المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

المطيع، وربما عكس الأمر، وقد يوسِّع على المطيع والعاصي تارةً، - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٣

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: المطيع، وربما عكس الأمر، وقد يوسِّع على المطيع والعاصي تارةً،

المطيع، وربما عكس الأمر، وقد يوسِّع على المطيع والعاصي تارةً، ويضيِّق عليهما أخرى، يفعل كل ذلك بحسب ما اقتضته مشيئته المبنية على الحكم البالغة التي قد نعلمها، وربما خفي علينا أمرها، ولو كان البسط دليل الإكرام والرضا .. لاختص به المطيع، ولو كان التضييق دليل الإهانة .. لاختص به العاصي، ومن ثمَّ جاء قوله صلى الله عليه وسلم:"لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما أعطي الكافر منها شيئًا"؛ أي: فهو سبحانه قد يرزق الكافر والعاصي استدراجًا له، وقد يمتحن المؤمن المطيع بالتقتير، توفيرًا لأجره، وليس مجرد بسط الرزق لمن بسطه له يدل على أنه قد رضي عنه، ورضي عمله، ولا قبضه عمن قبضه عنه يدل على أنه لم يرضه، ولا رضي عمله، فقياس الدار الآخرة على الدار الأولى في مثل هذا من الغلط البين، أو المغالطة الواضحة.

{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ} وهم أهل الغفلة والخذلان، ومن جملة هؤلاء الأكثر من قاس أمر الآخرة على الأولى {لَا يَعْلَمُونَ} حكمة البسط والقدر، فيزعمون أنَّ مدار البسط هو الشرف والكرامة، ومدار القدر هو الذل والهوان، ولا يدرون أن الأول كثيرًا ما يكون بطريق الاستدراك، والثاني بطريق الابتلاء، ورفع الدرجات حتى تحير بعضهم واعترض على الله في البسط لأناس، والتضييق منه على آخرين، ومن ثم قال ابن الراوندي:

كَمْ عَاقِلٍ عَاقِلٍ أعْيَتْ مَذَاهِبُهُ

وَجَاهِلٍ جَاهِلٍ تَلْقَاهُ مَرْزُوْقَا

هَذَا الَّذِيْ تَرَكَ الأَوْهَامَ حَائرَةً

وَصَيَّرَ الْعَالِمَ النِّحْرِيْرَ زِنْدِيْقَا

‌37

- ثم بيَّن سبحانه لعباده أن الزلفى عنده ليست بكثرة المال والولد، بل بالتقوى وصالح العمل، فقال:{وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ} وهذا الكلام مستأنف من جهته تعالى مبالغة في تحقيق الحق؛ أي: وما قناطير أموالكم وما جموع أولادكم أيها الناس {بِالَّتِي} ؛ أي: بالخصال التي، فإن (1) الجمع المكسر عقلاؤه، وغير عقلائه، سواء في حكم التأنيث، أو بالخصلة التي، فيكون تأنيث الموصول باعتبار تأنيث الصفة المحذوفة، ويجوز في غير القرآن باللتين وباللاتي وباللواتي وبالذين بالنسبة

(1) روح البيان.

ص: 286

للأولاد خاصةً.

وقرأ الجمهور (1): {بِالَّتِي} ، فإن جمع التكسير من العقلاء وغيرهم يجوز أن يعامل معاملة المفردة المؤنثة، وقرأ الحسن:{باللاتي} جمعًا، وهو أيضًا راجع للأموال والأولاد، وقرىء {بالذي}. و {زُلْفَى} في قوله:{تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} مفعول مطلق معنوي لتقربكم منصوب به؛ أي: وليست أموالكم، ولا أولادكم بالخصلة التي تقربكم عندنا تقريبًا، بل الذي يقربكم إلينا التقوى والعمل الصالح، وقرأ الضحاك:{زلَفًا} بفتح اللام وتنوين الفاء، جمع: زلفة، وهي القربة. وقوله:{إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} استثناء من مفعول {تُقَرِّبُكُمْ} ؛ أي: وما الأموال والأولاد تقرب أحدًا إلا المؤمن الصالح الذي أنفق أمواله في سبيل الله، وعلم أولاده الخير، وربَّاهم على الصلاح والطاعة. وقال أبو حيان: والظاهر أنه استثناء منقطع، وهو منصوب على الاستثناء؛ أي: لكن من آمن وعمل صالحًا، فإيمانه وعمله يقربانه، والإشارة بقوله:{فَأُولَئِكَ} إلى {مَنْ} ، والجمع باعتبار معناها، أي: فأولئك المؤمنون العاملون ثابت {لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ} على أن الجار والمجرور خبر لما بعده، والجملة خبر لـ {أُولَئِكَ} ، وإضافة الجزاء إلى الضعف من إضافة المصدر إلى المفعول، أصله: فأولئك لهم أن يجازوا الضعف؛ أي: تضعيف الأعمال، ثم جزاء الضعف، ثم جزاء الضعف، ومعناه: أن يضاعف لهم الواحدة من حسناتهم عشرًا، فما فوقها إلى سبع مئة إلى ما لا يحصى، أو من إضافة الموصوف إلى صفته، والمعنى عليه: فأولئك لهم الجزاء المضاعف. {بِمَا عَمِلُوا} ؛ أي: بسبب ما عملوا من الصالحات، {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ} أي في غرفات الجنة، وهي قصورها ومنازلها الرفيعة، {آمِنُونَ} من جميع ما يكرهون من المصائب والآفات، كالموت والهرم والمرض والعدو وغير ذلك.

وقرأ الجمهور (2): {جَزَاءُ الضِّعْفِ} على الإضافة، أضيف فيه المصدر إلى المفعول، وقرأ قتادة والزهري ويعقوب ونصر بن عاصم: برفعهما؛ {جزاء الضعف} على أن الضعف بدل من {جزاء} ، وروي عن يعقوب: أنه قرأ {جزاء} بالنصب منونًا، {والضعف} بالرفع على تقدير فأولئك لهم الضعف جزاء، أي حال

(1) البحر المحيط.

(2)

الشوكاني.

ص: 287