الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإضافة الربِّ إلى ضميرهم لتحقيق الحق، والتنبيه على بطلان ما هم عليه من اتخاذ الأصنام أربابًا، كما في"الإرشاد". وإنما أكَّده إظهارًا لصدوره عنه بكمال الرغبة والنشاط.
26
- ثم ذكر مآل أمره، وما قاله حين وجد النعيم والكرامة، فقال:{قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ} ؛ أي: قيل لحبيب النجار من جهة الرب جل جلاله حين قتلوه: ادخل الجنة إكرامًا له بدخولها حينئذ، كما هي سنة الله سبحانه في عباده الشهداء، وقيل: معناه: البشرى بدخول الجنة، وأنه من أهلها، يدخلها بعد البعث، لا أنه أمر بدخولها في الحال؛ لأن الجزاء بعد البعث، وعلى قول من قال: إنه رفع إلى السماء ولم يقتل .. يكون المعنى: أنهم لما أرادوا قتله .. نجاه الله من القتل، وقيل له: ادخل الجنة.
وإنما لم يقل: قيل له بزيادة لفظة: له؛ لأن الغرض بيان مقول، لا المقول له؛ لظهوره وللمبالغة في المسارعة إلى بيانه، والجملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر نشأ عن حكاية حاله ومقاله، كأنه قيل: كيف كان بقاؤه عند ربه بعد ذلك التصلب في دينه، والتسخي بروحه لوجهه تعالى، فقيل: قيل له: ادخل الجنة، وكذا قوله تعالى:{قَالَ} الخ مستأنف واقع في جواب سؤال مقدر نشأ من حكاية حاله، كأنه قيل: فماذا قال عند نيله تلك الكرامة السنية؟ فقيل: قال متمنيًا علم قومه بحاله ليحملهم ذلك على اكتساب مثله بالتوبة من الكفر، والدخول في الإيمان والطاعة، جريًا على سنن الصالحين في كظم الغيظ، والترحم على الأعداء، وليعلموا أنهم على خفاء عظيم في أمره، وأنه كان على الحق، وأن عداوتهم لم تكسبه إلا سعادة؛ أي: فلما دخل الجنة وشاهدها قال حبيب النجار: {يَا لَيْتَ قَوْمِي} {يَا} في مثل هذا المقام لمجرد التنبيه من غير قصد إلى تعيين المنبه؛ أي: انتبه أيها المخاطب، أتمنى أن قومي
27
- {يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} {ما} : إما موصولة، والباء صلة {يَعْلَمُونَ}؛ أي: أتمنى علم قومي بالأمر الذي بسببه غفر لي ربي ذنوبي، وهو الإيمان به والطاعة أو: مصدرية، والباء: صلة العلم أيضًا؛ أي: أتمنى علم قومي بغفران ربي لذنوبي، أو استفهامية وردت على الأصل، وهو أن لا تحذف الألف بدخول الجار عليها، والباء: صلة غفر على هذا الوجه؛ أي: أتمنى علم قومي بأيِّ شيء غفر لي ربي ذنوبي، يريد تفخيم شأن المهاجرة عن ملتهم،
والمصابرة على أذيتهم لإعزاز الدين حتى قُتل.
{وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} ؛ أي: من المنعمين في الجنة، وإن كان على النصف؛ إذ تمامه إنما يكون بعد تعلق الروح بالجسد يوم القيامة. وفي الحديث المرفوع:"نصح قومه حيًا وميتًا"، وهكذا (1) ينبغي للمؤمن أن يكون ناصحًا للناس، إلى تعصُّبهم وتمردهم، ويستوي حاله في الرضى والغضب. قال حمدون القصار: لا يسقط عن النفس رؤية الخلق بحال، ولو سقط عنها في وقت لسقط في المشهد الأعلى في الحضرة، ألا تراه في وقت دخول الجنة يقول:{يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} يحدِّث نفسه، إذ ذاك.
وقرىء (2): من {الْمُكْرَمِينَ} مشدد الراء مفتوح الكاف، وقرأ الجمهور: بإسكان الكاف وتخفيف الراء.
ومعنى الآية: أي قال الله سبحانه له: ادخل الجنة كفاء ما قدمت من عمل، وأسلفت من إحسان، فلما دخلها وعاين ما أكرمه الله به لإيمانه وصبره .. قال يا ليت قومي يعلمون بما أنا فيه من نعيم وخير عميم لإيماني بربي، وتصديقي برسله، وصبري على أذى قومي، وإنما تمنى علم قومه بحاله ليحملهم ذلك على اكتساب المثوبة مثله بالتوبة عن الكفر، والدخول في حظيرة الإيمان والطاعة، اتباعًا لسنن أولياء الله الذي يكظمون الغيظ، ويترحمون على الأعداء.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: نصح قومه حيًا بقوله: {يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} ، وبعد مماته بقوله:{يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)} .
الإعراب
{يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)} .
{يس (1)} : إن قلنا إنه علم على السورة .. فهو إما خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هذه يس، والخبر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره على قراءة الرفع،
(1) روح البيان.
(2)
البحر المحيط.
ولم ينون؛ لأنه اسم لا ينصرف للعلمية والتأنيث المعنوي، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره: يس هذا محلها، أو مفعول لفعل محذف على قراءة النصب تقديره: اقرأ يس، أو مجرور بحرف قسم محذوف على قراءة الجر. وإن قلنا إنه من الحروف المقطعة التي وقعت فواتح السور .. فلا توصف بإعراب ولا بناء؛ لأنهما فرع عن إدراك المعنى، ومعناها: لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. {وَالْقُرْآنِ} : الواو: حرف جر وقسم، {وَالْقُرْآنِ}: مقسم به مجرور بواو القسم، {الْحَكِيمِ}: صفة له، الجار والمجرور متعلق بمحذوف، تقديره: أقسم بالقرآن الحكيم، وجملة القسم مستأنفة. {إِنَّكَ}: ناصب واسمه، {لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}: جار ومجرور خبره، واللام حرف ابتداء وتوكيد، وجملة {إنّ} جواب القسم لا محل لها من الإعراب، {عَلَى صِرَاطٍ}: جار ومجرور خبر ثانٍ لـ {إنَّ} ، {مُسْتَقِيمٍ}: صفة {صِرَاطٍ} ، ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالًا من الضمير المستكن في خبر {إنّ} ، وأجاز الزمخشري أن يتعلق بالمرسلين؛ أي: من الذين أرسلوا على طريقةٍ مستقيمة، ولا بأس بهذا الإعراب.
{تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ} : بالنصب مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: نزل العزيز الرحيم القرآن تنزيلًا، أو منصوب على المدح بفعل محذوف تقديره: أمدح تنزيل العزيز الرحيم، وبالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو تنزيل العزيز، وبالجر بدل من {يس (1)} ، أو صفة له؛ لأنه بمعنى منزل. {الْعَزِيزِ}: مضاف إليه، {الرَّحِيمِ}: صفة لـ {الْعَزِيزِ} ، {لِتُنْذِرَ}:{اللام} : حرف جر وتعليل، {تنذر}: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وفاعله ضمير يعود على محمد، {قَوْمًا}: مفعول به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بـ {تَنْزِيلَ}؛ أي: نزلت عليك لإنذارك قومًا، أو متعلق بمعنى قوله: من المرسلين؛ أي: أرسلت لإنذارك قومًا، {مَا}: نافية، {أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ}: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب صفة لـ {قَوْمًا} ، ويجوز أن تكون {مَا} موصولة أو موصوفة في محل النصب على أنها مفعول ثان لـ {تنذر} ، وجملة {أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ} صلة لها، أو صفة لها، والعائد أو الرابط
محذوف تقديره: لتنذر قومًا العذاب الذي أنذره آباؤهم، أو عذابًا أنذره آباؤهم، ويجوز أن تكون مصدرية؛ أي: لتنذر قومًا إنذار آبائهم، ويجوز أن تكون زائدةً، وتكون جملة {أُنْذِرَ} صفة لـ {قَوْمًا} ، ففي {مَا} أربعة أوجهٍ من الإعراب. {فَهُمْ}:{الفاء} : عاطفة تفريعية، {هم}: مبتدأ، {غَافِلُونَ}: خبره، والجملة في محل النصب، معطوف على جملة {أنذر} على كونها صفة لـ {قَوْمًا} ، {لَقَدْ}:{اللام} : موطئة للقسم، {قد}: حرف تحقيق، {حَقَّ الْقَوْلُ}: فعل وفاعل، {عَلَى أَكْثَرِهِمْ}: متعلق بـ {حَقَّ} ، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة، {فَهُمْ}:{الفاء} : عاطفة تفريعية، {هم}: مبتدأ، وجملة {لَا يُؤْمِنُونَ} خبره، والجملة معطوفة على جملة الجواب.
{إِنَّا} : ناصب واسمه، وجملة جعلنا خبره، {فِي أَعْنَاقِهِمْ}: متعلق بـ {جَعَلْنَا} على كونه مفعولًا ثانيًا لـ {جَعَلْنَا} ، {أَغْلَالًا}: مفعول أول لها، وجملة {إن} مستأنفة مسوقة لتمثيل تصميمهم على الكفر، وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم عن غيهم، {فَهِيَ}:{الفاء} : عاطفة تفريعية، {هِيَ}: مبتدأ، {إِلَى الْأَذْقَانِ} متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: مجموعة أو مرفوعة إلى الأذقان، والجملة الاسمية معطوفة مفرعة على جملة {جَعَلْنَا} ، {فَهُمْ}:{الفاء} : عاطفة تفريعية، {هُمْ}: مبتدأ {مُقْمَحُونَ} : خبره، والجملة معطوفة مفرعة على جملة قوله:{فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ} ، {وَجَعَلْنَا}: فعل وفاعل، معطوف على {جَعَلْنَا} الأول، {مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ}: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ {جَعَلْنَا} على كونه مفعولًا ثانيًا له، {سَدًّا}: مفعول أول له، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ}: معطوف على {مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} ، {سَدًّا}: معطوف على {سَدًّا} الأول، {فَأَغْشَيْنَاهُمْ}:{الفاء} : عاطفة تفريعية، {أغشيناهم}: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على {جَعَلْنَا} ، {فَهُمْ}:{الفاء} : عاطفة تفريعية {هم} : مبتدأ، وجملة {لَا يُبْصِرُونَ}: خبره، والجملة الاسمية معطوفة على {أغشينا} .
{وَسَوَاءٌ} : الواو: استئنافية، {سواء}: خبر مقدم، {عَلَيْهِمْ}: متعلق بـ {سواء} ؛ لأنه بمعنى: مستوٍ. {أَأَنْذَرْتَهُمْ} : {الهمزة} : حرف استفهام وتسوية، {أنذرتهم}: فعل وفاعل ومفعول به، {أَمْ}: حرف عطف معادل لهمزة التسوية، {لَمْ}: حرف نفي وجزم، {تُنْذِرْهُمْ}: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على جملة {أَنْذَرْتَهُمْ} ، وجملة {أَنْذَرْتَهُمْ} في تأويل مصدر من غير سابك لإصلاح المعنى، أو بسابك هو همزة التسوية، مرفوع على كونه مبتدأ لـ {سَوَاءٌ} تقديره: وإنذارك إياهم وعدم إنذارك إياهم سواء؛ أي: مستويان، والجملة مستأنفة، {لَا يُؤْمِنُونَ}: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مؤكدة لما قبلها، أو حال مؤكدة له، {إِنَّمَا}: أداة حصر، {تُنْذِرُ}: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة، {مَنِ}: اسم موصول في محل النصب مفعول {تُنْذِرُ} ، {اتَّبَعَ الذِّكْرَ}: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة صلة {مَن} الموصولة، {وَخَشِيَ الرَّحْمَن}: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على {اتَّبَعَ}. {بِالْغَيْبِ}: حال من فاعل {خشي} ، أو من مفعوله، {فَبَشِّرْهُ}:{الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت إنما الإنذار لمن اتبع الذكر، وأردت بيان عاقبته .. فأقول لك: بشره، {بشره}: فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به. {بِمَغْفِرَةٍ} : متعلق به، {وَأَجْرٍ}: معطوف على {مَغْفِرَةٍ} ، {كَرِيمٍ}: صفة {أجر} ، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
{إِنَّا} : ناصب واسمه، {نَحْنُ}: مبتدأ، {نُحْيِ الْمَوْتَى}: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر {إِنَّ} ، وجملة {إِنَّ} مستأنفة، {وَنَكْتُبُ}: فعل مضارع، وفاعل مستتر، معطوف على {نُحْيِ} ، {مَا}: اسم موصول في محل النصب مفعول {نكتب} ، وجملة {قَدَّمُوا}: صلة {مَا} الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما قدموه {وَآثَارَهُمْ} : معطوف على {مَا} ، {وَكُلَّ شَيْءٍ}: الواو: استننافية، {كل شيء}: منصوب بفعل مضمر وجوبًا يفسره ما بعده على سبيل الاشتغال تقديره:
وأحصينا كل شيء أحصيناه، والجملة المحذوفة مستأنفة، {أَحْصَيْنَاهُ}: فعل وفاعل ومفعول به، جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب، {فِي إِمَامٍ}: متعلق بـ {أَحْصَيْنَاهُ} ، {مُبِينٍ}: صفة {إِمَامٍ} . {وَاضْرِبْ} : الواو: استئنافية، {اضرب}: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة، {لَهُمْ}: جار ومجرور حال من {مَثَلًا} ؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، {مَثَلًا}: مفعول ثانٍ لـ {اضرب} ؛ لأنه بمعنى: اجعل {أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ} : مفعول أول له، {إِذْ}: ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب على الظرفية بدل اشتمال من {أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ} ، {جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ}: فعل ومفعول به وفاعل، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة {إِذْ} إليها.
{إِذْ} : ظرف لما مضى من الزمان بدل من {إِذْ} الأولى بدل تفصيل من مجمل، وهو يدخل في نطاق بدل المطابق، أو بدل الكل من الكل، {أَرْسَلْنَا}: فعل وفاعل، {إِلَيْهِمُ}: متعلق به، {اثْنَيْنِ}: مفعول به لـ {أَرْسَلْنَا} ، وجملة {أَرْسَلْنَا}: في محل الجر مضاف إليه لـ {إِذْ} ، {فَكَذَّبُوهُمَا}: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على {أَرْسَلْنَا} ، {فَعَزَّزْنَا}: فعل وفاعل معطوف على {فَكَذَّبُوهُمَا} ، {بِثَالِثٍ}: متعلق بـ {عززنا} ، {فَقَالُوا}: فعل وفاعل معطوف على {عززنا} ، {إِنَّا}: ناصب واسمه، {إِلَيْكُمْ}: متعلق بـ {مُرْسَلُونَ} ، و {مُرْسَلُونَ}: خبر {إنَّ} ، وجملة {إنَّ} في محل النصب مقول {قَالُوا} ، {قَالُوا}: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، {مَا}: نافية، {أَنْتُمْ}: مبتدأ، {إِلَّا}: أداة حصر، {بَشَرٌ}: خبر أنتم، {مِثْلُنَا}: صفة {بَشَرٌ} ، والجملة في محل النصب مقول {قَالُوا} ، والخطاب فيه للرسل الثلاثة، {وَمَا}: الواو: عاطفة، {ما}: نافية، {أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ} فعل وفاعل، {مِنْ}: زائدة {شَيْءٍ} : مفعول {أَنْزَلَ} ، والجملة الفعلية في محل النصب، معطوف على جملة قوله:{مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ} {ما} : نافية، {أَنْتُمْ}: مبتدأ، {إِلَّا}: أداة حصر، وجملة {تَكْذِبُونَ} في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول {قَالُوا} ، {قَالُوا}: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، {رَبُّنَا}: مبتدأ، وجملة
{يَعْلَمُ} خبره، والجملة في محل النصب مقول {قَالُوا} ، {إِنَّا}: ناصب واسمه، {إِلَيْكُمْ}: متعلق بـ {مرسلون} ، {لَمُرسَلُونَ}: خبر {إِنَّ} ، و {اللام} حرف ابتداء، وجملة {إِنَّ} في محل النصب سادة مسد مفعول {يَعْلَمُ} ، {وَمَا}: الواو: عاطفة، {ما}: نافية، {عَلَيْنَا}: خبر مقدم، {إِلَّا}: أداة حصر، {الْبَلَاغُ}: مبتدأ مؤخر، {الْمُبِينُ}: صفة {الْبَلَاغُ} ، والجملة معطوفة على جملة {رَبُّنَا} .
{قَالُوا} : فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، {إِنَّا}: ناصب واسمه، {تَطَيَّرْنَا}: فعل وفاعل، {بِكُمْ}: متعلق به، وجملة {تَطَيَّرْنَا} في محل الرفع خبر {إِنّ} ، وجملة {إِنّ} في محل النصب مقول {قَالُوا} ، {لَئِنْ}:{اللام} : موطئة للقسم، {إن}: حرف شرط جازم، {لَمْ}: حرف جزم، {تَنْتَهُوا}: فعل مضارع وفاعل، مجزوم بـ {لَمْ} ، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ {إن} الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجواب {إن} الشرطية محذوف دل عليه جواب القسم، تقديره: نرجمكم، وجملة {إن} الشرطية في محل النصب مقول {قَالُوا} على كونها معترضة، {لَنَرْجُمَنَّكُمْ}:{اللام} : موطئة للقسم مؤكدة للأولى، {نرجمن}: فعل مضارع وفاعل مستتر، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، والكاف مفعول به، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم في محل النصب مقول {قَالُوا} ، {وَلَيَمَسَّنَّكُمْ}: الواو: عاطفة، واللام: موطئة للقسم، {يمسن}: فعل مضارع مبني على الفتح، والنون للتوكيد، والكاف مفعول به، {مِنَّا}: متعلق بـ {يمسن} ، {عَذَابٌ}: فاعل، {أَلِيمٌ}: صفة {عَذَابٌ} ، والجملة معطوفة على جملة قوله:{لَنَرْجُمَنَّكُمْ} . {قَالُوا} : فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، {طَائِرُكُمْ}: مبتدأ، {مَعَكُمْ}: ظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول {قَالُوا} ، {أَئِنْ}:{الهمزة} : للاستفهام التوبيخي، {إن}: حرف شرط {ذُكِّرْتُمْ} : فعل ماضٍ مغيَّر الصيغة ونائب فاعل، في محل الجزم بـ {إن} الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف، والقاعدة عند سيبويه: أنه إذا اجتمع شرط واستفهام .. يجاب الاستفهام ويحذف جواب الشرط، والتقدير عنده: أإن ذكرتم تتطيرون وتوعدون، وذهب غيره إلى إجابة الشرط، والتقدير
عندهم: أإن ذكرتم تتطيروا بالجزم، وجملة {إن} الشرطية في محل النصب مقول {قَالُوا} ، {بَلْ}: حرف ابتداء وإضراب، {أَنْتُمْ}: مبتدأ، {قَوْمٌ}: خبر، {مُسْرِفُونَ}: صفة {قَوْمٌ} ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول {قَالُوا} .
{وَجَاءَ} : الواو: عاطفة أو استئنافية، {جاء}: فعل ماض، {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ}: متعلق بـ {جاء} ، {رَجُلٌ} فاعل، وجملة {يَسْعَى} صفة لـ {رَجُلٌ} ، أو حال منه لوصفه بصفة محذوفة معلومة من السياق؛ أي: رجل عظيم الشأن عند الله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو معطوفة على الجمل التي قبلها، {قَالَ}: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على رجل، والجملة مستأنفة، {يَا قَوْمِ}: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول {قَالَ} ، {اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول {قَالَ} ، {اتَّبِعُوا مَنْ}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية توكيد للجملة التي قبلها، {لَا}: نافية، {يَسْأَلُكُمْ}: فعل، وفاعل مستتر يعود على {مَنْ} ومفعول أول، {أَجْرًا}: مفعول ثانٍ، والجملة صلة {مَنْ} الموصوله، {وَهُمْ}: الواو: حالية، {هُمْ}: مبتدأ، {مُهْتَدُونَ}: خبر {هم} ، والجملة في محل النصب حال من فاعل {يسأل} ، والجمع باعتبار معنى {مَن} ، {وَمَا}: الواو: عاطفة، {ما}: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، {لِيَ}: جار ومجرور في محل الرفع خبر، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة قوله:{يَا قَوْمِ} ، {لَا}: نافية، {أَعْبُدُ}: فعل مضارع وفاعل مستتر، {الَّذِي}: اسم موصول في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ياء المتكلم، {فَطَرَنِي}: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة صلة الموصول، {وَإِلَيْهِ}: متعلق بـ {تُرْجَعُونَ} ، و {تُرْجَعُونَ}: فعل مغيَّر الصيغة ونائب فاعل، معطوف على {فَطَرَنِي} .
{أَأَتَّخِذُ} : {الهمزة} : للاستفهام الإنكاري، {أتخذ}: فعل مضارع وفاعل
مستتر، {مِنْ دُونِهِ}: جار ومجرور، متعلق بـ {أتخذ} على كونه مفعولًا ثانيًا له، {آلِهَةً}: مفعول أول له، والجملة في محل النصب مقول {قَالَ} ، {إِنْ}: حرف شرط، {يُرِدْنِ}: فعل مضارع مجزوم بـ {إِنْ} الشرطية على كونه فعل شرط لها، والنون نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسر نون الوقاية مفعول به، {الرَّحْمَنُ}: فاعل، {بِضُرٍّ}: متعلق بـ {يُرِدْنِ} ، {لَا}: نافية، {تُغْنِ}: فعل مضارع مجزوم بـ {إِنْ} الشرطية على كونه جوابًا لها، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، {عَنِّي} متعلق بـ {تُغْنِ} ، {شَفَاعَتُهُمْ}: فاعل {تُغْنِ} ، {شَيْئًا}: مفعول مطلق، أو مفعول به، وجملة {إِنْ} الشرطية في محل النصب مقول {قَالَ} ، {وَلَا}: الواو: عاطفة {لا} : نافية، {يُنْقِذُونِ}: فعل مضارع وفاعل، معطوف على {تُغْنِ} مجزوم بـ {إن} الشرطية، وعلامة جزمه حذف النون، والنون نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسر نون الوقاية مفعول به؛ لأن أصله: ينقذونني.
{إِنِّي} : ناصب واسمه، {إِذًا}: حرف جواب وجزاء لا عمل لها لفقد شرطها، {لَفِي}:{اللام} : حرف ابتداء، {في ضلال}: جار ومجرور خبر إن، {مُبِينٍ}: صفة {ضَلَالٍ} ، وجملة {إن} في محل النصب مقول {قَالَ} ، {إِنِّي}: ناصب واسمه، {آمَنْتُ}: فعل وفاعل، {بِرَبِّكُمْ}: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إنّ} ، وجملة {إن} في محل النصب مقول {قَالَ} ، {فَاسْمَعُونِ}:{الفاء} : عاطفة {اسمعوا} : فعل أمر وفاعل مبني على حذف النون، والنون نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسر نون الوقاية في محل النصب مفعول به، والجملة معطوفة على جملة {آمَنْتُ} ، {قِيلَ}: فعل ماض مغيَّر الصيغة، {ادْخُلِ الْجَنَّةَ}: نائب فاعل محكي لـ {قِيلَ} ، والجملة الفعلية مستأنفة، وإن شئت قلت:{ادْخُلِ} : فعل أمر وفاعل مستتر، {الْجَنَّةَ}: ظرف مكان متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع نائب فاعل لـ {قِيلَ} ، {قَالَ}: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر يعود على {رَجُلٌ} ، والجملة مستأنفة، {يَا لَيْتَ} {يَا}: حرف تنبيه، أو حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره: يا هؤلاء، {لَيْتَ قَوْمِي}: ناصب
واسمه، وجملة {يَعْلَمُونَ}: خبره، وجملة {لَيْتَ} في محل النصب مقول {قَالَ} ، {بِمَا}: متعلق بـ {يَعْلَمُونَ} ، {ما}: مصدرية أو موصولة، {غَفَرَ}: فعل ماض، {لِي}: متعلق به، {رَبِّي}: فاعل {غَفَرَ} ، والجملة صلة {ما} المصدرية؛ أي: بغفران ربي لي، أو بالسبب الذي غفر به ربي ذنوبي، وهو الإيمان، وقال الفراء: ويجوز جعلها استفهامية؛ يعني: بأي شيء غفر لي ربي؛ ورد عليه بأنها لو كانت استفهامية .. لحذفت ألفها، كما هو القاعدة عند دخول الجار عليها، وأجيب عنه: بأن حذفها أغلبي لا اطرادي، والمشهور أن إثبات الألف في ما الاستفهامية إذا دخل عليها حرف جر مختص بضرورة الشعر نحو قوله:
عَلى مَا قَامَ يَشْتُمُنِيْ لَئِيْمُ
…
كَخِنْزِيْرِ تَمَرَّغَ فِيْ رَمَادِ
وحذفها هو المعروف في الكلام نحو قوله:
عَلَامَ يَقُوْلُ الرُّمْحُ يُثْقِلُ كَاهِلِيْ
…
إِذَا أَنَا لَمْ أَطْعَنْ إِذَا الخَيْلُ كَرَّتِ
{وَجَعَلَنِي} : الواو: عاطفة، {جعلني}: فعل وفاعل مستتر ونون وقاية ومفعول أول {مِنَ الْمُكْرَمِينَ} : جار ومجرور متعلق بـ {جعلني} على أنه مفعول ثانٍ لـ {جعل} ، والجملة معطوفة على جملة {غَفَرَ لِي} .
التصريف ومفردات اللغة
{يس (1)} تقدم الكلام في نظائره من الحروف المقطعة في أوائل السور، وأن الرأي الراجح فيها أنها حروف تنبيه، نحو: ألا ويا، وينطق بأسمائها فيقال: ياسين. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يس؛ أي: يا إنسان بلغة طيء.
{الْحَكِيمِ} ؛ أي: ذو الحكمة، يقال: قصيدة حكيمة؛ أي: ذات حكمة، يقال: حكم الرجل من باب كرم؛ أي: صار حكيمًا، ومنه قول النابغة:
وَاحْكُمْ كَحُكْمِ فَتَاةِ الْحَيِّ إِذْ نَظَرَتْ
…
إِلَى حَمَامِ شِرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ
وأحكمته التجارب: جعلته حكيمًا، وقال آخر:
وَقَصِيْدةٍ تَأْتِيْ الْمُلُوْكَ حَكِيْمَةٍ
…
قَدْ قُلْتُهَا، لِيُقَالَ: مَنْ ذَا قَالَهَا؟
وعبارة "الكرخي": الحكيم: فعيل بمعنى: مفعل، كقولهم: عقدت العسل فهو
عقيد بمعنى: معقد، وليس بمعنى مفعول، كشيطان رجيم بمعنى: مرجوم، وليس هو في الآية كذلك؛ لأنه إنما يقال محكوم به ونحو ذلك، ولا بمعنى: فاعل؛ أي: حاكم؛ لأن الحاكم الحقيقي هو الله تعالى، فظهر بذلك أن القرآن محكوم فيه لا حاكم، وأن الحاكم المطلق هو الله تعالى، أو على معنى النسب؛ أي: ذي الحكم؛ لأنه دليل ناطق بالحكمة بطريق الاستعارة، أو المتصف بها على الإسناد المجازي.
{إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3)} من الإرسال، والإرسال قد يكون للتسخير، كإرسال الريح والمطر، وقد يكون بمعنى بعث من له اختيار، نحو إرسال الرسل، كما في "المفردات".
{فَهُمْ غَافِلُونَ} ؛ أي: متصفون بالغفلة، والغفلة: ذهاب المعنى عن النفس، والنسيان: ذهابه عنها بعد حضوره. قال بعضهم: الغفلة: نوم القلب، فلا تعتبر حركة اللسان إذا كان القلب نائمًا، ولا يضر سكوته إذا كان متيقظًا، ومعنى التيقظ: أن يشهده تعالى حافظًا له رقيبًا عليه قائمًا بمصالحه.
{لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ} ؛ أي: ثبت ووجب، والقول الحكم والقضاء الأزلي. {أَغْلَالًا}: جمع غل بضم الغين، وهو القيد الذي يوضع في اليد، وقد تشد به اليد إلى العنق، وفي "المفردات": أصل الغلل: تدرع الشيء وتوسُّطه، ومنه: الغلل للماء الجاري، مختص بما يقيد به، فيجعل الأعضاء وسطه، وغل فلان: قيد به، وقيل للبخيل: هو مغلول اليد.
{فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ} جمع ذقن بفتح الذال والقاف وبكسر الذال وبفتح القاف ومجتمع اللحيين من أسفلهما.
{فَهُمْ مُقْمَحُونَ} جمع: مقمح، والمقمح: الذي يرفع رأسه، ويغض بصره من الإقماح، يقال: قمح البعير فهو قامح إذا رفع رأسه بعد الشرب لارتوائه، أو لبرودة الماء، أو لكراهة طعمه، كما مرَّ، وفي "المختار" الإقماح: رفع الرأس، وغض البصر، يقال: أقمحه الغل إذا ترك رأسه مرفوعًا من ضيقه. اهـ. وفي "القاموس": وأقمح الغل الأسير: إذا ترك رأسه مرفوعًا لضيقه.
{سَدًّا} السد - بفتح السين وضمها -: الحاجز بين الشيئين والجبل، والجمع: أسداد. قال علي بن أبي طالب: وضرب على قلبه بالأسداد؛ أي: سدت
عليه الطرق، وعميت عليه المذاهب.
{فَأَغْشَيْنَاهُمْ} ؛ أي: أغشينا أبصارهم؛ أي: غطيناهم، وجعلنا عليها غشاوة عن أن تطمح إلى مرئي. {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ}؛ أي: عقابه، {بِالْغَيْبِ}؛ أي: قبل حلوله ومعاينة أهواله. {نُحْيِ الْمَوْتَى} والإحياء: جعل الشيء حيًا ذا حس وحركة، والميت: من أخرج روحه.
{مَا قَدَّمُوا} ؛ أي: أسلفوا من الأعمال الصالحة والطالحة. {وَآثَارَهُمْ} ؛ أي: ما أبقوه بعدهم من الحسنات، كعلم علموه، أو كتاب ألفوه أو بناء في سبيل الله بنوه، أو من السيئات، كغرس بذور الضلالات بين الناس.
{أَحْصَيْنَاهُ} قال ابن الشيخ: أصل الإحصاء: العد، ثم استعير للبيان والحفظ؛ لأن العد يكون لأجلهما، وفي "المفردات": الإحصاء: التحصيل بالعدد، يقال: أحصيت كذا، وذلك من لفظ الحصي، واستعمال ذلك فيه؛ لأنهم كانوا يعتمدون عليه في العد اعتمادنا فيه على الأصابع.
{فِي إِمَامٍ} ؛ أي: أصلٍ يؤتم به، قال الراغب: الإِمام المؤتم به إنسانًا كان يقتدى بقوله وبفعله، أو كتابًا أو غير ذلك، محقًا كان أو مبطلًا، وجمعه: أئمة.
{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ} القرية - بفتح القاف وكسرها -: الضيعة، والمصر الجامع، وجمع الناس، والجمع: قرًى، وقرىء بضم القاف وكسرها، والنسبة إليها: قروي وقرييّ، والمراد بها هنا: أنطاكية كما سبق.
{فعززناهما} ؛ أي: قويناهما وشددناهما، يقال: عزز المطر الأرض إذا لبدها وسددها، وأرض عزار؛ أي: صلبة، وتعزز اللحم: اشتد وعز، كأنه حصل في عزاز يصعب الوصول إليه.
{إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} ؛ أي: التبليغ الواضح الظاهر للرسالة. {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} ؛ أي: تشاءمنا، والتطير: التشاؤم، وأصله: من الطير إذا طار إلى جهة اليسار تشاءموا به، وأصل التطير: التفاؤل بالطير، فإنهم يزعمون أن الطائر السانح - أي: الذي طار إلى جهة اليمين - سببٌ للخير، والبارح - أي: الذي طار إلى جهة اليسار - سبب للشر، ثم استعمل في كل ما يتشاءم به، طيرًا كان أو غيره.
{طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} وفي "المختار": طائر الإنسان: عمله الذي قلّده، والطير
أيضًا الاسم من التطير، ومنه قولهم: لا طير إلا طير الله، كما يقال: لا أمر إلا أمر الله، وقال ابن السكيت يقال: طائر الله لا طائرك، ولا تقل: طير الله، وتطيَّر من الشيء وبالشيء، والاسم: الطيرة بوزن عنبة، وهي ما يتشاءم به من الفأل الرديء. {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ} والضر: اسم لكل سوء ومكروه يتضرر به. {وَلَا يُنْقِذُونِ} من الإنقاذ، وهو: التخليص من المخاوف والمكاره.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: جمع المؤكدات في قوله: {يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3)} لردِّ إنكار الكفرة بقولهم في حقه صلى الله عليه وسلم: لست مرسلًا، وما أرسل الله إلينا رسولًا، فإنه أكد بالقسم، وبإن، وباللام، وباسمية الجملة؛ لأن المقام مقام الإنكار.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا} فإنه شبَّه حال الكفار في امتناعهم من الهدى والإيمان بمن غلت يده إلى عنقه بالسلاسل والأغلال، فأصبح رأسه مرفوعًا لا يستطيع خفضًا له ولا التفاتًا على طريقة الاستعارة التمثيلية.
ومنها: القلب في قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا} ؛ إذ حقيقة الكلام: جعلنا أعناقهم في الأغلال، وقال ثعلب: في قوله تعالى: {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32)} إن المعنى: اسلكوا فيه سلسلة؛ أي: أدخلوا في عنقه سلسلة.
ومنها: التنكير في قوله: {أَغْلَالًا} مبالغة في تعظيمها وتهويل أمرها.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا} الآية، فقد شبههم بمن أحاط بهم سدان هائلان، فغطيا أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في أنهم محبوسون في وهدة الجهالة، ممنوعون من النظر في الآيات والدلائل، أو كأنهم وقد حرموا نعمة التفكير في القرون الخالية والأمم الماضية، والتأمل في مغاب الآتية والعواقب المستقبلية، قد أحيطوا بسدٍّ من أمامهم، وسد من
ورائهم، فهم في ظلمة داكنة لا تختلج العين من جانبها بقبس، وتتوسم بصيصًا من أمل.
ومنها: تكرير الضمير في قوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى} لزيادة التأكيد.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ} ؛ لأنه استعار الإحصاء بمعنى العد للإحصاء بمعنى البيان بجامع الضبط في كل، فاشتق من الإحصاء بمعنى البيان، أحصينا بمعنى: بينا على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} فقد حذف مفعول {فَعَزَّزْنَا} ، والتقدير: فعززهما بثالث.
ومنها: التأكيدات في قوله: {إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} الآيات، ففي هذه الآيات يبدو التأكيد بأروع صورة للخبر، فقال أولًا:{إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا} فأورد الكلام ابتدائي الخبر، ثم قال:{إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} ، فأكده بمؤكدين، وهو: إن، واسمية الجملة، فأورد الكلام طلبيًا، ثم قال:{إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} ، فترقى في التأكيد بثلاثة، وهي: إن، واللام، واسمية الجملة، فأورد الكلام إنكاري الخبر جوابًا عن إنكارهم، قيل: وفي قوله: {رَبُّنَا يَعْلَمُ} تأكيد رابع، وهو إجراء الكلام مجرى القسم في التأكيد به، وفي أنه يجاب بما يجاب به القسم، وفي هذه الآية ائتلاف الفاصلة مع ما يدل عليه سائر الكلام، فإن ذكر الرسالة مهد لذكر البلاغ والبيان.
ومنها: قصر القلب في قوله: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} فالمخاطبون وهم الرسل لم يكونوا جاهلين بكونهم بشرًا ولا منكرين لذلك، لكنهم نزّلوا منزلة المنكرين لاعتقاد الكفار أن الرسول لا يكون بشرًا، فنزلوهم منزلة المنكرين للبشرية لما اعتقدوا التنافي بين الرسالة والبشرية، فقلبوا هذا الحكم وعكسوه وقالوا: ما أنتم إلا بشر مثلنا؛ أي: أنتم مقصورون على البشرية، ليس لكم وصف الرسالة التي تدعونها، فلا فضل لكم علينا يقتضي اختصاصكم بالرسالة دوننا، ولو أرسل الرحمن إلى البشر رسلًا لجعلهم من جنس أفضل منهم، وهم الملائكة على زعمهم.
ومنها: الطباق في قوله: {مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ} .
ومنها: طباق السلب في قوله: {أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} .
ومنها: الجناس الناقص في {نَحْنُ نُحْيِ} لتغير بعض الحروف.
ومنها: جناس الاشتقاق بين {أَرْسَلْنَا} و {لَمُرْسَلُونَ} ، وبين {تَطَيَّرْنَا} و {طَائِرُكُمْ} .
ومنها: الإطناب بتكرار الفعل في قوله: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)} .
ومنها: الإيغال في قوله: {وَهُمْ مُهْتَدُونَ} ، الإيغال عندهم: هو ختم الكلام بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها؛ لأن قوله: {وَهُمْ مُهْتَدُونَ} مما يتم المعنى بدونه؛ لأن الرسل مهتدون لا محالة، إلا أن فيه زيادة حث على اتباع الرسل وترغيب فيه.
ومنها: الالتفات في قوله: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} ، وفائدته: أن في انتقاله من مخاطبتهم ومناصحتهم إلى التكلم تلطفًا بهم من جهة، ووعيدًا لهم من جهة ثانية، فقد صرف الكلام أولًا إلى نفسه، وأراهم أنه لا يختار لهم إلا ما يختاره لنفسه، ثم التفت إلى مخاطبتهم ثانيًا مقرعًا مهددًا بالعواقب التي تنتظرهم، ثم عاد أخيرًا إلى التلطف في النصيحة؛ لأن ذلك أدخل في إمحاض النصح؛ حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه، وقد وضع قوله:{وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} مكان قوله: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم ألا ترى إلى قوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ، ولولا أنه قصد ذلك لقال: الذي فطرني، وإليه أرجع.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} .
ومنها: الحذف لدلالة السياق عليه في قوله: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ} ، والتقدير: فلما أشهر إيمانه .. قتلوه، فقيل له: ادخل الجنة.
ومنها: ائتلاف الفواصل في هذه الآي، وهو من خصائص القرآن لما فيه من روعة البيان، وحسن الوقع على السمع، وهو كثير في القرآن.
فائدة: من محاسن القرآن الكريم وبلاغته الخارقة الإيجاز في القصص والأنباء، والإشارة إلى روحها وسردها؛ لأن القصد من القصص التذكير والاعتبار،
ولهذا لم يذكر في القصة اسم البلدة، ولا اسم الشخص الذي دعاهم إلى الله تعالى، ولا أسماء الرسل الكرام؛ لأن كل ذلك ليس هو الهدف من القصة، وقس على هذا سائر قصص القرآن.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أجل وأعز وأكرم وأعلم، والحمد لله على إحسانه وإنعامه، وصلِّ وسلم ربنا على محمد وآله الطيبين الأخيار، وصحبه الكرام الأبرار، وأتباعهم إلى يوم العرض على الجبار (1).
* * *
(1) وإلى هنا وقفت الأقلام في تفسير هذا الجزء من الكتاب الكريم، وكان الفراغ منه بمكة المكرمة جوار المسجد الحرام في حي المسفلة في حارة الرشد في أوائل الليلة التاسعة من شهر صفر المبارك من شهور سنة ألف وأربع مئة وأربع عشرة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية، 9/ 2/ 1414 هـ، وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين، آمين آمين يا رب آمين. تم المجلد الثالث والعشرون، ويليه المجلد الرابع والعشرون، وأوله قوله تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ
…
} الآية.
شعرٌ
الْعَبْدُ ذُوْ ضَجَرٍ وَالرَّبُّ ذُوْ قَدَرٍ
…
وَالدَّهْرُ ذُوْ دُوَلٍ وَالرِّزْقُ مَقْسُوْمُ
وَالْخَيْرُ أَجْمَعُ فِيْمَا اخْتَارَ خَالِقُنَا
…
وَفِيْ اخْتِيَارِ سِوَاهُ اللَّوْمُ وَالشَّوَمُ
آخرُ
أَلَّا إِنَّمَا الدُّنْيَا كَظِلِّ سَحَابَةٍ
…
أَظَلَّتْكَ يَوْمًا ثُمَّ عَنْكَ اضْمَحَلَّتِ
فَلَا تَكُ فَرْحانًا بِهَا حِيْنَ أَقْبَلَتْ
…
وَلَا تَكُ جَزْعَانًا بِهَا حِيْنَ وَلَّتِ
آخرُ
بِلَادُ اللَّهُ وَاسِعَةٌ فَضَاءً
…
وَرِزْقُ اللَّهِ فِيْ الدُّنْيَا فَسِيْحُ
فَقُلْ لِلْقَاعِدِيْنَ عَلَى هَوَانٍ
…
إِذَا ضَاقَتْ بِكُمْ أَرْضٌ فَسِيْحُوْا
آخرُ
إِذَا رَأَيْتَ لَحِيْنَا
…
كُنْ سَاتِرًا وَحَلِيْمَا
يَا مَنْ يُعَيِّبُ شَرْحِيْ
…
لِمْ لَا تَمُرُّ كَرِيْمَا