الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
…
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرؤوا ولا حرج، ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب ولا ذكر عذاب برحمة» . وفي رواية: «أنزل القرآن على سبعة أحرف عليم، حكيم، غفور، رحيم» . رواه ابن جرير وغيره.
وعن الأعمش قال: قرأ أنس هذه الآية: {إِن ناشِئَةَ اللَّيلِ هي أَشدُّ وَطْءاً وأصوب قِيلاً} ، فقال له بعض القوم: يا أبا حمزة، إنما هي
…
{أَقْوَمُ} فقال: أقوم وأصوب واحد.
وعن ابن سيرين قال: (نبئت أن جبرائيل وميكائيل أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له جبرائيل: اقرأ القرآن على حرفين. فقال: له ميكائيل: استزده. فقال: اقرأ القرآن على ثلاثة أحرف. فقال له ميكائيل: استزده. قال حتى بلغ سبعة أحرف) . قال محمد: لا تختلف في حلال ولا حرام، وهو كقولك: تعال، وهلم، وأقبل.
قال ابن جرير: (معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «نزل القرآن على سبعة أحرف» . أي: سبع لغات، كقول القائل: هلم، وأقبل، وتعال، وإليّ، وقصدي، ونحوي، وقربي، ونحو ذلك مما تختلف فيه الألفاظ، وتتفق فيه المعاني) . انتهى ملخصًا.
وعن أبي قلابة قال: لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتفون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين حتى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان فقام خطيبًا، فقال: أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون، فمن نأى عني
من أهل الأمصار أشد فيه اختلافًا وأشد لحنًا، اجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إمامًا. قال ابن
جرير: (فاستوثقت له الأمة بالطاعة فتركت القراءة بالأحرف الستة، فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بها لدثورها وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها من غير جحود صحتها. فأما اختلاف القراءة في رفع حرف وجره، ونصبه وتسكين حرف وتحريكه، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصور فبمعزل من معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف» .) . انتهى ملخصًا.
وقال بعض المفسرين: ذكر الحروف التي كتب بعضها على خلاف بعض في المصحف وهي في الأصل واحدة: فأول {بِسْمِ اللهِ} كتب بحذف الألف التي قبل السين، وكتب {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ، و {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ، و {بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ} بالألف. والأصل في ذلك كله واحد، وهو أن يكتب الألف، وإنما حذفت من {بِسْمِ
…
اللهِ} فقط لأنها ألف وصل ساقطة من اللفظ كثيرًا. قد كثر استعمال الناس إياها فأمنوا أن يجهل القارئ معناها. وكتب {فِيمَا} موصولاً في كل القرآن إلا في البقرة: {فِي مَا فَعَلْنَ} ، وفيها:{فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ} ، وفي الأنعام: {فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ
…
مُحَرَّماً} ، وفيها:{لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم} ، وفي الأنفال:{فِيمَا أَخَذْتُمْ} وفي الأنعام: {فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ} ، وفي النور:{فِي مَا أَفَضْتُمْ} ، وفي الشعراء:{فِي مَا هَاهُنَا} ، وفي الروم:{فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ} ، وفي الزمر:{فِي مَا هُمْ فِيهِ} وفيها: {فِي مَا كَانُوا فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ} ، وفي الواقعة:{فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، فذلكن اثنا عشر حرفًا وما سوى ذلك موصول) .
إلى أن قال: (وكتب {لِكَيْ لَا} مقطوعة في كل القرآن إلا في ثلاث مواضع: في الحج {لِكَيْلَا يَعْلَمَ} وفي الأحزاب: {ِلكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} ، وفي الحديد:{لِكَيْلَا تَأْسَوْا} ، وكتب في هود:
…
{فَإلمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ} ، موصولاً مدغمًا، وفي القصص:{فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ} مقطوعًا. وكتب {كُلَّمَا} موصولاً. إلا خمسة مواضع، وكتبت {الرَّحْمَةَ} بالهاء، إلا سبعة مواضع، و {النَّعْمَةِ} بالهاء إلا أحد
عشر موضعًا {وَامْرَأَةً} بالهاء إلا سبعة مواضع،
…
و {سنة} بالهاء، إلا خمسة مواضع، و (معصية) بالهاء إلا في موضعين. وكتب {الْمَلأُ} بالألف إلا أربعة مواضع، فإنها تكتب بالواو. وكتب في الذاريات {سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} بالألف، وما سواه بغير ألف. وكتب جميع ما في القرآن من ذكر الأيدي بياء واحدة إلا في الذاريات {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} فإنها كتبت بياءين والأصل كتبه بياء واحدة، وكتب في حم السجدة {سَمَاوَات} بالألف وما سواه كتبت
…
{سموات} بغير ألف. وكتب {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ} بغير واو،
…
{يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ} بالواو والألف. وكتب {الربوا} بواو بعدها ألف في كل القرآن إلا قوله: {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً} ، فإنه بغير واو، وكتب {إِنِ امْرُؤٌا هَلَكَ} و (يَتَفَيَّؤا ظِلَالُهُ) و (تَفْتَؤا تَذْكُرُ)
…
(وَيَدْرَؤا عَنْهَا) وما أشبهها بواو وألف، ولو كتب بالواو وحدها أو بالألف وحدها لجاز) .
إلى أن قال: (وإنما كتبت هذه الحروف بعضها على خلاف بعض، وفي الأصل واحدة؛ لأن الكتابة بالوجهين كانت جائزة عندهم، فكتبوا بعضها على وجه، وبعضها على وجه آخر جمعًا بين المذهبين، على أنهم كتبوا أكثرها على الأصل، وكل ما كتب في المصحف على أصل لا يقاس عليه غيره من الكلام؛ لأن القرآن يلزمه لكثرة الاستعمال ما لا يلزم غيره، واتباع المصحف في هجائه واجب.
وقال جماعة من الأئمة: إن الواجب على القرّاء، والعلماء، وأهل الكتاب أن يتبعوا هذا الرسم في خط المصحف، فإنه رسم زيد بن ثابت، وكان أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكاتب وحيه، وعلم من هذا العلم بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يعلم غيره، فما كتب شيئًا من ذلك إلا لِعِلَّةٍ لطيفة وحكمة بليغة وإن قصر عنه رأينا، ألا ترى أنه لو كتب على (صلوتهم)(وأن صلوتك) بالألف بعد الواو، وبالألف من غير واو لما دل ذلك إلا على وجه واحد، وقراءة واحدة، والله تعالى أعلم) . انتهى ملخصًا.
وقال بعض العلماء:
والخط فيه معجز للناس
…
وحائد عن مقتضى القياس
لا تهتدي لسره الفحول
…
ولا تحوم حوله العقول
قد خصه الله بتلك المنزلة
…
دون جميع الكتب المنزلة
ليظهر الإِعجاز في المرسوم
…
منه كما في لفظه المنظوم
اللهم لك الحمد على ما أنعمت به علينا من نعمك العظيمة، وآلائك الجسيمة، حيث أنزلت علينا خير كتبك، وأرسلت إلينا أفضل رسلك،
وشرّعت لنا أفضل شرائع دينك، وجعلتنا من خير أمة أخرجت للناس، وهديتنا لمعالم دينك الذي ارتضيته لنفسك، وبنيته على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام، ولك الحمد على ما يسّرته من تفسير كتابك العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم إنا عبيدك، بنو عبيدك، بنو إمائك، نواصينا بيدك، ماض فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، وشفاء صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، اللهم ذكرنا منه ما نسينا، وعلّمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل والنهار على الوجه الذي يرضيك عنا،
…
اللهم اجعلنا ممن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويعمل بمحكمه، ويؤمن بمتشابهه، ويتلوه حق تلاوته، اللهم اجعلنا ممن يقيم حدوده، ولا تجعلنا ممن يقيم حروفه، ويضيع حدوده، اللهم اجعلنا ممن اتبع القرآن فقاده إلى رضوانك والجنة، ولا تجعلنا ممن اتبعه القرآن فزخ في قفاه إلى النار، واجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك يا رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وقد فصلّته ثلاثمائة وثلاثة عشر درسًا، والله الموفق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
* * *