الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أي (1): القوم وآباؤهم الأقربون، {غَافِلُونَ} عن أمر الآخرة، جاحدون لها، إن قلنا: إن {مَا} نافية، أو فهؤلاء القوم غافلون عما أنذر به آباؤهم الأقدمون لامتداد المدرة إن قلنا إن {مَا} موصولة، أو موصوفة.
وعبارة "الشوكاني" قوله: {فَهُمْ غَافِلُونَ} (2) متعلق بنفي الإنذار على الوجه الأول؛ أي: لم ينذر آباؤهم فهم بسبب ذلك غافلون، وعلى الأوجه الأخيرة متعلق بقوله {لِتُنْذِرَ}؛ أي: فهم غافلون عما أنذرنا به آباءهم، وقد ذهب أكثر أهل التفسير إلى أن المعنى على النفي، وهو الظاهر من النظم لترتيب فهم غافلون على ما قبله.
وعبارة "الروح": قوله: {فَهُمْ غَافِلُونَ} متعلّق (3) بنفي الإنذار مترتب عليه، والضمير للفريقين: القوم والآباء؛ أي: لم ينذر آباؤهم فهم جميعًا لأجله غافلون عن الإيمان والرشد، وحجج التوحيد وأدلة البعث، والفاء داخلة على الحكم المسبَّب عما قبله، فالنفي المتقدِّم سبب له؛ يعني: أن عدم إنذارهم هو سبب غفلتهم، ويجوز أن يكون متعلقًا بقوله:{لِتُنْذِرَ} ردًا لتعليل إنذاره، فالضمير للقوم خاصة؛ أي: فهم غافلون عما أنذر به آباؤهم الأقدمون؛ لامتداد المدة، فالفاء داخلة على سبب الحكم المتقدم.
والمعنى (4): أي إنا أرسلناك لتنذر العرب الذين لم يأتهم نذير من قبلك، فهم في غفلة عن معرفة الشرائع التي فيها سعادة البشر، وإصلاح المجتمع، وذكرهم وحدهم هنا؛ لأن الخطاب كان معهم، وهذا لا يمنع أنه مرسل إلى الناس كافة، كما قال:{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} ،
7
- واللام في قوله: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ} ؛ أي: موطئة للقسم؛ أي: لقد حقت كلمة العذاب العاجل ووجبت {عَلَى أَكْثَرِهِمْ} ؛ أي: على أكثر أهل مكة، كأبي جهل وأصحابه، {فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}؛ أي: في علم الله تعالى، وقتلوا يوم بدر على الكفر؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد وجب وثبت قضاؤنا بالعذاب على أكثر أهل مكة، أو أكثر الكفار
(1) المراح.
(2)
الشوكاني.
(3)
روح البيان.
(4)
المراغي.
على الإطلاق، أو أكثر كفار العرب، أو أكثر القوم الذين تنذرهم، وهم أهل مكة، وهم من مات على الكفر وأصر عليه أول حياته، فيتفرع قوله:{فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} على ما قبله؛ أي: لا يؤمنون بإنذارك إياهم، والفاء داخلة على الحكم المسبب عما قبله؛ أي: لأن الله تعالى قد علم منهم الإصرار على ما هم فيه من الكفر والموت عليه، وذهب الجمهور (1): إلى أن المراد بهذا القول قوله تعالى لإبليس عند قوله: لأغوينهم أجمعين: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85)} ، وهو المعنيُّ بقوله:{وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} ، وهذا القول لما تعلق بمن تبع إبليس من الجن والإنس، وكان أكثر أهل مكة ممن علم الله منهم الإصرار على اتباعه، واختيار الكفر إلى أن يموتوا .. كانوا ممن وجب وثبت عليهم مضمون هذا القول، لكن لا بطريق الجبر من غير أن يكون من قبلهم ما يقتضيه، بل بسبب إصرارهم الاختياري على الكفر والإنكار، وعدم تأثرهم من التذكير والإنذار، ولما كان مناط ثبوت القول وتحققه عليهم إصرارهم على الكفر إلى الموت .. كان قوله:{فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} متفرعًا في الحقيقة على ذلك، لا على ثبوت القول، وفُهِم من قوله:{لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ} أن أهل السعادة أقل، إنما كان أهل السعادة أقل؛ لأن المقصود من الإيجاد ظهور الخليفة من العباد، وهو يحصل بواحدٍ مع أن الواحد على الحق، هو السواد الأعظم في الحقيقة.
فمن آمن فقد أعلى الدين، ومن أعلاه فقد تعرض لعلوه وعزه عند الله تعالى، ومن كفر .. فقد أراد إطفاء نور الله، والله متم نوره، ولما قال المشركون يوم أحد: أعل هبل، أعل هبل .. أذلهم الله وهبلهم، وهو صنم كان يعبد في الجاهلية، وهو الحجر الذي يطأه الناس في العتبة السفلى من باب بني شيبة، وهو الآن مكبوب على وجهه، وبلط الملوك فوقه البلاط، فإن كنت تفهم مثل هذه الأسرار، وإلا فاسكت، والله تعالى حكيم يضع الأمور كلها في مواضعها، فكل ما ظهر في العالم فهو حكمة وضعه في محله، لكن لا بد من الإنكار لما أنكره الشارع فإياك والغلط.
ومعنى الآية (2): وعزتي وجلالي لقد وجب العقاب على أكثرهم؛ لأنه سبحانه سجل عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون به ولا يصدقون برسوله، لما علم من
(1) روح البيان.
(2)
المراغي.