المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

نداء علامة، مثل: يا آدم ونحوه. {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ} وبعثناك بعظمتنا إلى - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٣

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: نداء علامة، مثل: يا آدم ونحوه. {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ} وبعثناك بعظمتنا إلى

نداء علامة، مثل: يا آدم ونحوه.

{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ} وبعثناك بعظمتنا إلى كافة الناس، وقوله:{شَاهِدًا} حال من كاف {أَرْسَلْنَاكَ} ؛ أي: حالة كونك شاهدًا على أمتك، تشهد لمن صدقك وآمن بك بالإيمان، وعلى من كذبك وكفر بك بالتكذيب، وهي (1) حال مقدَّرة، فالنبي صلى الله عليه وسلم بعث متحملًا للشهادة في الدنيا، ويكون في الآخرة مؤديًا لما تحمله، ووقت الأداء متأخر عن وقت الإرسال، نحو: مررت برجل معه صقر صائدًا به غدًا، أي: مقدرًا به الصيد غدًا.

والمعنى: يا أيها النبي الكريم، إنا أرسلناك بعظمتنا مقدرًا شهادتك على أمتك بتصديقهم وتكذيبهم، تؤديها يوم القيامة أداء مقبولًا قبول قول الشاهد العدل في الحكم. قال مجاهد: شاهدًا على أمته بالتبليغ إليهم، وعلى سائر الأمم بتبليغ أنبيائهم إليهم.

{وَ} حالة كونك {مُبَشِّرًا} للمؤمنين بالجنة، وبما أعده لهم من جزيل الثواب وعظيم الأجر. {وَ} حالة كونك {نَذِيرًا}؛ أي: مخوفًا للكافرين والعصاة بالنار، وبما أعده لهم من عظيم العقاب.

‌46

- {وَ} حالة كونك {دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ} ؛ أي: داعيًا لكافة الناس إلى توحيده سبحانه ودينه، وإلى الإيمان بكل ما جاء به، والعمل بما شرعه لهم. {بِإِذْنِهِ}؛ أي: بأمره له بذلك وتقديره، لا برأيك واجتهادك، وهذا راجع (2) إلى قوله: داعيًا فقط، وذلك كما إذا قال شخص: من يطع الملك يسعد، ومن يعصه يشقى، فيكون مبشرًا ونذيرًا، ولا يحتاج في ذلك إلى إذن من الملك، وأما إذا قال: تعالوا إلى سماطه، وأحضروا إلى خوانه، فيحتاج في ذلك إلى إذنه.

وقيل: معنى (3){بِإِذْنِهِ} ؛ أي: بتيسيره وتسهيله، فأطلق الإذن، وأريد به التيسير مجازًا بعلاقة السببية، فإن التصرف في ملك الغير متعسر، فإذا أذن .. تسهل وتيسر، وإنما لم يحمل الأذن على حقيقته، وهو الإعلام بجازة الشيء، والرخصة فيه؛ لانفهامه من قوله:{أَرْسَلْنَاكَ} ، {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ} ، وقيد به الدعوة إيذانًا بأنها

(1) روح البيان.

(2)

المراح.

(3)

روح البيان.

ص: 65

أمر صعب لا يتأتى إلا بمعونة وإمداد من جانب قدسه، كيف لا، وهي صرف الوجوه عن سمت الخلق إلى الخلاق، وإدخال قلادة غير معهودة في الأعناق.

{و} حالة كونك {سِرَاجًا} ؛ أي: مصباحًا {مُنِيرًا} ؛ أي: مضيئًا في الظلام؛ أي: يستضاء به في ظلم الضلالة، كما يستضاء بالمصباح في الظلمة. ففي الكلام تشبيه بليغ، وقال الزجاج:{وَسِرَاجًا} ؛ أي: ذا سراج منير؛ أي: كتاب نير، وفي "الخازن": سماه (1) سراجًا منيرًا؛ لأنه جلا به ظلمات الشرك، واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير. وقيل: معناه: أمد الله بنور نبوته نور البصائر، كما يمد بنور السراج نور الأبصار، ووصفه بالإنارة؛ لأن من السرج ما لا يضيء إذا قل سليطه، ودقَّتْ فتيلته.

فإن قلت: لم سماه سراجًا، ولم يسمه شمسًا، والشمس أشد إضاءة من السراج وأنور؟.

قلتُ: نور الشمس لا يمكن أن يؤخذ منه شيء، بخلاف نور السراج، فإنه يؤخذ منه أنوار كثيرة.

وعبارة "فتح الرحمن" هنا: فإن قلت (2): كيف شبه الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالسراج، دون الشمس، مع أنها أتم؟.

قلتُ: المراد بالسراج هنا: الشمس، كما قال تعالى:{وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} ، أو شبهه بالسراج؛ لأنه تفرع منه بهدايته جميع العلماء، كما يتفرع من السراج سرج لا تحصى، بخلاف الشمس.

واعلم: أن الله سبحانه وتعالى شبَّه نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم بالسراج لوجوه (3):

منها: أنه يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية، ويهتدى بأنواره إلى مناهج الرشد والهداية، كما يهتدى بالسراج المنير في الظلام إلى سمت المرام.

ومنها: أن السراج الواحد يوقد منه ألف سراج، ولا ينقص من نوره شيء.

(1) الخازن.

(2)

فتح الرحمن.

(3)

روح البيان.

ص: 66