الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال مجاهد في قوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} ، يقول في الكفار والمؤمنين، والخير والشر. قال ابن إسحاق استقبل ذكر المصيبة التي نزلت بهم، يعني: بالمسلمين يوم أحد، والبلاء الذي أصابهم، والتمحيص لما كان فيهم، واتخاذه الشهداء منهم، فقال تعزية لهم وتقريعًا لهم فيما صنعوا، وما هو صانع بهم:{قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ} ، أي: قد مضت مني وقائع نقمة في أهل التكذيب لرسلي، والشرك في عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين، فسيروا في الأرض تروا مثلات قد مضت فيهم، ولمن كان على مثل ما هم عليه مثل ذلك مني، وإن أمكنت لهم.
وقوله تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} . قال قتادة: هذا بيان للناس، وهو: هذا القرآن جعله الله بيانًا للناس عامة، وهدى وموعظة للمتقين خاصة.
وقوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} . قال قتادة: يعزي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كما تسمعون، ويحثهم على قتال عدوهم، وينهاهم عن العجز والوهن في طلب عدوهم في سبيل الله. وقال ابن إسحاق:{وَلَا تَهِنُوا} ، أي: لا تضعفوا، {وَلَا تَحْزَنُوا} ولا تأسوا على ما أصابكم، {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} ، أي: لكم تكون العاقبة والظهور. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ، إن كنتم صدَّقتم. يعني: بما جاءكم به عني.
وقوله تعالى: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} . قال قتادة: والقرح: الجراحة، وذاكم يوم أحد فشا في أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ القتل، والجراحة. فأخبرهم الله عز وجل أن القوم قد أصابهم من ذلك مثل الذي أصابكم، وإن الذي أصابكم عقوبة.
وقوله تعالى: {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} . قال الربيع: فأظهر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه على المشركين يوم بدر، وأظهر عليهم عدوهم يوم أحد، وقد ينال الكافر من المؤمن، ويبتلى المؤمن بالكافر؛ ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه، ويعلم الصادق من الكاذب، وأما من ابتلى منهم من المسلمين يوم أحد: فكانت عقوبة بمعصيتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} . قال قتادة: فكرم الله أولياءه بالشهادة بأيدي عدوهم، ثم تصير حوامل الأمور وعواقبها لأهل طاعة الله.
وقوله تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} . قال ابن إسحاق: وليمحص الله الذين آمنوا، أي: يختبر الذين آمنوا حتى يخلصهم بالبلاء الذي نزل بهم، وكيف صبرهم ويقينهم. وقال ابن زيد في قوله:{وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} ، قال: يمحق من محق في الدنيا، وكان بقية من يمحق في الآخرة في النار.
وقوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} ، قال ابن إسحاق: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة وتصيبوا من ثوابي الكرامة، ولم أختبركم بالشدة وأبتليكم بالمكاره حتى أعلم أصدق ذلك منكم الإيمان بي، والصبر على ما أصابكم بي.
وقوله تعالى: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} . قال مجاهد: غاب رجل عن بدر فكانوا يتمنون مثل يوم بدر أن يلقوه، فيصيبوا من الخير والأجر مثل ما أصاب أهل بدر، فلما كان يوم أحد ولّى من ولّى منهم، فعاتبهم الله على ذلك.
قوله عز وجل: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن
يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) } .
قوله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ} . قال قتادة: ذلكم يوم أحد حين أصابهم: القرح، والقتل، ثم تنازعوا نبي الله صلى الله عليه وسلم بقية ذلك، فقال أناس: لو كان نبيًا ما قتل، وقال ناس من علية أصحاب
نبي الله صلى الله عليه وسلم: قاتلوا على ما قاتل عليه محمد نبيكم حتى يفتح الله لكم، أو تلحقوا به. فقال الله عز وجل:{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} . يقول: إن مات نبيكم أو قتل ارتددتم كفارًا بعد إيمانكم.
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} أي: لا يموت أحد حتى يستوفي المدة التي أجّل الله له.
{وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} . قال ابن إسحاق: أي: فمن كان منكم يريد الدنيا ليست له رغبة في الآخرة نؤته منها ما قسم له منه من رزق، ولا حظ له في الآخرة، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ما وعده مع ما يجري عليه من رزقه في دنياه، {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} ، أي: ذلك جزاء الشاكرين، يعني بذلك: إعطاء الله إياه ما وعده في الآخرة مع ما يجري عليه من الرزق في الدنيا.
وقوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} . قال ابن عباس: جموع كثيرة. وقال ابن زيد: الربيون: الأتباع. والربانيون: الولاة.
وقوله تعالى: {فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} . قال ابن إسحاق: فما وهنوا لفقد نبيهم، وما ضعفوا عن عدوهم وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن دينهم، وذلك الصبر. والله يحب الصابرين.
وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} قال مجاهد في قول الله: {وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} ، قال: خطايانا، وظلمنا أنفسنا. وقال ابن إسحاق: أي: فقولوا
كما قالوا، أو اعلموا أنما ذلك بذنوب منكم واستغفروا كما استغفروا، وامضوا على دينكم كما مضوا، ولا ترتدوا على أعقابكم راجعين، واسألوه كما سألوه أن يثبت أقدامكم،
واستنصروه كما استنصروه على القوم الكافرين، فكل هذا من قولهم قد كان، وقد قتل نبيهم فلم يفعلوا كما فعلتم.
وقوله تعالى: {فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ، قال قتادة: أي: والله، لآتاهم الله الفتح والظهور والتمكين، والنصر على عدوهم في الدنيا، {وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ} يقول: حسن الثواب في الآخرة هي: الجنة. والله أعلم.
* * *