المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الدرس الثاني والخمسون ‌ ‌[سورة النساء] مدنية، وهي مائة وست وسبعون آية … قال - توفيق الرحمن في دروس القرآن - جـ ١

[فيصل آل مبارك]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌فصل

- ‌الدرس الأول

- ‌[سورة الفاتحة]

- ‌سورة الفاتحة لها ثلاثة أسماء: فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني

- ‌الدرس الثاني

- ‌[سورة البقرة]

- ‌الدرس الثالث

- ‌الدرس الرابع

- ‌الدرس الخامس

- ‌الدرس السادس

- ‌الدرس السابع

- ‌الدرس الثامن

- ‌الدرس التاسع

- ‌الدرس العاشر

- ‌الدرس الحادي عشر

- ‌الدرس الثاني عشر

- ‌الدرس الثالث عشر

- ‌الدرس الرابع عشر

- ‌الدرس الخامس عشر

- ‌الدرس السادس عشر

- ‌الدرس السابع عشر

- ‌الدرس الثامن عشر

- ‌الدرس التاسع عشر

- ‌الدرس العشرون

- ‌الدرس الحادي والعشرين

- ‌الدرس الثاني والعشرون

- ‌الدرس الثالث والعشرون

- ‌الدرس الرابع والعشرون

- ‌الدرس الخامس والعشرون

- ‌الدرس السادس والعشرون

- ‌الدرس السابع والعشرون

- ‌الدرس الثامن والعشرون

- ‌الدرس التاسع والعشرون

- ‌الدرس الثلاثون

- ‌الدرس الحادي والثلاثون

- ‌الدرس الثاني والثلاثون

- ‌الدرس الثالث والثلاثون

- ‌الدرس الرابع والثلاثون

- ‌الدرس الخامس والثلاثون

- ‌الدرس السادس والثلاثون

- ‌[سورة آل عمران]

- ‌الدرس السابع والثلاثون

- ‌الدرس الثامن والثلاثون

- ‌الدرس التاسع والثلاثون

- ‌الدرس الأربعون

- ‌الدرس الحادي والأربعون

- ‌الدرس الثاني والأربعون

- ‌الدرس الثالث والأربعون

- ‌الدرس الرابع والأربعون

- ‌الدرس الخامس والأربعون

- ‌الدرس السادس والأربعون

- ‌الدرس السابع والأربعون

- ‌الدرس الثامن والأربعون

- ‌الدرس التاسع والأربعون

- ‌الدرس الخمسون

- ‌الدرس الحادي والخمسون

- ‌الدرس الثاني والخمسون

- ‌[سورة النساء]

- ‌الدرس الثالث والخمسون

- ‌الدرس الرابع والخمسون

- ‌الدرس الخامس والخمسون

- ‌الدرس السادس والخمسون

- ‌الدرس السابع والخمسون

- ‌الدرس الثامن والخمسون

- ‌الدرس التاسع والخمسون

- ‌الدرس الستون

- ‌الدرس الحادي والستون

- ‌الدرس الثاني والستون

- ‌الدرس الثالث والستون

- ‌الدرس الرابع والستون

- ‌الدرس الخامس والستون

- ‌الدرس السادس والستون

- ‌الدرس السابع والستون

- ‌الدرس الثامن والستون

الفصل: ‌ ‌الدرس الثاني والخمسون ‌ ‌[سورة النساء] مدنية، وهي مائة وست وسبعون آية … قال

‌الدرس الثاني والخمسون

[سورة النساء]

مدنية، وهي مائة وست وسبعون آية

قال ابن مسعود: خمس آيات من النساء أحب إلّي من الدنيا جميعًا: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} .

وقوله: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} .

وقوله: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} .

وقوله: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً} .

وقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً} .

بسم الله الرحمن الرحيم

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى

ص: 493

وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُواْ (3) وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً (4) وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاء

أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً (5) وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً (6) لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً (7) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً (8) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} .

* * *

ص: 494

قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) } .

قال السدي: أسكن آدم الجنة، فكان يمشي فيها وحشًا ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ، فإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه فسألها: من أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: تسكن إليّ. {وَبَثَّ} خلق، {مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} يقول: اتقوا الأرحام، واتقوا الأرحام لا تقطعوها. وقال ابن عباس: واتقوا الله في الأرحام فصلوها، {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} . قال مجاهد: حفيظًا. وقال ابن زيد: {رَقِيباً} على أعمالكم يعلمها ويعرفها.

قوله عز وجل: {وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُواْ (3) وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً (4) } .

قال مجاهد في قول الله تعالى: {وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} ، قال: الحلال بالحرام. قال السدي: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل مكانها الشاة المهزولة، ويقول: شاة بشاة، ويأخذ الدرهم

الجيد ويطرح مكانه الزيف، ويقول: درهم بدرهم. وقال ابن زيد: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء، ولا يورثون الصغار، يأخذه الأكبر.

ص: 495

وقال مجاهد في قوله: {وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} ، يقول: لا تأكلوا أموالكم وأموالهم تخلطوها، فتأكلوها جميعًا، {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} ، قال ابن عباس: إثمًا عظيمًا.

وقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ، عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن هذه الآية فقالت: يا ابن أختي، هي: اليتيمة تكون في حِجر ولِّيها، فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينكحها بأدنى صداقها، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في كمال الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما سواهُنَّ من النساء. وفي رواية: هي: اليتيمة تكون عند الرجل وهي ذات مال، فلعله ينكحها لمالها وهي لا تعجبه، ثم يضربها ويسيء صحبتها. وقال قتادة في قوله:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُواْ} ، يقول: كما خفتم الجَوَار في اليتامى همكم ذلك. فكذلك فخافوا في جميع النساء. وكان الرجل في الجاهلية يتزوج العشر فما دون ذلك، فأحل الله جل ثناؤه أربعًا، ثم الذي صيرهن إلى أربع قوله:{مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} . {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً} ، وإن خفت أن لا تعدل في أربع، فثلاث، وإلا

فاثنتين، وإلا فواحدة، وإن خفت أن لا تعدل في واحدة فما ملكت يمينك. وقال ابن عباس في قوله:{ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُواْ} ، يعني: أن لا تميلوا.

وقوله تعالى: {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} . قال قتادة في قوله: {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} ، يقول: فريضة. وقال ابن عباس: يعني بالنحلة: المهر، {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} ، يقول: إذا كان غير إضرار ولا خديعة، فهو هنيء مريء، كما قال الله جل ثناؤه. وعن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوج أيّمًا أخذ صداقها

ص: 496

دونها، فنهاهم الله تبارك وتعالى عن ذلك، ونزلت:{وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} الآية. وقال ابن زيد: النحلة في كلام العرب: الواجب، يقول: لا ينكحها إلا بشيء واجب لها صدقة، يسميها لها واجبة، وليس ينبغي لأحد أن ينكح امرأة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، إلا بصداق واجب، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبًا بغير حق.

قوله عز وجل: {وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً (5) وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً (6) } .

قال الحسن في قوله: {وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ} ، لا تعطوا الصغار، والنساء. وقال قتادة في قوله:{وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً} ، أمر الله بهذا المال أن يخزن فيحسن خزانته، ولا يملكه المرأة السفيهة، والغلام السفيه.

وقوله تعالى: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} . قال ابن عباس: يقول الله سبحانه: لا تعمد إلى مالك وما خوّلك الله، وجعله لك معيشة، فتعطيه امرأتك أو بنيك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلح وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم، ورزقهم ومئونتهم. وقال مجاهد في قوله:{وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} ، قال: أمروا أن يقولوا لهم قولاً معروفًا في البر والصلة. وقال ابن جريج: عدة تعدوهم.

وقوله تعالى: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ} قال ابن عباس: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى} اختبروهم، {حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ} . قال: عند الحلم، {فَإِنْ

ص: 497

آنَسْتُم} قال: عرفتم {مِّنْهُمْ رُشْداً} في حالهم والإصلاح في أموالهم، {فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ} ، يعني: أكل مال اليتيم مبادرًا أن يبلغ، فيحول بينه وبين ماله وقوله تعالى:{وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} ، أي: بالتي هي أحسن. قال إبراهيم: ليس بلبس الكتان ولا الحلل، ولكن ما سد الجوع ووارى العورة. وجاء أعرابي إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتامًا، وإن

لهم إبلاً ولي إبل، وأنا أمنح في إبلي وأفقر، فماذا يحل من ألبانها؟ قال: إن كنت تبغي ضالتها، وتهنأ جرباها، وتلوط حوضها، وتستقي

عليها، فاشرب غير مضر بنسل، ولا ناهك في الحلب.

قوله تعالى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً} قال ابن عباس: إذا دفع إلى اليتيم مال فليدفعه إليه بالشهود، كما أمره الله تعالى.

وقال ابن كثير: {وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً} ، أي: وكفى بالله محاسبًا وشاهدًا ورقيبًا على الأولياء، في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم لأموالهم، هل هي كاملة موفرة أو منقوصة مبخوسة، مروج حسابها، مدلس أمرها؟ الله عالم بذلك كله.

قوله عز وجل: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً (7) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً (8) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ

ص: 498

عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10) } .

قال قتادة: كانوا لا يورثون النساء، فنزلت:{وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} .

وقوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} . قال الشعبي: هي: محكمة، وقال: واجب، ما طابت به نفس أهل الميراث. وقال ابن عباس: أمر الله المؤمنين عند قسمة مواريثهم أن يصلوا أرحامهم ويتاماهم بالوصية، إن كان أوصى، وإن لم تكن وصية وصل إليهم من مواريثهم. وقال سعيد بن جبير، والحسن: ذلك عند قسمة الميراث، إن كان الميراث لمن قد أدرك، فله أن يكسوا منه، وأن يطعم الفقراء والمساكين، وإن كان الميراث ليتامى صغار، فيقول الولي: إنه ليتامى صغار ويقول لهم قولاً معروفًا.

وقوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} . قال ابن عباس: يعني: الذي يحضره الموت فيقال له: تصدق من مالك، وأعتق وأعط منه في سبيل، فنهوا أن يأمروه بذلك، يعني: أنه من حضر منكم عند الموت فلا يأمره أن ينفق ماله في العتق، أو الصدقة، أو في سبيل الله، ولكن يأمره أن يبين ماله، وما عليه من دين، ويوصي في ماله لذوي قرابته الذين لا يرثون، ويوصي لهم بالخمس أو الربع. يقول: أليس يكره أحدكم إذا مات وله ولد ضعاف، يعني: صغار. أن يتركهم بغير مال. فيكونوا عيالاً على الناس؟ فلا ينبغي أن تأمروا بما لا ترضون به لأنفسكم ولا أولادكم، ولكن قولوا الحق من ذلك. وقال قتادة في قوله:{وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً} يقول: فليأمره بالعدل

والإحسان، ولينهه عن الحيف والجور في وصيته، وليخش على عياله ما كان خائفًا على عياله لو نزل به الموت.

ص: 499

وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} ، قال السدي: إذا قام الرجل بأكل مال اليتيم ظلمًا، يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه، ومن مسامعه، ومن أذنيه، وأنفه، وعينيه يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم.

وقال ابن عباس: (لما نزلت: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً} الآية. انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله أو يفسده، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {َيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم) . والله أعلم.

* * *

ص: 500