المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الدرس السادس والعشرون - توفيق الرحمن في دروس القرآن - جـ ١

[فيصل آل مبارك]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌فصل

- ‌الدرس الأول

- ‌[سورة الفاتحة]

- ‌سورة الفاتحة لها ثلاثة أسماء: فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني

- ‌الدرس الثاني

- ‌[سورة البقرة]

- ‌الدرس الثالث

- ‌الدرس الرابع

- ‌الدرس الخامس

- ‌الدرس السادس

- ‌الدرس السابع

- ‌الدرس الثامن

- ‌الدرس التاسع

- ‌الدرس العاشر

- ‌الدرس الحادي عشر

- ‌الدرس الثاني عشر

- ‌الدرس الثالث عشر

- ‌الدرس الرابع عشر

- ‌الدرس الخامس عشر

- ‌الدرس السادس عشر

- ‌الدرس السابع عشر

- ‌الدرس الثامن عشر

- ‌الدرس التاسع عشر

- ‌الدرس العشرون

- ‌الدرس الحادي والعشرين

- ‌الدرس الثاني والعشرون

- ‌الدرس الثالث والعشرون

- ‌الدرس الرابع والعشرون

- ‌الدرس الخامس والعشرون

- ‌الدرس السادس والعشرون

- ‌الدرس السابع والعشرون

- ‌الدرس الثامن والعشرون

- ‌الدرس التاسع والعشرون

- ‌الدرس الثلاثون

- ‌الدرس الحادي والثلاثون

- ‌الدرس الثاني والثلاثون

- ‌الدرس الثالث والثلاثون

- ‌الدرس الرابع والثلاثون

- ‌الدرس الخامس والثلاثون

- ‌الدرس السادس والثلاثون

- ‌[سورة آل عمران]

- ‌الدرس السابع والثلاثون

- ‌الدرس الثامن والثلاثون

- ‌الدرس التاسع والثلاثون

- ‌الدرس الأربعون

- ‌الدرس الحادي والأربعون

- ‌الدرس الثاني والأربعون

- ‌الدرس الثالث والأربعون

- ‌الدرس الرابع والأربعون

- ‌الدرس الخامس والأربعون

- ‌الدرس السادس والأربعون

- ‌الدرس السابع والأربعون

- ‌الدرس الثامن والأربعون

- ‌الدرس التاسع والأربعون

- ‌الدرس الخمسون

- ‌الدرس الحادي والخمسون

- ‌الدرس الثاني والخمسون

- ‌[سورة النساء]

- ‌الدرس الثالث والخمسون

- ‌الدرس الرابع والخمسون

- ‌الدرس الخامس والخمسون

- ‌الدرس السادس والخمسون

- ‌الدرس السابع والخمسون

- ‌الدرس الثامن والخمسون

- ‌الدرس التاسع والخمسون

- ‌الدرس الستون

- ‌الدرس الحادي والستون

- ‌الدرس الثاني والستون

- ‌الدرس الثالث والستون

- ‌الدرس الرابع والستون

- ‌الدرس الخامس والستون

- ‌الدرس السادس والستون

- ‌الدرس السابع والستون

- ‌الدرس الثامن والستون

الفصل: ‌الدرس السادس والعشرون

‌الدرس السادس والعشرون

{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ (228) الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلا أَن يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللهِ هُزُواً وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232) وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ

رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لَا تُضَآرَّ وَالِدَةٌ

ص: 299

بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) } .

* * *

ص: 300

قوله عز وجل: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ (228) } .

القرء: يطلق في اللغة على الحيض والطهر، وقد اختلف أهل العلم في قوله تعالى:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ} . فذهب جماعة إلى أنها الأطهار، وهو قول: الفقهاء السبعة، ومالك والشافعي، وذهب جماعة إلى أنها الحيض، وهو قول: الخلفاء الأربعة، وابن عباس، ومجاهد، وأبي حنيفة، والإمام أحمد، وأكثر أئمة الحديث وهو الراجح.

وقوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} ، أي: لا يحل للمرأة كتمان ما خلق الله في رحمها من الحيض والحمل، لتبطل حق الزوج من الرجعة والولد، أو استعجالاً لانقضاء عدتها، أو رغبة في تطويلها، بل تخبر بالحق من غير زيادة ولا نقصان.

وقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَاحاً} أي: أزواجهن أحق برجعتهن في حال العدة، {إِنْ أَرَادُواْ} بالرجعة الصلاح وحسن العشرة لا الإضرار بالمرأة.

وقوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} ، أي: ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤد كل واحد منهما إلى

الآخر ما يجب عليه بالمعروف، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، في خطبته في حجة الوداع: «فاتقوا الله في

ص: 301

النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف» . رواه مسلم.

وقوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} كما قال تعالى:

{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» . وقوله تعالى: {وَاللهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ} ، أي: عزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، حكيم فيما شرع وقدر.

قوله عز وجل: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلا أَن يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) } .

روى ابن أبي حاتم وغيره عن عروة بن الزبير: (أن رجلاً قال لامرأته لا أطلقك أبدًا، ولا آويك أبدًا، قالت: وكيف ذاك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له، فأنزل الله عز وجل:{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} . قال ابن عباس: إذا

ص: 302

طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في

ذلك، أي: في الثالثة، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئًا.

وقوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلا أَن يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ} ، أي: لا يحل لكم أن تأخذوا شيئًا مما أعطيتموهن إلا في حال الشقاق، {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} . وعن ابن عباس:(أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ما أعيب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتردين عليه حديقته» ؟ قالت: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» . وفي رواية: (قالت: لا أطيقه، يعني: بغضًا) . رواه البخاري. وعند الإمام أحمد: (فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ ما ساق ولا يزداد) وعند ابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (فردت عليه حديقته. قال: ففرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم) .

وقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ، أي: هذه أوامر الله ونواهيه، فلا تتجاوزوها. واستدل بهذه الآية على أن جمع الثلاث التطليقات بكلمة واحدة حرام. وروى النسائي عن محمود بن لبيد قال: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبانًا فقال:«أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم» ؟ الحديث.

قوله عز وجل: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن

ص: 303

طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) } .

يقول تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا} ، يعني: الطلقة الثالثة، {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ} ، أي: من بعد الطلقة الثالثة، {حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} ، أي: غير المطلق فيجامعها، {فَإِن طَلَّقَهَا} ، أي الزوج الثاني بعد الجماع، {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا} أي: المرأة والزوج الأول، {إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ} ، أي: يكون بينهما الصلاح وحسن الصحبة. وعن ابن عمر قال: (سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته فيتزوجها آخر، فيغلق الباب ويرخي الستر ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، هل تحل للأول؟ قال: «حتى تذوق العسيلة» . رواه أحمد وغيره. وروى البخاري ومسلم عن عائشة: (أن رجلاً طلق امرأته ثلاثًا، فتزوجت زوجًا فطلقها قبل أن يمسها، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحل للأول؟ فقال: «لا حتى يذوق من عسيلتها كما ذاق الأول» . وروى الإمام أحمد وغيره عن ابن مسعود قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشمة، والواصلة والمستوصلة، والمحلِّل والمحلَّل له، وآكل الربا وموكله) .

قوله عز وجل: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللهِ هُزُواً وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ

اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) } .

ص: 304

قال ابن عباس وغيره: كان الرجل يطلق المرأة، فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها ضرارًا، لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها فتعتد، فإذا شارفت على انقضاء العدة طلق لتطول عليها العدة، فنهاهم الله عن ذلك وتوعدهم عليه فقال:{وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} .

وقوله تعالى: {وَلَا تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللهِ هُزُواً} ، روى ابن جرير عن أبي موسى: (أن رسول الله غضب على الأشعريين، فأتاه أبو موسى فقال: يا رسول الله غضبت على الأشعريين؟ فقال: «يقول أحدكم: قد طلقت، قد راجعت، ليس هذا طلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قُبُل عدتها» . وقال الحسن وغيره: هو الرجل يطلق ويقول: كنت لاعبًا، أو يعتق أو ينكح ويقول: كنت لاعبًا فأنزل الله: {وَلَا تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللهِ هُزُواً} فألزم الله بذلك. وروى أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث جدّهن جدّ، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة» .

وقوله تعالى: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ} ، أي: في إرساله الرسول إليكم {وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ} ، أي: السنة {يَعِظُكُم بِهِ} يأمركم وينهاكم، {وَاتَّقُواْ اللهَ} فيما تأتون وما تذرون، {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ، أي: فلا يخفى عليه شيء من أموركم وسيجازيكم على أعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.

قوله عز وجل: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن

ص: 305

يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232) } .

روى أبو داود وغيره عن الحسن: (أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها، فتركها حتى انقضت عدتها، فخطبها فأبى معقل، فنزلت:{فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} .

وقوله تعالى: {إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ} ، أي: بعقد حلال ومهر جائز، {ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ} ، أي: ردهن إلى أزواجهن. {أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ} ، أي: ردهن إلى أزواجهن خير لكم وأطهر لقلوبكم {وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ، أي: يعلم من حب كل واحد منهما لصاحبه ما لا تعلمون أنتم، فاتبعوا أمر الله واتركوا الحمية، فإنه تعالى أعلم بمصالح خلقه من أنفسهم.

قوله عز وجل: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لَا تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ

عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) } .

قال البغوي: (قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} أي: المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن، {يُرْضِعْنَ} ، خبر بمعنى الأمر، وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب، لأنه لا يجب عليهن الإرضاع إذا كان يوجد من يرضع الولد، لقوله

ص: 306

تعالى في سورة الطلاق: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} ، فإن رغبت الأم في الإرضاع فهي أولى من غيرها) . انتهى. وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام» . رواه الترمذي. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين» . رواه الدارقطني وغيره. قيل: إن الرضاعة بعد الحولين ربما ضرت الولد، إما في بدنه أو عقله.

وقوله تعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا} ، أي: وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن، بما جرت به عادة أمثالهن بحسب قدرته، كما قال تعالى {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} . قال الضحاك: إذا طلق زوجته وله منها ولد فأرضعت له ولده، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف.

وقوله تعالى: {لَا تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} . قال مجاهد: {لَا تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} لا تأبى أن ترضعه ليشق ذلك على

أبيه (ولا يضار) الوالد بولده فيمنع أمه أن ترضعه ليحزنها. وقال ابن زيد: لا ينتزعه منها وهي تحب أن ترضعه فيضارها، ولا تطرحه عليه وهو لا يجد من يرضعه ولا يجد ما يسترضعه به.

ص: 307

وقوله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} ، أي: وارث الصبي. قال الحسن: إذا توفي الرجل وامرأته حامل فنفقتها من نصيبها، ونفقة ولدها من نصيبه من ماله، إن كان له مال، فإن لم يكن له مال فنفقته على عصبته. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن نفقة الحامل من مال الحمل.

وقوله تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} . قال مجاهد: التشاور فيما دون الحولين، ليس لها أن تفطمه إلا أن يرضى، وليس له أن يفطمه إلا أن ترضى، فإن لم يجتمعا فليس لها أن تفطمه دون الحولين.

وقوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ} . قال مجاهد: {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَادَكُمْ} خيفة الضيعة على الصبي، {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ} ، قال: حساب ما أرضع به الصبي، وهذه الآية كقوله تعالى:{وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} .

وقوله تعالى: {وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ، أي: واتقوا الله في جميع أحوالكم وأقوالكم، {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فلا يخفى عليه شيء. والله أعلم.

* * *

ص: 308