الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا عودة إلى الأخلاق الإسلامية
الحميدة إلا بالتربية
السؤال: مما ساءني يا شيخ أن بعض الإخوة الذين جاؤوا من الكويت قالوا: والله ما شعرنا بلذة صيام رمضان في هذه البلاد البتة، فأظن أنه كان السبب حسب ما وضحوا لنا الشح، والبخل الشديدين الموجودات في طباع أهل البلد هنا، باعتبار هناك في البلاد في الكويت سابقاً، كانت الخيرات تنزل عليهم من ما هب ودب، فما تعليقكم على مثل هذه المسائل، وكيف يستطيع الإنسان أن ينمي روح الإيمان في بلاد فقيرة مثل هذه البلاد؟
الشيخ: هؤلاء الإخوة مخطئون؛ لأنهم يستعملون القياس الذي يسموه الفقهاء بقياس مع الفارق، فهم كانوا يعيشون كما ذكرت في نعيم مقيم، فقاسوا البلد الذي فروا للنزول فيه، وهم يعلمون الفارق الكبير بين هذا البلد وبين بلدهم الذي كانوا ينعمون فيه بشتى النعم، فكلمتهم هذه الحقيقة أنا أراها خطيرة جداً أولاً من ناحيتين:
الناحية الأولى: ما أشرت إليه آنفاً من هذا القياس مع الفارق.
الناحية الأخرى: أنهم إذا لم يجدوا في هذا البلد الظاهرة التي تدل على الكرم، الذي هومن صفاتهم بسبب ما كان عندهم من مال وفير، فلا ينبغي أن يقولوا مثل هذه العبارة، أنهم ما وجدوا بصيامهم الذي هو فرض، ما وجدوا له
تلك اللذة، هلا مثلاً استعاضوا عن الملاحظة التي كانوا يلاحظونها هناك، بأن يشغلوا أنفسهم، وأن يشغلوا من يستطيعون من أهل هذه البلاد بالعبادة، وبخاصة بتلاوة القرآن، هذه التلاوة التي هي من خصائص الصيام في رمضان، ففي ذلك ما يحقق لهم شيء من الشعور بلذة العبادة، ومما يعوض لهم ما فاتهم بسبب الفرق المادي والمالي بين البلدين، فهذا الاندفاع الذي يدفع هؤلاء الإخوة إلى مثل هذا الكلام، فأقل ما يقال فيه إنه كلام غير موزون.
وعلى كل حال إن أصيب مسلم بمصيبة فعليه أن يذكر مثل قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157].
وفي اعتقادي كل البلاد الإسلامية التي آثرها الله عز وجل بكثير من النعم والأموال الوفيرة، باعتقادي أنهم ما أحسنوا استعمالها؛ ذلك لأن البذخ والترف والتبذير علامات واضحة في كل هذه البلاد، بل وفي بعض البلاد التي ليست عليها مسحة الغنى والثروة، لكن يوجد فيهم أفراد أغنياء فتجدهم يصرفون هذا المال ونحوه، إما فيما هو محرم، وإما فيما هو مكروه على الأقل، كمثل البنيان والتفنن في رفعه وتشييده والتوسع في تكثير غرفه، والتفنن في تجميل جدرانه ونحو ذلك.
وقد جاءت هناك أحاديث تحذر المسلم من أن يرتفع في بنيان داره بأكثر مما هو بحاجة إليه، كما أنه جاء ما هو أخص من ذلك؛ لأنه لا ينبغي التوسع في استعمال وفي اقتناء الفرش أكثر من اللازم، والإكثار من الستائر وتجميل الجدران بها، كل ذلك مما جاء في السنة، ولعلكم تذكرون معي بعض ما أشرت
إليه من الأحاديث كقوله علية الصلاة والسلام: «فراش لك، وفراش لزوجك، وفراش لضيفك، والرابع للشيطان» .
ومن هذه الأحاديث قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إني لم أومر بكسوة الجدران والحجارة» أو كما قال علية الصلاة والسلام، والحديث في صحيح مسلم.
كسوة الجدران اليوم ظاهره منتشرة في كل بيت من بيوت المسلمين الذين توفرت لهم شيء من الثروة، فلا تكاد تدخل بيتاً وقد نصبت فيه الستائر، إلا وتجد الستارة أطول من النافذة
…
؛ لأن الموضة الآن أن تكون الستارة تمس الأرض، والنافذة تكون إلى هنا أو إلى هنا، فبدل من أن تكون الستارة تستر النافذة وتحول بين الأنظار وأن تكتشف ما في الغرفة، وإذا بالستارة تسدل حتى لتكاد تمس الأرض، كل هذا داخل في الإسراف والتبذير، بدل أن توجه هذه الأموال إلى البلاد الفقيرة التي ليس عندها متسع من المال.
ولذلك والكلام في هذا يطول، يجب أن نتذكر دائماً وابداً قول الله تبارك وتعالى:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30].
فنسأل الله عز وجل أن لا يعاملنا بما نستحق كفاء ذنوبنا، وإنما أن يعاملنا برحمته وبفضله.
السائل: بعض الإخوة قالوا: نحن كنا مخطئين سابقاً، عندما كنا نقول أن أهل هذه البلد بخلاء، فلما عشنا بينهم وجدنا الفقر الذي عندهم فعذرناهم؟
الشيخ:
…
جميل هذا هو، هذا هو الواجب، طيب.
مداخلة:
…
أن تكون الأخ/ غازي جزاه الله خير ما كان دقيق فيما نقل، لعل الكلام هذا قيل الآن ونحن جايين في الطريق.
الشيخ: مش مهم يعني كلام خطأ أخذ الجواب.
مداخله: في الحقيقة أنا أقول أن اللذة التي نشعر فيها هناك في الكويت في العبادة وفي رمضان، وأنا كإمام مسجد ربع قرن من الزمان هناك، كنا نحيي ليالي رمضان بقراءة القرآن والقيام والسهر والاعتكاف .. إلى آخره، هذا الفرق ما كان الموضوع، يعني هذا كان موضوع عارض الأشياء المادية وكذا، هذا كان شيء عارض، أما الأصل أن فعلاً حتى قبل النكبة، قبل المصيبة هذه ما كنت يعني اعد الأيام عد، يعني لا حتى ارجع، ما أدري الواحد لما كنا نجي هنا كنت اشعر بشيء من الفتور في العبادات، في الدين ما أدري؛ لأن البلد هنا فيها ترف وفيه انفتاح على الملاهي واللعب والدنيا وكذا، يعني كنت أشعر في العبادة والانتماء إليها هناك أكثر من هنا.
هذا الكلام كنت اشعر فيه أنا قبل ما أصبنا به في المدة الأخيرة، فحتى تصح المعلومات يعني.
الشيخ: أي بس هذا كمان له جواب عندي، المسلم يجب أن يكون عبداً لله عز وجل في السراء والضراء، فإخواننا الكويتيين مع الأسف أصيبوا بتلك الهجمة الشرسة العراقية وشردوا كما شرد الفلسطينيون من قبل، فكان على هؤلاء وهؤلاء جميعاً أن يظلوا عباداً لله عز وجل مخلصين كما كانوا من قبل، يعني لا ينبغي أن تتغير عبادة المسلم فهو في السراء يعبد الله، وفي الضراء ينكص على عقبيه؛ لأنه معنى ذلك أنه يعبد الله على حرف.
الحقيقة أن المسلمين اليوم مهما كانت أوضاعهم في بلادهم فهم بعيدون قليلاً أو كثيراً عن الحياة الإسلامية التي ينبغي أن يكونوا عليها، نحن نقرأ جميعاً في التاريخ الإسلامي الأول ما ينبغي أن نراه مطبقاً في كل زمان وفي كل الأحوال
مع اليسر أو مع العسر، فمما نقرأ أن المهاجرين الأولين لما هاجروا من مكة إلى المدينة وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار برهة من الزمن، فوقعت هناك كما شهد الله عز وجل في الآية الكريمة قصص تعبر عنها هذه الآية:{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَو كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]، من ذلك مثلاً وهذا الذي يهمني من تلك الأمثلة أنها تبين لنا أن كلاً من المهاجرين والأنصار كانوا مؤمنين حقاً، فالمهاجرون فقراء تركوا بلادهم وأموالهم وكل أملاكهم، ونجوا بإيمانهم وأنفسهم، ونزلوا ضيوفاً على الأنصار وهم أهل البلاد، أهل المدينة، أهل الأموال، فكان من السياسة الشرعية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم آخى بين هؤلاء وهؤلاء، وقصة عبد الرحمن بن عوف مع أحد الأنصار ولا أذكر اسمه أظن الربيع.
المهم، هذا الأنصاري عنده زوجتان فقال لعبد الرحمن بن عوف: اختر أيهما شئت حتى أطلقها لك، وأراد أن يقاسمه ماله فضلاً أنه يعطيه زوجه، قال - هذا معناه أن الطيور على أشكالها تقع -
قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق، فدله على السوق واشترى عقالاً فباعه، وربح به ربحاً قليلاً، ثم أخذ يتردد على السوق ولم يرضَ أن يعيش عالة على الأنصاري الغني، وبارك الله عز وجل له في تجارته التي بدأت بعقال بعير حتى تزوج، ورآه الرسول عليه السلام وعليه آثار الزواج فقال له:«ما هذا يا عبد الرحمن! تزوجت قال: نعم، قال: بكم، قال: بنواة من الذهب، قال: هل أولمت؟ قال: لا، قال: أولم ولو بشاة» .
الشاهد اليوم إذا وقع مثل هذا التفاوت بين غني وفقير؛ لأن كلاً من الفريقين ليس عند حسن الظن الذي يجب أن يكون عليه المؤمن، فالغني يبخل على الفقير ولا يعطيه ما يغنيه فضلاً عن أن يؤثره ويكون به خصاصة، والفقير نفسه إذا
ما يسر الله له غنياً يستحكم فيه ويطمع في ماله، كل من هؤلاء الأغنياء وهؤلاء الفقراء ليسوا كما أراد الله عز وجل من أن يكونوا إخواناً كما أمرهم الله تبارك وتعالى، فلذلك نحن ننصح من كان غنياً أن لا ينسى حق الله عز وجل في ماله، ولا أن ينسى من حوله من الفقراء والمساكين، وفي المقابل ننصح الفقراء أن يكونوا كما قال تعالى {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} [البقرة: 273].
هذا المعنى مع الأسف أيضاً لا نلمسه اليوم بين الفقراء، فأكثرهم عالة على الناس ويتسلطون على أموالهم، ولا يكتمون حاجتهم وفقرهم كما أراد الله عز وجل منهم في هذه الآية الكريمة، ونسأل الله عز وجل أن يصلح أحوال المسلمين جميعاً أغنيائهم وفقرائهم.
السؤال: شيخنا بارك الله فيك.
ذكرت أنه لا بد أن نكون عباد الله إخواناً، فكيف الوصول إلى هذه المرتبة، وهذه المكانة العظيمة؛ حتى يرحم الغني الفقير، يدعوالفقير للغني، فنصبح مجتمع مثالي إن شاء الله؟
الشيخ: بالتربية، كما نقول دائماً بتعلم الأحكام الشرعية، وحمل الناس على تطبيقها، القضية ليست هي القضية المادية؛ حتى نقول: أسلوبه هكذا، وإنما هو العلم بما أنزل الله، وكما بينه رسول الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن نربي أنفسنا على هذا الهدى.
(الهدى والنور /443/ 41: 00: 00)
(الهدى والنور /443/ 15: 20: 00)