الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدرس الثامن والثلاثون
{شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (22) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (24) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (27) لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ
أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي
شَيْءٍ إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ (30) قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32) } .
* * *
قال ابن إسحاق عن محمد بن جعفر: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ} ، بخلاف ما قال وفد نجران من النصارى.
{قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ} ، أي: بالعدل. قال ابن كثير: قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته، وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام.
وقوله: {لَا إِلَهَ إِلا هُوَ} تأكيد لما سبق. {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} أي: {الْعَزِيزُ} الذي لا يرام جنابه عظمة وكبرياء. {الْحَكِيمُ} في قوله وأفعاله وشرعه وقدره.
قال ابن إسحاق عن محمد بن جعفر: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَامُ} ، أي: ما أنت عليه يا محمد من التوحيد للرب والتصديق للرسل. وقال أبو العالية: الإسلام: الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر الفرائض لهذا تبع.
وقوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} . قال أبو العالية: يقول بغيًا على الدنيا وطلب ملكها وسلطانها، فقتل بعضهم بعضًا على الدنيا من بعد ما كانوا علماء الناس.
وقال مجاهد في قول الله عز وجل: {وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ} قال: إحصاؤه عليهم. وقال ابن كثير: أي: فإن الله سيجازيك على ذلك، ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه.
وقوله تعالى: {فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ} يقول تعالى: فإن جادلوك في الدين فقل: {أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ} أي: أخلصت عبادتي لله وحده لا شريك له، ومن اتبعني على ديني، يقول كمقالتي. قال البغوي:{فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ} ، أي: انقدت لله وحده بقلبي ولساني وجميع جوارحي؛ وإنما خص الوجه لأنه أكرم الجوارح للإِنسان وفيه بهاؤه، فإذا خضع وجهه للشيء، فقد خضع له جميع جوارحه.
وقوله تعالى: {وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} . قال ابن إسحاق عن محمد بن جعفر: الأميون الذين لا كتاب لهم. وقال البغوي: {وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ} ، أي: العرب، {أَأَسْلَمْتُمْ} لفظة استفهام ومعناه أمر، أي: أسلموا، كما قال:{فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} ، أي: انتهوا. {فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ} فقرأ رسول الله
صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال أهل الكتاب: أسلمنا، فقال لليهود:«أتشهدون أن عزيرًا عبده ورسوله» ؟ . فقالوا: معاذ الله أن يكون عزير عليه السلام عبدًا.
وقال للنصارى: «أتشهدون أن عيسى كلمة الله وعبده ورسوله» ؟ . قالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبدًا. فقال الله عز وجل: {وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} ، أي: تبليغ الرسالة وليس عليك الهداية
…
{وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} عالم بمَنْ يُؤْمن وبِمَنْ لا يُؤْمِن. انتهى.
قال ابن جريج: كان الوحي يأتي على أنبياء من بني إسرائيل، ولم يكن يأتيهم كتاب، فيذكرون قومهم فيقتلون أنبياءهم، فيقوم رجال ممن تبعهم وصدقهم، فيذكرون قومهم فيقتلون أيضًا الذين يأمرون بالقسط من الناس وفي الحديث:«أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتل نبيًا، أو من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر» . رواه ابن جريج وغيره.
قوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ
وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (24) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25) } .
قال ابن عباس: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس على جماعة من يهود،
فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو، والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: «على ملة إبراهيم ودينه» . فقالا: فإن إبراهيم كان يهوديًا. قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم» ، فأبيا عليه، فأنزل الله عز وجل:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ} ، إلى قوله:{مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} .
وقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} . قال قتادة: قالوا: لن تمسنا النار إلا تحلة القسم التي نصبنا فيها العجل، ثم ينقطع القسم والعذاب عنا. قال الله عز وجل:{وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} ، أي: قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.
وقوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ} ، وهو: يوم القيامة، {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} فكيف حالهم حينئذٍ.
قوله عز وجل: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي
اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (27) } .
قال ابن عباس: (لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعد أمته ملك فارس والروم، قالت المنافقون واليهود: هيهات هيهات، من أين لمحمد ملك فارس والروم وهم أعز وأمنع من ذلك؟ ألم يكف محمدًا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم؟ فأنزل الله هذه الآية) .
وقال ابن إسحاق عن محمد بن جعفر: قوله: {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء} الآية، أي: أن ذلك بيدك لا إلى غيرك {إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لا يقدر هذا غيرك بسلطانك وقدرتك.
وقوله تعالى: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} . قال ابن عباس: ما نقص من النهار يجعله في الليل، وما نقص من الليل يجعله في النهار.
وقوله تعالى: {وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ
…
الْحَيِّ} . قال مجاهد: الناس الأحياء من النطف، والنطف ميتة من الناس الأحياء ومن الأنعام والنبات كذلك.
وقوله تعالى: {وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} . قال الربيع: يخرج الرزق من عنده بغير حساب، لا يخاف أن ينقص ما عنده تبارك وتعالى.
قال ابن عباس: نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفار، أو يتخذوهم وليجة من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين، فيظهروا لهم اللطف ويخالفوهم في الدين، وذلك قوله:{إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً} وقال أيضًا: التقاة التكلم باللسان، وقلبه مطمئن بالإيمان.
وقوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ} ، أي: يخوفكم الله عقوبته {وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ} ، أي: المرجع والمنقلب.
قال البغوي: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ} ، قلوبكم من مودة الكفار، {أَوْ تُبْدُوهُ} ، موالاتهم قولاً وفعلاً، {يَعْلَمْه اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ} ، يعني: إذا كان لا يخفى عليه شيء في السماوات ولا في الأرض، فكيف تخفى عليه موالاتكم الكفار، وميلكم إليهم بالقلب؟ {وَاللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . وقال الكلبي: إن تسروا ما في قلوبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من التكذيب أو تظهروه بحربه وقتاله، يعلمه الله ويحفظه عليكم حتى يجازيكم به.
قال قتادة: قوله: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً} ، يقول موفرًا.
وقال السدي: قوله: {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً} ، مكانًا بعيدًا. وعن الحسن في قوله:{وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ} . قال: من رأفته بهم أن حذرهم نفسه.
قوله عز وجل: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31) } .
قال الحسن: قال قوم على عهد نبيهم صلى الله عليه وسلم: يا محمد إنا نحب ربنا، فأنزل الله عز وجل:{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} فجعل إتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم علمًا لحبه، وعذاب من خالفه.
قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» ولهذا قال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} ، أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه،
وهو: محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِبّ، إنما الشأن أن تُحَبّ.
قوله عز وجل: {قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32) } .
قال ابن إسحاق عن محمد بن جعفر: {قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ} فأنتم تعرفونه، يعني: الوفد من نصارى نجران، وتجدونه في كتابكم، {فإِن تَوَلَّوْاْ} على كفرهم، {فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} . وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى» . قالوا ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» . والله الموفق.
* * *