المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

العواصم، وهي ذات عين، وسور عظيم من صخر، داخله خمسة - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٣

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: العواصم، وهي ذات عين، وسور عظيم من صخر، داخله خمسة

العواصم، وهي ذات عين، وسور عظيم من صخر، داخله خمسة أجبل، دورها اثنا عشر ميلًا، كما في "القاموس" ويقال: أنتاكية بالتاء بدل الطاء، وهو المسموع من لسان الملك في قصة ذكرت في "مشارق الأشواق"، قال الإِمام السهيلي: نسبت أنطاكية إلى أنطقيس، وهو اسم الذي بناها، ثم غيِّرت، وكانت أنطاكية إحدى المدن الأربع التي يكون فيها بطارقة النصارى، وهي أنطاكية والقدس والاسكندرية ورومية، ثم بعدها قسطنطينية. قال في "خريدة العجائب": رومية الكبرى: مدينة عظيمة في داخلها كنيسة عظيمة، طولها ثلاث مئة ذراع، وأركانها من نحاس مفرغ مغطّى كلها بالنحاس الأصفر، وبها أيضًا كنيسة بنيت على هيئة المقدس، وبها ألف حمام، وألف فندق، وهو الخان، ورومية أكبر من أن يحاط بوصفها ومحاسنها، وهي للروم مثل مدينة فرانسة للإفرنج، كرسي ملكهم ومجتمع أمرهم، وبيت ديانتهم، وفتحها من أشراط الساعة.

ذكر القصة في ذلك

‌14

- قال العلماء بأخبار الأنبياء (1): بعث عيسى عليه السلام رسولين من الحواريين إلى أهل أنطاكية، فلما قربا من المدينة .. رأيا شيخًا يرعى غنيمات له، وهو حبيب النجار صاحب يس، فسلما عليه، فقال الشيخ لهما: من أنتما؛ فقالا: رسولا عيسى عليه السلام، ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن، فقال الشيخ لهما: أمعكما آية؟ قالا: نعم، نشفي المريض، ونبرىء الأكمه والأبرص بإذن الله تعالى، قال الشيخ: إن لي ابنًا مريضًا منذ سنين، قالا: فانطلق بنا نطلع على حاله، فأتى بهما إلى منزله، فمسحا ابنه، فقام في الوقت بإذن الله تعالى صحيحًا، ففشا الخبر في المدينة، وشفى الله تعالى على أيديهما كثيرًا من المرضى، وكان لهم ملك يعبد الأصنام، اسمه: أنطيخا، وكان من ملوك الروم، فانتهى خبرهما إليه، فدعا بهما، وقال: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى عليه السلام، قال: وفيما جئتما؟ قالا: ندعوك من عبادة ما لا يسمع ويبصر، فقال: وهل لنا إله دون آلهتنا؟ قال: نعم، الذي أوجدك وآلهتك، قال لهما: قوما حتى انظر في أمركما، فتبعهما الناس، فأخذوهما

(1) الخازن.

ص: 491

وضربوهما، وقال وهب: بعث عيسى عليه السلام هذين الرجلين إلى أنطاكية، فأتياها، فلم يصلا إلى ملكها، وطالت مدة مقامهما، فخرج الملك ذات يوم فكبّرا وذكرا الله تعالى، فغضب الملك، وأمر بهما فحبسا، وجلد كل واحد منهما مئة جلدة، فلما كُذِّبا وضربا بعث عيسى عليه السلام رأس الحواريين: شمعون الصفي على أثرهما ليبصرهما، فدخل شمعون البلد متنكرًا، فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به، فرفعوا خبره إلى الملك، فدعاه وأنس به وأكرمه ورضي عشرته، فقال للملك ذات يوم: بلغني أنك حبست رجلين في السجن، وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك، فهل كلمتهما وسمعت قولهما؛ فقال: حال الغضب بيني وبين ذلك، قال: فإنَّ رأيي أيها الملك أن تدعوهما حتى تطلع على ما عندهما، فدعاهما الملك، فقال لهما شمعون: من أرسلكما إلى هاهنا؟ قالا: الله الذي خلق كل شيء، وليس له شريك، فقال لهما شمعون: فصفاه وأوجزا، قالا: إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فقال شمعون: وما آيتكما؟ قالا: ما تتمنّاه، فأمر الملك حتى جاؤوا بغلام مطموس العينين، وموضع عينيه كالجبهة، فما زالا يدعوان ربهما حتى انشقّ موضع البصر، فأخذا بندقتين من طين، فوضعاهما في حدقتيه، فصارتا مقلتين يبصر بهما، فتعجب الملك، فقال شمعون للملك: إن أنت سألت إلهك حتى يصنع لك مثل هذا كان الشرف لك ولإلهك، فقال له الملك: ليس لي عنك سرٌّ مكتوم، فإن الهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع، وكان شمعون يدخل مع الملك على الصنم، ويصلي ويتضرع حتى ظنوا أنه على ملتهم، فقال الملك للرسولين: إن قدر إلهكما الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما، قالا: إلهنا قادر على كل شيء، فقال الملك: إن هاهنا ميتًا قد مات منذ سبعة أيام ابن دهقان، وأنا أخرته فلم أدفنه حتى يرجع أبوه، وكان غائبًا، فجاؤوا بالميت، وقد تغيّر وأروح، فجعلا يدعوان ربهما علانية وشمعون يدعو ربه سرًّا، فقام الميت، وقال: إني ميت منذ سبعة أيام، ووجدت مشركًا، فادخلت في سبعة أودية من النار، وأنا أحذِّركم ما أنتم عليه، فآمنوا بالله، ثم قال: فتحت أبواب السماء، فنظرت شابًا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة، قال الملك: ومن الثلاثة؟ قال: شمعون وهذان، وأشار بيده إلى صاحبيه، فعجب الملك من ذلك، فلما علم شمعون أنَّ قوله قد أثر في الملك .. أخبره بالحال ودعاه، فآمن الملك، وأمن معه قوم، وكفر آخرون،

ص: 492

قيل: بل كفر الملك، وأجمع على قتل الرسل هو وقومه، فبلغ ذلك حبيبًا، وهو على باب المدينة، فجاء يسعى إليهم يذكِّرهم ويدعوهم إلى طاعة المرسلين، فذلك قوله تعالى:{إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ} بدل من {إِذْ} الأولى؛ أي: واذكر لهم وقت إرسالنا اثنين إلى أصحاب القرية، واسمهما: يحيى ويونس، وقيل: صادق ومصدوق، وقيل: غير ذلك، ونسبة إرسالهما إليه تعالى بناءً على أنه بأمره تعالى، فكانت الرسل رسل الله، ويؤيِّده (1) مسألة فقهية، وهي أن وكيل الوكيل بإذن الموكل بأن قال الموكل له: اعمل برأيك يكون وكيلًا للموكل، لا للوكيل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه، وينعزل إذا عزله الموكل الأول، ويجوز أن يكون اللهُ أرسلهم بعد رفع عيسى إلى السماء، وقوله:{فَكَذَّبُوهُمَا} مرتب على محذوف؛ أي: فأتياهم فدعواهم إلى الحق فكذبوهما في الرسالة بلا تراخ وتأمل، وضربوهما وحبسوهما كما سبق، {فَعَزَّزْنَا}؛ أي: قويناهما، فحذف المفعول لدلالة ما قبله عليه، ولأن القصد ذكر المعزوز به، وبيان تدبيره اللطيف الذي به عزّ الحق وذلَّ الباطل.

قرأ الجمهور بالتشديد، وقرأ أبو بكر عن عاصم والحسن وأبو حيوة والمفضل وأبان: بتخفيف الزاي، قال الجوهري:{فَعَزَّزْنَا} يخفف ويشدد؛ أي: قوينا وشددنا، فالقراءتان على هذا بمعنًى، وقيل: التخفيف بمعنى:.غلبنا وقهرنا، ومنه:{وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} ، والتشديد بمعنى: قوينا وكثرنا، {بِثَالِثٍ} هو شمعون الصفار، قاله ابن عباس، ويقال له: شمعون الصخرة أيضًا رئيس الحواريين، وقد كان خليفة عيسى عليه السلام بعد رفعه إلى السماء، وقال كعب ووهب: اسمه شلوم، وقيل: يونس.

قال في "التكملة": اختلف في المرسلين الثلاثة، فقيل: كانوا أنبياء رسلًا، أرسلهم الله تعالى، وقيل: كانوا من الحواريين أرسلهم عيسى بن مريم إلى أهل القرية المذكورة، ولكن لما كان إرساله إياهم عن أمره .. أضاف الإرسال إليه انتهى. علم منه أن الحواريين لم يكونوا أنبياء لا في زمان عيسى ولا بعد رفعه، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم:"ليس بيني وبينه نبي"؛ أي: بين عيسى عليه السلام، وان احتمل أن يكون المراد: النبي الذي يأتي بشريعة مستقلة، وهو لا ينافي وجود النبي

(1) روح البيان.

ص: 493