المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أهمية إضافة قيد فهم السلفللكتاب والسنة - جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى - جـ ١

[ناصر الدين الألباني]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌شكر وتقدير

- ‌مع القراء وإليهم

- ‌جامع المنهج

- ‌كلمة أخيرة

- ‌مقدمة شيخنا أبي الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني -حفظه الله- لأعمالنا

- ‌مقدمة شيخنا الكريم علي حسن عبد الحميد الحلبي-حفظه الله- للمشروع

- ‌المنهج السلفي

- ‌مقدمات تعريفية بالمنهج السلفي

- ‌هل المنهج يدخل في العقيدة أم الأحكام

- ‌التعريف بالسلفية وبيان أنها نسبة إلى العصمة

- ‌هل يجوز مخالفة إجماع الناس فيزمان ما على خلاف ما كان عليه السلف

- ‌المقصود بالقرن في قول النبي صلى الله عليه وسلم:«خير القرون قرني»

- ‌نصيحة بأهمية الأخذ بمنهج السلف وبيان خطورةالتنكُّب عن ذلك بضرب أمثلة من أبواب الاعتقاد

- ‌أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم

- ‌حال حديث: ما زالت طائفة من الغرب

- ‌ما المقصود بسنة الخلفاء الراشدين

- ‌باب منه

- ‌حول حديث الطائفة المنصورة

- ‌حديث الطائفة المنصورة ووصفهم بأنهم يقاتلون

- ‌الطائفة المنصورة هل هم أهل الحديث؟مع ضرب أمثلة على أهل الحديث من القديم والحديث

- ‌من هي الطائفة الظاهرة المنصورة

- ‌ما المقصود بالتزام الجماعة

- ‌هل الأمة التي ستفترق هي أمة الإجابة أم أمة الدعوة؟ وهل الفرقة الناجية مجموعة أشخاص لهاشعارات تُمَيِّزها

- ‌بيان المنهج السلفي (فهم السلف-الطائفة المنصورة-الفرقة الناجية)

- ‌هل الطائفة المنصورة والفرقة الناجية واحدة

- ‌الفرق بين الطائفة المنصورة والفرقة الناجية

- ‌باب منه

- ‌كيف نفهم السلفية

- ‌الجمع بين حديث «أمتي كمثل المطر»؛وحديث «خير الناس قرني»

- ‌نصيحة من الشيخ لرجل نصراني أسلمبالاعتناء بمعرفة الإسلام المُصَفَّى

- ‌ما المقصود بالمفارق للجماعة

- ‌حول تعيين العدد في حديث الفرق

- ‌نصيحة للمسلمين

- ‌أولوية الدعوة السلفية

- ‌هل السلفية حزب

- ‌ما هي الفرقة الناجية

- ‌المنهج الصحيح في الدعوة السلفية

- ‌هل هناك أوصياء على الصحوة الإسلامية

- ‌السلفية: علم وعمل

- ‌الدعوة السلفية في اضطراب

- ‌الجمع بين حديثي: مثل أمتي، وخير الناس

- ‌هل توجد جماعات تدعو إلى اللهعلى الكتاب والسنة

- ‌كن رجلاً يعرف الرجال بالحقوليس يعرف الحق بالرجال

- ‌من هم الغرباء

- ‌أهل السنة يذكرون ما لهم وما عليهم

- ‌مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم

- ‌السلفية والغزو الفكري

- ‌الوقوف عند الدليل ليس جمودًا

- ‌نصيحة للأمة بالرجوع للكتاب والسنة

- ‌السلفية وحركات العنف

- ‌السلفية وأهمية العلم

- ‌السلفية وأهمية العلم

- ‌من تمسك بالسنة لا يضيعه الله أبداً

- ‌رأي الشيخ في كتاب السلفية للبوطي

- ‌الكلام على أهمية إضافة قيد فهمالسلف إلى جانب الكتاب والسنة

- ‌أهمية إضافة قيد فهم السلفللكتاب والسنة

- ‌باب منه

- ‌باب منه

- ‌باب منه

- ‌باب منه

- ‌باب منه

- ‌باب منه

- ‌باب منه

- ‌باب منه

- ‌باب منه

- ‌كلمة على شروط قبول العمل الصالح

- ‌هل يجوز تقليد السلف فيمالم يأت عليه دليل في السنة

- ‌كلمة هامة حول منهج السلف

- ‌حجية قول الصحابة،والكلام على الخلاف بينهم

- ‌أهمية الرجوع إلى فهم الصحابةللأحكام الشرعية

- ‌بين حديث سنة الخلفاء الراشدين،وحديث: اقتدوا باللذين من بعدي

- ‌المقصود بسنة الخلفاء الراشدين

- ‌قيد هام حول اشتراط فهم السلف:أنه في النصوص التي تحتمل أوجه

- ‌التصفية والتربية

- ‌هل البيعة فرض على كل مسلم ولمن تكون في هذاالزمان وبيان أن حل مشكلة العالم الإسلاميهي عن طريق التصفية والتربية

- ‌هل التصفية والتربية منهج ينبغي أن يتربىعليه كل العالم الإسلامي أم أغلبه

- ‌لا عودة إلى الأخلاق الإسلاميةالحميدة إلا بالتربية

- ‌معنى التصفية والتربية وماذا بعدها

- ‌بركة التصفية

- ‌من هم الغرباء وكلمة حولالتصفية والتربية

- ‌حاجة الدعاة إلى التربيةوالإخلاص في دعوتهم

- ‌لمن البيعة؟ .. ثم متى الوصول؟والكلام على التصفية والتربية

- ‌علاج الاختلاف والتفرق، وفيه الكلام علىتربية قاعدة وهي جيل كامل من المسلمينالمتفقهين في عقديتهم

- ‌هل تعدت الدعوة السلفيةمرحلة التصفية والتربية

- ‌اتهام: منهج التصفية والتربيةلا يكفي لإنشاء الدولة الإسلامية

- ‌مرحلة التصفية والتربية متى تنتهي

- ‌كيفية إقامة الدولة الإسلامية(العقيدة-العلم-التصفية-التربية)

- ‌توحيد الربوية، وتوحيد العبادة، وتوحيد الصفات:

- ‌التربية .. تربية الأولاد

- ‌المسجد ودوره في التربية

- ‌متى يصبح العالم مؤهلاً للتصفية، ،وهل طريق التربية هو نقل الإنسانمن البيئة الفاسدة إلى الصحية

- ‌التصفية والتربية هي الطريق لإيجادحاكم أهلٌ لمبايعة المسلمين

- ‌الأزمة والحل: العلم والعملالتصفية والتربية

- ‌الاعتناء بالتصفية والقصورفي التربية

- ‌الخلل في التربية بين أبناء الصحوة

- ‌السمر وراء التلفاز من فتنالعصر الحاضر

الفصل: ‌أهمية إضافة قيد فهم السلفللكتاب والسنة

‌أهمية إضافة قيد فهم السلف

للكتاب والسنة

الشيخ: قبل أن نقدم إليكم ما ييسر الله لي من ارتجال كلمة حول الدعوة التي بعث الله تبارك وتعالى بها محمداً صلى الله عليه وآله سلم أرى لزاماً علي أن أذكر بأدب من آداب المجالس العلمية التي أخل بها جماهير الناس وفيهم بعض طلبة العلم.

فإننا نجد في كثير من المجالس تعقد حلقة علمية واسعة كما كان الأمر حينما دخلنا في هذا المكان المبارك إن شاء الله تعالى، حيث كان المفروض أن الناس يجلسون على أطراف هذا المكان الوسيع، لا بأس من الجلوس مثل هذه الجلسة في غير الجلسة العلمية، أما الجلسة العلمية فأدبها الانضمام والتجمع والتكتل لكي لا يكون المسلمون المجتمعون لطلب العلم بعيدين بأجسامهم بعضهم عن بعض؛ لأن الظاهر عنوان الباطن كما جاء في أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وآله سلم.

من هذه الأحاديث التي تتعلق بأدب الجلوس في طلب العلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل يوماً مسجده ورأى الناس متفرقين حلقات حلقات، فقال لهم:«ما لي أراكم عزين» أي: متفرقين. والحديث هذا في صحيح الإمام مسلم.

فلفت النبي صلى الله عليه وآله سلم نظر الجالسين في المسجد النبوي يومئذ أن لا تتعدد حلقاتهم وأن يوحدوا الحلقة العلمية، وأن يجتمع بعضهم إلى بعض،

ص: 219

بل ..

لقد اهتم النبي صلى الله عليه وآله سلم بتجميع الناس وحذرهم من أن يتفرقوا في أجسامهم وأجسادهم حتى ولو كانوا في العراء أو الصحراء، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله تعالى عنه قال:«كنا إذا سافرنا مع النبي صلى الله عليه وآله سلم تفرقنا في الشعاب والوديان، فقال لنا يوماً: إنما تفرقكم هذا من عمل الشيطان» ليسوا في جلسة علمية، وإنما في سفرة في البرية، كانوا يتفرقون كل ينتحي ناحية من أشجار ظليلة أوواد رطب أونحوذلك، فأنكر عليه الصلاة والسلام ذلك التفرق، وقال:«إنما تفرقكم هذا من عمل الشيطان» .

قال أبو ثعلبة رضي الله تعالى عنه: فكنا بعد ذلك إذا نزلنا وادياً اجتمعنا، حتى لو جلسنا على بساط لوسعنا.

استجابوا لله وللرسول حينما دعاهم، فكانوا لا يتفرقون في منازلهم وهم قوم سفر، مسافرون، كانوا يجتمعون، ما السر في اهتمام النبي صلى الله عليه وآله سلم في تجميع الناس، وأن لا يسمح لهم أن يتفرقوا في أبدانهم حتى في الصحراء، ما هو السر؟

سبق مني آنفاً الإشارة إلى ذلك ولكن الإشارة في كثير من الأحيان لا تغني عن صريح العبارة، بل صريح العبارة تحتاج أحياناً إلى البيان والشرح والتوضيح، فلا بد لي من شيء من هذا.

قلت آنفاً: لأن الظاهر عنوان الباطن، أي: أن المسلمين إذا تفرقوا في ظواهرهم، كان ذلك سبباً ومدعاة لأن يتفرقوا في قلوبهم، وهذا ما كان النبي صلى الله عليه وآله سلم يصرح به حينما كان يقوم إلى الصلاة، ولا يدخل فيها إلا

ص: 220

بعد أن يأمر بتسوية الصفوف كما هو معلوم لدى الجميع، ولكن القليل من الناس الذين يعلمون أولاً ماذا كان النبي صلى الله عليه وآله سلم يقول للناس حينما يأمرهم بتسوية الصفوف، كان يقول عليه الصلاة والسلام:«لتُسوونَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم» .

وهذا الحديث مع الأسف الشديد من سنة النبي صلى الله عليه وآله سلم العملية من ناحية والقولية من ناحية أخرى، ذلك لأنه كان يُسَوِّي الصفوف ويحضهم على الاعتناء بالتسوية، ويحذرهم من المخالفة، وينبؤهم بأن هذه المخالفة تكون سبباً للتفريق بين قلوبهم، «لتُسوونَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم» .

نحن نرى اليوم أن أكثر أئمة المساجد لا أستثني منهم أئمة المسجد الحرام والمسجد النبوي فضلاً عن غيرها من المساجد، كلهم قد أخلوا بالاهتمام بتسوية الصفوف، وتحذير الناس من المخالفة في تسويتها، فلا تكاد تسمع منهم أحسنهم من يقول: استووا يميناً ويساراً، وانتهى الأمر.

أما النبي صلى الله عليه وآله سلم، أما أصحابه الخلفاء الراشدين من بعده، فقد كانوا يهتمون اهتماماً بالغاً جداً جداً، فلا يكبر أحدهم تكبيرة الإحرام إلا بعد أن يطمئن أن الناس استجابوا للأمر بتسوية الصفوف من جهة، وأن النبي صلى الله عليه وآله سلم وكذلك أصحابه من بعده كانوا لا يكتفون فقط بكلمة: استووا .. استووا، ولا أن يقول فقط لهذا تقدم ولهذا تأخر، وإنما كان يقدم عليه السلام وأصحابه الكرام بين يدي ذلك المرغبات والمنشطات لأن يستجيب الناس لدعوة الرسول عليه السلام في تسوية الصف، بالإضافة إلى الحديث السابق:«لتُسوونَّ صفوفكم» كان يقول عليه الصلاة السلام: «سووا صفوفكم؛

ص: 221

فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة» وفي رواية: «من حسن الصلاة» . والروايتان صحيحتان.

وأمره صلى الله عليه وآله سلم للشيء يقتضي أن هذا الشيء واجب تطبيقه وتنفيذه؛ لأن الله عز وجل قال في حق نبيه عليه السلام: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80].

وقال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَويُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].

لهذا ينبغي الاهتمام بأن يستوي الناس في الصلاة وأن يتقاربوا في المجلس العلمي خارج الصلاة استجابة لأمر النبي صلى الله عليه وآله سلم، وفي بعض هذه الأوامر تعليل ذلك؛ لأن إصلاح الظواهر سبب شرعي في إصلاح البواطن.

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله سلم هذا المعنى أيضاً في بعض الأحاديث الصحيحة التي لا بد أنكم كثيراً ما سمعتموها، ولكني أعتقد أن القليل من العلماء من يُذَكِّركم بالحكمة التي جاء ذكرها أوالإشارة إليها في الحديث الذي سمعتموه دائماً، ألا وهوقوله صلى الله عليه وآله سلم:«إن الحلال بين، والحرام بَيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا -وهنا الشاهد- وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» .

فإذاً: صلاح القلب فيه صلاح البدن، وهذه من أسرار الشريعة التي نَبَّه عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث؛ لأنه يشير في هذا الحديث وفي الأحاديث الأخرى أن

ص: 222

ظاهر الجسد مرتبط بباطنه ألا وهو القلب، والقلب أيضاً مرتبط بظاهر البدن، فكأن هناك حركة دائمة مستمرة تشبه ما كنا ولا نزال نسمعه، وأنهم يحاولون أن يصلوا إلى اكتشاف ما يسمونه بالحركة الدائمة، الحركة الدائمة أوجدها الله تبارك وتعالى في هذا الإنسان الذي صوره وأحسن صوره، تلك الحركة هي إذا أصلحت قلبك لزم منه صلاح بدنك، وإذا أصلحت جسدك لزم منه صلاح قلبك.

فإذاً: لا يقولَنَّ أحدٌ كما نسمع ذلك في كثير من الأحيان من بعض الشباب الذين لم يربوا تربية إسلامية، وأخلُّوا بكثير من الأركان الشرعية كالصلاة مثلاً، إذا قيل لهم: يا أخي لِمَ لا تصلي؟ يقول لك: العبرة بما في القلب، كأنه يقول أوكأنه يتصور أنه من الممكن أن يكون القلب صالحاً وصحيحاً وسليماً، أما الجسد فلا يتجاوب مع الأحكام الشرعية، هذا أمر باطل تمام البطلان.

فلا بد أن نلاحظ هذه الحقيقة ألا وهي ارتباط الظاهر بالباطن، وأن صلاح أحدهما لا يعني إلا صلاح الآخر، وأن فساد أحدهما لا يعني إلا فساد الآخر.

إذاً: من هنا نفهم لماذا كان النبي صلى الله عليه وآله سلم يأمر الناس بأن يجتمعوا وأن يتضاموا في مجلس العلم لأن هذا التضام الظاهري البدني يؤثر في تضام القلوب والتحابب الذي لا بد أن يكون متحققاً في قلب كل مسلم كما جاء في كثير من الأحاديث من الحض على الحب في الله والتزاور في الله مما هومعلوم لديكم، والقصد أنني أردت الإشارة إلى هذه السنة التي ينبغي على طلاب العلم أن لا يكبروا الحلقة العلمية، وإنما أن يصغروا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فيكون بعضهم قريباً إلى بعض، ويكونوا جميعاً قريبين أيضاً من هذا الشخص الذي يتولى تعليمهم وتوجيههم إلى ما ينفعهم في دنياهم وفي آخرتهم.

ص: 223

بعد هذه الكلمة أريد أن أُذَكِّر كما قال تعالى: {الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55]، كل مسلم يعلم أن الإسلام بُنِي على أصلين لا ثالث لهما ألا وهوكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله سلم، هذه حقيقة لا يختلف فيها اثنان ولا ينتطح فيها عنزان كما كانوا يقولون في قديم الزمان، وحينئذ إذا كانت هذه حقيقة يعرفها كل مسلم، فلماذا اختلف المسلمون قديماً وحديثاً، وكلهم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ولا يتم إيمان مسلم إلا بهاتين الشهادتين، بالكلمة الطيبة: لا إله إلا الله، وبالشهادة للنبي صلى الله عليه وآله سلم بالنبوة والرسالة، ولكن هل يكفي لينجو المسلم في الدنيا قبل الآخرة أن يقول هذه الكلمة الطيبة والشهادة الثانية بلسانه ولما يفقه بعد ما معنى لا إله إلا الله، وما لوازمها، ولا يدري أيضاً ما لوازم قوله: وأشهد أن محمداً رسول الله.

يجب أن نقف عند هذه النقطة، وأُكَرِّر التنبيه: كل المسلمين يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإن فرض أن أحداً يأبى فهو ليس من الإسلام بسبيل، وإذ الأمر كذلك، فما هو السبب في ما وقع قديماً ولا يزال يقع حديثاً من الاختلاف الذي أخبر الله عز وجل عنه إخباراً مجملاً وفصَّله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض أحاديثه تفصيلاً، قال تعالى:{وَلَو شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [هود: 118 - 119]، خبر الله لا يمكن أن يتأخر، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122].

هذا خبر من الله في كتابه مجمل: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [هود: 118 - 119].

تفصيل هذه الآية الكريمة في الحديث الذي أيضاً لا بد أنكم سمعتموه أو

ص: 224

قرأتموه كثيراً وكثيراً، ألا وهو قوله عليه الصلاة السلام:«تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقه، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» .

إذاً: هذا الحديث يفصل قوله تعالى: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} .

قال: ستتخلفون إلى ثلاث وسبعين فرقة.

ثم بين عليه الصلاة والسلام ما أشار ربنا بالاستثناء في الآية السابقة: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) من هؤلاء المرحومين؟

قال في تمام الحديث: «كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله! قال: هي الجماعة» . وفي الرواية الأخرى وهي مفسرة ومبينة للرواية الأولى، قال: الفرقة الناجية هي التي تكون «على ما أنا عليه وأصحابي» .

إذاً: قد أعطانا رسول الله صلى الله عليه وآله سلم صفة الفرقة الناجية التي هي واحدة من ثلاث وسبعين فرقة، ومعنى هذا أن المسلم لا ينبغي أن يكتفي بأن يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله؛ لأن هذه الأمة التي ستقول هذه الكلمة الطيبة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة.

فإذاً: على المسلم أن يكون حريصاً كل الحرص أن يعرف صفة هذه الفرقة عقيدتها، أن يعرف عقيدتها، أن يعرف فقهها، أن يعرف سلوكها، تعاملها بعضها مع بعض، تعاملها مع خصومها، مع أعداءها .. وهكذا.

من أين يمكن للمسلم أن يصل إلى معرفة هذه الأمور المتعلقة بالفرقة الناجية، هذه هي النقطة التي أريد أن أدندن حولها، وأن أفصل الكلام فيها بعض التفصيل؛ لذلك لأننا قلنا لا خلاف بين المسلمين أن الإسلام لا إله إلا الله، ولكن

ص: 225

الواقع يشهد أن أقل المسلمين هم الذين يحرصون ليعرفوا أنفسهم هل هم من الفرقة الناجية أم لا؟

كيف يمكن معرفة الفرقة الناجية؟

لعلنا نعلم جميعاً، بعضنا يعلم يقيناً، لكن لعلنا جميعاً نحن الحاضرين نعلم الآية التالية، قال تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وآله سلم:{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، {الذِّكْرَ} أي: القرآن الكريم، حيث قال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].

الآية الأولى يقول ربنا عز وجل فيها: وأنزلنا إليك يا محمد هذا الذكر القرآن لتتلوه فقط على الناس؟ لا بد من أن يتلوه ولولم يتله عليه السلام ما عرفنا ولا وصل إلينا، ولكن هل واجبه عليه الصلاة والسلام قاصر على أن يتلوالقرآن فقط على الناس، وأن يتعلموه منه كما وقع، أم هناك واجب آخر أمره ربنا عز وجل بأن يقوم به؟

الجواب: نعم، حيث قال:{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ففي هذه الآية ما يمكن الإشارة إليه بكلمتين اثنتين، أو بلفظين، الأول: في هذه الآية مبين ألا وهو القرآن، وفي هذه الآية مبين، ألا وهو الرسول عليه الصلاة والسلام.

فالقرآن المبيَّن هو كلام الله، وكلام الرسول صلى الله عليه وآله سلم المبيَّن هو حديثه وهو سنته.

إذاً: لا سبيل لكي نكون على معرفة بما كانت عليه الفرقة الناجية إلا باللجوء إلى سنة النبي صلى الله عليه وآله سلم، وهذه أيضاً حقيقة لا يختلف فيها أحد من المسلمين إطلاقاً، أي أن القرآن تولى الرسول عليه السلام بيانه، ومن أوضح

ص: 226

الأمثلة على ذلك أننا نصلي في كل يوم خمس صلوات، لا نجد في القرآن الكريم خمس صلوات ..

لا نجد في القرآن الكريم تفاصيل الركعات، الصبح ركعتان، الظهر العصر والعشاء أربع، والمغرب امتازت عن كل هذه الصلوات بأنها ثلاث ركعات، من أين عرفنا هذه التفاصيل؟ من المبين وهو صلى الله عليه وآله وسلم.

بيانه إذاً في سنته صلى الله عليه وآله وسلم، سنته كما يذكر علماء الحديث تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

قوله صلى الله عليه وآله وسلم، وفعله، وتقريره.

قوله صلى الله عليه وآله وسلم معلوم كل ما جرى على لسانه عليه الصلاة والسلام مما يتعلق بذلك البيان: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، فهذا هوقوله كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أنه كان في مجلس فيه خليط من المشركين وكان ابن عمر هذا رضي الله تعالى عنه من بين كل الصحابة أحرصهم على الكتابة، أن يكتب ما يسمع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم حرصاً منه على حفظه، فأورد المشركون في ذلك المجلس عليه إشكالاً، قالوا له: أنت تكتب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يتكلم به في حالة الرضا والغضب، كأنهم يقولون: معقول أن تكتب ما يتكلم به في حالة الرضا، أما وأن تكتب أيضاً ما يقوله في هذا الغضب، أنكروا عليه هذا الحرص الشديد على الكتابة، كأنه دخل في نفسه شبهة، فسارع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذكر له ما قال له المشركون وما كان منه عليه الصلاة السلام إلا أن رفع إصبعه إلى فمه وقال له:«اكتب فوالذي نفس محمد بيده! لا يخرج منه إلا حق» ، هذا من السنة قوله صلى الله عليه وآله وسلم.

القسم الثاني فعله، فكل ما فعله صلى الله عليه وآله وسلم ففيه الهدى والنور على تفصيل لا مجال الآن لذكره، يأتي القسم الثالث ما رآه عليه السلام فعلاً من غيره ثم سكت عنه

ص: 227

وأقره، فهذا دخل في السنة التي ينبغي نحن أن نتمسك بها لا نفرق بين قوله وبين فعله وبين تقريره.

يأتي هنا بعد هذا البيان للسنة بيان لشيء جاء ذكره في حديث الفرقة الناجية ..

الآن الوضع طبيعي والحمد لله الجو طيب.

قال عليه السلام وأرجو أن تتذكروا معي قوله لما سؤل عن الفرقة الناجية، قال:«ما أنا عليه وأصحابي» لم يقتصر على قوله: «ما أنا عليه» أي: ما هوعليه من السنة القولية والفعلية والتقريرية، أضاف إلى ذلك:«وأصحابي» .

إذاً: لا نستطيع أن نغض الطرف عن ما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لماذا؟

إذا تأملتم في القسم الثالث من سنته عليه السلام وهو أن يرى غيره يعمل عملاً ويأتي فعلاً ثم يقره، صار هذا الشيء من السنة، من الذي كان يعمل هذا العمل، هو غيره عليه السلام، هو أصحابه.

إذاً: لا يستطيع المسلم أن يعيش حياة إسلامية صحيحة إلا بأن يعرف سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويعرف ما كان عليه أصحابه.

ومن هنا تعرفون معي أهمية ما جاء في حديث العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه الذي قال فيه: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! أوصنا؟ قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن ولي عليكم عبد حبشي؛ فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً» .

اربطوا الآن بين هذا القول وبين الآية السابقة: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [هود: 118 - 119].

ص: 228

قال عليه السلام: «فإنه من يعش منكم فسرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بستني» ثم عطف عليها وقال: «وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» .

وفي الحديث الآخر: «وكل ضلالة في النار» .

هكذا تجدون الأحاديث تتجاوب بعضها مع بعض ويأخذ بعضها برقاب بعض، وكلها ومجموعها يلفت نظرنا إلى أن من يريد حقاً أن يكون من الفرقة الناجية، فعليه أن يعرف ليس فقط سنة الرسول عليه السلام، بل وما كان عليه أصحابه الكرام.

هذه النقطة الأخيرة أكثر المسلمين اليوم عنها غافلون، كلهم يقولون: سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكلهم يدعون إلى اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن كانوا يختلفون في تطبيق هذه السنة؛ لأنهم يختلفون في كثرة التعرف عليها علماً أو قلة التعرف عليها، ولكن كما قال تعالى:{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 187]، أكثرهم لا ينتبهون إلى ما جاء في حديث الفرقة الناجية، وفي حديث العرباض بن سارية من الأمر أيضاً بشيء آخر إضافة على سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي سنة الصحابة، وبخاصة الخلفاء الراشدين منهم.

هل في القرآن الكريم الذي أحصى كل شيء مما يتعلق بأصول الدين وقواعده، هل في القرآن الكريم ولو عبارة واحدة تشير إلى هذا المعنى الذي لممته وجمعته لكم من أحاديث عديدة وعديدة؟

الجواب: نعم؛ قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].

ص: 229

نلاحظ هنا ملاحظة هامة جداً جداً جداً، وهي أن الله عز وجل كان بإمكانه وهو الحكيم العليم القدير أن يقول مثلاً: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً، أي: دون أن يعطف على مشاققة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قوله: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} كان الله على ذلك قديراً، فلماذا إذاً؟ ما الحكمة من عطفه عز وجل قوله:{وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} على: {يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} ؟

أظن عرفتم السر من الأحاديث التي أوردناها لكم.

{وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} السر أن هؤلاء المؤمنين الأولين هم الذين نقلوا إلينا ما سمعوه من الرسول عليه السلام من فمه غضاً طرياً ووجدوه مطبقاً في عهده صلى الله عليه وآله وسلم تطبيقاً عملياً، فهم يستطيعون أن يفهموا ما أنزل الله على نبيه من كتابه وما نطق به هونبيه عليه السلام بلفظه، هم يستطيعون أن يفهموا ذلك أحسن من كل من يأتي من بعدهم، كيف لا والأمر كما قال عليه الصلاة والسلام:«الشاهد يرى ما لا يرى الغائب» (1).

خذوا مثلاً، قال تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، اليد في اللغة تطلق ويراد الكف، وتطلق ويراد مع الكف الذراع، وتطلق ويراد بها الذراع مع العضد.

ترى! كيف بنا أن نفهم اليد في هذه الآية: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ؟

كما أن هناك في آية التيمم: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: 43].

(1)«صحيح الجامع» : (2521).

ص: 230

كيف نفهم الأيدي هنا، أنفهما كما هي هناك أم بمعنى أوسع؟

إذا لم نعد إلى المُبَيِّن المشار إليه في الآية الأولى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، اختلفنا واضطربنا؛ ذلك لأن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، واليد لها هذه المعاني العديدة، لكننا حينما نعود إلى الصحابة ونجدهم ينقلون شريعة الله مطبقة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفهموا هذه الشريعة فهماً صحيحاً، فلا جرم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أثنى عليهم فقال:«خير الناس قرني» ، وقال:«أكرموا أصحابي» .

وقال: «أحسنوا إلى أصحابي، فوالذي نفس محمد بيده! لوأنفق أحدكم مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» . ذلك لأنهم جاهدوا في سبيل الله، وهاجروا في سبيل الله، وتركوا أوطانهم في سبيل الله، وصاحبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعرفوا شريعة الله كما قلنا عن كثب وعن قرب.

فإذاً: هم كما قال عليه السلام في بعض الأحاديث: «هم القوم لا يشقى جليسهم» .

فإذاً: على كل من كان يريد أن يكون من الفرقة الناجية أن لا يقنع فقط أن يعرف القرآن والسنة فقط، فهو إن قنع وإن استطاع أن يصل إلى فهم الكتاب والسنة فقط، ولو بهذا التفقيط (1) فسيخسر أن يكون من الفرقة الناجية، أن يكون على ما كان عليه أصحابه عليه الصلاة والسلام.

إذاً: يمكننا أن نلخص الآن ما مضى من الكلام مفصلاً مشروحاً لنبني على هذه الخلاصة بحثاً جديداً.

(1) أي بالرجوع للكتاب والسنة فقط، دون فهم السلف.

ص: 231

لا بد لكل مسلم بعد أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أن يعلم أن طريق معرفة ما كان عليه رسول الله هي السنة وهي الصحابة، وبعبارة أخرى السلف الصالح؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الحديث المتواتر:«خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» . فلا بد من أن يتعرف المسلم على ما كان عليه أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم وإلا ضل ضلالاً بعيداً من حيث أنه يحسب أن يحسن صنعاً.

الشيء الجديد الآن الذي أريد أن أتوسع فيه قليلاً هو، ما هو الطريق لمعرفة ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قول وفعل وتقرير، وما ورثه أصحابه عليه السلام منه من الهدي أو الهدى والنور، ما هو الطريق؟

لو سألنا سائل ما هو الطريق لمعرفة كلام الله عز وجل، الجواب والحمد لله ميسر مذلل هو: القرآن الكريم.

ليس لدينا كتاب تعهد الله عز وجل بحفظه إلا هذا القرآن الكريم كما قال في الآية السابقة الذكر: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، فالله عز وجل تعهد بحفظ هذا الكلام الإلهي ألا وهو القرآن، لم يتعهد بحفظ التوراة ولا الإنجيل ولا صحف إبراهيم وموسى؛ ذلك لأن حكمته اقتضت أن تكون هذه الشرائع السابقة تمهيداً للشريعة الإسلامية التي لا شريعة بعدها، فكان من الحكمة البالغة أن يتعهد ربنا عز وجل بحفظ هذا القرآن الكريم.

إذاً: جواب سؤال كيف الطريق إلى معرفة كلام الله؟ هوالقرآن الكريم.

ولكن السؤال المهم جداً جداً: ما هو السبيل لمعرفة سنة النبي عليه السلام وما كان عليه أصحابه الكرام؟

هنا البحث المهم جداً جداً، هوما يسمى عند علماء المسلمين كافة بعلم

ص: 232

الحديث وعلم الآثار.

والله أكبر الله أكبر.

علم الحديث يتضمن علمين اثنين، أحدهما يعرف بعلم مصطلح الحديث والآخر علم الجرح والتعديل، علم مصطلح الحديث عبارة عن قواعد علمية جمعها علماء الحديث مع مرور الزمن ودوَّنوها وصنَّفوها وذلَّلوها وبيَّنوها للناس؛ حتى يتمكنوا من تمييز الصحيح من الضعيف من الحديث، فما هو هذا؟ هو العلم الثاني علم الجرح والتعديل.

علم الجرح والتعديل يدور حول معرفة تراجم الألوف المؤلفة من رواة الحديث والسنة، لعلكم جميعاً تعرفون شيئاً يعرف عند علماء الحديث بالإسناد، الإسناد هو عبارة عن سلسلة من الرجال يأخذ بعضهم عن بعض، يبدأ الصحابي ينقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، التابعي عن الصحابي، تابعي التابعي عن التابعي، وهكذا دواليك؛ حتى دُوِّنت هذه الأحاديث بهذه الأسانيد في كتب السنة المعروفة والتي عددها ما شاء الله يجاوز الألوف المؤلفة، لكن أشهرها هي الكتب الستة وهي المتداولة اليوم على أيدي علماء السنة.

هذا الإسناد مركب من رجال، هؤلاء الرجال يُعَدُّوا كما قلنا الألوف المؤلفة، كل رجل منهم له ترجمة في كتب الجرح والتعديل يبينون متى كان هذا الراوي، ومتى ولد، ومتى عاش، ومن هم شيوخه، ومن هم تلامذته الآخذون عنه .. وهكذا. يضاف إلى ذلك هل هو ثقة، هل هو عدل، هل هو فاسق، هل هو حافظ، هل هو سيء الحفظ، كل هذه الأوصاف وغيرها أيضاً مذكورة في هذا العلم علم الجرح والتعديل، وكلكم في ظني يعرف بأن الأحاديث الموجودة في بطون الكتب والمتداولة على ألسنة الناس فيها ما صح وفيها ما لم يصح.

ص: 233

إذاً: إذا أردنا أن نعرف ما كان عليه صلى الله عليه وآله وسلم وما كان عليه أصحابه الكرام فلا مناص من التعرف على هذين العلمين، ودراستهما دراسة واسعة جداً مصطلح الحديث والجرح والتعديل، فمن جمع بين هذين العلمين يتمكن من تمييز الصحيح من الضعيف، فأين نحن اليوم من هذا العلم الذي يمكننا من معرفة الصحيح من الضعيف، هذه المعرفة هي التي تربطنا بالفرقة الناجية، وإلا سنكون بعيدين بعداً بعيداً كثيراً أو قليلاً على حسب العلم والجهل بهذا العلم الحديث وعلم الجرح والتعديل.

إذا عرفتم هذه الحقيقة فالخلاف الذي وقع قديماً بين الفرق الإسلامية والذي لا يزال مستمراً إلى هذا اليوم من أعظم أسبابه هو انصراف لا أقول عامة المسلمين، بل أقول انصراف خاصة المسلمين عن دراسة هذا العلم وعن إشاعته، وعن تقديم ثمراته إلى كافة المسلمين ليكونوا كما قال رب العالمين في القرآن الكريم:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].

فإذاً: من أسباب الخلاف المستمر هو الابتعاد عن دراسة هذا العلم باختصار علم الحديث، هناك سبب آخر كان هذا قديماً، كان قبل أن يتوفر لجمع السنة علماء سخرهم الله عز وجل لخدمة الإسلام بخدمة سنة النبي عليه الصلاة والسلام، أما اليوم فهذا السبب قد زال وبقي سبب إهمال دراسة هذا العلم، أما السبب الذي قد زال فيجب أن تعرفوه؛ لأنه يترتب من وراء ذلك أن تعرفوا سبب اختلاف علماء المسلمين قديماً حتى اليوم في بعض المسائل الفقهية.

أنتم تعلمون جميعاً إن شاء الله بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان له أحوال حينما يتكلم، تارة يتكلم في المسجد، وعلى حسب عدد الناس الموجودين في المسجد يكون

ص: 234

الحافظون لحديثه، تارة يكون هناك في المسجد بعض الأصحاب فيتحدث فيحفظون منه، أما الأصحاب الآخرون فهم ما يعلمون ما تحدث به صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك المجلس الذي لم يكن حوله إلا أفراد قليلون، كذلك كان يسافر فمن كان معه من المسافرين أخذوا منه من العلم ما فات المقيمين في المدينة أوفي مكة أو .. إلى آخره، وهكذا الصور تتعدد وباستطاعة كل واحد منكم أن يتفنن في تعدادها وفي استحضارها بذهنه.

من ذلك مثلاً أنه كان يعيش في داره مع أهله مع أزواجه مع أحفاده، فكان يجري بينه عليه السلام وبين أهله من الكلام الذي هو حديث لا يعلمه أصحابه إطلاقاً، الذين هم خارج الدار ليس لهم علم إنما أهله ونسائه هم الذين يعلمون ما جرى في الدار.

فإذاً: لا نستطيع أن نتصور فرداً من أفراد الصحابة أحاط علماً بكل أحاديث الرسول عليه السلام، هذا أمر مستحيل؛ لأنه لا يمكن أن يكون فرد هوظل الرسول عليه السلام حيثما ذهب، حيثما حضر، حيثما جلس، حيثما سافر يكون معه، هذا أمر مستحيل.

والمقصود من هذا الكلام كله وهو بدهي جداً أن سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد عرفنا أنها قوله وفعله وتقريره كانت متفرقة بين أصحابه، فهل وجد شخص في ذلك الزمان يستطيع أن يتصل مع كل فرد من أفراد الرسول عليه السلام ويجمع منهم ما سمعوه وما شاهدوه منه عليه السلام.

هذا تصوره يغنيكم عن أن تقولوا هذا أمر مستحيل، وبخاصة إذا تذكرتم الفتوحات الإسلامية التي اقتضت أن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتفرقون في البلاد، فالذين كانوا في مكة، كانوا في المدينة، كانوا في الطائف، كانوا في اليمن، شرقوا

ص: 235

وغربوا وتفرقوا في البلاد في سبيل إعلاء كلمة الله عز وجل، وكما تعلمون ما شاء الله الفتوحات الإسلامية وصلت شرقاً إلى الصين وغرباً إلى إسبانيا التي كانت تعرف يومئذ بالأندلس، هل كان يمكن يومئذ لشخص أن يلحق بهؤلاء الصحابة الذين تفرقوا في البلاد في سبيل الجهاد، هذا أمر أيضاً مستحيل، ولكن بدأت نواة كمحاولة أولى لجمع ما عند بعض هؤلاء الأفراد من بعض التابعين، كانوا وقد حرصوا على أن يتصلوا ببعض الصحابة والذي استن لهؤلاء التابعين سنة الجمع من مختلف الصحابة على ما تيسر له هو أبوهريرة رضي الله عنه، أبو هريرة هو الحافظ الذي يمكن أن يستحق هذا اللفظ من بين أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام مع أنه ما أسلم إلا قبل وفاته عليه السلام بنحو سنتين ونصف، مع ذلك كان أكثر أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديثاً لماذا؟

هو يحدثنا عن نفسه، يقول: كنت أقنع بشبع بطني بلقيمات ثم بعد ذلك أجلس مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآخذ الحديث منه، هذا سبب.

ويضيف إلى ذلك بأن أصحابه عليه السلام كانوا مشغولين بالصفق في الأسواق، مشغولين بالتجارة؛ لكن هم الذين مدحهم رب العالمين بقوله:{لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ} [النور: 37]، لكن أبو هريرة تفرد عنهم بأنه كان زاهداً وكان يكتفي بلقيمات ثم سائر الوقت مع الرسول عليه الصلاة السلام وكأنه عرف أنه تأخر إسلامه، فأراد أن يعوض إسلامه ما فاته من الصحبة الطويلة التي حضي بها أمثال أبي بكر وعمر والسابقون الأولون من الصحابة، ولذلك أعرض عن الدنيا كلها وأقبل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

الشيء الثاني مما جعله حافظ الصحابة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ذات يوم: «من يبسط ثوبه ثم يحفظ كل ما يسمعه مني» ؟ فكان السابق إلى ذلك أبو هريرة، فبسط ثوبه

ص: 236

ثم طواه قال أبو هريرة: فما نسيت بعد ذلك شيئاً سمعته من النبي صلى الله عليه وآله وسلم. هذا السبب الثاني.

والسبب الثالث وهو الشاهد، ما كان يقنع بأن يسمع من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقط، كان يروح عند الصحابة أبو بكر وعمر وغيره .. وغيره، ويلتقط منه ما كان حفظه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فإذاً: هو الذي سَنَّ للتابعين ولمن بعدهم جمع الأحاديث من مختلف الرواة، ولذلك يلاحظ الدارس لحديث أبي هريرة أنه يجد أحاديثه تنقسم إلى قسمين، في بعضها يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في أكثرها يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا من دقته وأمانته فيما كان سمعه منه عليه السلام يقول: سمعت رسول الله يقول، وفيما سمعه من غيره، ما يقول: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما يقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ والسبب هوأنه تأخر إسلامه وما سمعه من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان قليلاً، فأراد أن يستدرك ما فاته أن يتصل مع أصحابه القدامى فجمع منه فكان بهذه الأسباب الثلاثة أكثر أصحاب الرسول عليه السلام حديثاً، ولذلك الآن المشتغلون بعلم الحديث وبكتب الحديث يجدون أحاديث أبي هريرة في كل كتاب من كتب السنة لها السبق الأعلى في العدد وفي الكمية، خذوا مثلاً مثالاً واضحاً جداً مسند الإمام أحمد ستة مجلدات، المجلد الثاني منه نصفه هولأبي هريرة، من ستة مجلدات فيها أحاديث الصحابة كلهم، هذا الذي الإمام أحمد استطاع بالطريقة التي أشرت إليها الاتصال مع الناس وجمع الأحاديث، فكان مسند أبي هريرة في مسند الإمام أحمد أخذ نصف المجلد الثاني أي: واحد من اثنا عشر.

فبارك الله عز وجل لأبي هريرة بهذه الأسباب ومنها التي بها يتمكن المسلم

ص: 237

من أن يجمع أكبر كمية ممكنة من السنة، بسبب تفرق الصحابة أولاً، ثم التابعين تفرقت السنة، ولكن بدأ التابعون يجمعون من هذا الصحابي ومن هذا الصحابي فلو اقتصر على أحاديث صحابي واحد لكانت الكمية قليلة، لكنه ضم إليها أحاديث الصحابة الثاني والثالث على حسب ما يتيسر له، ثم جاء دور أتباع التابعين، فاتسعت دائرة الجمع، ثم جاء دور أتباع التابعين وفيهم الأئمة الستة، أصحاب الكتب الستة، الإمام بخاري ومسلم وأبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه.

فهؤلاء بسبب سفرهم إلى البلاد التي كان الصحابة الأولون افتتحوها ثم تبعهم التابعون وهكذا، بسبب هذا الانتقال توفر لكل منهم ما شاء الله من السنة الكثيرة، كان أكثرهم الأمام أحمد رحمه الله؛ لأنه سافر في سبيل جمع الحديث إلى أكثر بلاد الدنيا يومئذ، وقد شهد له بالحفظ الإمام الشافعي علماً أن الإمام الشافعي من شيوخ الإمام أحمد في الحديث والتفسير والفقه الإمام الشافعي من شيوخ الإمام أحمد، لكن الإمام أحمد امتاز على علماء عصره بأن تفرغ كأبي هريرة تماماً، فلم يعمل بالدنيا وزخرفها، طاف في البلاد واتصل مع رواة الحديث، فجمع الألوف المؤلفة من السنة، شهد له بذلك شيخه الإمام الشافعي، فقال له يا أحمد: أنت أعلم بالحديث مني. الشيخ يقول لتلميذه: أنت أعلم بالحديث مني، فإذا جاءك الحديث صحيحاً فأخبرني به أو أعلمني به سواء كان حجازياً أو شامياً أو مصرياً أو .. أو .. إلى آخره، يشير إلى أن الإمام أحمد طاف وسافر إلى هذه البلاد وجمع من السنة ما لم يتمكن إمامه الشافعي أن يجمع، ولذلك قال له: أنت أعلم بالحديث مني.

الشاهد من هذا الكلام كله أن من أسباب اختلاف العلماء الأربعة الأئمة

ص: 238

الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد هو هذا الذي أقول لكم، أن السنة كانت تفرقت بتفرق حملتها من الصحابة ثم التابعين، وبعد ذلك جاء دور الأئمة الأربعة هؤلاء؛ لأن أولهم كما تعلمون أبو حنيفة رحمه الله، وهو توفي سنة 250 هـ فهو يعتبر من التابعين الصغار، لكنه رحمه الله كان تخصص في الفقه ولم يخرج من الكوفة إلا حاجاً أو معتمراً، فكان حديثه قليلاً، جاء من بعده الإمام مالك حيث ولد الإمام مالك في السنة التي مات فيها أبو حنيفة وهو أقام في دار الهجرة المدينة المنورة، والمدينة المنورة كما هي واقعها اليوم باعتبار أنها مطروقة ومقصودة من العُمَّار والحُجَّاج، فيكون العلماء هناك كثيرون، ولذلك كان حديث مالك وهو أيضاً لم يسافر ولم يخرج لجمع الحديث، كان حديثه أكثر من أبي حنيفة، ثم جاء دور الإمام الثالث وهو الإمام الشافعي فهو أقام رحمه الله في بغداد، وبغداد كانت عاصمة الخلفاء العباسيين كما تعلمون، فكانت أيضاً موئلاً وملجئاً لمختلف العلماء فحصل من العلم والسنة ما شاء الله، ثم سافر من بغداد إلى مصر ومن هنا حصل مادة جديدة من العلم وخاصة علم الحديث، ففاق الإمامين الأولين الإمام أبا حنيفة والإمام الشافعي، بسبب أنه أقام شطراً كبيراً من حياته في بغداد بالإضافة إلى أنه كان يحج ويعتمر، ثم في آخر حياته قضاها في مصر، فاجتمع له من الحديث ما لم يجتمع للإمامين الأولين.

جاء الإمام الفقيه الرابع وهوأحمد بن حنبل فلم يفق الأئمة الثلاثة فقط، بل فاق جماهير من علماء الحديث لكثرة الإحاطة بالسنة، فكان أحفظهم للسنة وأعلم من أكثر من كثير من علماء الحديث بالحديث.

لهذا السبب كان العالم مثل أبي حنيفة يُسأل عن مسألة فينظر فيما عنده من كتاب الله ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيفتي على ما عنده، فإن لم يجد اجتهد،

ص: 239

والاجتهاد ضروري؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد» . ولكن كما تفهمون من هذا الحديث الاجتهاد مُعَرَّض للصواب والخطأ، فقد يسأل أحد الأئمة الآخرين نفس السؤال فيجيب بجواب من ما عنده من مادة الحديث التي لم يحصل عليه الإمام الذي أفتى باجتهاد من عنده، فإذا عرفتهم هذه الحقيقة التاريخية المتعلقة بطريقة جمع الحديث زال الاضطراب من أذهانكم عن سبب اختلاف الأئمة.

والاختلاف ذكرنا آنفاً قوله تعالى: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [هود: 118 - 119].

وهم بلا شك مرحومون، فلماذا اختلفوا؟ معذورون لأنهم لم يتمكنوا يومئذ من جمع السنة.

أما اليوم فلسنا معذورين، والسبب أننا اليوم نستطيع أن نجمع جهود الأئمة الذين مضوا وقضوا حياتهم في كل العصور، نجمعها بأن نشتري ثروتهم التي لا تقدر بثمن بدراهم معدودة، وهوكتاب مسند أحمد ست مجلدات حياته العلمية ضمنها فيه، أنت ممكن أن تخصص من حياتك سنة فقط بالكثير، فتحصل على علم الإمام أحمد ما حصله بسنين وبالجهد الكبير الكثير وهوالتطواف في البلاد والسفر إليها، ولكن علة الناس اليوم هوالزهد في علم الحديث، والإعراض عن دراسة الحديث والقناعة بأن أي حديث وجدناه في أي كتاب مثلما قال ذلك البدوي:(خوش حديث)، لكن أنت تعرف أن أحاديث الرسول عليه السلام فيها الصحيح وفيها الضعيف، والرسول عليه السلام كان الله عز وجل قد نبأه سلفاً بأن الناس سيكذبون عليه ويكذبون عليه حتى في عهده عليه السلام في قيد حياته وجد من كذب عليه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من

ص: 240

النار». كيف كان هذا؟

رجل أحب امرأة فذهب إلى أهلها يخطبها منهم، ولكي يتجاوبوا معهم ولا يردوه، قال لهم: أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليكم يأمركم بأن تزوجوني فتاتكم.

استغرب الناس وولي الفتاة مثل هذا الأمر؛ لأنهم يعلمون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما وصفه رب العالمين: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، معقول أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يبعث لهم أمر بأن يزوجوا فلاناً وهم لا يعرفوه، ليس معقول، لكن ممكن يكون في وحي أوشيء، إذاً: نبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما جاءوا إليه وقالوا: يا رسول الله! أنت أرسلت فلان؟ قال: لا. أدركوا الرجل؛ فإن لقيتموه فحرقوه في النار، وما أرى أنكم تدركونه، وفعلاً لما لحقوا به وجدوا آفة حية لدغته وكان موته فيها.

هذا سبب قوله عليه السلام: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» .

وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إنه سيكذب علي؛ فمن كذب علي

» إلى آخره.

وجاءت أحاديث أخرى لكي لا يغتر المسلم أن يقول: أنا ما أتعمد الكذب عليه، فيستهون رواية الحديث ونسبة الحديث إلى الرسول عليه السلام دون أن يتثبت من صحته، فقال عليه الصلاة والسلام:«من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين» من حدث بحديث يظن أنه كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو أحد الكذابين، فلكي تعرف أن هذا الحديث مكذوب عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أم لا؟ ما هو الطريق؟

طريق من طريقين لا ثالث لهما كالأحكام الشرعية، لكي تعرف أن هذا حلال وهذا حرام، ما هو الطريق؟

ص: 241

طريق من طريقين إما أن تطلب العلم لتصبح عالماً فتعرف من كتاب الله ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحلال والحرام، وإما أن تكون من عامة الناس حينئذ يتوجه إليك قوله تعالى في القرآن الكريم:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].

فإما أن تكون عالماً فاستفت نفسك، وإما أن تكون غير عالم فاستفت عالمك، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، كل علم له رجال سواء كان هذا العلم شرعياً أو كان دنيوياً، أي إنسان الآن يريد أن يبني داراً، لا يتصرف من رأسه، ولكن يأتي بالمهندس والمعماري والبناء .. وهكذا إذا أراد أن يعالج نفسه أو يعالج المريض لا يعالج هو وإنما يذهب عند الطبيب والطبيب المختص إلى آخره.

العلم الشرعي بقسميه الحديثي والفقهي أولى أن يعنى المسلمون بهذه القاعدة التي وضعها رب العالمين في الآية السابقة: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، فما هو طريق معرفة الحلال والحرام؟

قلنا إما أنت عالم فاسأل علمك، وإما لست بعالم فاسأل الفقهاء، ما هو طريق معرفة الحديث الصحيح من الضعيف؟ إن كنت عالماً فاسأل علمك، إن كنت غير عالم:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].

الناس اليوم لم يُعْطُوا علم الحديث حتى في هذا الجانب الأخير ما يستحقه من اهتمام، الفقه أكثرهم يهتمون بدينهم أن يعرفوا الحرام الحلال، ولذلك فالناس من هذه الزاوية لا يزالون بخير، لكن نادر جداً جداً من يهتم بمعرفة الحديث الذي يسمعه أوالحديث الذي يقرأه أن يسأل أهل العلم أن هذا الحديث صحيح أولا، مجرد أن يسمع أويقرأ يقف عند ما سمع أو قرأ، وليتذكر الوعيد

ص: 242

المُحَذِّر عن رواية الأحاديث إلا بعد تبين صحتها.

إذاً: هنا أيضاً لا بد من خلاصة بعد تلك الخلاصة.

فأقول: ليكون المسلم على السنة وعلى ما كان عليه الصحابة فلا سبيل إلى ذلك إلا بمعرفة علم الحديث، فعلم الحديث هو الذي يُعرِّفك ما كان يقوله عليه السلام ويفعله وما كان يقره، وعلم الحديث هو الذي يَدُلُّك على ما كان عليه أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم من الهدي، من العلم، من الأخلاق والسلوك ونحو ذلك، فأنا أنصح كل المسلمين بعامة أن يهتموا بعلم الحديث والتثبت فيما يقرؤون وما يسمعون، وأنصح خاصتهم أن يعنوا بدراسة علم الحديث حتى يذيعوا في الناس الأحاديث الصحيحة؛ لأن هذه الأحاديث الصحيحة فقط هي التي توصلهم إلى أن يعرفوا أولاً الفرقة الناجية وأن يكونوا منها ثانياً، وإلا كانوا على خطر عظيم.

وبهذا القدر كفاية لاسيما وأرى أن بعض العيون قد بدأ النعاس يداعبها، وفي تجربتي أن نفتح باب الأسئلة قد يوجد شيء من الحركة ومن اليقظة والبركة إن شاء الله، فمن كان عنده ملاحظة من كان عنده سؤال يتعلق بما سبق طرحه وبيانه من النهج العلمي الذي يجب على المسلمين خاصتهم وعامتهم أن يسلكوه، فيؤثر ويقدم السؤال المتعلق بما مضى، وإذا كان لا يوجد أي سؤال يتعلق بما مضى، فنحن نتقبل أي سؤال آخر يتعلق بالتفقه في الدين.

(الهدى والنور /445/ 46: 19: 00)

(الهدى والنور /445/ 48: 47: 00)

ص: 243