الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقرأ زيد بن علي: {ما تتلى} بتاء التأنيث، والجمهور: بالياء.
{إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {كَانَ لَطِيفًا} ؛ أي: ذا لطف بكن؛ إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آياته وشرائعه {خَبِيرًا} بكن؛ إذ اختاركن لرسوله أزواجًا أو لطيفًا بأوليائه، خبيرًا بجميع خلقه، وجميع ما يصدر منهم من خير وشر، وطاعة ومعصية، فهو يجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، أو بليغ اللطف والبر بخلقه كلهم؛ خبيرًا؛ أي: بليغ العلم بالأشياء كلها، فيعلم ويدبر ما يصلح في الدين، ولذلك أمر ونهى، أو: يعلم من يصلح لنبوته، ومن يستأهل أن يكون من أهل بيته.
روي: أن رجلًا تكلم في زين العابدين رضي الله عنه، وافترى عليه، فقال زين العابدين: إن كنت كما قلت: فاستغفر الله، وإن لم أكن نستغفر الله لك، فقام إليه الرجل، وقبل رأسه، وقال: جعلت فداءك، لست كما قلت، فاستغفر لي، قال: غفر الله لك، فقال الرجل: الله أعلم حيث يجعل رسالته.
35
- ولما نزل في نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما نزل .. قال نساء المسلمين: فما نزل فينا شيء، ولو كان فينا خير لذكرنا، فنزلت: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ
…
} الخ. فذكر لهن عشر مراتب مع الرجال، فمدحهن بها معهم:
الأولى: الإِسلام، وهو الانقياد لأمر الله تعالى، فذكرها بقوله:{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} ؛ أي: إن الداخلين في السلم بعد الحرب، المنقادين لحكم الله تعالى من الذكور والإناث. وفي "التأويلات النجمية": المسلم: هو المستسلم للأحكام الأزلية بالطوع والرغبة، مسلمًا نفسه إلى المجاهدة والمكابدة ومخالفة الهوى، وقد سلم المسلمون من لسانه ويده. وبدأ سبحانه بذكر الإِسلام الذي هو مجرد الدخول في الدين، والانقياد له مع العمل، كما ثبت في الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما سأله جبريل عن الإِسلام قال:"هو أن تشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان".
ثم عطف على المسلمين {وَالْمُسْلِمَاتِ} تشريفًا لهن بالذكر صريحًا، وهكذا فيما بعد، وإن كن داخلات في لفظ المسلمين والمؤمنين وغيرهما، والتذكير إنما هو لتغليب الذكور على الإناث، كما في جميع ما ورد في الكتاب العزيز من ذلك.
والثانية: الإيمان، وهو تصحيح الاعتقاد، وموافقة الباطن الظاهر، فذكرها بقوله:{وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} ؛ أي: المصدقين بما يجب أن يصدق به من الفريقين، وهم من يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله والقدر خيره وشره، كما ثبت ذلك في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي "التأويلات النجمية" المؤمن (1): من أمنه الناس، وقد أحيا الله قلبه أولًا بالعقل، ثم بالعلم، ثم بالفهم عن الله تعالى، ثم بنور الله تعالى، ثم بالتوحيد، ثم بالمعرفة، ثم أحياه بالله.
قال في "بحر العلوم": ومراد أصحابنا باتحاد الإِسلام والإيمان: أن الإِسلام هو الخضوع والانقياد بمعنى: قبول ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى، والإذعان له، وذلك حقيقة التصديق. ولذلك لم يصح في الشرع أن يحكم على أحد أنه مسلم وليس بمؤمن، أو مؤمن وليس بمسلم، فلا يمتاز أحدهما عن الآخر، ولم يريدوا الاتحاد بحسب المفهوم؛ لأن الإيمان هو تصديق الله فيما أخبر من أوامره ونواهيه ومواعيده، والإِسلام: هو الخضوع والانقياد لألوهيته، وهذا لا يحصل إلا بقبول الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والإذعان لذلك، فمن لم يقبل شيئًا من هذه الأربعة .. فقد كفر وليس بمسلم. انتهى.
وعبارة "فتح الرحمن": قوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} فإن قلت (2): لِمَ عطف أحدهما على الآخر، مع أنهما متحدان شرعًا؟
قلت: ليسا بمتحدين مطلقًا، بل هما متحدان ما صدقًا لا مفهومًا أخذًا من الفرق بين الإِسلام والإيمان الشرعيين؛ إذ الإِسلام الشرعي: هو التلفظ بالشهادتين بشرط تصديق القلب بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، والإيمان الشرعي: عكس ذلك، ويكفي في العطف المقتضي للاختلاف اختلافهما مفهومًا، وإن اتحدا ما صدقًا. انتهت.
والثالثة: القنوت، وهو الطاعة، وذكرها بقوله:{وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ} ؛ أي: المداومين على الطاعات، القائمين بها من الفريقين، والقانت: العبد المطيع، وكذا القانتة، وقيل: المداوم على الطاعة والعبادة.
(1) روح البيان.
(2)
روح البيان.
وفي "التأويلات النجمية"(1): القنوت: استغراق الوجود في الطاعة والعبودية.
والرابعة: الصدق في الأقوال والأفعال، وذكرها بقوله:{وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ} في القول والعمل والنية، والصادق والصادقة: هما من يتكلم بالصدق، ويتجنب الكذب، وبقي بما عوهد عليه. وفي "التأويلات النجمية": في عقودهم، ورعاية حدودهم، والصدق: نور أهدي لقلوب الصديقين بحسب قربم من ربهم.
والخامسة: الصبر على ما أمر الله به، وفيما ساء وسر، وذكرها بقوله:{وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ} على الطاعات، وعن المعاصي، والصابر والصابرة: هما من يصبر عن الشهوات، وعلى مشاق التكليف. وفي "التأويلات": على الخصال الحميدة، وعن الصفات الذميمة، وعند جريان القضاء، ونزول البلاء.
والسادسة: الخشوع في الصلاة، وهو أن لا يلتفت، وقيل: هو التواضع، وذكرها بقوله:{وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ} ؛ أي: المتواضعين لله بقلوبهم وجوارحهم. والخاشع والخاشعة: هما المتواضعان لله، الخائفان منه، الخاضعان في عباداتهم لله تعالى. وفي "التأويلات": الخشوع: إطراق السريرة عند توارد الحقيقة. انتهى. قال بعضهم: الخشوع: انقياد الباطن للحق، والخضوع: انقياد الظاهر له، وفي "القاموس": الخشوع: الخضوع، أو هو في البدن، والخشوع: في الصوت.
والسابعة: الصدقة مما رزق الله، وذكرها بقوله:{وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ} بما وجب في مالهم، والمعطين للصدقات فرضًا أو نفلًا والمتصدِّق والمتصدِّقة: هما من تصدق من ماله بما أوجبه الله عليه، وقيل: ذلك أعم من صدقة الفرض والنفل، يقال: تصدق على الفقراء: إذا أعطاهم الصدقة، وهي العطية التي بها تبتغى المثوبة من الله تعالى. وفي "التأويلات": والمتصدقين والمتصدقات بأموالهم وأعراضهم، حتى لا يكون لهم مع أحد خصومة فيما ينال منهم.
والثامنة: المحافظة على الصوم، وذكرها بقوله:{وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ} الصوم المفروض، أو مطلق الصوم فرضًا أو نفلًا. وفي "المفردات": الصوم في الأصل: الإمساك عن الفعل مطعمًا كان أو كلامًا أو مشيًا، وفي الشرع: إمساك المكلف بالنية من الخيط الأبيض إلى الخيط الأسود عن تناول الأطيبين، والاستمناء، والاستقاءة.
والتاسعة: العفة، وذكرها بقوله:{وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ} فروجهن عن الحرام بالتعفف والتنزه، والاقتصار على الحلال، وحذف مفعول الثاني لدلالة المذكور عليه.
والعاشرة: كثرة الذكر، وذكرها بقول:{وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ} ذكرًا {كَثِيرًا} بقلوبهم وألسنتهم {وَالذَّاكِرَاتِ} الله كثيرًا، فحذف المفعول، كما في الحافظات؛ لعلمه من المذكور. والذاكر والذاكرة: هما من يذكر الله سبحانه على أحواله، وفي ذكر الكثرة دليل على مشروعية الاستكثار من ذكر الله سبحانه بالقلب واللسان، والمراد بكثرة الذكر: أن لا ينساه على كل حال، لا الذكر بكثرة اللغات. وفي "التأويلات": بجميع أجزاء (1) وجودهم الجسمانية والروحانية، بل بجميع ذرَّات المكونات، بل بالله وبجميع صفاته. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أدبار الصلوات، وغدوًا وعشيًا، وفي المضاجع، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا وراح من منزله ذكر الله. انتهى.
والاشتغال بالعلم النافع وتلاوة القرآن والدعاء من الذكر. وفي الحديث: "من استيقظ من منامه، وأيقظ امرأته، فصليا جميعًا ركعتين .. كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات". وعن مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سبق المفردون"، قالوا: يا رسول الله، وما المفردون؟ قال:"الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات".
وقال عطاء بن أبي رباح (2): من فوض أمره إلى الله .. فهو داخل في قوله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} ، ومن أقر بأن الله ربه، ومحمدًا رسوله، ولم يخالف قلبه لسانه، فهو داخل في قوله:{وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} ، ومن أطاع الله في الفرض، والرسول في السنة .. فهو داخل في قوله:{وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ} ، ومن صان قوله عن الكذب .. فهو داخل في قوله:{وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ} ، ومن صلى، فلم يعرف من عن يمينه وعن شماله .. فهو داخل في قوله:{وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ} ، ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم .. فهو داخل في قوله:{وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ} ، ومن صام في كل شهر أيام البيض - وهي: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر - .. فهو
(1) روح البيان.
(2)
الخازن.
داخل في قوله: {وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ} ، ومن حفظ فرجه عما لا يحل .. فهو داخل في قوله:{وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ} ، ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها .. فهو داخل في قوله:{وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} .
وخبر {إِنَّ} في الجميع هو قوله: {أَعَدَّ اللَّهُ} ؛ أي: هيأ الله سبحانه في الآخرة {لَهُمْ} لهؤلاء المذكورين بسبب ما عملوا من الطاعات العشر المذكورة، وجمعوا بينها. والعطف (1) بالواو بين الذكور والإناث، كالمسلمين والمسلمات، كالعطف بين الضدين؛ لاختلاف الجنسين، وأما عطف الزوجين على الزوجين، كعطف المؤمنين والمؤمنات على المسلمين والمسلمات، فمن عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع؛ أي: عطفهما لتغاير الوصفين. {مَغْفِرَةً} لما اقترفوا من الصغائر؛ لأنهن مكفرات بما عملوا من الأعمال الصالحة. وفي "التأويلات": هي نور من أنوار جماله، جعل مغفر الرأس روحهم، يعصمهم مما يقطعهم عن الله. {وَأَجْرًا عَظِيمًا}؛ أي: ثوابًا جزيلًا على طاعاتهم التي فعلوها من: الإِسلام والإيمان والقنوت والصدق والصبر والخشوع والتصدق والصوم والعفاف والذكر، وهو الجنة. وقيل: سهولة العبادة، ودوام المعرفة اليوم، وتحقيق المسؤول، ونيل ما فوق المأمول غدًا.
ووصف الأجر بالعظم (2): للدلالة على أنه بالغ غاية المبالغ، ولا شيء أعظم من أجرٍ هو الجنة ونعيمها الدائم الذي لا ينقطع ولا ينفد. اللهم اغفر ذنوبنا، وأعظم أجورنا.
والحاصل: أن الله سبحانه ذكر الأوصاف (3) التي يستحق بها عباده أن يمحو عنهم زلاتهم، ويثيبهم بالنعيم المقيم عنده، وهي عشرة:
1 -
إسلام الظاهر بالانقياد لأحكام الدين في القول والعمل.
2 -
إسلام الباطن بالتصديق التام، والإذعان لما فرض الدين من الأحكام، وهذا هو الإيمان.
(1) روح البيان.
(2)
الشوكاني.
(3)
المراغي.
3 -
القنوت: وهو دوام العمل في هدوء وطمأنينة، كما قال:{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} ، وقال:{يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} فالإسلام والانقياد: مرتبة تعقبها مرتبة الإذعان والتصديق، وينشأ عن مجموعها القنوت والخشوع.
4 -
الصدق في الأقوال والأعمال، وهو علامة الإيمان، كما أن الكذب أمارة النفاق، فمن صدق نجا، وفي الحديث:"عليكم بالصدق، فإنه يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار".
5 -
الصبر على المكاره، وتحمل المشاق في أداء العبادات، وترك الشهوات.
6 -
الخشوع والتواضع لله تعالى بالقلب والجوارح ابتغاء ثوابه، وخوفًا من عقابه، كما جاء في الحديث:"اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
7 -
التصدق بالمال، والاحسان إلى المحاويج الذين لا كسب لهم ولا كاسب، وقد ثبت في الصحيح:"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" وفي حديث آخر: "والصدقة تطفىء الخطيئة، كما يطفىء الماء النار".
8 -
الصوم، فإنه نعم العون على كسر الشهوة، كما روى ابن ماجه من قوله:"والصوم زكاة البدن"؛ أي: إنه يزكيه ويطهره من الأخلاط الرديئة طبعًا وشرعًا.
9 -
حفظ الفروج عن المحارم والآثام، كما جاء في الآية الأخرى:{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31)} .
10 -
ذكر الله كثيرًا بالألسنة والقلوب، كما سبقت أحاديثه:
فهؤلاء الذين جمعوا هذه الأوصاف يمحو عنهم ذنوبهم، ويؤتيهم الأجر العظيم في جنات النعيم.