الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانيًا:
عيوب في الخطيب
1 -
عدم العناية باللغة العربية: فمن العيوب المستهجنة لدى العلماء اللحن، وأفحشه ما كان في آيةٍ أو حديث، ثم ما غيّر المعنى، ثم ما كان في كلام الغير.
وإن أعظم أسبابِ اللحنِ الجهلُ بعلمَي النحو والصرف. وعلاجه التعرف على اللغة العربية وقراءة الخطبة قبل إلقائها أكثر من مرة وضبط الحروف التي تحتاج إلى ضبط بالشكل. ولذا ينبغي للخطيب أن يتعلم من النحو واللغة ما يقوّم به لسانه، ويَسلم به من هذه الآفة.
2 ـ التصحيف: وأكثر ما يقع لمن يقرأ من كتاب، فيصحف نظره بسبب رداءة الخط أو ضعف البصر أو عدم استيعاب ما يقرأ أو عدم التركيز فيه أو غير ذلك من الأسباب، وقد حصل لبعض الفضلاء أن قال في خطبته وهو يقرأ من ورقة:«ومن ترك واجبًا من واجبات الحج متعمدًا يأثم ويَكْفُر» بتخفيف الفاء (من الكفر)، فنبّهه بعض الناس بعد قضاء صلاته، فبادر إلى تصحيح خطئه، وقال:«الصواب: يأثم ويُكَفّر» أي من الكفارة.
3 ـ اللّفف والعجلة: والمراد باللّفف التباطؤ في الكلام حتى كأن لسانه قد الْتفَّ، والمراد بالعجلة السرعة في الإلقاء، فكما أن الإسراع مذموم لما فيه من تفويت الفهم على السامع، فكذلك التباطؤ مذموم لما فيه من بعث الملل والضجر في قلوب السامعين، والسنة الاقتصاد في ذلك، فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ:«مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَسْرُدُ سَرْدَكُمْ هَذَا» (حسن رواه الترمذي)
(يَسْرُدُ) السَّرْدُ هُوَ الْإِتْيَانُ بِالْكَلَامِ عَلَى الْوَلَاءِ وَالِاسْتِعْجَالُ فِيهِ.
(سَرْدَكُمْ) أَيْ كَسَرْدِكُمْ، وَالمعْنَى لم يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يُتَابِعُ الْحَدِيثَ اِسْتِعْجَالًا بَعْضَهُ إِثْرَ بَعْضٍ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ عَلَى المسْتَمِعِ.
وقد تكون سرعة الإلقاء طبعًا في الخطيب وقد يكون سببها طول موضوع الخطبة، أو القراءة من كتاب.
4 ـ كثرة الحركة: وذلك كالعبث باللحية أو الخاتم أو الساعة أو النظارات أو الثوب أو العمامة، فإنها منقصة من هيبة الخطيب، ومدعاة للازدراء والاحتقار.
فينبغي للخطيب أن يستشعر حرمة المقام ويراعي لحظ المخاطبين فيلزم السمت والسكون والوقار.
5 ـ الارتعاش والرّعدة والعرق:
وهذا العيب من أشد العيوب وطأة على الخطباء، لأنه يعتري الخطيب قسرًا، ويغلبه قهرًا، فإذا اعتراه أفقده توازنه، وأوقعه في الاضطراب الشديد، وقد يصل به الأمر إلى أن يضطر إلى قطع خطبته فلا يستطيع إكمالها مهما حاول، حتى إن بعضهم لا يقوى على القيام.
وهذا العيب غالبًا ما يعتري المبتدئين الذين لم يستعدوا نفسيًا ولم يتدربوا لهذا المقام، وقد يعتري غير المبتدئين وذلك إذا علم أن من بين الحضور أناسًا يوقّرهم ويعظمهم ويُكبِرُهم.
6 ـ عدم التفاعل مع الخطبة: لا يخفى أن الخطبة قد تشتمل على فنون شتى متغايرة؛ فقد تشتمل على الترغيب والترهيب، وعلى التحذير والتبشير، وقد تشتمل على ما يقتضي الحزن أو الفرح، أو الغضب أو الخوف، والخطيب الموفق يعطي كل مقام حقه من الانفعال والتغيّر.
وسبب هذا العيب في الغالب هو خروج الكلام من اللسان دون القلب، ومتى حصل ذلك لم تُؤتِ الخطبة ثمارها.
7 ـ استغلال المنبر لأغراض شخصية:
وهذا العيب من أخسّ العيوب، ويقع فيه بعض الخطباء لقلّة دينه وضعف إيمانه، أو لضعف شخصيته، ومن صوره أن ينتقم الخطيب لنفسه، أو يدافع على نفسه، أو يدعو إلى نفسه، وهذا من أكبر العدوان على المخاطبين.
قال بعض الفضلاء: «إن شرّ السُرَّاق الخطباء الذين يستغلون المنبر لأغراضهم الشخصية؛ لأنهم يسرقون أعمار الناس، فهم شر ممن يسرق أموالهم» .
ومن مضار هذا العيب:
- الإضرار بالدعوة.
- عدم أداء الواجب الشرعي.
- المساس بقيمة الخطيب ومكانته.
- انتهاك حرمة المنبر وتعطيل مهمته.
8 ـ استغلال المنبر لأغراض حزبية أو طائفية أو عصبية:
وذلك بنشر أهداف ومبادئ حزب ما، أو فرقة ما من خلال المنبر، وهذا كله على حساب الدين والدعوة، فهو منَافٍ للغرض الذي أسس من أجله المنبر، بل هو مناف كذلك لرسالة الإمام الشرعية.
9 ـ محاكاة غيره من الخطباء في طريقة الإلقاء، وفي النبرات والسكتات، وفي الحركات والسكنات:
ومن أسباب هذا العيب ضعف شخصية الخطيب أو ولوعه بمن يحاكي ويقلد، ومن أضراره خروج الخطبة من كونها حقيقية إلى الصورية، فيصير الخطيب كأنه ممثل.
وقد عاب المتقدمون الخطابة بخطب الغير، فكيف بمن يحاكي غيره من الخطباء.
10 -
تتبع الغريب:
من العيوب التي يقع فيها بعض الخطباء تتبع الغريب من الألفاظ، فإن هذا منافٍ للمقصود من الخطبة فإن مدارَ أمرِ الخطابة على البيان والتبيين وعلى الإفهام والتفهيم فكلما كان اللسان أبْيَنَ كان أحسن، ولا يعني هذا أن يستعمل الهجين العامي، والساقط السوقي، وإنما يستعمل ما يوصل إلى المطلوب، ويختار للمعاني الجليلة الألفاظ النبيلة.
11 ـ الجفاء والغلظة والقسوة على المخاطبين:
وذلك بتوجيه الألفاظ النابية وأصناف الشتائم وألوان السباب إليهم وتنزيل نصوص الوعيد عليهم، واحتقارهم والتكبر والتعالي عليهم، وجرح مشاعرهم، من
ذلك مثلًا أن يقول: «إن أبناءكم قد بلغوا منتهى سوء التربية والخلق وإن أزواجكم قد خرجن عن حدود الأدب
…
».
وينبغي له إذا اضطر إلى مثل هذا الكلام أن يدخل نفسه في جماعتهم، وأن يشعرهم بأنه فرد من أفرادهم، فيقول: «إن أبناءنا
…
وإن نساءنا
…
».
ومن مساوئ هذه الآفة أن يمقت الناسُ الخطيبَ فلا يُصغُون إلى كلامه ولا يستفيدون من وعظه، بالإضافة إلى ما يلزم من ذلك من تزكية الخطيب لنفسه وإعجابه بها، واغتراره وكبره.
12 ـ عدم الاعتناء بالهيئة:
وهذا خلاف السنة فإذا كان من السنة لعموم الناس يوم الجمعة أن يغتسلوا وأن يتسوَّكوا وأن يتطيبّوا وأن يلبسوا من جميل الثياب، فكيف بالخطيب الذي ترمقه الأبصار وتتجه إليه الأنظار؟!
وإن الخطيب إذا ابتذل في مظهره احتقره الناس، وربما أهانوه، وصُرفوا عن الاشتغال بالإنصات إليه إلى الاشتغال بالنظر إلى هيئته.
وكما أن الابتذال في الهيئة عيب ومذموم فكذلك الاعتناء الزائد على المشروع والخارج عن العرف، والذي ينبغي للخطيب الاعتدال في ذلك وأن لا يخرج عن المعروف المألوف.
13 ـ الصوت النمطي المطرد على وتيرة واحدة:
وذلك كأن يستوي عنده الاستفهام والتعجب والإنكار والإخبار والأمر وغير ذلك، ويستوي عنده أيضًا مقام الغضب ومقام الرضا، ومقام الفرح ومقام الحزن، ومن أسباب هذا العيب عدم تفاعله مع الموضوع أو عدم استيعابه له.
ومن أضراره أنه يصعب بسببه فهم كلامه، ويبعث الملل في نفوس السامعين ويقذف فيهم النعاس، وتشرد أذهانهم لأنه ليس في طريقة الإلقاء ما يشدهم ويلفت انتباههم.
14 ـ مناقضةُ لسانِه لحالِه:
وهذا من أعظم العيوب وأخطرها، وأشدها ضررًا على الخطيب وعلى الدعوة، وما أكثر الآيات والأحاديث التي تذم الذي يقول ما لا يفعل، وتبين ما له من الوعيد يوم القيامة.
ثم إن ضررها على الدعوة محقق لأن الناس ينظرون إلى الأفعال أكثر من نظرهم إلى الأقوال. فإذا وجدوا تنافرًا بينهما كان ذلك فتنة لهم.
15 ـ النحنحة والسعلة: وهذه الآفة تكون عيبًا إذا تكرر صدورها من الخطيب؛ بحيث تقطع كلامه، وتقلل الفائدة من خطبته.
16 -
التركيز على السلبيات عند المصلين وكثرة الحديث حولها:
إن ترديد السلبيات وتكرارها يحطم جوانب الأمل لدى الفرد السامع حيث يتصور نفسه أنه كتلة من الأخطاء والعيوب والنقص، وقد تكون نظرته إلى الخطيب الذي يسمع خطبته نظرة غير مقبولة فينصرف عن سماع ما يقول ولا يحاول الاستفادة، ولقد جاءت النصوص الشرعية ناهية عن اليأس والقنوط والتيئيس والتقنيط وآمرة بالتيسير والتبشير. إن التنبيه على الأخطاء والعيوب مطلوب ولكن ليكن بطريقة لبقة لا سخرية فيها ولا استفزاز.
17 -
الاقتصار على بعض الجوانب في الإسلام حيث يكون الخطيب ذا اهتمام بشيء معين مثلا بحيث يكثر الحديث حوله دائمًا.
18 -
تجريح الناس وتفسيقهم ووصفهم بالخطأ:
إن مما لا شك فيه أن النفوس تشمئز من النَّيْل من الأشخاص المعينين، وأن الولوغ في أعراض الناس أمر قبيح لا يقرّه من عنده دين أو خلق، وكان هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا رأى من أحد شيئًا يكره يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا».
إن التلميح يغني عن التصريح وإن الإشارة تغني عن العبارة، وإن آداب الإسلام يجب أن يراعيها المسلمون لا سيما من يعلون المنابر فهم أولى بتطبيق تعاليم الشريعة.