المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌سورة الفاتحة لها ثلاثة أسماء: فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني - توفيق الرحمن في دروس القرآن - جـ ١

[فيصل آل مبارك]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌فصل

- ‌الدرس الأول

- ‌[سورة الفاتحة]

- ‌سورة الفاتحة لها ثلاثة أسماء: فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني

- ‌الدرس الثاني

- ‌[سورة البقرة]

- ‌الدرس الثالث

- ‌الدرس الرابع

- ‌الدرس الخامس

- ‌الدرس السادس

- ‌الدرس السابع

- ‌الدرس الثامن

- ‌الدرس التاسع

- ‌الدرس العاشر

- ‌الدرس الحادي عشر

- ‌الدرس الثاني عشر

- ‌الدرس الثالث عشر

- ‌الدرس الرابع عشر

- ‌الدرس الخامس عشر

- ‌الدرس السادس عشر

- ‌الدرس السابع عشر

- ‌الدرس الثامن عشر

- ‌الدرس التاسع عشر

- ‌الدرس العشرون

- ‌الدرس الحادي والعشرين

- ‌الدرس الثاني والعشرون

- ‌الدرس الثالث والعشرون

- ‌الدرس الرابع والعشرون

- ‌الدرس الخامس والعشرون

- ‌الدرس السادس والعشرون

- ‌الدرس السابع والعشرون

- ‌الدرس الثامن والعشرون

- ‌الدرس التاسع والعشرون

- ‌الدرس الثلاثون

- ‌الدرس الحادي والثلاثون

- ‌الدرس الثاني والثلاثون

- ‌الدرس الثالث والثلاثون

- ‌الدرس الرابع والثلاثون

- ‌الدرس الخامس والثلاثون

- ‌الدرس السادس والثلاثون

- ‌[سورة آل عمران]

- ‌الدرس السابع والثلاثون

- ‌الدرس الثامن والثلاثون

- ‌الدرس التاسع والثلاثون

- ‌الدرس الأربعون

- ‌الدرس الحادي والأربعون

- ‌الدرس الثاني والأربعون

- ‌الدرس الثالث والأربعون

- ‌الدرس الرابع والأربعون

- ‌الدرس الخامس والأربعون

- ‌الدرس السادس والأربعون

- ‌الدرس السابع والأربعون

- ‌الدرس الثامن والأربعون

- ‌الدرس التاسع والأربعون

- ‌الدرس الخمسون

- ‌الدرس الحادي والخمسون

- ‌الدرس الثاني والخمسون

- ‌[سورة النساء]

- ‌الدرس الثالث والخمسون

- ‌الدرس الرابع والخمسون

- ‌الدرس الخامس والخمسون

- ‌الدرس السادس والخمسون

- ‌الدرس السابع والخمسون

- ‌الدرس الثامن والخمسون

- ‌الدرس التاسع والخمسون

- ‌الدرس الستون

- ‌الدرس الحادي والستون

- ‌الدرس الثاني والستون

- ‌الدرس الثالث والستون

- ‌الدرس الرابع والستون

- ‌الدرس الخامس والستون

- ‌الدرس السادس والستون

- ‌الدرس السابع والستون

- ‌الدرس الثامن والستون

الفصل: ‌سورة الفاتحة لها ثلاثة أسماء: فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني

‌سورة الفاتحة لها ثلاثة أسماء: فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني

.

وروى البخاري وغيره عن سعيد بن المعلى رضي الله عنه، قال: كنت أصلي فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه حتى صليت، قال: فأتيته، فقال:«ما منعك أن تأتيني» ؟ قال: قلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، قال:«ألم يقل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} ؟ ثم قال: «لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد» . قال: فأخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت: يا رسول الله إنك قلت: لأعلمنَّك أعظم سورة في القرآن قال: «نعم، الحمد لله رب العالمين، هي: السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج - ثلاثًا - غير تمام» . فقيل لأبي هريرة: إنا نكون خلف الإمام فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله عز وجل: قسّمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال:{الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال الله: حمدني عبدي. وإذا قال: {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} ، قال الله: أثنى عليّ عبدي؛ فإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال الله: مجّدني عبدي - وقال مرة: فوّض إليَّ عبدي - فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ

ص: 82

وَلَا الضَّالِّينَ} ، قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» . رواه مسلم وغيره.

قوله عز وجل: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) } .

روى أبو داود وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى ينْزِلَ عليه (بسم الله الرحمن الرحيم) .

وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن أول ما نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم قال: يا محمد قل: أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم، قال: قال له جبريل: (بسم الله يا محمد، يقول: اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله تعالى) .

واختلف العلماء في مشروعية قراءة البسملة في الصلاة.

فقال بعضهم: لا يقرأ بها سرًا ولا جهرًا.

وقال بعضهم: يقرأ بها جهرًا في الجهرية، وسرًا في السرية.

وقال بعضهم: يقرأ بها سرًا في الجهرية. هذا القول هو الراجح وعليه تدل الأحاديث الصحيحة؛ ويشرع الجهر بها في بعض الأحيان، وتستحب البسملة في ابتداء كل عمل، تبركًا باسم الله تعالى واستعانة به، وفي الحديث:«كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم» ، قال ابن عباس: الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين.

ص: 83

قوله عز وجل: {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

قال ابن جرير رحمه الله تعالى: (الحمد لله ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه) . انتهى، قال أبو نصر الجوهري:(والحمد أعم من الشكر، وأما المدح فهو أعم من الحمد، وقال ابن عباس: الحمد لله كلمة الشكر، وإذا قال العبد: الحمد لله، قال: شكرني عبدي) .

قال البغوي: رحمه الله تعالى: (والحمد يكون بمعنى الشكر على النعمة، ويكون بمعنى الثناء عليه بما فيه من الخصال الحميدة، والشكر لا يكون إلا على النعمة.

وقوله تعالى: {للهِ} ، اللام للإستحقاق، والألف واللام في الحمد لاستغراق جميع أجناس الحمد وأنواعه لله تعالى.

وقوله تعالى: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، الرب: هو المالك المتصرف، والعالمين: جمع عالَم بفتح اللام، وهو كل موجود سوى الله عز وجل؛ والعوالم أصناف المخلوقات، وعن ابن عباس:{الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الحمد لله الذي له الخلق كله، السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، مما نعلم ومما لا نعلم. وعن سعيد بن المسيب قال: لله ألف عالم: ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر. وقال كعب الأحبار: لا يحصي عدد العالمين أحدٌ إلا الله، قال الله تعالى:{وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ} ، وقال الزجاج: العالم كل ما خلق الله في الدنيا والآخرة.

قال القرطبي: والعالم مشتق من العلامة.

قال ابن كثير: لأنه علم دال على وجود خالقه وصانعه ووحدانيته، كما قال ابن المعتز:

ص: 84

فيا عجبًا كيف يعصي الإِله

أم كيف يجحده الجاحد

وفي كل شيء له آية

تدل على أنه واحد

تنبيه: المعروف عند بعض القراء أنه لا يقف على {الْعَالَمِينَ} ، ولا على {الرَّحِيمِ} ، لاتصال الصفة بالموصوف، ولا مانع من ذلك لأن المعنى ظاهر، والأصل هو الوقوف على رؤوس الآي، ويشهد لذلك ما رواه الترمذي عن أم سلمة رضي الله عنها قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته يقول: {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ثم يقف، ثم يقول:{الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} ثم يقف، فالفصل والوصل جائزان: ويحسن الفصل مع الترتيل والوصل مع الهذ وفي الحديث: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ واصعد في درج الجنة، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر أية تقرؤها» ، فهو في صعود ما دام يقرأ، هذًّا كان أو ترتيلاً.

قوله عز وجل: {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} .

قال ابن كثير: اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، ورحمن أشد مبالغة من رحيم، وفي الأثر عن عيسى عليه السلام أنه قال:

(الرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة)، وقال ابن عباس:(هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر) .

وقال ابن جرير: (حدثنا السري بن يحيى التميمي، حدثنا عثمان بن زفر،

ص: 85

سمعت العزرمي يقول: {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} ، قال: الرحمن لجميع الخلق، الرحيم، قال: بالمؤمنين.

قال القرطبي: إنما وصف نفسه بالرحمن الرحيم بعد قوله

{الْعَالَمِينَ} ، ليكون من باب قرب الترغيب بعد الترهيب، كما قال تعالى:{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ} .

قوله عز وجل: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} .

قال ابن كثير: وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عاداه، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين وذلك عام في الدنيا والآخرة. وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئًا، ولا يتكلم أحدًا إلا بإذنه كما قال تعالى:{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً} ، وقال تعالى:{وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً} ، وقال تعالى:{يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} ، وقال الضحاك عن ابن عباس:

{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} يقول: لا يملك أحد معه في ذلك اليوم حكمًا كملكهم في الدنيا قال: و {يَوْمِ الدِّينِ} يوم الحساب للخلائق، وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، إلا من عفا عنه.

ص: 86

قوله عز وجل: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .

أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فالأول: تبرؤ من الشرك، والثاني: تبرؤ من الحول والقوة، وتفويض إلى الله عز وجل، وهذا كثير في القرآن، قال تعالى:{فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} ، وقال تعالى:{هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} ، وقال تعالى:{رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً} ، قال ابن عباس:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، يعني إياك نوحد ونخاف، ونرجوك يا ربنا لا غيرك. {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، على طاعتك وعلى أمورنا كلها. قال البغوي:(والعبادة الطاعة مع التذلل والخضوع، وسمي العبد عبدًا لذلته وانقياده) .

قوله عز وجل: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} .

قال ابن كثير: لمّا تقدم الثناء على المسئول تبارك وتعالى، ناسب أن يعقب بالسؤال كما قال:(فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل) ، وهذا أكمل أحوال السؤال، أن يمدح مسئوله، ثم يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين، والهداية ها هنا: الإرشاد والتوفيق.

وقال البغوي: وهذا الدعاء من المؤمنين، مع كونهم على الهداية، بمعنى التثبيت، وبمعنى طلب مزيد الهداية، لأن الألطاف والهدايات من الله لا تتناهى.

ص: 87

وقال ابن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل، على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح، الذي لا اعوجاج فيه، وقال مجاهد:

{اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} ، قال: الحق.

وروى الإِمام أحمد وغيره عن النواس بن سمعان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«ضرب الله مثلاً صراطًا مستقيمًا، وعلى جانبي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تعوجوا؛ وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإِنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن فتحته تلجه. فالصراط: الإِسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم» .

قوله عز وجل: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} .

أي: مننت عليهم بالهداية والتوفيق للإيمان، والاستقامة عليه من النبيين والمؤمنين، قال الضحاك عن ابن عباس:{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} ، بطاعتك، وعبادتك من ملائكتك وأنبيائك، والصديقين، والشهداء، والصالحين؛ وذلك نظير ما قال ربنا تعالى:{وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} .

ص: 88

قوله عز وجل: {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} .

قال ابن كثير: والمعنى: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم ممن تقدم وصفهم ونعتهم، وهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسله، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره، غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق. انتهى.

وروى الإمام أحمد وغيره عن عدي بن حاتم قال: جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذوا عمتي وناسًا، فلما أتوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوا له، فقالت: يا رسول الله نأى الوافد، وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة فَمُنَّ عليّ مَنَّ الله عليك، قال:«ومن وافدك» ؟ قالت: عدي بن حاتم، قال:«الذي فر من الله ورسوله» ؟ قالت: فمنّ عليّ. فلما رجع ورجل إلى جنبه ترى أنه عليّ، قال: سليه حملانًا، فسألته فأمر له، قال: فأتتني فقالت: إنك فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها، فإنه قد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه، فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيّان - وذكر قربهم من النبي صلى الله عليه وسلم قال: فعرفت إنه ليس بملك كسرى ولا قيصر، فقال:«يا عدي ما أَفَرَّكَ؟ أن يقال لا إله إلا الله؟ فهل من إله إلا الله؟ ما أفرَّك أن يقال الله أكبر؟ فهل شيء أكبر من الله عز وجل» قال: فأسلمت، فرأيت وجهه استبشر، وقال:«إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى»

وذكر الحديث.

ص: 89

قال ابن كثير: مسألة، والصحيح من مذاهب العلماء، أنه يغتفر الإِخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء لقرب مخرجيهما لمن لا يميز ذلك؛ وأما حديث:«أنا أفصح من نطق بالضاد» فلا أصل له، والله أعلم. انتهى ملخصًا، قال ابن مفلح في الفروع:(وإن قرأ: غير المغضوب عليهم ولا الضالين بظاء، فالوجه الثالث يصح مع الجهل) . قال في تصحيح الفروع: (أحدها لا تبطل الصلاة، اختاره القاضي، والشيخ تقي الدين، وقدمه في المغني والشرح وهو الصواب) انتهى. يعني: تصح الصلاة ولو كان يميز الضاد والظاء، والأحوط للإِمام القراءة بالضاد إذا كان يميز ذلك.

وقال ابن كثير: اشتملت هذه السورة الكريمة وهي سبع آيات، على حمد الله وتمجيده والثناء عليه، بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو: يوم الدين، وعلى إرشاده عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه، والتبرؤ من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية تبارك وتعالى، وتنزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم، وتثبيتهم عليه حتى يفضي بهم ذلك إلى جواز الصراط الحسي يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنات النعيم في جوار النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين.

واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة، ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضالون. انتهى.

ص: 90

ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها: (آمين) في الصلاة وغيرها. ومعناها: اللهم استجب لنا. لما رواه الإمام أحمد وغيره عن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} ، فقال:«آمين» مد بها صوته. ولأبي داود: (رفع بها صوته) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا

{غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} ، قال:«آمين» ، حتى يسمع من يليه من الصف الأول) . رواه أبو داود وابن ماجة وزاد فيه:

(فيرتج بها المسجد) .

وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمنَّ الإمام فأمّنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على قول آمين، فأكثروا من قول آمين» . رواه ابن ماجة.

وعنه قال: (بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبرائيل، إذ سمع نقيقًا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ حرفًا منها إلا أوتيته) . رواه مسلم، والنسائي وهذا لفظه.

ص: 91

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كنا في مسير لنا فنزلنا فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سليم، وإنّ نَفَرَنا غُيِّبٌ فهل منكم

راق؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه برقيه فرقاه فبرئ فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنًا، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية، أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأم الكتاب، قلنا: لا تحدثوا شيئًا حتى نأتي أو نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدمنا المدينة، ذكرناه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:«وما كان يدريه أنها رقية؟ اقسموا واضربوا لي بسهم» . رواه البخاري ومسلم، والله أعلم.

* * *

ص: 92