المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وقيل: المعنى: أكثر المشركين بالجن، {بِهِمْ}؛ أي: بالجن، وبقولهم الكذب: - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٣

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: وقيل: المعنى: أكثر المشركين بالجن، {بِهِمْ}؛ أي: بالجن، وبقولهم الكذب:

وقيل: المعنى: أكثر المشركين بالجن، {بِهِمْ}؛ أي: بالجن، وبقولهم الكذب: الملائكة بنات الله، {مُؤْمِنُونَ}؛ أي: مصدقون ومتابعون، ويغترون بما يلقون إليهم من أنهم يشفعون لهم، وعبارة أبي حيان هنا: وإذا هم قد عبدوا الجن .. فما وجه قولهم: أكثرهم بهم مؤمنون، ولم يقولوا جميعهم، وقد أخبروا أنهم كانوا يعبدون الجن؟

والجواب: أنهم لم يدَّعوا الإحاطة؛ إذ قد يكون في الكفار من لم يطلع عليهم الملائكة، أو أنهم حكموا على الأكثر بإيمانهم بالجن، لأن الإيمان من عمل القلب، فلم يذكروا الإطلاع على جميع أعمال قلوبهم؛ لأن ذلك لله تعالى. اهـ.

ومعنى الآية: أي واذكر أيها الرسول لقومك يوم يحشر ربك العابدين المستكبرين منهم، والمستضعفين مع المعبودين من الملائكة وغيرهم، ثم تسأل الملائكة: أأنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم، وهذا سؤال وجّه إلى الملائكة ظاهرًا، والمراد منه: تقريع المشركين، وتيئيسهم مما علقوا عليه أطماعهم من شفاعتهم لهم، فهو وارد على نهج قوله تعالى لعيسى عليه السلام:{أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} ، وقد علم سبحانه أن الملائكة وعيسى براء مما وجه إليهم من السؤال الوارد على طريق التقرير، ولكن جاء ليقول ويقولوا، وشمال ويجيبوا، فيكون توبيخهم أشد، وتعييرهم أبلغ، وخجلهم أعظم. {قَالُوا}؛ أي: قالت الملائكة: تعاليت ربنا وتقدست عن أن يكون معك إله، نحن عبيدك، نتبرأ إليك من هؤلاء، وأنت الذي نواليه دونهم، فلا موالاة بيننا وبينهم.

والخلاصة: أننا برآء من عبادتهم والرضا بهم، ثم بيَّن أنهم ما عبدوهم على الحقيقة بقوله:{بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ} ؛ أي: بل هم كانوا يعبدون الشياطين؛ لأنهم هم الذين زينوا لهم عبادة الأوثان، وأضلوهم، وأكثر المشركين مؤمنون بالجن، مصدقون لهم فيما يقولون؛ إذ كانوا يعبدون غير الله بوسوستهم، ويستغيثون بهم في قضاء حاجاتهم، كما هو مشهور لدى أرباب العزائم والسحرة.

‌42

- ولما أبطل تمسكهم بهم بعد تقريعهم وتأنيبهم .. زادهم أسى وحسرة، فقال:{فَالْيَوْمَ} ؛ أي: يوم الحشر، والفاء: ليست لترتيب ما بعدها من الحكم على جواب

ص: 291

الملائكة، فإنه محقق، أجابوا بذلك أم لا، بل لترتيب الإخبار به عليه: اهـ "أبو السعود".

أي: فهي للترتيب الذكري، والأظهر كونها استئنافية. {لَا يَمْلِكُ}؛ أي: لا يقدر. {بَعْضُكُمْ} يعني: المعبودين. {لِبَعْضٍ} يعني: العابدين، {نَفْعًا} بالشفاعة وإدخال الجنة. {وَلَا ضَرًّا}؛ أي: ضررًا بالتعذيب، أو دفع ضرر؛ إذ الأمر فيه كله لله؛ لأن الدار دار جزاء، ولا يجازي الخلق أحدٌ غير الله. قال في "الإرشاد": تقييد هذا الحكم بذلك اليوم مع ثبوته على الإطلاق؛ لانعقاد رجائهم على تحقيق النفع يومئذ، وهذا الكلام من جملة ما يقال للملائكة عند جوابهم بالتنزه والتبري مما نسب إليهم الكفرة، يخاطبون على رؤوس الأشهاد إظهارًا لعجزهم، وقصورهم عند عبدتهم، وتنصيصًا على ما يوجب خيبة رجائهم بالكلية.

وقوله: {وَنَقُولُ} معطوف على قوله (1): لا يملك؛ أي: واليوم نقول، {لِلَّذِينَ ظَلَمُوا} أنفسهم بالكفر والتكذيب، فوضعوهما موضع الإيمان والتصديق، وقيل (2): عطف على {يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ} ، لا على {يَمْلِكُ} كما قيل؛ لأنه ما يقال يوم القيامة خطابًا للملائكة مترتبًا على جوابهم المحكي، وهذا حكاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما سيقال للعبدة يومئذ، إثر حكاية ما سيقال للملائكة.

{ذُوقُوا} وباشروا وادخلوا {عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ} في الدنيا {بِهَا} ؛ أي: بتلك النار، متعلق بقوله:{تُكَذِّبُونَ} ، وتصرون على القول بأنها غير كائنة، فقد وردتموها، وبطل ظنكم ودعواكم.

ومعنى الآية: أي فاليوم لا يقع لكم نفع ممن كنتم ترجون نفعه من الأوثان، والأنداد الذين ادخرتم عبادتهم لشدائدكم وكروبكم؛ لأن الأمر في ذلك اليوم لله الواحد القهار، لا يملك أحد فيه منفعةً لأحد، ولا مضرةً له، ونقول للمشركين تهكمًا بهم: ذوقوا عذاب النار التي كنتم تكذبون بها في دنياكم، فها أنتم أولاء قد وردتموها، وسمعتم شهيقها وزفيرها، وليس الخُبْرُ كالخَبَرِ، ولا السماع كالمعانية، فعضوا بنان الندم أسى وحسرة على ما قدمتم في دنياكم، فجنيتم صابه وعلقمه في

(1) الفتوحات.

(2)

روح البيان.

ص: 292

أخراكم.

فإن قلت (1): وقع الموصول هنا وصفًا للمضاف إليه الذي هو النار، وفي السجدة وقع وصفًا للمضاف إليه الذي هو النار، وفي السجدة وقع وصفًا للمضاف الذي هو العذاب؛ حيث قال هناك:{عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} ، فما الفرق بين الموضعين؟

قلتُ: الفرق بينهما: أنهم ثمة كانوا ملابسين للعذاب، كما صرح به في النظم؛ حيث قال:{كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا} ، فوصف لهم ما لابسوه، وما هنا عند رؤيتهم النار عقب الحشر، فوصف لهم ما عاينوه، وكونه هنا وصفًا للمضاف على أن تأنيثه مكتسب نكلف. اهـ "شهاب".

الإعراب

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى} .

{وَقَالَ} : {الواو} : استئنافية، {قَالَ الَّذِينَ}: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، وجملة {كَفَرُوا} صلة الموصول، {لَنْ نُؤْمِنَ}: ناصب وفعل مضارع منصوب بـ {لَنْ} ، وفاعله ضمير يعود على الذين كفروا، أعني: المتكلمين {بِهَذَا} : متعلق به، {الْقُرْآنِ} ، بدل منه، والجملة في محل النصب مقول {قَالَ} ، {وَلَا}:{الواو} : عاطفة، {لا}: زائدة زيدت لتأكيد نفي ما قبلها، {بِالَّذِي}: معطوف على قوله: {بِهَذَا} . {بَيْنَ يَدَيْهِ} : ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف وقع صلة الموصول. {وَلَوْ}:{الواو} : استئنافية، {لو}: شرطية {تَرَى} : فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد، أو على أيِّ مخاطب، ومفعول {تَرَى} ، وجواب {لو} الشرطية محذوفان، تقديره: ولو ترى يا محمد حال الظالمين وقت وقوفهم عند ربهم .. لرأيت أمرًا فظيعًا، وجملة {لو} الشرطية مستأنفة.

{إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} .

(1) الشهاب.

ص: 293

{إِذِ} : ظرف لما مضى من الزمان {الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ} : مبتدأ وخبر، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ {إذِ} الظرفية، {عِنْدَ رَبِّهِمْ}: متعلق بـ {مَوْقُوفُونَ} ، {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ}: فعل وفاعل، {إِلَى بَعْضٍ}: متعلق بـ {يَرْجِعُ} ، {الْقَوْلَ}: مفعول {يَرْجِعُ} ؛ لأنه يتعدى كما مر، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ضمير {مَوْقُوفُونَ} ، {يَقُولُ الَّذِينَ} ؛ فعل وفاعل، والجملة مفسرة لـ {يَرْجِعُ} ، فلا محل لها من الإعراب، وجملة {اسْتُضْعِفُوا} من الفعل ونائب فاعله صلة الموصول، {لِلَّذِينَ}: متعلق بـ {يَقُولُ} ، {اسْتَكْبَرُوا}: فعل وفاعل صلة الموصول، {لَوْلَا}: حرف امتناع لوجود {أَنْتُمْ} : مبتدأ والخبر محذوف وجوبًا، تقديره: موجودون {لَكُنَّا} {اللام} : رابطة لجواب {لَوْلَا} {كنا} : فعل ناقص واسمه، {مُؤْمِنِينَ}: خبره، وجملة {كان}: جواب {لَوْلَا} ، لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب شرط غير جازم.

{قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32)} .

{قَالَ الَّذِينَ} : فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، استئنافًا بيانًا، {اسْتَكْبَرُوا}: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول {لِلَّذِينَ} متعلق بـ {قَالَ} ، {اسْتُضْعِفُوا}: فعل ونائب فاعل، والجملة صلة الموصول، {أَنَحْنُ}:{الهمزة} : للاستفهام الإنكاري، {نَحْنُ}: مبتدأ، {صَدَدْنَاكُمْ}: فعل وفاعل ومفعول به، {عَنِ الْهُدَى}: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول {قَالَ} ، {بَعْدَ}: منصوب على الظرفية الزمانية، والظرف متعلق بمحذوف حال من {الْهُدَى} {بَعْدَ}: مضاف توسعًا في الظروف، {إِذْ}: ظرف لما مضى من الزمان، في محل الجر مضاف إليه مبني على السكون، وقيل:{إِذْ} هنا بمعنى: أن المصدرية، وهو مفهوم تفسير الزمخشري. {جَاءَكُمْ}: فعل ومفعول وفاعل مستتر يعود على {الْهُدَى} ، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ {إِذْ} {بَلْ}: حرف إضراب للإضراب الإبطالي، {كُنْتُمْ}: فعل ناقص واسمه، {مُجْرِمِينَ}: خبره، والجملة في محل النصب مقول {قَالَ} .

{وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا} .

ص: 294

{وَقَالَ الَّذِينَ} : فعل وفاعل، معطوف على {الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} المذكور أولًا، وجملة {اسْتُضْعِفُوا} صلة الموصول، {لِلَّذِينَ}: متعلق بـ {قَالَ} ، {اسْتَكْبَرُوا}: فعل وفاعل صلة الموصول، {بَلْ}: حرف إضراب، {مَكْرُ اللَّيْلِ}: مبتدأ، خبره محذوف، {وَالنَّهَارِ}: معطوف على {اللَّيْلِ} ، والتقدير: مكر الليل والنهار صدنا، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: سبب كفرنا مكر الليل والنهار؛ أي: مكركم في الليل والنهار، والجملة الاسمية في محل النصب مقول {قَالَ} ، {إِذْ}: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بـ {مَكْرُ اللَّيْلِ} ، {تَأْمُرُونَنَا}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ {إِذْ} ، {أَنْ نَكْفُرَ} ناصب ومنصوب وفاعل مستتر، {بِاللَّهِ}: متعلق به، وجملة {أَن} المصدرية مع مدخولها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر، محذوف متعلق بـ {تَأْمُرُونَنَا} ، تقديره: إذ تأمروننا بكفرنا بالله سبحانه، {وَنَجْعَلَ}: معطوف على {نَكْفُرَ} ، {لَهُ} حال من {أَنْدَادًا} ؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، {أَنْدَادًا}: مفعول {نجعل} ، ويجوز أن يكون الجار والمجرور في محل المفعول الثاني و {أَنْدَادًا} مفعول أول.

{وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .

{وَأَسَرُّوا} : {الواو} : استئنافية، أو حالية، {أَسَرُّوا النَّدَامَةَ}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة، أو حال من {الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} و {الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} ، {لَمَّا}: ظرف بمعنى: حين، متعلق بـ {أسروا} ، {رَأَوُا الْعَذَابَ}: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ {لَمَّا} ، {وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ}: فعل وفاعل ومفعول أول، {فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ}: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ {جعلنا} على كونه مفعولًا ثانيًا له، وجملة {كَفَرُوا} صلة الموصول، {هَلْ}: حرف استفهام للاستفهام الإنكاري، {يُجْزَوْنَ}: فعل مضارع ونائب فاعل، {إِلَّا}: أداة حصر واستثناء مفرغ، {مَا}: اسم موصول في محل النصب مفعول ثانٍ لـ {يُجْزَوْنَ} ، والجملة الفعلية جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب، {كَانُوا}: فعل ناقص واسمه، وجملة {يَعْمَلُونَ} خبره، وجملة {كان} صلة الموصول، لا محل لها من الإعراب.

ص: 295

{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36)} .

{وَمَا} : {الواو} : استئنافية، {ما}: نافية، {أَرْسَلْنَا}: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، {فِي قَرْيَةٍ}: متعلق بـ {أَرْسَلْنَا} ، {مِن}: زائدة، {نَذِيرٍ}: مفعول به، {إِلَّا}: أداة استثناء مفرغ، {قَالَ مُتْرَفُوهَا}: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من {قَرْيَةٍ} ، وسوَّغ مجيء الحال من النكرة: وقوعها في معرض النفي {إِنَّا} : ناصب واسمه، {بِمَا}: متعلق بـ {كَافِرُونَ} ، {أُرْسِلْتُمْ}: فعل مغير الصيغة، ونائب فاعل، والجملة صلة لـ {ما} الموصولة، {بِهِ}: متعلق بـ {أُرْسِلْتُمْ} ، وهو العائد على {ما} الموصولة، {كَافِرُونَ}: خبر {إنَّ} ، وجملة {إِنَّ} في محل النصب مقول {قَالَ} ، {وَقَالُوا}: فعل وفاعل، معطوف على {قَالَ مُتْرَفُوهَا} ، {نَحْنُ أَكْثَرُ}: مبتدأ وخبر، {أَمْوَالًا}: تمييز محول عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل، {وَأَوْلَادًا}: معطوف على {أَمْوَالًا} ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول {قَالَ} ، {وَمَا}:{الواو} : عاطفة، {ما}: حجازية، {نَحْنُ}: اسمها {بِمُعَذَّبِينَ} : خبرها، والباء زائدة، وجملة {مَا} معطوفة على الجملة التي قبلها، {قُلْ}: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة، {إن}: حرف نصب، {رَبِّي}: اسم {إن} ، {يَبْسُطُ الرِّزْقَ}: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، {لِمَنْ}: متعلق بـ {يَبْسُطُ} ، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إِنَّ} ، وجملة {إِن} في محل النصب مقول {قُلْ} ، وجملة {يَشَاءُ} صلة {مَنْ} الموصولة، والعائد محذوف تقديره: لمن يشاء البسط له، وجملة {وَيَقْدِرُ} معطوف على جملة {يَبْسُطُ} ، {وَلَكِنَّ}:{الواو} : عاطفة، أو حالية، {لكن}: حرف نصب واستدراك، {أَكْثَرَ النَّاسِ}: اسمها، وجملة {لَا يَعْلَمُونَ} خبرها، والجملة الاستدراكية في محل النصب معطوفة على جملة {إنَّ} على كونها مقولًا لـ {قُلْ} أو حال من فاعل {يَبْسُطُ} ، والرابط محذوف تقديره: ولكن أكثر الناس لا يعلمون حكمة بسطه وقبضه.

{وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37)} .

ص: 296

{وَمَا} : {الواو} : استئنافية {ما} : حجازية، {أَمْوَالُكُمْ}: اسمها، {وَلَا أَوْلَادُكُمْ}: معطوف على {أَمْوَالُكُمْ} ، {بِالَّتِي}: الباء: زائدة، {التي}: اسم موصول في محل النصب خبر {مَا} الحجازية، والجملة مستأنفة {تُقَرِّبُكُمْ}: فعل مضارع ومفعول به، وفاعل مستتر يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول، {عِنْدَنَا}: متعلق بمحذوف حال من {زُلْفَى} . و {زُلْفَى} : مفعول مطلق معنوى منصوب بـ {تُقَرِّبُكُمْ} ، {إِلَّا}: أداة استثناء منقطع؛ لأن الخطاب للكفار، و {مَنْ آمَنَ}: ليس منتظمًا في سلكهم، {مَنْ}: اسم موصول، في محل النصب على الاستثناء، ويجوز أن يعرب {مَنّ}: مبتدأ، وما بعده الخبر؛ لأن الاستثناء منقطع، وإلا بمعنى: لكن، {آمَنَ}: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر، والجملة صلة الموصول، {وَعَمِلَ}: معطوف على {آمَنَ} ، {صَالِحًا}: مفعول به، أو مفعول مطلق؛ أي: عملًا صالحًا، {فَأُولَئِكَ}:{الفاء} : تعليلية إن قلنا: إن {مَنْ} منصوب على الاستثناء، {أولئك}: مبتدأ أول، {لَهُمْ}: خبر مقدم، {جَزَاءُ الضِّعْفِ}: مبتدأ ثان مؤخر، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للأول، وجملة الأول مع خبره في محل الجر بلام التعليل المقدرة المدلول عليها بالفاء التعليلية؛ أي: وإنما استثنينا من آمن لكون جزاء الضعف لهم، وإن قلنا: إن {إلا} بمعنى: لكن فـ {مَنْ آمَنَ} : مبتدأ أول، {فَأُولَئِكَ}: مبتدأ ثانٍ، {والفاء}: رابطة الخبر بالمبتدأ لما في المبتدأ من معنى الشرط، {بِمَا} متعلق بجزاء، و {ما}: مصدرية أو موصولة، وجملة {عَمِلُوا} صلة لـ {ما} الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: بما عملوه، أو صلة لـ {ما} المصدرية، {وَهُمْ}:{الواو} : عاطفة، {هُمْ}: مبتدأ، {فِي الْغُرُفَاتِ}: متعلق بـ {آمِنُونَ} ، و {آمِنُونَ}: خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على جملة قوله: لهم جزاء الضعف.

{وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (38) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)} .

{وَالَّذِينَ} : {الواو} : استئنافية، {الَّذِينَ}: مبتدأ أول، {يَسْعَوْنَ}: فعل وفاعل، صلة الموصول، {فِي آيَاتِنَا}: متعلق بـ {يَسْعَوْنَ} ، {مُعَاجِزِينَ}: حال من فاعل {يَسْعَوْنَ} ، {أُولَئِكَ}: مبتدأ ثانٍ، {فِي الْعَذَابِ} متعلق بـ {مُحْضَرُونَ} ،

ص: 297

و {مُحْضَرُونَ} خبر للمبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر الأول، وجملة الأول مستأنفة. {قُلْ}: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة، {إِنَّ رَبِّي}: ناصب واسمه، {يَبْسُطُ الرِّزْقَ}: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة خبر {إِنَّ} ، وجملة {إِنَّ} في محل النصب مقول {قُلْ} {لِمَنْ}: متعلق بـ {يَبْسُطُ} ، وجملة {يَشَاءُ} صلة {مَنْ} الموصولة، {مِنْ عِبَادِهِ}: حال من العائد المحذوف، {وَيَقْدِرُ لَهُ}: معطوف على {يَبْسُطُ} ، {وَمَا}:{الواو} : استئنافية، {ما}: اسم شرط جازم في محل النصب مفعول مقدم لـ {أَنْفَقْتُمْ} ، أو موصولة في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة قوله:{فَهُوَ يُخْلِفُهُ} ، كما أشرنا إليه في مبحث التفسير، {أَنْفَقْتُمْ}: فعل وفاعل، في محل الجزم بـ {ما} على كونه فعل شرط لها، {مِنْ شَيْءٍ}: حال من {مَا} الشرطية، أو من العائد المحذوف إن كانت موصولة، {فَهُوَ}:{الفاء} : رابطة لجواب {ما} الشرطية إن كانت شرطية، أو رابطة الخبر بالمبتدأ إن كانت موصولة، {هو}: مبتدأ، وجملة {يُخْلِفُهُ} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ {ما} الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة {ما} الشرطية مستأنفة، أو الجملة في محل الرفع خبر {ما} الموصولة، {وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41)} .

{وَيَوْمَ} : {الواو} : استئنافية، {يوم}: منصوب على الظرفية، متعلق بمحذوف تقديره: واذكر يوم يحشرهم، {يَحْشُرُهُمْ}: فعل وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ {يوم} ، والجملة المحذوفة مستأنفة، {جَمِيعًا}: حال من مفعول {يَحْشُرُهُمْ} ، {ثُمَّ}: حرف عطف وترتيب، {يَقُولُ}: فعل مضارع، وفاعل مستتر، معطوف على {يحشر} ، {لِلْمَلَائِكَةِ}: متعلق بـ {يَقُولُ} ، {أَهَؤُلَاءِ}:{الهمزة} : للاستفهام التوبيخي، {هؤلاء}: مبتدأ، {إِيَّاكُمْ}: مفعول به مقدم لـ {يَعْبُدُونَ} ، {كَانُوا}: فعل ناقص واسمه، وجملة {يَعْبُدُونَ}: خبره، وجملة {كان} في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب، {قَالُوا}: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة،

ص: 298

{سُبْحَانَكَ} : منصوب على المفعولية المطلقة يفعل محذوف، وجملة {سُبْحَانَكَ} في محل النصب مقول {قَالُوا} ، {أَنْتَ وَلِيُّنَا}: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول {قَالُوا} ، {مِنْ دُونِهِمْ}: حال من ضمير المتكلمين في {وَلِيُّنَا} ؛ أي: حالة كوننا مجاوزين إياهم، {بَلْ}: حرف إضراب، {كَانُوا}: فعل ناقص واسمه، {يَعْبُدُونَ الْجِنَّ}: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب خبر {كان} ، وجملة {كان} في محل النصب مقول {قَالُوا} ، {أَكْثَرُهُمْ}: مبتدأ، {بِهِمْ}: متعلق بما بعده، {مُؤْمِنُونَ}: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول {قَالُوا} أيضًا.

{فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (42)} .

{فَالْيَوْمَ} : {الفاء} : استئنافية، {اليوم}: ظرف متعلق بـ {يَمْلِكُ} ، {لَا}: نافية، {يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ}: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، {لِبَعْضٍ}: متعلق بـ {نَفْعًا} ، و {نَفْعًا}: مفعول به، {وَلَا ضَرًّا}: معطوف على {نَفْعًا} ، {وَنَقُولُ}:{الواو} : عاطفة، {نقول}: فعل مضارع، وفاعل مستتر، معطوف على {لَا يَمْلِكُ} ، وقيل: معطوف على قوله: {ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ} كما مرَّ في مبحث التفسير، {لِلَّذِينَ}: متعلق بـ {نقول} ، {ظَلَمُوا}: صلة الموصول، {ذُوقُوا}: فعل وفاعل، {عَذَابَ النَّارِ}: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول {نقول} ، {الَّتِي}: صفة لـ {النَّارِ} ، {كُنْتُمْ}: فعل ناقص واسمه، {بِهَا}: متعلق بـ {تُكَذِّبُونَ} ، وجملة {تُكَذِّبُونَ}: خبر {كان} ، وجملة {كان} صلة الموصول.

التصريف ومفردات اللغة

{مَوْقُوفُونَ} ؛ أي: محبوسون في موقف الحساب، جمع: موقوف، اسم مفعول من وقف الثلاثي المتعدي، وفي "المصباح": وقفت الدابة تقف وقفًا ووقوفًا: سكنت ووقفتها أنا يتعدى، ولا يتعدى، ووقفت الرجل عن الشيء وقفًا: منعته عنه، اهـ، وبابه: وعد، كما في "المختار".

{يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} ؛ أي: عدوا ضعفاء، وقهروا، واستفعل هنا بمعنى: الفعل المجرد، وفي {اسْتَكْبَرُوا} للمبالغة في معنى الثلاثي؛ أي: بالغوا في

ص: 299

الكبر والتعظم عن عبادة الله سبحانه وتعالى.

{بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة. اهـ "روح". والحيلة: ما يتوصل به إلى المقصود بطريق خفي. اهـ "قسطلاني".

{أَنْدَادًا} جمع: ند، كأضداد جمع ضد، والند: المثل والشبه.

{وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ} النداة: التحسر في أمر فائت.

{وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ} جمع غل، قال القهستاني: الغل: الطوق من حديد، الجامع لليد إلى العنق، المانع عن تحرك الرأس. انتهى، وهو معتاد بين الظلمة، قال الفقيه: إنه في زماننا جرت العادة بذلك، إذا خيف من الإباق، كما في "الكبرى" ولا يكره أن يجعل قيدًا في رجل عبده؛ لأنه سنة المسلمين في السفهاء، وأهل الفساد، فلا يكره في العبد؛ إذ فيه تحرز من إباقه وصيانة لماله، وحل ربطه بالحبل ونحوه. اهـ من "روح البيان".

{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ} قال في "كشف الأسرار": القرية: المصر تقري أهلها وتجمعهم، كما سبق. اهـ.

{إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا} المترف: كمكرم: المتنعم والموسع العيش والنعمة، من الترفة بالضم، وهو التوسع في النعمة يقال: أترفه: نعمه، وأترفته النعمة: أطغته ..

{تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} : مصدر من معنى العامل؛ إذ التقدير: تقربكم قربى، والزلفى والزلفة، والقربى والقربة بمعنى واحد. وقال الأخفش: زلفى: اسم مصدر، كأنه قال: بالتي تقربكم عندنا تقريبًا، وقرأ الضحاك:{زلفا} بضم الزاي وفتح اللام على أنها جمع زلفة كقربة وقرب جمع المصدر، لاختلاف أنواعه. اهـ "سمين".

{جَزَاءُ الضِّعْفِ} مصدر مضاف إلى مفعوله؛ أي: أن يجازيهم الله الضعف، أو من إضافة الموصوف إلى صفته؛ أي: لهم الجزاء المضاعف. {فِي الْغُرُفَاتِ} جمع غرفة، وهي البيت فوق البناء، يعني: كل بناء يكون علوًا فوق سفل.

{يَسْعَوْنَ} من سعى إذا جد واجتهد في الشيء.

{مُعَاجِزِينَ} من المعاجزة، والمفاعلة ليست على بابها؛ أي: ظانين ومعتقدين

ص: 300

عجزنا عن أخذهم.

{مُحْضَرُونَ} اسم مفعول من الإحضار.

{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} يقال: نفق الشيء مضى ونفد؛ إما بالبيع نحو نفق البيع نفاقًا، وإما بالموت نحو نفقت الدابة نفوقًا، واما بالغناء نحو نفقت الدراهم تنفق وأنفقتها.

{فَهُوَ يُخْلِفُهُ} يقال: أخلف الله له وعليه: إذا أبدل له ما ذهب عنه. {وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} وأورد على هذا وعلى نظائره ابن عبد السلام في أماليه، كما نقله السيوطي في شرح السنن: أنه لا بد من مشاركة المفضل للمفضل عليه في أصل الفعل حقيقةً لا صورة.

وأجيب بأن الرازقين بمعنى الموصعلين للرزق والواهبين له بجعله حقيقة في هذا، كما صرح به الراغب؛ حيث قال: الرزق: العطاء البخاري، والرازق يقال لخالق الرزق ومعطيه، فيقال رازق لغيره تعالى، ولا يقال لغير الله تعالى رزاق، ولا حاجة إلى ما قيل من أنه من عموم المجاز، أو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه. اهـ "شهاب".

فائدة: وفي "التأويلات النجمية": يشير إلى أنه خير المنفقين؛ لأن خيرية المنفق بقدر خيرية النفقة، فما ينفق كل منفق في النفقة .. فهو فانٍ، وما ينفق الله من نفقة ليخلفه با فهي باقية، والباقيات خير من الفانيات انتهى.

قال في "بحر العلوم": لما كان إقامة مصالح العباد من أجل الطاعات وأشرف العبادات؛ لأنها من وظيفة الأنبياء والصالحين .. دلهم الله سبحانه في الآية على طرف منها حثًا عليها، كما قال صلى الله عليه وسلم، حثًا لأمته عليها: "الخلق كلهم عيال الله، وأحبّهم إليه أنفعهم لعياله، قال العسكري: هذا على التوسع والمجاز، كأن الله تعالى لما كان المتضمِّن لأرزاق العباد والكافل بها .. كان الخلق كالعيال له.

وفي الحديث: "إن لله أملاكًا خلقهم كيف يشاء، وصورهم على ما يشاء تحت عرشه، ألهمهم أن ينادوا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في كل يوم مرتين: ألا من وسع على عياله وجيرانه .. وسع الله عليه في الدنيا والآخرة، ألا من ضيَّق .. ضيق الله عليه، ألا إن الله قد أعطاكم لنفقة درهم على عيالكم خير من سبعين قنطارًا

ص: 301

- والقنطار كجبل أحد وزنًا - أنفقوا ولا تخشوا ولا تضيقوا ولا تقتروا وليكن أكثر نفقتكم يوم الجمعة".

وفي الحديث: "كل معروف صدقة، وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له به صدقة، وما وقى به الرجل عرضه كتب له به صدقة"، ومعنى كل معروف صدقة: أن الإنفاق لا ينحصر في المال، بل يتناول كل بر من الأموال والأقوال والأفعال والعلوم والمعارف، وإنفاق العلوم والمعارف أفضل وأشرف؛ لأن نفع الأموال للأجساد، ونفع العلوم والمعارف للقلوب والأرواح، ومعنى ما وقي به عرضه: ما أعطى الشاعر وذا اللسان المتقى.

وفي الحديث: "ينادي مناد كل ليلة: لا دواء للموت، وينادي آخر: ابنوا للخراب، وينادي منادٍ: هب للمنفق خلفًا وينادي مناد: هب للممسك تلفًا".

وفي الحديث: "يؤجر ابن آدم في نفقته كلها إلا شيئًا وضعه في الماء والطين" قال القنوي، في شرح هذا الحديث؛ وهذا الحديث - وإن كان من حيث الصيغة مطلقًا - فالأحوال والقرائن تخصصه، وذلك أن بناء المساجد في الرباطات ومواضع العبادات يؤجر الباني لها عليها بلا خلاف، فالمراد بالمذكور هنا إنما هو البناء الذي لم يقصد صاحبه إلا التنزه والانفساح والاستراحة والرياء والسمعة، وإذا كان كذلك فمطمح همة الباني ومقصده لا يتجاوز هذا العالم، فلا يكون لبنائه ثمرة، ولا نتيجة في الآخرة؛ لأنه لم يقصد بما فعله أمرًا وراء هذه الدار، فأفعاله أعراض زائلة لا موجب لتعدِّيها من هنا إلى الآخرة، فلا إثمار لها، فلا أجر. انتهى.

{أَنْتَ وَلِيُّنَا} : مضاف لمفعوله؛ أي: متولي أمورنا، والولي: خلاف العدو.

{ذُوقُوا} الذوق في الأصل، وإن كان فيما يقل تناوله كالأكل، لا فيما يكثر تناوله، إلا أنه مستصلح للكثير، كما هنا.

البلاغة

وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:

فمنها: الإيجاز بالحذف في قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ} ؛ لأنه حذف فيه

ص: 302

جواب لو الشرطية.

ومنها: الإجمال في قوله: {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ} ، ثم التفسير في قوله:{يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} إلى آخره.

ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: {أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ} ؛ أي: لم نصدّكم.

ومنها: الطباق بين {اسْتُضْعِفُوا} ، و {اسْتَكْبَرُوا} .

ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: {بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ} ؛ لأن الإجرام حقيقة في قطع الأجسام، ثم استعير لاكتساب كل مكروه وسوء.

ومنها: التعبير عما في المستقبل بلفظ الماضي في قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} إشارةً إلى تحقق وقوعه.

ومنها: المجاز العقلي في قوله: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} لما فيه من إسناد ما للفاعل إلى ظرفه، نحو: نهاره صائم، وليله قائم، وليل ماكر.

ومنها: التعبير بالماضي عما في المستقبل في قوله: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ} ، وفي قوله:{وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ} إشارةً إلى تحقق وقوعه؛ لأن المعنى: ونجعل الأغلال يوم القيامة في أعناق الذين كفروا.

ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: {فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا} حيث لم يقل في أعناقهم؛ للتنويه بذمهم، والتنبيه على موجب أغلالهم.

ومنها: المجاز المرسل في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ} ؛ أي: في أهل قرية.

ومنها: مقابلة الجمع بالجمع في قوله: {إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} .

ومنها: الطباق بين {يَبْسُطُ وَيَقْدِرُ} .

ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ} مبالغة في تحقيق الحق وتقرير ما سبق، وكان مقتضى السياق: وما أموالهم

إلخ.

ومنها: المقابلة بين عاقبة الأبرار والفجار في قوله: {إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ

ص: 303

صَالِحًا}، {وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} .

ومنها: التكرار لغرض التأكيد على ما قيل في قوله: {إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ} الخ.

ومنها: أسلوب التقريع والتوبيخ في قوله: {أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} الخطاب للملائكة تقريعًا للمشركين.

ومنها: تقديم المفعول على عامله في قوله: {إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} لرعاية الفاصلة، ولأنه أبلغ في الخطاب، ولو أتى بالضمير متصلًا كان التركيب يعبدونكم، ولم تكن فاصلة.

ومنها: الإضافة للتشريف قوله: {أَنْتَ وَلِيُّنَا} .

ومنها: الطباق بين {نَفْعًا} ، و {ضَرًّا} في قوله:{فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا} .

ومنها: التهكم في قوله: {ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ} .

ومنها: الإيجاز بالحذف لدلالة السياق عليه في قوله: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} حذف خبر الأول لدلالة الثاني عليه، أي: ما أموالكم بالتي تقربكم، ولا أولادكم بالذين يقربونكم عندنا.

ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.

والله سبحانه وتعالى أعلم

* * *

ص: 304

قال الله سبحانه جلَّ وعلا:

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (43) وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (45) قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (48) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50) وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (51) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (52) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (53) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54)} .

المناسبة

قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أن المشركين هم أهل النار يوم القيامة، وأنه يقال لهم يومئذ: ذوقوا عذابها الذي كنتم به تكذبون .. أعقب ذلك بذكر ما لأجله استحقوا هذا العذاب، وهو صدهم عن دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم في القرآن: إنه إفك مفترى، وأنه سحر واضح لا شك فيه، وقد كان فيما حل بالأمم قبلهم مزدجر لهم لو أرادوا، فقد بلغوا من القوة ما بلغوا، وحين أرسل إليهم الرسل كذبوهم، فأخذوا أخذ عزيز مقتدر، ثم أنذرهم سوء عاقبة ما هم فيه، وأوصاهم، بأن يشمروا عن ساعد الجد طلبًا للحق، متفرقين اثنين اثنين، وواحدًا واحدًا، ثم يتفكروا ليعلموا أن صاحبهم ليس بالمجنون، بل هو نذير لهم يخوفهم بأس الله وعذابه الشديد يوم القيامة، وقد كان لهم من حاله ما يرغبهم في دعوته، فهو لا يطلب منهم أجرًا، ولا يريد منهم جزاء، وإنما مثوبته عند ربه المطلع على كل شيء، ثم أبان لهم أن الحق قد وضح، وجاءت أعلام الشريعة. كفلق الصبح نورًا وضياءً، ولا

ص: 305