المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الدرس السادس والخمسون - توفيق الرحمن في دروس القرآن - جـ ١

[فيصل آل مبارك]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌فصل

- ‌الدرس الأول

- ‌[سورة الفاتحة]

- ‌سورة الفاتحة لها ثلاثة أسماء: فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني

- ‌الدرس الثاني

- ‌[سورة البقرة]

- ‌الدرس الثالث

- ‌الدرس الرابع

- ‌الدرس الخامس

- ‌الدرس السادس

- ‌الدرس السابع

- ‌الدرس الثامن

- ‌الدرس التاسع

- ‌الدرس العاشر

- ‌الدرس الحادي عشر

- ‌الدرس الثاني عشر

- ‌الدرس الثالث عشر

- ‌الدرس الرابع عشر

- ‌الدرس الخامس عشر

- ‌الدرس السادس عشر

- ‌الدرس السابع عشر

- ‌الدرس الثامن عشر

- ‌الدرس التاسع عشر

- ‌الدرس العشرون

- ‌الدرس الحادي والعشرين

- ‌الدرس الثاني والعشرون

- ‌الدرس الثالث والعشرون

- ‌الدرس الرابع والعشرون

- ‌الدرس الخامس والعشرون

- ‌الدرس السادس والعشرون

- ‌الدرس السابع والعشرون

- ‌الدرس الثامن والعشرون

- ‌الدرس التاسع والعشرون

- ‌الدرس الثلاثون

- ‌الدرس الحادي والثلاثون

- ‌الدرس الثاني والثلاثون

- ‌الدرس الثالث والثلاثون

- ‌الدرس الرابع والثلاثون

- ‌الدرس الخامس والثلاثون

- ‌الدرس السادس والثلاثون

- ‌[سورة آل عمران]

- ‌الدرس السابع والثلاثون

- ‌الدرس الثامن والثلاثون

- ‌الدرس التاسع والثلاثون

- ‌الدرس الأربعون

- ‌الدرس الحادي والأربعون

- ‌الدرس الثاني والأربعون

- ‌الدرس الثالث والأربعون

- ‌الدرس الرابع والأربعون

- ‌الدرس الخامس والأربعون

- ‌الدرس السادس والأربعون

- ‌الدرس السابع والأربعون

- ‌الدرس الثامن والأربعون

- ‌الدرس التاسع والأربعون

- ‌الدرس الخمسون

- ‌الدرس الحادي والخمسون

- ‌الدرس الثاني والخمسون

- ‌[سورة النساء]

- ‌الدرس الثالث والخمسون

- ‌الدرس الرابع والخمسون

- ‌الدرس الخامس والخمسون

- ‌الدرس السادس والخمسون

- ‌الدرس السابع والخمسون

- ‌الدرس الثامن والخمسون

- ‌الدرس التاسع والخمسون

- ‌الدرس الستون

- ‌الدرس الحادي والستون

- ‌الدرس الثاني والستون

- ‌الدرس الثالث والستون

- ‌الدرس الرابع والستون

- ‌الدرس الخامس والستون

- ‌الدرس السادس والستون

- ‌الدرس السابع والستون

- ‌الدرس الثامن والستون

الفصل: ‌الدرس السادس والخمسون

‌الدرس السادس والخمسون

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (29) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (30) إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً (31) وَلَا تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (32) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (33) الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً (34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً (35) } .

* * *

ص: 522

قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (29) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (30) إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً (31) } .

قال السدي في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} ، نهوا عن أكلهم أموالهم بينهم بالباطل، وبالربا والقمار، والبخس والظلم، {إِلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً} ، ليربح في الدرهم ألفًا إن استطاع. قال قتادة: والتجارة رزق من رزق الله، وحلال من حلال الله، لمن طلبها بصدقها وبرها. وقد كنا نحدث أن التاجر الأمين الصدوق مع السبعة في ظل العرش يوم القيامة.

وقال مجاهد في قول الله تبارك وتعالى: {عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} في تجارة بيع، أو عطاء يعطيه أحد أحدًا. وقال الشعبي في البيّعين: إنهما بالخيار ما لم يفترقا، فإذا تصادرا فقد وجب البيع. وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار، ما لم يتفرقا وكانا جميعًا، أو يخيّر أحدهما الآخر، فإن خيّر أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع» . متفق عليه. واللفظ لمسلم.

وقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} ، عن عمرو بن

ص: 523

العاص قال: (احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت

إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قلت يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قول الله عز وجل:{وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} ، فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئًا) . رواه أحمد وغيره. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم:«كان رجل ممن كان قبلكم، وكان به جرح، فأخذ سكينًا فجز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات. قال الله عز وجل: عبدي بادرني بنفسه، حرمت عليه الجنة» .

وقوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً} .

قال ابن كثير: أي: ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه متعديًا فيه ظالمًا في تعاطيه، أي: عالمًا بتحريمه متجاسرًا على انتهاكه، {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً} الآية، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد.

وقوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً} . في الصحيحين عن النبي أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم

ص: 524

الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» . وعن ابن مسعود قال: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم ما الكبائر؟ قال: «أن تدعوا لله ندًا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك، أو تزني

بحليلة جارك» . وقرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} . رواه ابن جرير وغيره. وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس ، واليمين الغموس» . قال ابن عباس: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. وقال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع. وفي رواية: هن إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار.

قوله عز وجل: {وَلَا تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (32) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (33) } .

عن مجاهد قال: (قالت أم سلمة: يا رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث! فنزلت:{وَلَا تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ} ، ونزلت: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ

ص: 525

وَالْمُسْلِمَاتِ} . وقال ابن عباس: لا يتمنى الرجل يقول: ليت لي مال فلان وأهله، فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله. وقال ابن سيرين: نهيتم

عن الأماني، ودُللتم على ما هو خير منه:{وَاسْأَلُواْ اللهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} .

قال ابن كثير: أي: هو عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر فيفقره، وعليم بمن يستحق الآخرة فيوفقه لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه، وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل وإن أفضل العبادة انتظار الفرج» . رواه الترمذي.

وقوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} . قال ابن عباس: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} . قال: الموالي: العصبة يعني: الورثة. {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} . قال الحسن: كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ الله ذلك في الأنفال فقال:{وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وقال ابن عباس: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله {وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى

ص: 526

بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفاً} ، يقول: إلا أن يوصوا إلى أوليائهم الذين عاقدوا وصية، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وذلك هو المعروف وقال مجاهد:

{وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} ، كان حلف في الجاهلية، فأمروا في الإسلام أن يعطوهم نصيبهم من العقل والنصرة والمشورة، ولا ميراث.

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حلف في الإسلام، وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة، وما يسرني أن لي حمر النعم، وإني نقضت الحلف الذي كان في دار الندوة» . رواه ابن جرير.

وقال ابن كثير في قوله: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} ، أي: ورثة من قراباته من أبويه وأقربائه، وهم يرثون دون سائر الناس. كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله قال:«ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» .

قوله عز وجل: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً (34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ

ص: 527

أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً (35) } .

قال ابن عباس في قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} ، يعني: أمراء. عليها أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله، حافظة لماله، وفضله عليها بنفقته وسعيه. وقال الضحاك: الرجل قائم على المرأة يأمرها بطاعة الله، فإن أبت فله أن يضربها ضربًا غير مبرح، أي: غير مؤثر. وقال السدي: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} ، يأخذون على أيديهن ويؤدبهن. وقال قتادة: (

صك رجل امرأته فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فأراد أن يقيدها منه، فأنزل الله:{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} . وقال الزهري: لو أن رجلاً شج امرأته أو جرحها لم يكن عليه في ذلك قود، وكان عليه العقل، يعني: الدية، إلا أن يعدوا عليها فيقتلها فيُقتل بها.

وقوله تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ} قال سفيان: {فَالصَّالِحَاتُ} يعملن بالخير، {قَانِتَاتٌ} ، قال مجاهد: مطيعات. وقال قتادة: أي: مطيعات لله ولأزواجهن. {حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ} . قال السدي: تحفظ على زوجها ماله وفرجها حتى يرجع كما أمرها الله. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالها - ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} » الآية. رواه ابن جرير. قال ابن جرير: وفي الكلام متروك استغني بدلالة الظاهر من الكلام عليه عن ذكره ومعناه {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ} ، فأحسنوا إليهن وأصلحوا.

ص: 528

وقوله تعالى: {وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} . قال ابن زيد: النشوز معصية الزوج وخلافه. وقال مجاهد: إذا نشزت المرأة عن فراش زوجها يقول لها: اتقي الله وارجعي إلى فراشك، فإن أطاعته فلا سبيل عليها. وقال ابن عباس: في قوله تعالى: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} ، يعني بالهجران: أن يكون الرجل

وامرأته على فراش واحد لا يجامعها. وقال قتادة: إذا خاف نشوزها وعظها، فإن قبلت وإلا هجر مضجعها. وعن معاوية بن حيدة: أنه قال: يا رسول الله ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت» . وقال ابن عباس: في قوله تعالى: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} ، قال: تهجرها في المضجع، فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربًا غير مبرح، ولا تكسر لها عظمًا، فإن أقبلت، وإلا فقد حل لك منها الفدية، {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} . قال: إذا ضاجعته. وقال سفيان بن عيينة: إذا فعلت ذلك لا يكلفها أن تحبه، لأن قلبها ليس في يديها.

وقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} . قال ابن كثير: فيه تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب، فإن الله العلي الكبير وليّهن، وهو منتقم ممن ظلمهم وبغى عليهن. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال:«لا تضربوا إماء الله» . فجاء عمر رضي الله عنه إلى رسول الله فقال: ذئرن النساء على أزواجهن. فرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشتكين أزواجهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشتكين من أزواجهن، ليس أولئك بخياركم» . رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة.

ص: 529

وقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} . قال السدي في قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} ،

إن ضربها فأبت أن ترجع وشاقته، يقول: عادته. وقال سعيد بن جبير يعظها: فإن انتهت وإلا هجرها، فإن انتهت وإلا ضربها، فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلا السلطان، فيبعث حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، فيقول الحكم الذي من أهلها: يفعل بها كذا، ويقول الحكم الذي من أهله: تفعل به كذا، فأيهما كان الظالم رده السلطان، وأخذ فوق يديه، وإن كانت ناشزًا أمره أن يخلع. وقال ابن عباس في قوله:{إِن يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا} ، وذلك الحكمان، وكذلك كل مصلح يوفقه الله للحق والصواب.

وقال البخاري: باب الشقاق: وهل يشير بالخلع عند الضرورة؟ وقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} الآية.

قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن المخاطب بقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} ، الحكام، وأن المراد بقوله:{إِن يُرِيدَا إِصْلَاحاً} ، الحكمان، وأن الحكمين يكون أحدهما من جهة الرجل، والآخر من جهة المرأة، إلا أن لا يوجد من أهلهما من يصلح، فيجوز أن يكون من الأجانب ممن يصلح لذلك، وأنهما إذا اختلفا لم ينفذ قولهما، وإن اتفقا نفذ في الجميع بينهما من غير توكيل. واختلفوا فيما إذا اتفقا على الفرقة: فقال مالك، والأوزاعي، وإسحاق: ينفذ بغير توكيل ولا إذن من الزوجين. وقال الكوفيون، والشافعي، وأحمد: يحتاجان إلا الإذن. فأما مالك ومن تابعه فألحقوه بالعنّين والمولى، فإن الحاكم يطلق عليهما، فكذلك هذا وأيضًا، فلما كان المخاطب بذلك الحكام، وأن الإرسال إليهم دل على أن بلوغ

ص: 530

الغاية من الجمع أو التفريق

إليهم، وجرى الباقون على الأصل، وهو أن الطلاق بيد الزوج، فإن أذن في ذلك وإلا طلق عليه الحاكم) . انتهى.

وقال الشيخ ابن سعدي: ومهما وجدا طريقًا إلى الإصلاح والاتفاق والملاءمة بينهما لم يعدِلا عنها إما بتنازل عن بعض الحقوق، أو ببذل مال أو غير ذلك، فإن تعذرت الطرق كلها، ورُأي أن التفريق بينهما أصلح لتعذر الملاءمة، فرقا بينهما بما تقتضيه الحال، بعوض أو بغير عوض، ولا يشترط في هذا رضى الزوج، لأن الله سماهما حكمين لا وكيلين. ومن قال: أنهما وكيلان اشترط في التفريق رضى الزوج، ولكن هذا القول ضعيف. ولمحبة الباري للاتفاق بينهما، وترجيحه على الآخر قال:

{إِن يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا} . انتهى.

وقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} .

قال ابن جرير: يعني جل ثناؤه: {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً} ، بما أراد الحكمان من إصلاح بين الزوجين وغيره، {خَبِيراً} بذلك وبغيره من أمور غيرهما، لا يخفى عليه شيء منه، حافظ عليهم حتى يجازي كلاً منهم جزاءه، بالإحسان إحسانًا وبالإساءة غفرانًا أو عقابًا. وبالله التوفيق.

* * *

ص: 531