، كما في "أنوار المشارق" لمفتي حلب.

وورد في فضائلها أحاديث كثيرة (1):

منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: "من صلى علي واحدة .. صلى الله عليه بها عشرًا". أخرجه مسلم.

ومنها: حديث أنس رضي الله عنه: أن رسول الله قال: "من صلى عليَّ صلاة واحدة .. صلى الله عليه بها عشرًا، وحطت عنه عشر خطيئات، ورفعت له عشر درجات". أخرجه الترمذي.

ومنها: حديث أبي طلحة الأنصاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ذات يوم والبشر في وجه، فقلت: إنا لنرى البِشْر في وجهك، قال:"أتاني الملك، فقال: يا محمد، إن ربك يقول: أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشرًا، ولا يسلم عليك أحد إلا سلمت عليه عشرًا". أخرجه الترمذي أيضًا.

ومنها: حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله ملائكةً سياحين في الأرض، يبلغوني عن أمتي السلام". أخرجه الترمذي.

ومنها: حديث ابن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة. أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب

ومنها: حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البخيل الذي ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ" أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب صحيح.

ومنها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى، إذا صلى علينا أهل البيت .. فليقل: اللهم صلِّ على محمد النبي الأمي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته، وأهل بيته، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد". أخرجه أبو داود.

(1) الخازن.

ص: 108

قال بعضهم: وفي الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم شكر على كونه أفضل الرسل، وكونهم خير الأمم، وأيضًا فيها إيجاب الشفاعة على ذمة ذلك الجناب، فإن الصلاة عليه ثمن الشفاعة، فإذا أدُّوا الثمن في هذا اليوم يرجى أن يحرزوا المثمن يوم القيامة:

أَلَا أَيُّهَا الإِخْوانُ صَلُّوْا وَسَلِّمُوْا

عَلَى الْمُصْطَفَى فِيْ كُلِّ وَقْتٍ وَسَاعَةِ

فَإِنَّ صَلَاةَ الْهَاشِمِيِّ مُحَمَّدٍ

تُنَجِّيْ مِنَ الأَهْوَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

وبقدر صلواتهم عليه تحصل المعارفة بينهم وبينه، وعلامة المصلي: يوم القيامة أن يكون لسانه أبيض، وعلامة التارك: أن يكون لسانه أسود، وبهما تعرف الأمة يومئذ، وأيضًا فيها إثبات المحبة، ومن أحب شيئًا أكثر ذكره.

قال سهل بن عبد الله التستري: الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم أفضل العبادات؛ لأن الله تولاها هو وملائكته، ثم أمر بها المؤمنين، وسائر العبادات ليس كذلك، يعني أنَّ الله تعالى أمر بسائر العبادات، ولم يفعله بنفسه، وقال الواسطي: صلِّ عليه بالأوتار، ولا تجعل له في قلبك مقدارًا؛ أي: لا تجعل لصلواتك عليه مقدارًا تظن أنك تقضي به من حقه شيئًا، بل بصلواتك عليه استجلاب رحمةً على نفسك به:

يَا مَنْ يُجِيْبُ دُعَا الْمُضْطَرِّ فِيْ الْظُّلَمِ

يَا كَاشِفَ الضُّرِّ وَالْبَلْوَى مَعَ السَّقَمِ

شَفِّعْ نَبِيَّكَ فِيْ ذُلِّيْ وَمَسْكَنَتِيْ

وَاسْتُرْ فَإِنَّكَ ذُوْ فَضْلٍ وَذُوْ كَرَمِ

ثم إن للصلوات والتسليمات مواطن:

فمنها: أن يصلِّي عند سماع اسمه الشريف في الأذان.

ومنها: أن يصلِّي بعد سماع الأذان بأن يقول: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، فإنه عليه السلام وعد لقائله الشفاعة العظمى.

ومنها: أن يصلي عند ابتداء الوضوء، ثم يقول: بسم الله، وبعد الفراغ منه فإنه يفتح له أبواب الرحمة، وفي المرفوع:"لا وضوء لمن لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم ".

ومنها: أن يصلي عند دخول المسجد، ثم يقول: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وعند الخروج أيضًا، ثم يقول: اللهم افتح لي أبواب فضلك، واعصمني من الشيطان، وكذا عند المرور بالمساجد، ووقوع نظره عليها، ويصلي في التشهد

ص: 109

الأخير، وقبل: الدعاء وبعده، فإن الصلاة عليه مقبولة لا محالة، فيرجى أو يقبل الدعاء بين الصلاتين أيضًا.

ومنها: أن يصلي يوم الجمعة وليلته، فإن الجمعة سيد الأيام، ومخصوص بسيد الأنام، فللصلاة فيه مزية، وزيادة مثوبة وقربة ودرجة.

وفي الحديث: "إن أفضل أيامكم يوم الجمعة، خلق فيه آدم، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا على أو الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي". قيل: يا رسول الله، كيف تعرض عليك صلاتنا وقد رممت؛ أي: بليت؟ قال: "إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء"، وفي الحديث:"من صلَّى عليَّ يوم الجمعة ثمانين مرة .. غفرت له ذنوب ثمانين سنة، ومن صلَّى عليَّ كل يوم خمس مئة مرة .. لم يفتقر أبدًا".

وقال بعضهم: إنَّ من صلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجمعة ثلاثة آلاف .. رأى في منامه ذلك الجناب العالي. ذكره علي الصفي في "الرشحات" ويصلي عند الركوب، فيقول: بسم الله، والله أكبر، وصلِّ على محمد خير البشر، ثم يتلو قوله تعالى:{سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14)} .

ويصلي في طريق مكة عند الذهاب إليها، وعند استلام الحجر يقبل: اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، وسنة نبيك، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويصلي على جبل الصفا والمروة، وبعد الفراغ من التلبية ووقت الوقوف عند المشعر الحرام، وفي طريق المدينة عند الذهاب إليها، وعند وقوع النظر عليها، وعند دخول الروضة المقدسة، وعند التوجه إلى القبر المقدس، ويصلي بين القبر والمنبر، ويكبر ويدعو ويصلِّي عند استماع ذكره عليه السلام، كما سبق، وكذا وقت ذكر اسمه الشريف، وكتابته، ويصلِّي عند ابتداء درس الحديث، والعلوم الدينية، وما يتعلق بها أو الآلة، وعند تبليغ المن فيقول: الحمد لله رب العالمين أكمل الحمد على كل حال، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد المرسلين، كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عز ذكره الغافلون، اللهم صلِّ عليه، وعلى آله، وسائر النبيين، وآل كلِّ، وسائر الصالحين، نهاية ما ينبغي أو يسلكه السالكون.

ويصلي عند ابتداء التذكير والعظة؛ في: بعد الحمد والثناء؛ لأنه موطن تبليغ

ص: 110

العلم المروي عنه صلى الله عليه وسلم، ووقت كفاية المهم، ورفع الهم، ووقت طلب المغفرة والكفارة، فإن الصلاة عليه محاء الذنوب، ووقت النوم والقيام منه، وحين دخول السوق لتربح تجارة آخرته، وحين المصافحة لأهل الإِسلام، وحين افتتاح الطعام فيقول: اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، وطيِّب أرزاقنا، وحسِّن أخلاقنا، ويصلي عند اختتام الطعام، فيقول: الحمد لله الذي أطعمنا هذا، ورزقناه من غير حول منا ولا قوة، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتنزل البركات، اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد وسلم.

ويصلي عند قيامه من المجلس فيقول: صلى الله وملائكته على محمد، وعلى أنبيائه. فإن كفارة اللهو واللغو الواقعين فيه. وفي خطبة النكاح فيقول: الحمد لله الذي أحل النكاح، وحرم السفاح، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الداعي إلى الله القادر الفتاح، وعلى آله وأصحابه ذوي الفلاح والنجاح.

ومن آداب المصلي أن يصلي على الطهارة، وأن يرفع صوته عند أداء الحديث، وأن يكون على المراقبة، وهو حضور القلب وطرد الغفلة، وأن يصحِّح نيَّته، وهو أن تكون صلاته امتثالًا لأمر الله تعالى، وطلبًا لرضاه، وجلبًا لشفاعة رسوله، وأن يستوي ظاهره وباطنه، فإن الذكر اللساني ترجمان الفكر الجناني، فلا بد من تطبيق أحدهما بالآخر، وإلا فمجرد الذكر اللساني أو غير حضور القلب غير مفيد.

الإعراب

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا (48)} .

{يَا أَيُّهَا} {يَا} : حرف نداء. {أَيُّ} : منادى نكرة مقصودة. {هَا} : حرف تنبيه زائد. {النَّبِيُّ} : صفة لأي، أو بدل منه، وجملة النداء مستأنفة. {إِنَّا}: ناصب واسمه. {أَرْسَلْنَاكَ} : فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إِن} ، وجملة {إِن} مستأنفة على كونها جواب النداء. {شَاهِدًا}: حال مقدرة من ضمير المفعول. {وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا} : معطوفات على {شَاهِدًا} .

ص: 111

{إِلَى اللهِ} : متعلق بـ {دَاعِيًا} . {بِإِذْنِهِ} : جار ومجرور حال من الضمير المستكن في {دَاعِيًا} . {وَسِرَاجًا} : معطوف على {شَاهِدًا} . {مُنِيرًا} : صفة لـ {سِرَاجًا} . {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} فعل أمر، وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة معطوفة على مقدر، تقديره: فراقب أحوال الناس وبشر المؤمنين. {بِأَنَّ} : {الباء} : حرف جر، {أَنَّ}: حرف نصب ومصدر. {لَهُمْ} : خبر {أن} مقدم على اسمها. {مِنَ اللهِ} : جار ومجرور حال من {فَضْلًا} ، و {فَضْلًا}: اسم {أن} مؤخر. {كَبِيرًا} : صفة {فَضْلًا} ، وجملة {أن} في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: يكون فضل كبير كائن من الله كائنًا لهم، الجار والمجرور متعلق بـ {بَشِّرِ}. {وَلَا}:{الواو} : عاطفة {لا} : ناهية جازمة. {تُطِعِ} : فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد، مجزوم بـ {لا} الناهية. {الْكَافِرِينَ}: مفعول به. {وَالْمُنَافِقِينَ} : معطوف عليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة {بَشِّرِ}. {وَدَعْ أَذَاهُمْ}: فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على جملة النهي قبله. {وَتَوَكَّلْ}: فعل وفاعل مستتر. {عَلَى اللهِ} : متعلق به، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. {وَكَفَى بِاللهِ}: فعل وفاعل و {الباء} : زائدة. {وَكِيلًا} : تمييز، أو حال من الجلالة، والجملة مستأنفة.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (49)} .

{يَا أَيُّهَا} : منادى نكرة مقصودة. {الَّذِينَ} : صفة لأي، والجملة مستأنفة. {آمَنُوا}: فعل وفاعل، صلة الموصول. {إِذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان. {نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} : فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الخفض بإضافة {إِذَا} إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. {ثُمَّ}: حرف عطف وترتيب. {طَلَّقْتُمُوهُنَّ} : فعل وفاعل ومفعول معطوف على {نَكَحْتُمُ} . {مِنْ قَبْلِ} : جار ومجرور متعلق بـ {طَلَّقْتُم} . {أَن} : حرف نصب ومصدر. {تَمَسُّوهُنَّ} : فعل وفاعل ومفعول به، منصوب بـ {أَن} المصدرية، والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: من قبل مسكم إياهن. {فَمَا} : {الفاء} : رابطة لجواب {إذَا} الشرطية. {مَا} : نافية. {لَكُمْ} : خبر مقدم. {عَلَيْهِنَّ} : حال من {عِدَّةٍ} . {مِن} : زائدة. {عِدَّةٍ} : مبتدأ مؤخر، وجملة {تَعْتَدُّونَهَا} صفة لـ {عِدَّةٍ} ، والجملة الاسمية جواب {إذَا} لا محل لها من

ص: 112

الإعراب، وجملة {إذَا} جواب النداء لا محل له أو الإعراب. {فَمَتِّعُوهُنَّ}:{الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عز جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أنها لا عدة لكم عليها، وأردتم بيان ما لهن عليكم .. فأقول لكم: متعوهن. {فَمَتِّعُوهُنَّ} : فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب {إذا} المقدرة، وجملة {إذا}: المقدرة مستأنفة. {وَسَرِّحُوهُنَّ} : فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على {متعوهن}. {سَرَاحًا}: مفعول مطلق. {جَمِيلًا} : صفة {سَرَاحًا} .

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ} .

{يَا أَيُّهَا} : منادى نكرة مقصودة. {النَّبِيُّ} : صفة لأي، وجملة النداء مستأنفة. {إِنَّا}: ناصب واسمه. {أَحْلَلْنَا} : فعل وفاعل. {لَكَ} : متعلق بـ {أَحْلَلْنَا} . {أَزْوَاجَكَ} : مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إِنَّ} ، وجملة {إن} مستأنفة على كونها جواب النداء. {اللَّاتِي}: صفة لـ {أَزْوَاجَكَ} . {آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} : فعل وفاعل ومفعول ثان، والأول محذوف، تقديره: آتيتهن أجورهن؛ لأن آتى هنا بمعنى: أعطى، والجملة صلة الموصول:{وَمَا} : اسم موصول في محل النصب معطوف على {أَزْوَاجَكَ} . {مَلَكَتْ يَمِينُكَ} : فعل وفاعل، والجملة صلة لـ {مَا} الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: وما ملكته يمينك. {مِمَّا} : جار ومجرور، حال من {ما} الموصولة، أو من العائد المحذوف. {أَفَاءَ اللَّهُ}: فعل وفاعل. {عَلَيْكَ} متعلق بـ {أَفَاءَ} ، والجملة صلة لـ {مَا} الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: مما أفاءه الله عليك.

{وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} .

{وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ} : معطوفات على {أَزْوَاجَكَ} . {اللَّاتِي} : صفة للمذكورات في محل نصب. {هَاجَرْنَ} : فعل وفاعل، صلة الموصولة. {مَعَكَ}: متعلق بـ {هَاجَرْنَ} ، {وَامْرَأَةً}: معطوف على مفعول {أَحْلَلْنَا} {مُؤْمِنَةً} : صفة لـ {امْرَأَةً} . {إِن} : حرف شرط. {وَهَبَت} : فعل ماض

ص: 113

وفاعل مستتر يعود على {امرأة} في محل الجزم بـ {إِن} على كونها فعل شرط لها. {نَفْسَهَا} : مفعول به. {لِلنَّبِيِّ} : متعلق بـ {وَهَبَت} ، وجواب الشرط محذوف، تقديره: إنْ وهبت نفسها للنبي أحللناها له، وجملة {إِن} الشرطية مستأنفة. {إِن}: حرف شرط. {أَرَادَ النَّبِيُّ} : فعل وفاعل، في محل الجزم بـ {إِنْ} الشرطية على كونه فعل شرط لها. {أَن}: حرف نصب ومصدر. {يَسْتَنْكِحَهَا} : فعل مضارع منصوب بـ {أَن} المصدرية، وفاعله ضمير يعود على {النَّبِيُّ} ، والهاء: مفعول به، والسين والتاء فيه زائدتان، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ {أَرَادَ} ، تقديره: إن أراد النبي نكاحها، وجواب {إِن} الشرطية محذوف، تقديره: إن أراد النبي صلى الله عليه وسلم نكاحها أحللناها له، وجملة {إِن} الشرطية في محل النصب حال من {النَّبِيُّ} ، إنْ وهبت نفسها للنبي .. أحللناها له حالة كون النبي مريدًا نكاحها. {خَالِصَةً}: مصدر معمول لمحذوف، تقديره: خلص خالصة، خلص: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على النكاح بلفظ الهبة؛ أي: خلص النكاح بلفظ الهبة لك خلوصًا، واختص بك، ومجيء المصدر على وزن فاعلة كثير، كالكاذبة والعاقبة، واختار الزجاج وأبو البقاء أن يكون حالًا من امرأة؛ لتخصصها بصفة. {لَكَ}: متعلق بـ {خَالِصَةً} . {مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} : جار ومجرور ومضاف إليه، حال من ضمير {لَكَ} .

{قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} .

{قَدْ} : حرف تحقيق. {عَلِمْنَا} : فعل وفاعل. {مَا} اسم موصول في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية جملة معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين الجار {لِكَيْلَا} ، ومتعلقه {أَحْلَلْنَا}. {فَرَضْنَا}: فعل وفاعل، صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: ما فرضناه. {عَلَيْهِمْ} : متعلق بـ {فَرَضْنَا} . {فِي أَزْوَاجِهِمْ} متعلق بـ {فَرَضْنَا} أيضًا. و {فِي} بمعنى: الباء السببية. {وَمَا} : اسم موصول في محل الجر معطوف على {أَزْوَاجِهِمْ} . {مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} : فعل وفاعل، والجملة صلة لـ {مَا} الموصولة، والعائد محذوف تقديره: وما ملكته أيمانهم. {لِكَيْلَا} : {اللام} : حرف جر وتعليل. {كَيْ} : حرف نصب ومصدر. {لا} : نافية. {يَكُونَ} : فعل مضارع ناقص منصوب بـ {كي} . {عَلَيْكَ} : خبر

ص: 114

{يَكُونَ} مقدم. {حَرَجٌ} : اسمها مؤخر، وجملة {يَكُونَ} مع كي المصدرية في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لعدم كون حرج عليك، الجار والمجرور متعلق بـ {أَحْلَلْنَا}. {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}: فعل ناقص واسمه وخبره. {رَحِيمًا} : خبر ثانٍ لها، والجملة مستأنفة.

{تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ} .

{تُرْجِي} : فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة. {مَن}: اسم موصول في محل النصب مفعول {تُرْجِي} . {تَشَاءُ} : فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة صلة {مَن} الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من تشاء إرجاءَه. {مِنْهُنَّ} : جار ومجرور حال من {مَن} الموصولة. {وَتُؤْوِي} : فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد، معطوف على {تُرْجِي}. {إِلَيْكَ}: متعلق بـ {تُؤْوِي} . {مَن} : اسم موصول في محل النصب مفعول {تؤوى} . {تَشَاءُ} : فعل مضارع وفاعل مستتر، والجملة صلة {مَن} والعائد محذوف تقديره: من تشاء إيواءه. {وَمَنِ} : {الواو} : استئنافية. {مَن} : اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، أو {مَن} شرطية في محل النصب مفعول مقدم. {ابْتَغَيْتَ}: فعل وفاعل، صلة {مَن} الموصولة، أو في محل الجزم بـ {مَن} الشرطية على كونه فعل شرط لها، والعائد محذوف. تقديره: ومن ابتغيته. {مِمَّنْ} : جار ومجرور، حال من العائد المحذوف. {عَزَلْتَ}: فعل وفاعل، صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: ممن عزلته، أو لا. {فَلَا} {الفاء}: رابطة الخبر بالمبتدأ، أو رابطة الجواب بالشرط. {لا}: نافية للجنس تعمل عمل إن. {جُنَاحَ} : في محل النصب اسمها. {عَلَيْكَ} : خبرها، وجملة {لا} النافية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجمل الاسمية مستأنفة، أو في محل الجزم جواب {مَن} الشرطية، وجملة {مَن} الشرطية مستأنفة.

{ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا} .

{ذَلِكَ} : مبتدأ. {أَدْنَى} : خبره، والجملة مستأنفة. {أَن}: حرف نصب

ص: 115

ومصدر. {تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ} : فعل وفاعل منصوب بـ {أَن} المصدرية، والجملة الفعلية مع {أَنْ} المصدرية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: إلى قرة أعينهن، الجار والمجرور متعلق بـ {أَدْنَى}. {وَلَا}:{الواو} : عاطفة. {لا} : نافية. {يَحْزَنَّ} : فعل مضارع في محل النصب، معطوف على {تَقَرَّ} مبني بسكون على النون المدغمة في نون الإناث، لاتصاله بنون الإناث، ونون الإناث في محل الرفع فاعل؛ أي: وذلك أقرب إلى قلة حزنهن. {وَيَرْضَيْنَ} : فعل وفاعل في محل النصب، معطوف على {تَقَرَّ}؛ أي: وأقرب إلى رضائهن جميعًا. {بِمَا} : جار ومجرور، متعلق بـ {يَرْضَيْنَ}. {آتَيْتَهُنَّ}: فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة صلة لـ {ما} الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: آتيتهن إياه، وهو المفعول الثاني لآتى؛ لأنه بمعنى: أعطى. {كُلُّهُنَّ} : تأكيد لفاعل {يَرْضَيْنَ} . {وَاللَّهُ} : مبتدأ، وجملة {يَعْلَمُ} خبره، والجملة الاسمية مستأنفة. {مَا}: مفعول {يَعْلَمُ} . {فِي قُلُوبِكُمْ} : جار ومجرور، متعلق بواجب الحذف لوقوعه صلة لـ {مَا} الموصولة؛ أي: ما استقر في قلوبكم. {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا} : فعل ناقص واسمه وخبره الأول. {حَلِيمًا} : خبر ثانٍ له، وجملة {وَكَانَ} معطوفة على جملة قوله:{وَاللَّهُ يَعْلَمُ} ، مؤكدة لها.

{لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (52)} .

{لَا} : نافية. {يَحِلُّ} : فعل مضارع. {لَكَ} : متعلق به. {النِّسَاءُ} : فاعل، والجملة مستأنفة. {مِنْ بَعْدُ}: حال من {النِّسَاءُ} ، وبني الظرف على الضم لقطعه عن الإضافة لفظًا لا معنى؛ أي: من بعد هؤلاء التسع المجتمعات في عصمتك. {وَلَا} : {الواو} : عاطفة. {لا} : نافية. {أَن} : حرف نصب ومصدر. {تَبَدَّلَ} : فعل مضارع منصوب بـ {أَن} المصدرية، أصله: تتبدل، وفاعله، ضمير مستتر يعود على محمد. {بِهِنَّ}: متعلق بـ {تَبَدَّلَ} . {مِن} : زائدة. {أَزْوَاجٍ} : مفعول {تَبَدَّلَ} ، وجملة {تَبَدَّلَ} مع {أَن} المصدرية في تأويل مصدر معطوف على فاعل {يَحِلُّ} تقديره: لا يحل لك النساء من بعد، ولا تبدل أزواج أخر بهن. {وَلَوْ}:{الواو} : عاطفة على جملة محذوفة وقعت حالًا. {لَوْ} : حرف شرط مجردة عن الجواب. {أَعْجَبَكَ} : فعل ماض ومفعول به. {حُسْنُهُنَّ} : فاعل، وجملة {لَوْ}

ص: 116

معطوفة على جملة محذوفة وقعت حالًامن فاعل {تَبَدَّلَ} ، والتقدير: ولا يحل لك أن تتبدل بهن حال كونك لو لم يعجبك حسن الأزواج المستبدلة، ولو أعجبك حسنهن؛ أي: لا يحل لك الاستبدال حال عدم إعجاب حسنهن إياك، وحال إعجابه إياك؛ أي: لا يحل لك الاستبدال على كل حال، و {لو} هنا غائية، لا جواب لها، يراد بها استقصاء الأحوال وتعميمها، كما مر في مبحث التفسير. قال الزمخشري: قوله: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} في معنى الحال أو الفاعل، وهو الضمير في {تَبَدَّلَ} ، لا من المفعول الذي هو {مِنْ أَزْوَاجٍ} ؛ لأنه متوغل في التنكير، وتقديره: مفروضًا إعجابك بهن. اهـ "كرخي". {إِلَّا} : أداة استثناء. {مَا} : اسم موصول في محل النصب على الاستثناء من {النِّسَاءُ} ، أو في محل الرفع على البدلية من {كَفَرُوا} ، أو في محل النصب على الاستثناء من {أَزْوَاجٍ}. {مَلَكَتْ يَمِينُكَ}: فعل وفاعل، صلة لـ {مَا} الموصولة، والعائد محذوف تقديره: إلا ما ملكته يمينك. {وَكَانَ اللَّهُ} : فعل ناقص واسمه. {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ} : متعلق بـ {رَقِيبًا} ، و {رَقِيبًا}: خبر {كَانَ} ، وجملة {كَانَ} مستأنفة مؤكدة لما قبلها.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا} .

{يَا أَيُّهَا} : منادى نكرة مقصودة {الَّذِينَ} : صفة لـ {أَيّ} ، أو بدل منه، وجملة النداء مستأنفة. {آمَنُوا}: فعل وفاعل، صلة الموصول. {لَا}: ناهية جازمة. {تَدْخُلُوا} : فعل وفاعل مجزوم بـ {لَا} الناهية {بُيُوتَ النَّبِيِّ} : مفعول به على التوسع، والجملة الفعلية جواب النداء لا محل لها من الإعراب. {إِلَّا}: أداة استثناء مفرغ أعم الأحوال. {أَن} : حرف نصب ومصدر. {يُؤْذَنَ} : فعل مضارع مغير الصيغة منصوب بـ {أَن} المصدرية. {لَكُمْ} : جار ومجرور، في محل الرفع نائب فاعل لـ {يُؤْذَنَ}. {إِلَى طَعَامٍ}: متعلق بـ {يُؤْذَنَ} ، والجملة الفعلية مع {أَن} المصدرية في تأويل مصدر منصوب على الاستثناء، ولكنه على تقدير مضاف، تقديره: لا تدخلوا بيوت النبي صلى الله عليه وسلم في حال من الأحوال إلا حالة الإذن لكم؛ في: إلا حالة كونكم مأذونًا لكم. واختار الزمخشري أن يكون استثناء مفرغًا من أعم الظروف؛ أي: لا تدخلوها في وقت من الأوقات إلا وقت أن يؤذن لكم. {غَيْرَ

ص: 117

نَظِرينَ}: حال من فاعلًا {لَا تَدْخُلُوا} ، وقع الاستثناء على الظرف والحال معًا، كأنه قيل: لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن، ولا تدخلوها إلا غير ناظرين اهـ "سمين". {إِنَاهُ}: مفعول {نَاظِرِينَ} منصوب بفتحة مقدرة للتعذر؛ لأنه اسم مقصور. {وَلَكِنْ} : الواو: عاطفة. {لكن} : حرف استدراك. {إِذَا} : ظرف لما يستقبل من الزمان في محل النصب على الظرفية. {دُعِيتُمْ} : فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة {إِذَا} إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب. {فَادْخُلُوا}:{الفاء} : رابطة لجواب {إِذَا} وجوبًا. {ادخلوا} : فعل أمر وفاعل، والجملة جواب {إِذَا} لا محل لها أو الإعراب، وجملة {إِذَا} جملة استدراكية معطوفة على جملة {لَا تَدْخُلُوا} .

{فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} .

{فَإِذَا} : {الفاء} : عاطفة. {إذا} : ظرف لما يستقبل من الزمان. {طَعِمْتُمْ} : فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة {إذا} إليها على كونها فعل شرط لها. {فَانْتَشِرُوا}:{الفاء} : رابطة لجواب {إذا} . {انتشروا} : فعل أمر وفاعل جواب {إذا} لا محل لها من الإعراب، وجملة {إذا} معطوفة على جملة {إذا} المذكورة قبلها. {وَلَا}:{الواو} : عاطفة. {لا} : نافية. {مُسْتَأْنِسِينَ} : معطوف على {غَيْرَ نَاظِرِينَ} ، وقيل: هو معطوف على حال مقدرة؛ أي: لا تدخلوها هاجمين، ولا مستأنسين، واختار الزمخشري وغيره أنه مجرور عطفًا على {نَاظِرِينَ}. {لِحَدِيثٍ}: متعلق بـ {مُسْتَأْنِسِينَ} . {إِنَّ ذَلِكُمْ} : ناصب واسمه. {كَانَ} : فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على اسم الإشارة. {يُؤْذِي النَّبِيَّ}: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب خبر {كَانَ} ، وجملة {كَانَ} في محل الرفع خبر {إِنَّ} ، وجملة {إِنَّ} مستأنفة مسوقة لتعليل النهي المذكور قبله. {فَيَسْتَحْيِي}: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على النبي، معطوف على {يُؤْذِي}. {مِنْكُمْ}: متعلق بـ {يَسْتَحْيِي} ، ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: من إخراجكم. {وَاللَّهُ} : {الواو} : استئنافية. {اللَّهُ} : مبتدأ، وجملة {لَا يَسْتَحْيِي} خبر المبتدأ. {مِنَ الْحَقِّ}: متعلق بـ {لَا يَسْتَحْيِي} ، والجملة الاسمية مستأنفة. {وَإِذَا}:{الواو} : استئنافية. {إِذَا} : ظرف لما يستقبل

ص: 118

من الزمان. {سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا} : فعل وفاعل ومفعولان، والجملة في محل الخفض بإضافة {إِذَا} إليها على كونها فعل شرط لها. {فَاسْأَلُوهُنَّ}:{الفاء} : رابطة لجواب {إِذَا} وجوبًا. {اسْأَلُوهُنَّ} : فعل أمر وفاعل ومفعول أول، والثاني محذوف تقديره: إياه. {مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} : حال من ضمير الإناث، أو من واو الفاعل، والجملة الفعلية جواب {إِذَا} لا محل لها من الإعراب، وجملة {إِذَا} مستأنفة.

{ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} .

{ذَلِكُمْ} : مبتدأ. {أَطْهَرُ} : خبر. {لِقُلُوبِكُمْ} : متعلق بـ {أَطْهَرُ} . {وَقُلُوبِهِنَّ} : معطوف على {قُلُوبِكُمْ} ، والجملة مستأنفة. {وَمَا}:{الواو} : استئنافية. {مَا} : نافية. {كَانَ} : فعل ماض ناقص. {لَكُمْ} : خبرها مقدم. {أَنْ} : حرف نصب ومصدر. {تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ} : فعل وفاعل ومفعول به منصوب بـ {أَن} المصدرية، والجملة الفعلية مع {أَن} المصدرية في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم {كَانَ} مؤخرًا، والتقدير: وما كان إذاية رسول الله كائنًا لكم، والجملة مستأنفة. {وَلَا}:{الواو} : عاطفة. {لا} : نافية. {أَن} : حرف نصب ومصدر. {تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ} : فعل وفاعل ومفعول به، منصوب بـ {أَن} المصدرية. {مِنْ بَعْدِهِ}: حال من {أَزْوَاجَهُ} ، أو متعلق بـ {تَنْكِحُوا}. {أَبَدًا}: منصوب على الظرفية، متعلق بـ {تَنْكِحُوا} ، والجملة الفعلية مع {أَن} المصدرية في تأويل مصدر معطوف على مصدر منسبك من جملة {أَنْ تُؤْذُوا} تقديره: وما كان لكم إذاية رسول الله، ولا نكاح أزواجه من بعده أبدًا. {إِنَّ ذَلِكُمْ}: ناصب واسمه {كَانَ} : فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على اسم الإشارة. {عِنْدَ اللَّهِ}: حال من {عَظِيمًا} ؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. {عَظِيمًا} : خبر {كَانَ} ، وجملة {كَانَ} في محل الرفع خبر {إِنَّ} ، وجملة {إِنَّ} مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.

{إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54) لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} .

ص: 119

{إِن} : حرف شرط {تُبْدُوا شَيْئًا} : فعل مضارع وفاعل ومفعول به، مجزوم بـ {إن} الشرطية، {أَوْ}: حرف عطف. {تُخْفُوهُ} : فعل وفاعل ومفعول، معطوف على {تُبْدُوا}. {فَإِنَّ اللَّهَ}:{الفاء} : رابطة لجواب {إن} الشرطية. {إن الله} : ناصب واسمه. {كَانَ} : فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على {اللَّهَ}. {بِكُلِّ شَيْءٍ}: متعلق بـ {عَلِيمًا} . و {عَلِيمًا} : خبر {كَانَ} ، وجملة {كَانَ} في محل الرفع خبر {إِنَّ} المكسورة، وجملة {إِنَّ} من اسمها وخبرها في محل الجزم بـ {إِنَّ} الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة {إِنَّ} الشرطية مستأنفة. {لَا}: نافية تعمل عمل من المكسورة. {جُنَاحَ} في محل النصب اسمها. {عَلَيْهِنَّ} : خبرها {فِي آبَائِهِنّ} : جار ومجرور، متعلق بالاستقرار الذي تعلق به خبر {لَا} ؛ أو حال من الضمير المستكن في خبر {لَا} ، وجملة {لَا} مستأنفة. {وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ}: معطوفان على {آبَائِهِنَّ} ، وكذلك قوله:{وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا} : معطوفات على {آبَائِهِنَّ} . {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} : فعل وفاعل صلة لـ {مَا} الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: ولا ما ملكته أيمانهن.

{وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55) إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)} .

{وَاتَّقِينَ اللَّهَ} : فعل أمر وفاعل ومفعول به، معطوف على محذوف تقديره: امتثلن ما أمرتن به، واتقين الله. {إِنَّ اللَّه}: ناصب واسمه. {كَانَ} : فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على الله. {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ}: متعلق بـ {شَهِيدًا} : خبر {كَانَ} ، وجملة {كَانَ} في محل الرفع خبر {إِنَّ} ، وجملة {إِنَّ} مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. {إِنَّ اللَّهَ}: ناصب واسمه. {وَمَلَائِكَتَهُ} : معطوف على لفظ الجلالة، وجملة {يُصَلُّونَ} خبر {إِنَّ}. {عَلَى النَّبِيِّ}: متعلق بـ {يُصَلُّونَ} . وجملة {إِنَّ} مستأنفة استئنافًا نحويًا. {يَا أَيُّهَا} : منادى نكرة مقصودة، وجملة النداء مستأنفة. {الَّذِينَ}: صفة لـ {أَيّ} . {آمَنُوا} : فعل وفاعل، صلة الموصول. {صَلُّوا}: فعل وفاعل. {عَلَيْهِ} : متعلق به، والجملة الفعلية جواب النداء لا محل لها من الإعراب. {وَسَلِّمُوا}: فعل وفاعل، معطوف على {صَلُّوا}. {تَسْلِيمًا}: مصدر مؤكد لعامله منصوب على المفعولية المطلقة.

ص: 120

التصريف ومفردات اللغة

{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا} الشهادة: قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصر أو بصيرة. {سِرَاجًا} والسراج في الأصل: الشيء الزاهر بفتيلة. {وَكِيلًا} : فعيل بمعنى المفعول؛ أي: موكولًا إليه الأمور في كل الأحوال.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} قال في "بحر العلوم": أصل النكاح: الوطء، ثم قيل للعقد: نكاح مجازًا تسمية للسبب باسم المسبب، فإن العقد سبب الوطء المباح، وعليه قوله تعالى:{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً} ؛ أي: لا يتزوج، كما سبق في مبحث التفسير. وفي "القاموس": النكاح: الوطء والعقد. انتهى.

{ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} أصل الطلاق: التخلية من وثاق، يقال: أطلقت الناقة من عقالها وطلقها، وهي طالق وطلق بلا قيد. ومنه استعير طلقت، نحو: خليتها فهي طالق؛ أي: مخلاة عن حبالة النكاح.

{مِنْ عِدَّةٍ} العدة لغة: اسم مصدر من اعتد، وشرعًا: اسم لمدة تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها بطلاق أو وفاة. {تَعْتَدُّونَهَا} بوزن تفتعلونها؛ إما من العدد، فالتاء عوض من الدال الأولى، وإما من الإعتداد، فالتاء حينئذ تاء الافتعال.

{فَمَتِّعُوهُنَّ} ؛ أي: أعطوهن المتعة، وهي قميص وخمار [ما تغطي به المرأة رأسها]، وملحفة [ما تلتحف به من قرنها إلى قدمها: ملاية].

{وَسَرِّحُوهُنَّ} ؛ أي: أخرجوهن من منازلكم. {سَرَاحًا جَمِيلًا} ؛ أي: إخراجًا مشتملًا على لين الكلام خاليًا من الأذى.

{إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ} وأصل الحل: حل العقدة، ومنه استعير قولهم: حل الشيء حلالًا، كما في "المفردات". والحلال: ضد الحرام. {أُجُورَهُنَّ} جمع: أجر، والأجر يقال فيما كان عن عقد وما يجري مجرى العقد، وهو ما يعود من ثواب العمل دنيويًا كان أو أخرويًا، وهو هاهنا كناية عن المهر؛ أي: مهورهن؛ لأن المهر أجر على البضع؛ أي: على المباشرة.

{مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ} والفيء: مال راجع من الكفار إلى المسلمين بلا كلفة ولا مشقة ولا مقاتلة، كالجزية والخراج ومال المصالحة، سمي فيئًا تشبيهًا له

ص: 121

بالفيء، الذي هو الظل تنبيهًا على أن أشرف أعراض الدنيا يجري مجرى ظل زائل، والغنيمة: ما نيل من أهل الحرب والشرك عنوة.

{وَبَنَاتِ عَمِّكَ. . .} إلخ. البنت والابنة: مؤنث الابن، والعم: أخ الأب، والعمة: أخته.

{اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} والمهاجرة في الأصل: مفارقة الغير، ومتاركته، استعملت في الخروج من دار الكفر إلى دار الإِسلام.

{أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} ؛ أي: ينكحها، يقال: نكح واستنكح مثل: عجل واستعجل، وعجب واستعجب. قال النابغة:

وَهُمْ قَتَلُواْ الطَّائِيَّ بِالْحِجْرِ عَنْوَةً

أَبَا جَابِرِ وَاسْتَنْكَحُوْا أُمَّ جَابِرِ

وهو في اللغة بمعنى: الضم والجمع، ومنه: تناكحت الأشجار: إذا تمايلت وانضم بعضها إلى بعض. قال عمر بن ربيعة:

واسْتَنْكَحَ الْقَوْمُ الَّذِيْنَ نَخَافُهُمْ

وَرَمَى الْكَرَى بَوَّابَهُمْ فَتَجَدَّلَا

ويجوز أن يراد بالاستنكاح معنى طلب النكاح والرغبة فيه، والمعنى: أراد النبي أن يتملك بضعها بلا مهر.

{تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ} قرىء: {ترجيء} مهموزًا وغير مهموز، كما سبق في مبحث القراءة، وهما لغتان بمعنى واحد؛ لأن الياء مبدل من الهمزة، والإرجاء التأخير، يقال: أرأجت الأمر، وأرجيته: إذا أخرته. وذكر في "القاموس": في الهمزة: أرجأ الأمر: أخره، وترك الهمزة لغة، وفي الناقص: الإرجاء: التأخير.

{وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} ؛ أي: تضم إليك، يقال: آواه إليه بالمد: ضمه إليه، وأوى مقصورًا؛ أي: ضمَّ إليه.

{وَمَنِ ابْتَغَيْتَ} ؛ أي: طلبت ردَّها إلى فراشك بعد أن عزلتها، وأسقطتها من القسمة. اهـ "خازن". وفي "القرطبي":{وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ} ابتغيت: طلبت، والابتغاء: الطلب، وعزلت: أزلت، والعزله: الإزالة، والعزل: الترك والتبعيد.

{أَدْنَى أَنْ تَقَرّ} أصله من: القر بالضم، وهو: البرد، وللسرور دمعة قارة؛ أي: باردة، وللحزن دمعة حارة، أو من القرار؛ أي: تسكن أعينهن، ولا تطمح إلى

ص: 122

ما عاملتهن به. قال في "القاموس": قرت عينه تقر بالكسر والفتح قرة - وتضم - وقرورًا: بردت وانقطع بكاؤها، أو رأت ما كانت متشوقة إليه، وقر بالمكان يقر - بالكسر والفتح - قرارًا: ثبت واستكن كاستقر.

{لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ} بالياء؛ لأن تأنيث الجمع غير حقيقي، ولوجود الفضل، وإذا جاز التذكير بغيره في قوله:{وَقَالَ نِسْوَةٌ} .. كان معه أجوز، والنساء والنسوان والنسوة - بالكسر -: جموع المرأة من غير لفظها؛ أي: لا تحل لك واحدة من النساء، مسلمة كانت أو كتابية لما تقرر أن حرف التعريف إذا دخل على الجمع يبطل الجمعية، ويراد الجنس، وهو كالنكرة يخص في الإثبات، ويعم في النفي، كما مر.

{وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ} بحذف إحدى التاءين، والأصل: تتبدل من باب تفعل الخماسي، وبدل الشيء: الخلف عنه، وتبدَّله به وأبدله منه وبدَّله: اتخذه بدلًا، كما في "القاموس". قال الراغب: التبدل والإبدال والتبديل والاستبدال: جعل الشيء مكان آخر، وهو أعم من العوض، فإن العوض هو أن يصير لك الثاني بإعطاء الأول، والتبديل يقال للتغيير، وإن لم تأت ببدله. انتهى.

وقوله: {مِنْ أَزْوَاجٍ} مفعول {تَبَدَّلَ} ، و {مِنْ} مزيدة لتأكيد النفي تفيد استغراق جنس الأزواج بالتحريم، والمعنى: ولا يحل لك أن تتبدل بهؤلاء التسع أزواجًا أخر بكلهن أو بعضهن، بأن تطلق واحدة، وتنكح مكانها أخرى.

{وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} ؛ أي: أوقعك في العجب. قال الراغب: العجب والتعجب: حالة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء، وقد يستعار للروق، فيقال: أعجبني كذا؛ أي: راقني، والحسن كون الشيء ملائمًا للطبع، وأكثر ما يقال: الحسن بفتحتين في تعارف العامة في المستحسن بالبصر.

{رَقِيبًا} يقال: رقبته حفظته، والرقيب: الحافظ، وذلك إما لمراعاة رقبة المحفوظ، وإما لرفعه رقبته.

{غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} ؛ أي: نضجه وإدراكه، وهو بكسر الهمزة وبالقصر مصدر سماعي، لأنى الطعام يأني من باب رمى يرمي إنًى: إذا أدرك، وقياس مصدره: أني، كرمي، ولكنه لم يسمع، ولكن المسموع إنًا بالكسر والقصر بوزن رضا. قال

ص: 123

في "المفردات": الإنا إذا كسر أوله قصر، وإذا فتح مد، وأنى الشيء يأني: قرب إناه، ومثله: آن يئين؛ أي: حان يحين. اهـ.

{فَإِذَا طَعِمْتُمْ} ؛ أي: تناولتم الطعام، فإن الطعم تناول الغذاء. {وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ} من الاستئناس، وهو ضد الوحشة والنفور، كما مر. والاستئناس: طلب الأنس بالحديث، تقول: استؤنست بحديثه؛ أي: طلبت الأنس والسرور به، وما بالدار من أنيس؛ أي: ليس بها أحد يؤانسك أو يسليك.

{الحديث} الحديث: يستعمل في قليل الكلام وكثيره؛ لأنه يحدث شيئًا فشيئًا {كَانَ يُؤْذِي النَّبِيّ} والأذى: ما يصل إلى الإنسان من ضرر؛ إما في نفسه، أو في جسمه، أو فتياته دنيويًا كان أو أخرويًا.

{فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ} من الحياء، والحياء: رقة تعتري وجه الإنسان عند فعل ما يتوقع كراهته، أو ما يكون تركه خيرًا من فعله. قال الراغب: الحياء: انقباض النفس عن القبائح، وتركه لذلك.

{مَتَاعًا} المتاع: الغرض والحاجة، كالماعون وغيره من أثاث البيت. {مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}؛ أي: ستر.

البلاغة

وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:

فمنها: توافق الفواصل في قوله: {مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} ، {وَسِرَاجًا مُنِيرًا} {عَلِيمًا حَلِيمًا} ، {غَفُورًا رَحِيمًا} ؛ لأنه من المحسنات البديعية تزيد الكلام رونقًا وحسنًا، وهو من خصائص القرآن الكريم.

ومنها: المجاز المرسل في قوله: {بِإِذْنِهِ} ؛ أي: بتيسيره وتسهيله، فأطلق الإذن، وأريد به التيسير مجازًا مرسلًا بعلاقة السببية؛ فإن التصرف في ملك الغير متعسر، فإذا أذن تسهل وتيسير، وإنما لم يحمل على حقيقته، وهو الإعلام بإجازة الشيء، والرخصة فيه لانفهامه من قوله:{أَرْسَلْنَاكَ} ، {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ} ، كما سبق.

ومنها: التشبيه البليغ في قوله: {وَسِرَاجًا مُنِيرًا} ؛ أي: كالسراج في الاستضاءة

ص: 124

به؛ لأنه يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية، كما أن السراج الحسي، هو المصباح يستضاء به في ظلمات الليل، فحذف الأداة ووجه الشبه، وأصل هذا التشبيه: أنت يا محمد، كالسراج الوضاء في الهداية والإرشاد، حذفت منه أداة التشبيه ووجه الشبه، فأصبح بليغًا على حد قولهم: عليٌّ أسد، ومحمد قمر.

ومنها: الطباق بين قوله: {مُبَشِّرًا} و {نَذِيرًا} .

ومنها: أنه وصف النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات بنعوت خمسة، وقوبل كل منها بخطاب يناسبه خلا أنه لم يذكر مقابل الشاهد صريحًا، وهو الأمر بالمراقبة؛ ثقةً بظهور دلالة مقابلة المبشّر عليه، وهو الأمر بالتبشير حسبما ذكر فيما سبق، وقوبل النذير بالنهي عن مداراة الكفار والمنافقين، والمسامحة في إنذارهم، وقوبل الداعي إليه تعالى بإذنه بالأمر بالتوكل عليه من حيث إنه عبارة عن الاستعداد منه تعالى، والاستعانة به، وقوبل السراج المنير بالاكتفاء به تعالى، فإن من أيده الله تعالى بالقوة القدسية، ورشحه بالنبوة، وجعله برهانًا نيرًا يهدي الخلق من ظلمات الغي إلى نور الرشاد، حقيقٌ بأن يكتفى به عن كل ما سواه. اهـ "أبو السعود".

ومنها: الكناية في قوله: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} كنى بالنهي عن طاعتهم عن النهي عن مداراتهم في أمر الدعوة، وعن استعمال لين الجانب في التبليغ مبالغة في الزجر والتنفير عن المنهي عنه. اهـ "أبو السعود".

ومنها: المجاز المرسل في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} ؛ لأن أصل النكاح الوطء، فأطلقه على عقد النكاح مجازًا مرسلًا تسميةً للسبب باسم المسبب، فإن العقد سبب الوطء المباح.

ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} ؛ لأن الطلاق أصل في إطلاق الناقة من عقالها، ثم استعير لتخلية المرأة من حبالة النكاح.

ومنا: الكناية في قوله: {مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} كنى عن الجماع بالمس، وهي من الكنايات المشهورة، ومن الآداب القرآنية؛ لأن القرآن يتحاشى الألفاظ البذيئة.

ومنها: إسناد العدة إلى الرجال في قوله: {تَعْتَدُّونَهَا} دلالةً على أن العدة حقهم، كما أشعر به قوله:{فَمَا لَكُمْ} .

ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: {وَسَرِّحُوهُنَّ} ؛ لأن السراح

ص: 125

حقيقة في تسريح الماشية، وفي قوله:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا} ؛ لأن الحل أصل في حل العقدة في نحو الحبال، ثم استعير لجعل الشيء حلالًا مأذونًا فيه.

ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: {أَزْوَاجَكَ} .

ومنها: الكناية في قوله: {أُجُورَهُنَّ} ؛ لأنه كناية عن المهور.

ومنها: الالتفات في قوله: {إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} ؛ لأن مقتضى السياق أن يقال: إن وهبت نفسها لك، والالتفات فيه للإيذان بأن هذا الحكم مخصوص به لشرف نبوته.

ومنها: الاعتراض بقوله: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ} فإنه اعتراض بين قوله: {لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} ، وبين متعلقه وهو قوله:{خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} ، أو قوله:{أَحْلَلْنَا لَكَ} لتقرير ما قبله وتأكيده.

ومنها: الطباق بين {تُرْجِي} ، {وَتُؤْوِي} ، وبين:{ابْتَغَيْتَ} و {عَزَلْتَ} ، وبين {ادخلو} و {انتشروا} ، وبين:{تُبْدُوا} ، و {تخفوا} .

ومنها: طباق السلب في قوله: {فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ} ، {وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} .

ومنها: الالتفات من الغيبة في قوله: {لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ} إلى الخطاب في قوله: {وَاتَّقِينَ اللَّهَ} لغرض الاعتناء بشأن التقوى.

ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: {بُيُوتَ النَّبِيِّ} ؛ لأنها لما أضيفت إليه تشرفت.

ومنها: الإتيان بالمصدر مع الفعل للتأكيد في قوله: {وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ، وفيه أيضًا: جناس الاشتقاق.

ومنها: الاحتباك في قوله: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ، وهو أن يحذف من كل من المتقابلين نظير ما أثبته في الآخر؛ لأنه حذف من صلوا المصدر، ومن {سَلِّمُوا} المتعلق؛ لأن أصل الكلام: صلوا عليه صلاةً، وسلموا عليه تسليمًا، وهو من المحسنات البديعية.

وفي هذه الجملة تأكيدات اهتمامًا بشأن الرسول صلى الله عليه وسلم، أكد بـ {إِنَّ} في قوله:

ص: 126

{إِنَّ اللَّهَ} اهتمامًا بشأنه، وجاء بالجملة الاسمية إفادة للدوام، وكانت الجملة اسمية في صدرها {إِنَّ اللَّهَ} فعلية في عجزها {يُصَلُّونَ} للإشارة إلى أن هذا الثناء من الله تعالى على رسوله يتجدد وقتًا فوقتًا على الدوام، فتأمل.

ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.

والله سبحانه وتعالى أعلم

* * *

ص: 127

قال الله سبحانه جلَّ وعلا:

{إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62) يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (65) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73)} .

المناسبة

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما (1) أمر باحترام نبيه في بيته وفي الملأ. نهى عن إيذاء الله بمخالفة أوامره، وارتكاب زواجره، وإيذاء رسوله بإلصاق عيب أو نقص به، ولما كان من أعظم أذى رسوله أذى من تابعه. . بين ذلك بقوله: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ

} الآية.

(1) المراغي.

ص: 128

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ

} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أنَّ من يؤذي مؤمنًا، فقد احتمل بهتانًا، وإثمًا مبينًا زجرًا لهم عن الإيذاء .. أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يأمر بعض المتأذِّين بفعل ما يدفع الإيذاء عنهم في الجملة، من التستر، والتميز بالزي، واللباس، حتى يبتعدوا عن الأذى بقدر المستطاع.

روي: أنه لما كانت الحرائر والإماء في المدينة يخرجن ليلًا لقضاء الحاجة في الغيطان، وبين النخيل بلا فارق بين الحرائر والإماء، وكان في المدينة فساق يتعرضون للإماء، وربما تعرضوا للحرائر، فإذا كلموا في ذلك .. قالوا: حسبناهن إماءً .. طلب من رسوله أن يأمر الحرائر أن يخالفن الإماء في الزي والتستر؛ ليتمايزن ويهبن، فلا يطمع فيهن طامع.

قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر حال هذه الفئات الثلاثة - أعني: المنافقين ومرضى القلوب، والمرجفين في الدنيا - وأنهم يلعنون ويهانون ويقتلون .. عطف على ذلك ذكر حالهم في الآخرة، فذكرهم بيوم القيامة، وبين ما يكون لهم في هذا اليوم العظيم.

قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى

} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر (1) فيما سلف أن من يؤذي الله ورسوله يلعنه الله في الدنيا والآخرة، ولا شك أن هذا في الإيذاء الذي يؤدي إلى الكفر، وقد حصره الله في النفاق، ومرض القلب، والإرجاف على المسلمين .. أعقب ذلك بإيذاء دون ذلك لا يورث الكفر، كعدم الرضا بقسمة النبي صلى الله عليه وسلم للفيء، ونهى الناس عنه أيضًا، وذكر أن بني إسرائيل قد آذوا موسى، ونسبوا إليه ما ليس فيه، فبرأه الله منه؛ لأنه ذو كرامة ومنزلة لديه، فلا يلحق به ما هو نقص فيه.

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70)} الآية، هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما نهى عن إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أو

(1) المراغي.

ص: 129

فعل .. أرشدهم إلى ما ينبغي أن يصدر منهم من الأقوال والأفعال التي تكون سببًا في الفوز والنجاة في الدار الآخرة، والقرب من الله سبحانه، والحظوة إليه.

قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين عظم شأن طاعة الله تعالى ورسوله، وأن من يراعيها .. فله الفوز العظيم، وأن من يتركها يستحق العذاب .. أردف عظم شأن ما تنال به تلك الطاعة من فعل التكاليف الشرعية، وأن حصولها عزيز شاق على النفوس، ثم بيان أن ما يصدر منهم من الطاعة، أو يكون منهم من إباء بعدم القبول والالتزام إنما يكون بلا جبر ولا إلزام.

أسباب النزول

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ

} الآية، سبب نزول هذه الآية (1): ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية. قال نزلت في الذين طعنوا على النبي صلى الله عليه وسلم حين اتخذ صفية بنت حيي، وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: نزل في عبد الله بن أبي وناسٍ معه حين قذنوا عائشة، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال:"من يعذرني من رجل يؤذيني، ويجمع في بيته من يؤذيني"، فنزلت الآية.

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ

} الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه البخاري عن عائشة قالت: خرجت سودة بعدما ضرب الحجاج؛ لحاجتها، وكانت امرأةً جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر فقال: يا سودة، أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، قالت: فانكفأت راجعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، وإنه ليتعشى، وفي يده عرق، فدخلت فقالت: يا رسول الله، إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر: كذا وكذا. قالت: فأوحى الله إليه، ثم رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه، فقال: إنه قد أذن لكنَّ أن تخرجن لحاجتكن.

وأخرج ابن سعد في "الطبقات" عن أبي مالك قال: كان نساء النبي صلى الله عليه وسلم

(1) لباب النقول.

ص: 130