المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الدرس السابع   {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ - توفيق الرحمن في دروس القرآن - جـ ١

[فيصل آل مبارك]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌فصل

- ‌الدرس الأول

- ‌[سورة الفاتحة]

- ‌سورة الفاتحة لها ثلاثة أسماء: فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني

- ‌الدرس الثاني

- ‌[سورة البقرة]

- ‌الدرس الثالث

- ‌الدرس الرابع

- ‌الدرس الخامس

- ‌الدرس السادس

- ‌الدرس السابع

- ‌الدرس الثامن

- ‌الدرس التاسع

- ‌الدرس العاشر

- ‌الدرس الحادي عشر

- ‌الدرس الثاني عشر

- ‌الدرس الثالث عشر

- ‌الدرس الرابع عشر

- ‌الدرس الخامس عشر

- ‌الدرس السادس عشر

- ‌الدرس السابع عشر

- ‌الدرس الثامن عشر

- ‌الدرس التاسع عشر

- ‌الدرس العشرون

- ‌الدرس الحادي والعشرين

- ‌الدرس الثاني والعشرون

- ‌الدرس الثالث والعشرون

- ‌الدرس الرابع والعشرون

- ‌الدرس الخامس والعشرون

- ‌الدرس السادس والعشرون

- ‌الدرس السابع والعشرون

- ‌الدرس الثامن والعشرون

- ‌الدرس التاسع والعشرون

- ‌الدرس الثلاثون

- ‌الدرس الحادي والثلاثون

- ‌الدرس الثاني والثلاثون

- ‌الدرس الثالث والثلاثون

- ‌الدرس الرابع والثلاثون

- ‌الدرس الخامس والثلاثون

- ‌الدرس السادس والثلاثون

- ‌[سورة آل عمران]

- ‌الدرس السابع والثلاثون

- ‌الدرس الثامن والثلاثون

- ‌الدرس التاسع والثلاثون

- ‌الدرس الأربعون

- ‌الدرس الحادي والأربعون

- ‌الدرس الثاني والأربعون

- ‌الدرس الثالث والأربعون

- ‌الدرس الرابع والأربعون

- ‌الدرس الخامس والأربعون

- ‌الدرس السادس والأربعون

- ‌الدرس السابع والأربعون

- ‌الدرس الثامن والأربعون

- ‌الدرس التاسع والأربعون

- ‌الدرس الخمسون

- ‌الدرس الحادي والخمسون

- ‌الدرس الثاني والخمسون

- ‌[سورة النساء]

- ‌الدرس الثالث والخمسون

- ‌الدرس الرابع والخمسون

- ‌الدرس الخامس والخمسون

- ‌الدرس السادس والخمسون

- ‌الدرس السابع والخمسون

- ‌الدرس الثامن والخمسون

- ‌الدرس التاسع والخمسون

- ‌الدرس الستون

- ‌الدرس الحادي والستون

- ‌الدرس الثاني والستون

- ‌الدرس الثالث والستون

- ‌الدرس الرابع والستون

- ‌الدرس الخامس والستون

- ‌الدرس السادس والستون

- ‌الدرس السابع والستون

- ‌الدرس الثامن والستون

الفصل: ‌ ‌الدرس السابع   {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ

‌الدرس السابع

{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (59) وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (61) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ (64) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ

(65)

فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (66) } .

* * *

ص: 138

قوله عز وجل: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (59) } .

قال ابن كثير: يقول تعالى لائماً لهم على نكولهم عن الجهاد، ودخولهم الأرض المقدسة، لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى عليه السلام، فأمروا بدخول الأرض المقدسة التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل، وقتال من فيها من العماليق الكفرة، فنكلوا عن قتالهم وضعفوا، واستحسروا، فرماهم الله في التيه عقوبة لهم، كما ذكره تعالى في سورة المائدة. ولهذا كان أصح القولين: أن هذه البلدة هي بيت المقدس.

وقوله تعالى: {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً} ، أي: هنيئاً واسعاً. {وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً} : شكرًا لله تعالى. قال ابن عباس في قوله: {وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً} قال: ركعاً من باب صغير. وقال مجاهد: وهو باب الحطة، من باب إيلياء بيت المقدس.

{وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} قال ابن عباس: مغفرة، استغفروا. وقال

ص: 139

قتادة: حطّ عنا خطايانا، أمروا بالاستغفار. {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} ثواباً من فضلنا.

وقوله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قيل لبني إسرائيل: ادخلوا

الباب سجدًا، وقولوا حطة، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبة في شعيرة» . أخرجه البخاري وغيره، وفي حديث البراء:«قيل لهم: ادخلوا الباب سجداً، قال: ركعاً وقولوا: حطة، أي: مغفرة فدخلوا على أستاههم وجعلوا يقولون: حنطة حمراء وفيها شعيرة. فأنزل الله: {فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم} » .

وقال البغوي: وذلك أنهم بدلوا قول: الحطة بالحنطة، فقالوا بلسانهم: حطاناً سمقاناً، أي: حنطة حمراء، استخفافاً بأمر الله تعالى. وقوله تعالى:{فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} ، أي: يعصون ويخرجون عن أمر الله. قال ابن عباس: كل شيء في كتاب الله من الرجز، يعني به: العذاب. وقال سعيد بن جبير: هو الطاعون.

قوله عز وجل: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) } .

يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم، إذ استسقى موسى، أي: طلب

ص: 140

السقيل لقومه حين عطشوا في التيه {فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ} ، قال ابن عباس: وجعل بين ظهرانيهم حجر مربع، وأمر موسى عليه السلام، فضربه بعصاه، {فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} ، في كل ناحية منه ثلاث عيون، وأعلم كل سبط عينهم يشربون منها، لا يرتحلون من منقله إلا وجدوا ذلك معهم.

وقوله تعالى: {كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ} ، أي: كلوا من المن والسلوى، واشربوا من الماء، فهذا كله من رزق الله الذي يأتيكم بلا مشقة.

{وَلَا تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} ، العثي: أشد الفساد. قال السدي: لما دخل بنو إسرائيل التيه قالوا لموسى عليه السلام: كيف لنا بما ها هنا، أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن، فكان ينزل على شجر الزنجبيل. والسلوى وهو: طائر يشبه السمّان أكبر منه، فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، فإن كان سمينًا ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه، فقالوا هذا الطعام فأين الشراب؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر

{فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} فشرب كل سبط من عين، فقالوا: هذا الشراب فأين الظل؟ فظلل عليهم الغمام، فقالوا: هذا الظل فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان، ولا يتخرق لهم ثوب، فلذلك قوله تعالى:{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} ، وقوله:{وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} .

قوله عز وجل: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ

بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ

ص: 141

كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (61) } .

يقول تعالى: واذكروا إذا قلتم: {يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ} ، أي: مأكل واحد لا يتبدل: {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} .

اختلف المفسرون في قوله تعالى: {وَفُومِهَا} فقيل: الثوم، وقيل: الحنطة، وقيل: كل حب يختبز، وقيل: الحبوب التي تؤكل كلها فوم، والله أعلم.

قال لهم موسى عليه السلام: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى} : أحسن، وأراد {بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} : أشرف وأفضل {اهْبِطُواْ مِصْراً} من الأمصار، {فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ} : فأيّ بلد دخلتموها وجدتم ذلك فيها.

وقوله تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} يقول تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} ، أي: وضعت عليهم وألزموها شرعًا وقدرًا، أي: لا يزالون مستذلين، من وجدهم استذلهم وأهانهم وضرب عليهم الجزية.

وقوله تعالى: {وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ} ، قال أبو عبيدة: واحتملوا وأقروا به. وقال الضحاك: استحقوا الغضب من الله.

{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} ، أي: فيجاوزون أمر الله ويرتكبون محارمه، فغضب الله عليهم.

قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ

ص: 142

بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) } .

يخبر تعالى أن من أحسن من الأمم السالفة وأطاع، فإن الله لا يضيع عمله، كما في حديث سلمان. سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم، فذكرت في صلاتهم وعبادتهم، فنزلت:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} الآية. رواه ابن أبي حاتم. قال مجاهد: الصَّابِئِونَ قوم بين المجوس واليهود والنصارى، ليس لهم دين. وسئل وهب بن منبه عن الصابئين فقال: الذي يعرف الله وحده، وليست له شريعة يعمل بها، ولم يحدث كفرًا.

وقال السدي: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً} ، الآية، نزلت في أصحاب سلمان الفارسي:(بينما هو يحدث النبي صلى الله عليه وسلم، إذ ذكر أصحابه، فأخبره خبرهم، فقال: كانوا يصلّون ويصومون، ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيًا، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم، قال له نبي الله صلى الله عليه وسلم: «يا سلمان هم من أهل النار» . فاشتد ذلك على سلمان فأنزل الله هذه الآية) .

فكان إيمان اليهود، أنه من تمسك بالتوراة وسنَّة موسى عليه السلام حتى جاء عيسى، فلما جاء عيسى، كان من تمسك بالتوراة، وأخذ بسنَّة موسى فلم يدعها، ولم يتبع عيسى، كان هالكًا وإيمان النصارى، أن من تمسك بالإِنجيل منهم وشرائع عيسى عليه السلام، كان مؤمنًا مقبولاً منه، حتى جاء محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لم يتبع محمدًا صلى الله عليه وسلم منهم، ويدع ما كان عليه من سنَّة عيسى والإِنجيل كان هالكًا، عن ابن عباس:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} ، الآية، قال: فأنزل الله بعد ذلك: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .

ص: 143

وقوله تعالى: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ، أي: لا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما يتركونه، كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} .

قوله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ (64) } .

يقول تعالى: واذكروا يا معشر يهود، إذ أخذنا ميثاقكم: عهدكم، {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} : الجبل، {خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} : بجد ومواظبة، {وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ} : ادرسوا واعملوا به {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}

لكي تنجوا من الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة كما قال تعالى {وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} . قال السدي: فلما أبوا أن يسجدوا، أم الله الجبل أن يقع عليهم، فنظروا إليه وقد غشيهم، فسقطوا سجدًا، فسجدوا على شق ونظروا بالشق الآخر، فرحمهم الله، فكشف عنهم، فقالوا: والله ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب عنهم فهم يسجدون كذلك وذلك قول الله تعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} .

وقال ابن عباس: ثم سار بهم موسى عليه السلام إلى الأرض المقدسة وأخذ الألواح بعدما سكت عنه الغضب، وأمرهم بالذي أمر الله أن يبلغهم من الوظائف، فثقلت عليهم وأبوا أن يقرّوا بها، حتى نتق الله الجبل فوقهم كأنه ظلة،

ص: 144

قال: رفعته الملائكة فوق رؤوسهم.

وقوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ} : أعرضتم من بعد ما قبلتم التوراة، {فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} : بتأخير العذاب عنكم، وإرسال النبيين إليكم، {َكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ} بتعجيل عقوبتكم على نقضكم الميثاق.

قوله عز وجل: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (66) } .

يقول تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ} يا معشر اليهود {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ} حين عصوا أمر الله، فمسخهم وأخزاهم.

قال البغوي: كانوا في زمن داود عليه السلام بأرض يقال لها أيلة.

قال ابن كثير: يقول تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ} يا معشر اليهود ما حل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله، وخالفوا عهده وميثاقه، فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت، والقيام بأمره، إذ كان مشروعًا لهم، فتحيّلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت، بما وضعوا لها من الحبائل والبرك، قبل يوم السبت، على عادتها في الكثرة، فنشبت بتلك الحبائل والحيل، فلم تخلص منها يومها ذلك، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت فلما فعلوا ذلك مسخهم الله إلى صورة القردة، وهي أشبه شيء بالأناسيّ، في الشكل الظاهر، وليست بإنسان حقيقة، فكذلك أعمال هؤلاء وحيلتهم، لما كانت مشابهة للحق في الظاهر، ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم. وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف، حيث يقول تعالى: {واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ

ص: 145

شُرَّعاً وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} . القصة بكمالها.

وقوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} . قال ابن عباس: يعني: جَعَلْنَاهَا بما أحللنا بها من العقوبة، عبرة لما حولها من القرى، كما قال تعالى:{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} .

وقوله تعالى: {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} ، أي: الذين من بعدهم إلى يوم القيامة. والله المستعان.

* * *

ص: 146