الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كيف نفهم السلفية
السؤال: فضيلة الشيخ! كيف نفهم الدعوة السلفية كَدُعَاة؟
الشيخ: اشرح لي السؤال حتى أتمكن من الجواب.
مداخلة: قصدت كدعاة؛ لأنه كما تعلمون أن الدعاة اليوم كثر وخصوصاً من يدعي السلفية، وربما تحصل مشاكل فيما بينهم حول فهم مسائل معينة، فلا بد من فهم عام للدعوة السلفية كمدخل إلى الدعوة.
الشيخ: جواب هذا السؤال كان محاضرة طويلة في الأمس القريب وفي جرش، بل شمال عمان عند الأخ شريط مفصل في هذا، ولعله يوجد أيضاً أشرطة متعددة، فأوجز الجواب بناء على ذلك فأقول:
الدعاة السلفيون يجب عليهم أن يدندنوا دائماً وأبداً حول تعريف الناس جميعاً سواء كانوا دعاة أو مدعوين أن يُعَرِّفوهم بحقيقة الدعوة الإسلامية السلفية التي تتميز في حقيقتها عن سائر الدعوات التي تنتسب إلى الإسلام ككل، كل الدعوات الإسلامية قديماً وحديثاً تتبنى الكتاب والسنة إلا من شذ من بعض الجماعات في العصر الحاضر وأفراد في العصور القديمة الذين كانوا يعلنون أن دعوتهم قائمة على الكتاب فقط دون السنة، وهذا بلا شك لسنا بحاجة إلى إطالة الكلام فيه؛ لأنه أمر مجمع عليه أن من اقتصر في فهم الإسلام على القرآن فليس مسلماً؛ لأن القرآن نفسه يأمر المسلمين بأن يطيعوا الله ورسوله، وأن يتحاكموا
إلى الله ورسوله، فهذه النقطة لسنا بحاجة إلى الخوض فيها، لاسيما وأن الذين ينتمون اليوم إلى هذا المنهج المخالف للكتاب والسنة وهم الذين يسمون بالقرآنيين، هؤلاء ضلالهم واضح، ولكن كل الجماعات الأخرى التي تلتقي معنا في كونها في دائرة الإسلام، وتتبنَّى معنا الكتاب والسنة، فيجب على الدعاة السلفيين بخاصة أن يبينوا لهؤلاء أن الدعوة السلفية تتميز على سائر الدعوات بأنها تفهم الكتاب والسنة على ما كان عليه سلفه الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم، كما جاء في الحديث المتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم القائل:«خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» .
فنحن نضم إلى الكتاب والسنة منهج السلف الصالح، وهذه الضميمة ليست محدثة كما قد يتوهم كثير من الناس، وإنما هو المنصوص عليه بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].
وأما السنة فهناك حديثان مشهوران أحدهما حديث الفرقة الناجية وهو معروف ولا حاجة لسوقه بلفظه، وإنما نسوق منه ما هو موضع الشاهد وهو قوله عليه السلام حينما سؤل عن الفرقة الناجية فأجاب صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:«هي التي على ما أنا عليه وأصحابي» .
والحديث الآخر حديث الخلفاء الراشدين، وهو قوله عليه السلام في حديث العرباض بن سارية:«فعليكم بستني وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي .. » إلى آخره، ففي هذا الحديث بيان سبيل المؤمنين الذي ذكر في الآية السابقة:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115].
فإذاً: الدعاة يجب أن يدندنوا حول هذه الضميمة المميزة لدعوة الحق والمظهرة للفرقة الناجية على الفرق الأخرى، وهي أنهم يكونوا على ما كان عليه السلف الصالح.
لكن هذا يتطلب شيئاً لم أذكره في الأمس القريب وهومذكور في كثير من التساجيل، أن تطبيق هذه القاعدة على منهج السلف الصالح يتطلب من الدعاة السلفيين أن يُعْنوا بمعرفة الآثار السلفية كما يُعنون بمعرفة الأحاديث النبوية؛ لأن معرفة هذه الآثار هي التي تحقق لهم تطبيق هذا المنهج تطبيقاً عملياً وصحيحاً، وهذه الآثار كما هوشأن الأحاديث فيها الصحيح والضعيف، كذلك الآثار فيها الصحيح والضعيف، ولذلك هنا لا بد من الانتباه لما سأقوله.
إن كثيراً من كتب العلماء كفتح الباري للحافظ ابن حجر العسقلاني ومن جاء من بعده حينما يحتجون ببعض الآثار لا يدققون النظر في أسانيدها، وهنا يكمن خطأ واضح جداً؛ لأننا إذا أردنا أن نقول أن الصحابي الفلاني أو الصحابة الفلانية كانوا يقولون كذا أو يفعلون كذا ونحن نعتبر ذلك بياناً لآية في كتاب الله أو لحديث في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمعنى ذلك أنه لا بد لنا من أن نكون على بَينة من صحة ذاك الأثر أو تلك الآثار.
هذا ما ينبغي على الداعية المسلم السلفي أن يكون على علم به أولاً وعلى دعوته وبيانه لما هوعليه ثانياً، ثم إن الدعوة السلفية تتميز ليس بمجرد الدعوة، وإنما عملياً أنها تسعى لفهم الإسلام فهماً صحيحاً من كل جوانبه ليس من بعض النواحي التي يهتم بها بعض الجماعات دون نواحي أخرى ويسمون الأمور الأولى بالأولويات، وقد يصل بهم الأمر في هذا التقسيم للإسلام أو للعلم بالإسلام إلى أن يجعلوه قسمين: لباب وقشور، فيهتمون في زعمهم والواقع أنهم
لا يهتمون حتى بهذا القسم الذي سموه باللَّباب، يهتمون به دون أن يهتموا بالقسم الآخر، وأنا أُلفت النظر إلى حقيقة علمية إذا كان المسلم على بينة منها، فيتبين أنه لا مجال إطلاقاً للعالم الباحث في الكتاب والسنة إلى تقسيم الإسلام إلى لب وقشر، وهذا لوكان ممكناً لما تمكن منه إلا من أحاط بالإسلام علماً وهذا يكاد أن يكون أمراً مستحيلاً؛ لأن الله عز وجل يقول:{وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255]، ولذلك فالواجب على الداعية المسلم أن يبلغ الناس الإسلام ككل في حدود علمه، وأن لا يزعم التقسيم المذكور آنفاً لب وقشور؛ لأن الإسلام كله خير وبركة وأن هذا التقسيم لو سُلِّم به لقلنا لا بد للمحافظة على اللُّب من القشر كما هو الأمر والشأن فيما نراه في حياتنا المعاشية، حيث نأكل كثيراً من الفواكه والثمار ولا بد لتطيب لنا من أن نحافظ عليها بقشورها، هذا من باب التمثيل والتقريب، ولكننا في الواقع لا نُسَلِّم بهذه التسمية أن نقول أن الإسلام لب وقشر، لكننا نقول هناك ما لا بد من معرفته أولاً، ثم لا بد من العمل به ثانياً، وهناك أشياء أخرى لا بد من معرفتها علماً بالنسبة لطائفة من الناس هم أهل العلم، وهذا ما يسمى عند العلماء بالفرض الكفائي، ثم من الناحية العملية أيضاً فإنما يجب القيام به على طائفة دون أن يجب على كل فرد من أفراد المسلمين، ثم من ما جاء في السنة
وبهذا أختم الجواب عن هذا السؤال أن ما ليس بالواجب قد يكون مساعداً لمن قد يكون قَصَّر في واجب ما، وأعني بذلك الحديث المعروف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:«أول ما يحاسب العبد يوم القيامة الصلاة، فإن تمت فقد أفلح ونجح، وإن نقصت فقد خاب وخسر» .
وجاء في حديث آخر: «فإن نقصت قال الله عز وجل لملائكته: انظروا هل لعبدي من تطوع، فتتموا له به فريضته» .
إذاً: التطوع الذي ليس فرضاً لا ينبغي للمسلم أن يتهاون به، بدعوى أنه ليس فرضاً؛ لأن هذه الدعوى إنما يسلم بها لو سلمنا نحن جدلاً أن المسلم حينما يقوم بما يجب عليه إنما يقوم به على الوجه الأكمل، وليس على الوجه الناقص الذي أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليه بالحديث المعروف عند العلماء بحديث المسيء صلاته، حيث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان جالساً مع أصحابه في المسجد حينما دخل رجل فصلى، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال:«السلام عليكم يا رسول الله! فقال عليه الصلاة السلام: وعليك السلام ارجع فصل؛ فإنك لم تصل، وهكذا باختصار ثلاث مرات يعيد الصلاة، وكل مرة يقول الرسول عليه السلام: ارجع فصل؛ فإنك لم تصل، فقال أخيراً وقد عرف الرجل أنه لا يحسن صلاته، قال: والله يا رسول الله! لا أحسن غيرها فعلمني، فقال له عليه السلام: إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم أَذَّن ثم أقم ثم استقبل القبلة، ثم كبر .. » إلى آخر الحديث.
فيا ترى عامة المصلين اليوم هل هم على يقين وعلى اطمئنان من ذوات أنفسهم أنهم يصلون صلاة كاملة لا يكونون بحاجة يوم توزن الأعمال بالميزان القسط أنهم لا يجدون نقصاً في صلواتهم، نحن كما نشاهد في المساجد وفي غير المساجد أكثر الناس يصلون ولا يصلون، ولذلك فيظهر لكم بصورة قوية جداً ضرورة الاهتمام بالسنن؛ لأنها تكون كالاحتياطي بالنسبة للحياة الإنسانية المادية هنا بالنسبة للحياة الروحية الإيمانية؛ حيث أن هذه السنن تكون سبباً لإكمال النقص الذي قد يقع في الفريضة، وهذا النقص يكون على وجهين اثنين، نقص في الكم ونقص في الكيف، أي: قد تفوت الرجل ثلاث صلوات بغير عذر شرعي، فيكون ليس فقط آثماً بل وضيع عليه أجراً كبيراً، هذا هو النقص الأول النقص الكم، والنقص الآخر في الكيف هو الذي دلكم عليه حديث المسيء صلاته، فهو يصلي ولكن ينقص من أركانها فضلاً عن هيئتها،
فيأتي هذا الحديث وهو قوله عليه السلام فيما حكاه عن ربه تبارك وتعالى أنه يقول لملائكته: انظروا هل لعبدي من تطوع، فتتموا له به فريضته، أي: سواء كان نقصاً في الكم أو كان نقصاً في الكيف.
إذاً: الإسلام يجب أن يفهم وأن يعلم من كل نواحيه دون تفريق كما قلنا آنفاً بتعبيرنا ما كان فرضاً أو نفلاً وفي تعبيرهم لباً أو قشراً.
ثم بعد ذلك يجب أن ينهض الناس بما يستطيعون من القسم الأول الذي هو من الفروض العينية، أقول هذا؛ لأن كثيراً من الناس اليوم ممن يشتركون معنا في الدعوة إلى الكتاب والسنة، ثم يفترقون عنا بعدم الاهتمام بالآثار السلفية والمنهج السلفي كثير من هؤلاء الناس فيهتمون بالدعوة إذا قامت الدولة المسلمة، وهذه الإقامة أمر واجب ولا شك لا يختلف فيه اثنان، ولكن ما هو السبيل لإقامة الدولة المسلمة وتحقيق الحكم بالإسلام كتاباً وسنة، أهو بالجهل بالإسلام أم هو بالفهم له فهماً كاملاً ثم الدعوة إلى العمل به كما بدأ به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ حيث بدأ بتعليم الناس التوحيد العقيدة الصحيحة، ثم بعد ذلك كما تعلمون وهذا لا يحتاج إلى إطالة، بدأت الأحكام الشرعية تترى من طريق الصلاة من طريق الصيام، آخر ما فرض كما تعلمون الحج إلى بيت الله الحرام، ثم الأحكام الأخرى من المنهيات والمحرمات والحدود الشرعية ونحو ذلك.
إذاً: الدعوة يجب أن تكون ككل، والتطبيق يكون حسب الاستطاعة، والتمهيد لإقامة الدولة المسلمة يكون بالعمل بما تعلمنا من ديننا الحق، هذا ما يتيسر لي من الجواب على هذا السؤال.
(الهدى والنور/620/ 42: 00: 00)