المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

مسعودًا، أو نجا من كل ما يخاف، ووصل إلى كل - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٣

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: مسعودًا، أو نجا من كل ما يخاف، ووصل إلى كل

مسعودًا، أو نجا من كل ما يخاف، ووصل إلى كل ما يرجو، وهذه الجملة مستأنفة مقررة لما قبلها.

وإجمال معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله أن تعصوه، فتستحقوا بذلك عقوبته، وقولوا في رسوله والمؤمنين قولًا قاصدًا غير جائر، حقًا غير باطل، يوفقكم لصالح الأعمال، ويغفر لكم ذنوبكم، فلا يعاقبكم عليها، ومن يطع الله ورسوله، فيعمل بما أمره به، وينتهِ عما نهاه عنها، ويقل السديد من القول .. فقد ظفر بالمثوبة العظمى، والكرامة يوم العرض الأكبر.

والخلاصة: أنه سبحانه أمر المؤمنين بشيئين: الصدق في الأقوال، والخير في الأفعال. وبذلك يكونوا قد اتقوا الله وخافوا عقابه، ثم وعدهم على ذلك بأمرين:

1 -

صلاح الأعمال؛ إذ بتقواه يصلح العمل، والعمل الصالح يرفع صاحبه إلى أعلى عليين، ويجعله يتمتع بالنعيم المقيم في الجنة خالدًا فيها أبدًا.

2 -

مغفرة الذنوب، وستر العيوب، والنجاة من العذاب العظيم.

‌72

- ثم لما فرغ سبحانه من بيان ما لأهل الطاعة من الخير بعد بيان ما لأهل المعصية من العذاب .. بين عظم شأن التكاليف الشرعية، وصعوبة أمرها فقال: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ

} الآية. قال ابن عباس (1): أراد بالأمانة: الطاعة والفرائض التي فرضها الله على عباده، عرضها على السموات والأرض والجبال على أنها إذا أدُّوها .. أثابهم، وإن ضيعوها .. عذبهم. وقال ابن مسعود: الأمانة: أداء الصلوات، وايتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وصدق الحديث، وقضاء الدين، والعدل في المكيال والميزان، وأشد من هذا كله: الودائع. وقيل: جميع ما أمروا به ونهوا عنه. وقيل: هي الصوم، وغسل الجنابة، وما يخفى من الشرائع، كالنية في الأعمال.

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: أول ما خلق الله من الإنسان الفرج، وقال: هذه الأمانة استودعكها، فالفرج أمانة، والأذن أمانة، والعين أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له.

(1) الخازن.

ص: 151

وفي رواية عن ابن عباس: هي أمانات الناس، والوفاء بالعود، فحقٌّ على كل مؤمن أن لا يغش مؤمنًا ولا معاهدًا في شيء، لا في قليل ولا كثير، فعرض الله تعالى هذه الأمانة على أعيان السموات والأرض والجبال، وهذا قول جماعة من التابعين، وأكثر السلف. فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قال: إن أحسنتن .. جوزيتن، وإن عصيتن .. عوقبتن، قلن: لا يا رب، نحن مسخرات لأمرك، لا نريد ثوابًا ولا عقابًا، وقلن ذلك خوفًا وخشيةً وتعظيمًا لدين الله تعالى أن لا يقوموا بها لا معصية ولا مخالفة لأمره. وكان العرض عليهن تخييرًا لا إلزامًا، لو ألزمهن لم يمتنعن من حملها. والجمادات كلها خاضعة لله عز وجل، مطيعة لأمره، ساجدة له.

قال بعض أهل العلم: ركب الله تعالى فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة، حتى عقلن وأجبن بما أجبن. وقيل: المراد من العرض على السموات والأرض والجبال: هو العرض على أهلها من الملائكة دون أعيانها. والقول الأول أصح. وهو قول أكثر العلماء.

وقوله: {إِنَّا} هذه النون (1) نون العظمة والكبرياء عند العلماء، فإن الملوك والعظماء يعبِّرون عن أنفسهم بصيغة الجمع، ونون الأسماء والصفات عند العرفاء. فإنها متعددة ومتكثرة {عَرَضْنَا}؛ أي: أظهرنا وأبرزنا {الْأَمَانَةَ} ؛ أي: التكاليف الشرعية {عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ} على أنَّ من أداها فله الثواب، ومن لم يؤدِّها .. فله العقاب. وكان هذا العرض عرض تخيير، لا عرض إلزام {فَأَبَيْنَ}؛ أي: فامتنعت السموات والأرض والجبال عن قبولها على هذا الشرط المذكور. والإباء: شدة الامتناع، فكل إباء، امتناع، وليس كل امتناع إباءً.

وأتى بضمير هذه كضمير الإناث؛ لأن جمع التكسير غير العاقل يجوز فيه ذلك، وإن كان مذكرًا، وإنما ذكرنا ذلك لئلا يتوهم أن قد غلَّب المؤنث، وهو السموات على المذكر، وهو الجبال.

واعلم: أنه لم يكن إباؤهن كإباء إبليس في قوله تعالى: {أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ

(1) روح البيان.

ص: 152

السَّاجِدِينَ}؛ لأن السجود كان هناك فرضًا، وهاهنا الأمانة كانت عرضًا، والإباء هناك كان استكبارًا، وهاهنا كان استصغارًا لقوله تعالى:{وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} ؛ أي: خفن من الأمانة أن لا يؤدينها. اهـ "فتوحات".

{وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} ؛ أي: وخفن من الأمانة وحملها، وقلن: يا رب، نحن مسخرات بأمرك، لا نريد ثوابًا ولا عقابًا، ولم يكن هذا القول منهن من جهة المعصية والمخالفة، بل من جهة الخوف والخشية من أن لا يؤدين حقوقها، ويقعن في العذاب، ولو كان لهن استعداد ومعرفة بسعة الرحمة، واعتماد على الله تعالى لما أبين.

فإن قلت (1): ما ذكر من السموات وغيرها جمادات، والجمادات لا إدراك لها، فما معنى عرض الأمانة عليها؟

قلت: للعلماء فيه قولان:

الأول: أنه محمول على الحقيقة، وهو الأنسب بمذهب أهل السنة؛ لأنهم لا يؤولون أمثال هذا، بل يحملونها على الحقيقة خلافًا للمعتزلة وهو القول الثاني. وعلى تقدير الحقيقة فيه وجهان: أحدهما أدق من الآخر:

الوجه الأول: أن للجمادات حياةً حقانيةً دلَّ عليها كثير من الآيات، نحو قوله:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ} ، وقوله:{ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} ، وقوله:{وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} ، وقوله:{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} إلى غير ذلك.

والوجه الثاني: أن الله تعالى ركَّب العقل والفهم في الجمادات المذكورة عند عرض الأمانة، كما ركب العقل، وقبول الخطاب في النملة السليمانية، والهدهد، وغيرهما من الطيور والوحوش والسباع، بل وفي الحجر والشجر والتراب، فهن بهذا العقل والإدراك سمعن الخطاب، وأنطقهن الله بالجواب، حيث قال لهن: أتحملن هذه على أن يكون لكُنَّ الثواب والنعيم في الحفظ والأداء، والعقاب في

(1) روح البيان.

ص: 153