المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الدرس الثامن عشر - توفيق الرحمن في دروس القرآن - جـ ١

[فيصل آل مبارك]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌فصل

- ‌الدرس الأول

- ‌[سورة الفاتحة]

- ‌سورة الفاتحة لها ثلاثة أسماء: فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني

- ‌الدرس الثاني

- ‌[سورة البقرة]

- ‌الدرس الثالث

- ‌الدرس الرابع

- ‌الدرس الخامس

- ‌الدرس السادس

- ‌الدرس السابع

- ‌الدرس الثامن

- ‌الدرس التاسع

- ‌الدرس العاشر

- ‌الدرس الحادي عشر

- ‌الدرس الثاني عشر

- ‌الدرس الثالث عشر

- ‌الدرس الرابع عشر

- ‌الدرس الخامس عشر

- ‌الدرس السادس عشر

- ‌الدرس السابع عشر

- ‌الدرس الثامن عشر

- ‌الدرس التاسع عشر

- ‌الدرس العشرون

- ‌الدرس الحادي والعشرين

- ‌الدرس الثاني والعشرون

- ‌الدرس الثالث والعشرون

- ‌الدرس الرابع والعشرون

- ‌الدرس الخامس والعشرون

- ‌الدرس السادس والعشرون

- ‌الدرس السابع والعشرون

- ‌الدرس الثامن والعشرون

- ‌الدرس التاسع والعشرون

- ‌الدرس الثلاثون

- ‌الدرس الحادي والثلاثون

- ‌الدرس الثاني والثلاثون

- ‌الدرس الثالث والثلاثون

- ‌الدرس الرابع والثلاثون

- ‌الدرس الخامس والثلاثون

- ‌الدرس السادس والثلاثون

- ‌[سورة آل عمران]

- ‌الدرس السابع والثلاثون

- ‌الدرس الثامن والثلاثون

- ‌الدرس التاسع والثلاثون

- ‌الدرس الأربعون

- ‌الدرس الحادي والأربعون

- ‌الدرس الثاني والأربعون

- ‌الدرس الثالث والأربعون

- ‌الدرس الرابع والأربعون

- ‌الدرس الخامس والأربعون

- ‌الدرس السادس والأربعون

- ‌الدرس السابع والأربعون

- ‌الدرس الثامن والأربعون

- ‌الدرس التاسع والأربعون

- ‌الدرس الخمسون

- ‌الدرس الحادي والخمسون

- ‌الدرس الثاني والخمسون

- ‌[سورة النساء]

- ‌الدرس الثالث والخمسون

- ‌الدرس الرابع والخمسون

- ‌الدرس الخامس والخمسون

- ‌الدرس السادس والخمسون

- ‌الدرس السابع والخمسون

- ‌الدرس الثامن والخمسون

- ‌الدرس التاسع والخمسون

- ‌الدرس الستون

- ‌الدرس الحادي والستون

- ‌الدرس الثاني والستون

- ‌الدرس الثالث والستون

- ‌الدرس الرابع والستون

- ‌الدرس الخامس والستون

- ‌الدرس السادس والستون

- ‌الدرس السابع والستون

- ‌الدرس الثامن والستون

الفصل: ‌الدرس الثامن عشر

‌الدرس الثامن عشر

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلا دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (173) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176) } .

* * *

ص: 230

قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169) } .

قال البغوي: نزلت في: ثقيف، وخزاعة، وعامر بن صعصعة، وبني مدلج، فيما حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام، والبحيرة والسائبة، والوصيلة، والحام. انتهى.

وفي صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى: إن كل مال منحته عبادي فهو لهم حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت

لهم» . وفي الحديث الآخر: «الحلال ما أحل الله، والحرام ما حرم الله وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته» .

وقوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} ، أي: طرائقه وأوامره {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} بيّن العداوة، كما قال تعالى:{يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ} ، وقال تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ

بَدَلاً} ، وقال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ

ص: 231

فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} .

قال قتادة: كل معصية لله فهي من خطوات الشيطان. وقال ابن عباس: ما كان من يمين أو نذر في غضب، فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين.

وقوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ} ، أي: الأفعال السيئة والفحشاء. قال ابن عباس: الفحشاء من المعاصي ما يجب فيه الحد، والسوء من الذنوب ما لا حد فيه {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} من اتخاذ الأنداد، وتحريم الحلال.

قوله عز وجل: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلا دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171) } .

يقول تعالى: {وَإِذَا قِيلَ} لهؤلاء الكفرة: {اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ} على رسوله واتركوا ما أنتم عليه من الضلال {قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا} ، أي: ما وجدناهم عليه في العقائد والأحكام {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ} .

قال البغوي: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ} ، أي: كيف يتبعون آباءهم لا يعقلون شيئًا؟ الواو في {أَوَلَوْ} واو العطف، ويقال لها: واو التعجب، دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ. والمعنى: أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالاً لا يعقلون شيئًا؟ لفظه عام ومعناه الخصوص، أي: لا يعقلون شيئًا من أمور الدين، لأنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا ولا يهتدون. ثم ضرب لهم مثلاً فقال جل ذكره:{وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ} . انتهى.

قال ابن عباس: قوله: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلا

ص: 232

دُعَاء وَنِدَاء} ، كمثل: البعير، والحمار، والشاة. إن

قلت لبعضها: كلٌ لا يعلم ما تقول، غير أنه يسمع صوتك، وكذلك الكافر إن أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وعظته، لم يعقل ما تقول، غير أنه يسمع صوتك.

وقوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} ، أي: صمٌ عن سماع الحق، بكمٌ لا يتكملون به، عميٌ عن رؤية طريقه ومسلكه {فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} . كما قال تعالى:{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} .

قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (173) } .

الطيبات: الحلال. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً} ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} . ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام، وغذّي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك» ؟ . رواه مسلم وغيره.

وقوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ} ، وهذه الآية كقوله تعالى: {قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ

إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ

ص: 233

يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ} .

قال البغوي: ولحم الخنزير أراد به جميع أجزائه، فعبر عن ذلك باللحم لأنه معظمه {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ} ، أي: ما ذبح للأصنام والطواغيت. وقال الربيع بن أنس: ما ذكر عليه اسم غير الله.

وقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} ، أي: في أكل ذلك في غير بغي ولا عدوان، وهو مجاوزة الحد. قال قتادة:{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} . قال: غير باغ في الميتة، أي: في أكله أن يتعدى حلالاً إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة. وقال السدي: أما باغ فيبغي فيه شهوته، وأما العادي فيتعدى في أكله، يأكل حتى يشبع، ولكن ليأكل منه قوتًا ما يمسك به نفسه، حتى يبلغ به حاجته.

وقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ} ، أي: لمن أكل في حال الاضطرار {رَّحِيمٌ} حيث رخص للعباد في ذلك. وعن عباد بن شُرَحبيل الغُبَري قال: (أصابتنا عامًا مخمصة، فأتيت المدينة، فأتيت حائطًا فأخذت سنبلاً ففركته وأكلته، وجعلته منه في كسائي فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال للرجل: «ما أطعمته إذ كان جائعًا، ولا علمته إذ كان جاهلاً» . فأمره فرد إليه ثوبه وأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق) . رواه ابن ماجة. قال ابن كثير: إسناده صحيح قوي جيد، وله شواهد كثيرة، من ذلك

ص: 234

حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثمر المعلق

فقال: «من أصاب منه من ذي حاجة بفيه، غير متخذ خبنة فلا شيء عليه» . الحديث.

قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176) } .

نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم، كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم الثابتة في كتبهم، لئلا تذهب برياستهم ومآكلهم، والآية عامة في كل من كتم العلم لأجل ذلك {أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ} ، يعني: إلا ما يؤديهم إلى النار، وهو: الرشوة، والحرام، وثمن الدين، كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} . وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون أبلغ بحجته من بعض، فأقضي له بنحوٍ مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فإنما أقطع له قطعة من النار، فليأخذها أو يدعها» . وفي الحديث الآخر: «الذي يشرب في إناء الذهب والفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» .

ص: 235

وقوله تعالى: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

قال ابن كثير: وذلك لأنه تعالى غضبان عليهم، لأنهم كتموا وقد علموا، فاستحقوا الغضب، (فلا ينظر إليهم) ، {وَلَا يُزَكِّيهِمْ} ، أي: يثني عليهم ويمدحهم، بل يعذبهم عذابًا أليمًا. ثم ذكر حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر» .

وقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} ، أي: اعتاضوا عن الهدى بالضلالة، وهي: كتمان ما أنزل الله، واعتاضوا عن المغفرة بالعذاب، وهو ما تعاطوه من أسبابه {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} ، قال الحسن، وقتادة: والله ما لهم عليها من صبر، ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار.

وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} ، أي: إنما استحقوا هذا العذاب الشديد، لأن الله نزل الكتاب بتحقيق الحق، وإبطال الباطل، وهؤلاء اتخذوا آيات الله هزوًا، واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ} فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، {لَفِي شِقَاقٍ} خلاف وضلال، {بَعِيدٍ} . وبالله التوفيق.

* * *

ص: 236