الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتوفيقه، والحمد القولي: هو حمد اللسان وثناؤه على الحق بما أثنى به نفسه على لسان أنبيائه، والحمد الفعلي هو الإتيان بالأعمال الصالحة البدنية ابتغاءً لوجه الله تعالى، والحمد الحاليُّ هو الاتصاف بالمعارف والأخلاق الإلهية، والحمد عند المحنة: الرضى عن الله فيما حكم به، وعند النعم: الشكر، فيقال في الضراء: الحمد لله على كل حال، نظرًا إلى النعمة الباطنة دون الشكر لله خوفًا من زيادة المحنة؛ لأن الله تعالى قال:{لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} ، والحمد على النعمة، كالروح للجسد، فلا بد من إحيائها، وأبلغ الكلمات في تعظيم صنع الله، وقضاء شكر نعمته: الحمد لله، ولذا جعلت زينة لكل خطبة، وابتداءٍ لكل مدحة، وفاتحةً لكل ثناء، وفضيلةً لكل سورة، ابتدئت بها على غيرها. وفي الحديث:"كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله، فهو أجذم"؛ أي: أقطع فله الحمد قبل كل كلام بصفات الجلال والإكرام.
قال في "فتوح الحرمين":
أَحْسَنُ مَا اهْتَمَّ بِهِ ذَوُوْ الْهِمَمِ
…
ذِكْرٌ جَمِيْلٌ لِوَليِّ النِّعَمِ
3
- {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} المراد بهؤلاء القائلين: جنس الكفرة على الإطلاق، أو كفار مكة على الخصوص، ومعنى قوله:{لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ} أنها لا تأتي بحال من الأحوال إنكارًا منهم لوجودها، لا لمجرد إتيانها في حال تكلمهم، أو حال حياتهم، مع تحقق وجودها فيما بعد، وعبَّر عن القيامة بالساعة تشبيهًا لها بالساعة التي هي جزء من أجزاء الزمان؛ لسرعة حسابها. قال في "الإرشاد": أرادوا بضمير المتكلم جنس البشر قاطبة، لا أنفسهم أو معاصرهم فقط، كما أرادوا بنفي إتيانها وجودها بالكلية، لا عدم حضورها مع تحققها في نفس الأمر، وإنما عبروا عنه بذلك؛ لأنهم كانوا يوعدون بإتيانها، ولأن وجود الأمور الزمانية المستقبلة لا سيما أجزاء الزمان لا تكون إلا بالإتيان والحضور، وردَّ الله سبحانه عليهم، وأمر رسوله أن يقول لهم:{قُلْ} لهم يا محمد {بَلَى} ردٌّ لكلامهم، وإثبات لما نفوه من إتيان الساعة على معنى ليس الأمر إلا إتيانها {وَرَبِّي} الواو فيه للقسم، أتى به لتأكيد الإتيان؛ أي: أقسمت بربي، ومالك أمري {لَتَأْتِيَنَّكُمْ} الساعة ألبتة، وهو تأكيد لما قبله.
قرأ الجمهور (1): {لَتَأْتِيَنَّكُمْ} بتاء التأنيث؛ أي: لتأتينكم الساعة التي أنكرتم مجيئها، وقرأ طلق المعلم عن أشياخه بياء الغيبة على معنى: ليأتينكم البعث؛ لأنه مقصودهم من نفي الساعة؛ أي: أنهم لا يبعثون، أو على معنى: ليأتينكم يوم القيامة، أو على إسناده إلى الله على معنى: ليأتينكم أمر عالم الغيب على حد قوله تعالى: {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} ؛ أي: أمره، ويبعد أن يكون الضمير للساعة لأن إجراء المؤنث المجازي مجرى المذكر لا يكون إلا في الشعر نحو قوله:
وَلَا أرْضٌ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا
ثم بعد أن أكد الجواب بالقسم على البعث، أتبع القسم بقوله:{عَالِمِ الْغَيْبِ} وما بعده ليعلم أنَّ إتيانها من الغيب الذي تفرد به سبحانه وتعالى، وجاء القسم بقوله:{وَرَبِّي} مضافًا إلى الرسول ليدل على شدة القسم؛ إذ لم يأت به في الاسم المشترك بينه وبين من أنكر الساعة، وهو لفظ الله.
وقرأ نافع وابن عامر ورويس وسلام والجحدري وقعنب: {عالم} بالرفع على إضمار: هو، وجوز الحوفي وأبو البقاء أن يكون مبتدأ، والخبر {لَا يَعْزُبُ} وقال الحوفي: أو خبره محذوف؛ أي: عالم الغيب هو، وقرأ باقي السبعة:{عَالِمِ} بالجر على أنه بدل من {رَبِّي} ، أو نعت له. وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي {علام} على المبالغة والخفض، وقوله:{عَالِمِ الْغَيْبِ} تشديد للتأكيد بالقسم، كما مر، يريد (2) أن الساعة من الغيوب، والله عالم بكلها، والغيب: ما غاب عن الخلق على ما قال بعضهم: العلقة: غيب في النطفة، والمضغة: غيب في العلقة، والإنسان: غيب في هذا كله، والماء: غيب في الهواء، والنبات: غيب في الماء، والحيوان: غيب في النبات، والإنسان: غيب في هذا كله، والله سبحانه وتعالى قد أظهر من هذه الغيوب، وسيظهره بعدما كان غيبًا في التراب. وفائدة الأمر باليمين: أن لا يبقى للمعاندين عذرٌ أصلًا لما أنهم كانوا يعرفون أمانته ونزاهته عن وصمة الكذب، فضلًا عن اليمين الفاجرة، وإنما لم يصدقوه مكابرة، وهذا الكفر والتكذيب طبيعة النفوس الكاذبة المكذبة، فمن وكله الله بالخذلان إلى طبيعة نفسه .. لا يصدر منه إلا الإنكار، ومن نظره الله إلى قلبه بنظر العناية .. فلا يظهر
(1) البحر المحيط.
(2)
روح البيان.
منه عند سماع قوله: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ} إلا الإقرار والنطق بالحق.
ومعنى قوله: {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ} تعالى؛ أي: لا يبعد عن علمه، ولا يغيب، ولا يستتر عليه {مِثْقَالُ ذَرَّةٍ}؛ أي: وزن نملة صغيرة، أو مقدار الهباء كائنة {فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} ، وفيه إشارة إلى علمه بالأرواح والأجسام {وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ} المثقال {وَلَا أَكْبَرُ} منه. ورفعهما على الابتداء، فلا وقف عند {أَكْبَرُ} ، والخبر: قوله تعالى: {إِلَّا} هو مسطور ومثبت {فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} هو اللوح المحفوظ المظهر لكل شيء، وإنما كتب جريًا على عادة المخاطبين، لا مخافة نسيان، وليعلم أنه لم يقع خللٌ وإن أتى عليه الدهر، والجملة مؤكدة لنفي العزوب، والمعنى: إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ الذي اشتمل على معلومات الله تعالى.
فإن قيل: فأيُّ حاجة إلى ذكر الأكبر، فإن مَنْ علم الأصغر من الذرة لا بدَّ وأن يعلم الأكبر؟
فالجواب: أن المراد من هذا الكلام بيان إثبات الأمور في الكتاب، فلو اقتصر على الأصغر .. لتوهم متوهم أنه يثبت الصغائر؛ لكونها محل النسيان، وأمَّا الأكبر .. فلا ينسى، فلا حاجة إلى إثباته فقال: الإثبات في الكتاب ليس كذلك، فإن الأكبر مكتوب فيه أيضًا. اهـ "كرخي".
وقرأ الجمهور (1): {يَعْزُبُ} بضم الزاي، وقرأ يحيى بن وثاب بكسرها، قال الفراء: والكسر أحبُّ إليَّ، وهما لغتان يقال: عزب يعزب بالضم، ويعزب بالكسر: إذا بعد وغاب. وقرأ الجمهور: {وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ} برفع الراءين بالرفع على الابتداء، والخبر {إِلَّا فِي كِتَابٍ} ، كما مرَّ، أو على العطف على {مِثْقَالُ} ، ويكون {إِلَّا فِي كِتَابٍ} تأكيدًا لما تضمن النفي في قوله:{لَا يَعْزُبُ عَنْهُ} تقديره: لكنه في كتاب مبين، وهو كناية عن ضبط الشيء والتحفظ به، فكأنه في كتاب وليس ثَمَّ كتاب حقيقة، وعلى التقدير الأول: الكتاب هو اللوح المحفوظ.
وقرأ قتادة والأعمش بفتح الراءين عطفًا على {ذَرَّةٍ} أو على أن {لَا} هي لا
(1) البحر المحيط.
التبرئة التي يبنى اسمها على الفتح. وقرأ زيد بن علي: {ولا أصغرِ من ذلك ولا أكبرِ} بخفض الراءين بالكسرة، كأنه نوى مضافًا إليه محذوفًا، التقدير: ولا أصغره، ولا أكبره، ومن ذلك ليس متعلقًا بأفعل، بل هو بتبيين؛ لأنه لما حذف المضاف إليه أبهم لفظًا، فبينه بقوله:{مِنْ ذَلِكَ} .
قيل: قوله: {مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ} إشارة إلى علمه بالأرواح، {وَلَا فِي الْأَرْضِ} إشارة إلى علمه بالأشباح، وكما أبرزهما من العدم إلى الوجود أولًا .. فكذلك يعيدهما ثانيًا.
قيل: سبب نزول هذه الآية (1): أن أبا سفيان قال لكفار مكة - لما سمعوا {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} -: إن محمدًا يتوعدنا بالعذاب بعد أن نموت، ويخوفنا بالبعث، واللاتِ والعزى لا تأتينا الساعة أبدًا، ولا نبعث، فقال الله: قل يا محمد: {بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} ، قاله مقاتل. وباقي السورة تهديد لهم وتخويف، ومن ذكر هذا السبب ظهرت به المناسبة بين هذه السورة، والسورة التي قبلها.
ومعنى الآية: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
…
} الخ: أي (2): وقال الذين ستروا ما أرشدتهم إليه عقولهم من البراهين الدالة على قيام الساعة: إنه لا رجعة بعد هذه الدنيا، ولا بعث ولا حساب، إن هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما نحن بمبعوثين، وقد أمر الله رسوله أن يرد عليهم مؤكدًا لهم بطلان ما يدعون:{قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} ؛ أي: قل لهم إنها وربي لآتية لا ريب فيها.
وهذه الآية إحدى آياتٍ ثلاث أمر الله فيها رسوله أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد حين أنكره من أنكر من أهل الشرك والعناد:
فإحداهن: في سورة يونس: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53)} .
وثانيتها: في سورة التغابن: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7)} .
(1) البحر المحيط.
(2)
المراغي.