المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌32 - كل الناس يغدوفبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها - دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ - جـ ١

[شحاتة صقر]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌مكانة يوم الجمعة في الإسلام:

- ‌مكانة خطبة الجمعة وأهميتها:

- ‌صفة خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌اشتمال الخطبة على الآيات القرآنية

- ‌اشتمال الخطبة على الأحاديث النبوية

- ‌ أثر الأحاديث الضعيفة في الابتداع في الدين:

- ‌ لا يجوز استحباب شيء لمجرد حديث ضعيف في الفضائل:

- ‌ معنى العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال:

- ‌ لا يجوز التقدير والتحديد بأحاديث الفضائل الضعيفة:

- ‌ شروط العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال عند القائلين به:

- ‌ هل هناك إجماع من العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال

- ‌اشتمال الخطبة على ضرب الأمثال

- ‌الاستشهاد بالشعر في الخطبة

- ‌الاستشهاد بالقصة في الخطبة

- ‌الاستشهاد بواقع الآخرين

- ‌فقه الخطيب

- ‌ ماذا تقرأ في صلاة الجمعة

- ‌ قطع الخطبة للتنبيه والإرشاد:

- ‌ ما الحكم فيمن دخل المسجد لصلاة الجمعة والمؤذن يؤذن الأذان الثاني

- ‌ رفع اليدين للدعاء في الخطبة:

- ‌ هل يصلي بالناس الجمعة غير الخطيب

- ‌ إذا قرأ الخطيب آية تشتمل على سجدة وهو يخطب فهل يسجد سجود التلاوة

- ‌كيف تختار موضوع الخطبة

- ‌ضوابط وقواعدلموضوعات خطبة الجمعة

- ‌وصايا للخطيب

- ‌الخطيب وجمهوره

- ‌وصايا أثناء الخطبة

- ‌همسات في أذن خطيب الجمعة

- ‌عيوب الخطبة

- ‌ عيوب في أصل الخطبة

- ‌تنبيه:

- ‌ عيوب في الخطيب

- ‌ عيوب نسبية

- ‌أدعية

- ‌موضوعات عامة

- ‌1 - الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌2 - التحذير من ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌3 - كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعناها

- ‌4 - اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم دليل محبة الله عز وجل

- ‌5 - التواضع وذم الكبر

- ‌6 - فضائل الصحابة رضي الله عنهم

- ‌7 - فضائل الصحابة رضي الله عنهم في السنة المطهرة

- ‌8 - اتق الله حيثما كنت

- ‌9 - أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا

- ‌10 - خَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ

- ‌11 - احفَظِ الله يَحْفَظْكَ

- ‌12 - إذا سَأَلْتَ فاسْألِ اللهوإذا اسْتََعَنْتَ فاستَعِنْ باللهِ

- ‌13 - شروط الدعاء وموانع الإجابة

- ‌14 - رُفِعَتِ الأقلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفُ

- ‌15 - القناعة

- ‌16 - فوائد القناعة والسبيل إليها

- ‌17 - الإصلاح بين الناس

- ‌18 - الإصلاح بتن الناس وآداب المصلح

- ‌19 - الأمانة

- ‌20 - السعادة الوهمية

- ‌21 - أسباب السعادة وصفات السعداء

- ‌22 - نحن والمزاح

- ‌23 - إنَّ الله كَتَبَ الإحسّانَ على كُلِّ شيءٍ

- ‌24 - المستقبل لهذا الدين رغم مرارة الواقع

- ‌25 - المستقبل لهذا الدين ولكن ما السبيل إليه

- ‌26 - لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ

- ‌27 - وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌28 - موتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

- ‌29 - إذا لَم تَستَحْيِ، فاصْنَعْ ما شِئْتَ

- ‌30 - عَظيمٌٍ ولَكِنّه يَسيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ الله عليه

- ‌31 - قُلْ: آمَنْتُ باللهِ، ثمَّ استقِمْ

- ‌32 - كُلُّ النَّاسِ يَغْدُوفَبائعٌ نَفْسَهُ، فمُعْتِقُها أو مُوبِقها

- ‌33 - كثرة النعم وكثرة طرق الشكر

- ‌34 - أكل الميراث بالباطل

- ‌35 - إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلَاّ طيِّبًا

- ‌36 - لا تَحَاسَدُوا

- ‌37 - كُونُوا عِبادَ اللهِ إِخْوانًا

- ‌38 - لا تَظالموا

- ‌39 - إنَّما هي أعمالُكُم أُحصيها لكم

- ‌40 - لا تَغْضَبْ

- ‌خطب مناسبات

- ‌41 - الزكاة

- ‌42 - الامتحانات، كل منا ممتحن

- ‌43 - عاشوراء وشهر الله المحرّم

- ‌45 - استقبال رمضانيا باغي الشر…أقصر

- ‌46 - رمضان شهر الجهاد

- ‌47 - خطبة عيد الفطر

- ‌48 - الحج: عبر وعظات

- ‌49 - قصة الذبح…دروس وعبر

- ‌50 - خطبة عيد الأضحى

الفصل: ‌32 - كل الناس يغدوفبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها

‌32 - كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو

فَبائعٌ نَفْسَهُ، فمُعْتِقُها أو مُوبِقها

عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلَآَنِ ـ أَوْ تَمْلَأُ ـ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» (رواه مسلم).

• الطُّهورُ شَطْرُ الإيمانِ:

قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ» المراد بالطهور ها هنا: التَّطهُّر بالماء من الأحداث. واختلف الناسُ في معنى كون الطهور بالماء شطرَ الإيمان.

فمنهم من قال: المرادُ بالإيمان هاهنا: الصلاة، كما في قوله عز وجل:{وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} (البقرة:143)، والمراد: صلاتُكم إلى بيتِ المقدس، فإذا كان المرادُ بالإيمان الصلاةَ، فالصلاةُ لا تُقبل إلا بطهور، فصار الطُّهور شطر الصلاة بهذا الاعتبار.

وأيضًا فالصلاةُ تُكفّر الذنوبَ والخطايا بشرط إسباغ الوضوء وإحسانه، فصار شطرَ الصلاة بهذا الاعتبار أيضًا، كما في «صحيح مسلم» عن عثمان، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قال:«مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَطَهَّرُ فَيُتِمُّ الطُّهُورَ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ فَيُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَاتٍ لِمَا بَيْنَهَا» .وفي روايةٍ لمسلم: «مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ» .

وأيضًا كلٌّ من الصلاة والوضوء مُوجِبٌ لفتح أبواب الجنَّة كما في (صحيح مسلم) عن عُقبة بن عامر سمع النَّبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» .

ص: 413

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فُتِّحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» . (صحيح رواه النسائي وابن ماجه).

وعن عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَابْنُ أَمَتِهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ» . (رواه البخاري ومسلم).

(وَرُوحٌ مِنْهُ: أَيْ مَخْلُوقَة مِنْ عِنْده، وَعَلَى هَذَا يَكُون إِضَافَتهَا إِلَيْهِ إِضَافَة تَشْرِيف كَنَاقَةِ اللهُ وَبَيْت الله.

فإذا كان الوضوء مع الشهادتين موجبًا لفتح أبواب الجنَّة، صار الوضوءُ نصفَ الإيمان بالله ورسوله بهذا الاعتبار.

وأيضًا فالوضوء من خِصال الإيمان الخفيَّة التي لا يُحافِظُ عليها إلَاّ مُؤمنٌ، كما في حديث ثوبان وغيره، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم:«لا يُحافِظُ عَلَى الوُضُوءِ إلا مُؤْمِنٌ» (صحيح رواه الإمام أحمد، وابن ماجه).

والغسل من الجنابة قد ورد أنَّه أداء الأمانة؛ فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «خَمْسٌ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ مَعَ إِيمَانٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ: مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى وُضُوئِهِنَّ وَرُكُوعِهِنَّ وَسُجُودِهِنَّ وَمَوَاقِيتِهِنَّ، وَصَامَ رَمَضَانَ، وَحَجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَأَعْطَى الزَّكَاةَ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ» قَالُوا: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، وَمَا أَدَاءُ الْأَمَانَةِ؟» قَالَ:«الْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ» . (حسن، رواه أبو داود).

ويحتمل أنْ يُقال: إنَّ خصالَ الإيمان من الأعمال والأقوال كُلّها تُطَهِّرُ القلبَ وتُزكيه، وأما الطهارةُ بالماء، فهي تختصُّ بتطهير الجسدِ وتنظيفه، فصارت خصالُ الإيمان قسمين: أحدُهما يُطهِّرُ الظاهر، والآخر يُطهِّرُ الباطن، فهما نصفان بهذا الاعتبار، والله أعلم بمراده ومراد رسوله في ذلك كُلِّه.

ص: 414

• الحمدُ لله تملأ الميزانَ:

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «والْحَمْدُ للهِ تَملأُ المِيزانَ، وسُبحَانَ اللهِ، والْحَمْدُ للهِ، تَملآنِ أوْ تَملأ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ» فهذا شكٌّ مِن الراوي في لفظه.

فأما الحمدُ لله، فاتفقت الأحاديثُ كلُّها على أنَّه يملأ الميزانَ، وقد قيل: إنَّه ضَرْبُ مَثَل، وأنَّ المعنى: لو كان الحمدُ جسمًا لملأ الميزان، وقيل: بل الله عز وجل يُمثِّلُ أعمالَ بني آدم وأقوالهم صُوَرًا تُرى يومَ القيامة وتوزَنُ، كما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم:«يَأتِي القُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَقْدُمُهُ الْبَقَرَةُ وآلُ عِمْرَانَ كَأنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أوْ غَيَايَتَانِ أوْ فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَّافّ» (رواه مسلم). (غمامتان أو غَيَايتانِ: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه كالسحابة وغيرها، فِرْقان أي: قطعتان).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ» (رواه البخاري ومسلم).

وأما سبحان الله، ففي رواية مسلم:«وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلَآَنِ ـ أَوْ تَمْلَأُ ـ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» ، فشكَّ الراوي في الذي يملأ ما بين السماءِ والأرض: هل هو الكلمتان أو إحداهما؟ وفي رواية النَّسائي وابنِ ماجه: «وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» (صحيح)، وهذه الروايةُ أشبه، وهل المرادُ أنَّهما معًا يملآن ما بينَ السماء والأرض، أو أنَّ كلًا منهما يملأُ ذلك؟ هذا محتمل.

• الصلاةُ نورٌ:

وقولُه صلى الله عليه وآله وسلم: «والصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ» ، هذه الأنواع الثلاثةُ من الأعمال أنوارٌ كلُّها، لكن منها ما يختصُّ بنوعٍ من أنواع النُّور:

فالصَّلاةُ نورٌ مطلق، فهي للمؤمنين في الدُّنيا نورٌ في قلوبهم وبصائرهم، تُشرِق بها قلوبُهم، وتستنير بصائرُهم ولهذا كانت قرَّة عين المتقين، كما كان النَّبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول:«جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (حسن رواه أحمد والنَّسائي).

وروى أبو داود أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يَا ِبلَالُ، أقِمِ الصَّلَاةَ، وأرِحْنَا بِهَا» . (صحيح).

ص: 415

والصلاة في الآخرة نورٌ للمؤمنين في ظلمات القيامة، وعلى الصراط، فإنَّ الأنوارَ تُقسم لهم على حسب أعمالهم.

وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَقَالَ: «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا نَجَاةٌ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ» (سنده حسن رواه الإمام أحمد).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «بَشِّرِ الَمشّائِينَ فِي الظُلَمِ إلَى الَمسَاجِدِ بِالنُورِ التَّامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (صحيح رواه أبو داود والترمذي).

• الصدقةُ برهانٌ:

وأمَّا الصدقة، فهي برهان، والبرهان: هو الشُّعاعُ الذي يلي وجهَ الشَّمس، ومنه سُمِّيَت الحُجَّةُ القاطعةُ برهانًا؛ لوضوح دلالتها على ما دلَّت عليه، فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان، وطيب النفس بها علامة على وجود حلاوة الإيمان وطعمه.

قال النَّبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم: «ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الْإِيمَانِ: مَنْ عَبَدَ اللهَ وَحْدَهُ وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ رَافِدَةً عَلَيْهِ كُلَّ عَامٍ، وَلَا يُعْطِي الْهَرِمَةَ وَلَا الدَّرِنَةَ وَلَا الْمَرِيضَةَ وَلَا الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ، وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ» . (صحيح رواه أبو داود).

(رَافِدَة عَلَيْهِ):الرَّافِدَة فَاعِلَة مِنْ الرَّفْد وَهُوَ الْإِعَانَة، أَيْ تُعِينُهُ نَفْسه عَلَى أَدَاء الزَّكَاة (وَلَا الدَّرِنَة) هِيَ الْجَرْبَاء، (وَلَا الشَّرَط) هِيَ صِغَار الْمَال وَشِرَارُهُ. (اللَّئِيمَة):الْبَخِيلَة بِاللَّبَنِ.

(وَلَكِنْ مِنْ وَسَط أَمْوَالكُمْ):فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُخْرِجَ الزَّكَاة مِنْ أَوْسَاط الْمَال لَا مِنْ شِرَارِهِ وَلَا مِنْ خِيَارِهِ.

ص: 416

فالمالَ تحبُّه النُّفوسُ، وتبخَلُ به، فإذا سمحت بإخراجه لله عز وجل دلَّ ذلك على صحَّة إيمانها بالله ووعده ووعيده، ولهذا منعت العربُ الزكاة بعدَ النَّبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم،

وقاتلهم الصدِّيقُ رضي الله عنه على منعها.

• الصبرُ ضياءٌ:

والضياءُ: هو النُّورُ الذي يحصلُ فيه نوعُ حرارةٍ وإحراقٍ كضياء الشمس بخلاف القمر، فإنَّه نورٌ محضٌ، فيه إشراقٌ بغير إحراقٍ، قال الله عز وجل:{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} (يونس:5) ومِن هُنا وصف الله شريعةَ موسى بأنَّها ضياءٌ، كما قال:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} (الأنبياء:48) وإنْ كان قد ذكر أنَّ في التوراة نورًا كما قال: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ} (المائدة:44)، ولكن الغالب على شريعتهم الضياءُ لما فيها مِنَ الآصار والأغلال والأثقال.

ووصف شريعةَ محمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّها نورٌ لما فيها من الحَنيفيَّةِ السمحة، قال تعالى:{قَدْ جَاءكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} (المائدة:15) وقال: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الأعراف:157).

ولما كان الصبر شاقًّا على النفوس، يحتاجُ إلى مجاهدةِ النفس وحبسِها، وكفِّها عمَّا تهواهُ، كان ضياءً، فإنَّ معنى الصَّبر في اللغة: الحبسُ، ومنه قَتْلُ الصبر: وهو أنْ يُحبَسَ الرَّجلُ حتى يقتل.

والصبر المحمود أنواع: منه صبرٌ على طاعةِ الله عز وجل، ومنه صبرٌ عن معاصي الله عز وجل، ومنه صبرٌ على أقدار الله عز وجل.

ص: 417

إذا اشتمَلَتْ على اليأسِ القلوبُ وضاقَ بما به الصدرُ الرحيبُ

وأوطنَت المكارهُ واطمأنَّتْ وأرْسَتْ في أماكنِها الخطوبُ

ولم تَرَ لانكشافِ الضرِّ نَفْعًا وما أجْدَى بحيلتِه الأريبُ

أتاك على قنوطِ منكَ غَوثٌ يَمُنُّ به اللطيفُ المستجيبُ

وكلّ الحادثاتِ وإنْ تَنَاهَتْ فمَوْصولٌ بها فَرَجٌ قَرِيبُ

والصبرُ على الطاعات وعنِ المحرَّماتِ أفضلُ من الصَّبرِ على الأقدار المؤلمة، صرّح بذلك السَّلفُ، منهم: سعيدُ بنُ جبير، وميمون بن مهران.

ومن أفضل أنواع الصبر: الصيامُ، فإنَّه يجمعُ الصبرَ على الأنواعِ الثَّلاثةِ؛ لأنَّه صبرٌ على طاعةِ الله ?، وصبرٌ عن معاصي الله؛ لأنَّ العبدَ يتركُ شهواتِه لله ? ونفسه قد تنازعه إليها، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عز وجل: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي» (رواه البخاري ومسلم).وفيه أيضًا صبرٌ على الأقدار المؤلمة بما قد يحصُلُ للصَّائم من الجوع والعطشِ.

إني رأيتُ ـ وفي الأيامِ تجربةٌ ـ للصبرِ عاقبةً محمودةَ الأثرِ

وقَلّ مَن جَدَّ في أمرٍ يحاولهُ واستصحبَ الصبرَ إلا فازَ بالظفَرِ

• القرآنُ حجةٌ لك أو عليك:

قال الله عز وجل: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَاّ خَسَارًا} (الإسراء:82).

قال بعضُ السَّلف: ما جالسَ أحدٌ القرآنَ فقام عنه سالمًا؛ بل إمَّا أنْ يربح أو أنْ يخسرَ، ثمَّ تلا هذه الآية.

وقال ابنُ مسعود: «القرآنُ شافع مُشفَّع وماحِلٌ مصدَّق، فمن جعله أمامَه، قادَه إلى الجنَّةِ، ومن جعله خَلْفَ ظهره، قاده إلى النار» .

ص: 418

وعنه قال: «يجيءُ القرآنُ يومَ القيامة، فيشفع لِصاحبه، فيكون قائدًا إلى الجنَّة، أو يشهد عليه، فيكون سائقًا إلى النار» .

وقال أبو موسى الأشعري: «إنَّ هذا القرآن كائنٌ لكم أجرًا، وكائنٌ عليكم

وِزرًا، فاتَّبِعوا القرآن، ولا يتَّبعكُم القرآن، فإنَّه مَنِ اتَّبعَ القرآنَ هبط به على رياضِ الجنَّةِ، ومن اتَّبعه القرآنُ، زخَّ في قفاه، فقذفه في النار».

سمعتُكَ يا قرآنُ والليلُ واجمُ سرَيْتَ تهُزّ الكونَ سبحانَ مَن أسرَى

فتحْنا بك الدنيا فأشرقَ نورُها وسِرْنا على الأفلاكِ نملؤُها أجْرَا

• كلُّ النَّاس يغدو:

قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا»

روى الإمامُ أحمد عن النَّبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «النَّاسُ غَادِيَانِ، فَمُبْتَاعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا، وَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُوبِقُهَا» (سنده صحيح).

وقال الله عز وجل: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (الشمس:7 - 10)، والمعنى: قد أفلح من زكى نفسَه بطاعة الله، وخابَ من دسَّاها بالمعاصي، فالطاعةُ تُزكي النفس وتُطهرها، فترتفع، والمعاصي تُدسِّي النفس، وتقمعها، فتنخفض، وتصيرُ كالذي يُدسُّ في التراب.

ودلَّ الحديثُ على أن كلَّ إنسان فهو ساعٍ في هلاك نفسه، أو في فِكاكِها، فمن سعى في طاعة الله، فقد باع نفسَه للهِ، وأعتقها من عذابه، ومن سعى في معصيةِ الله، فقد باعَ نفسَه بالهوان، وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه، قال الله عز وجل:{إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة:111)، وقال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} (البقرة:207)، وقال

ص: 419

تعالى: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} (الزمر:15).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ اللهِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ اللهِ، يَا أُمَّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ـ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ ـ يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ اشْتَرِيَا أَنْفُسَكُمَا مِنْ اللهِ، لَا أَمْلِكُ لَكُمَا مِنْ اللهِ شَيْئًا، سَلَانِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمَا» (رواه البخاري ومسلم).

وقد اشترى جماعةٌ من السَّلف أنفسَهم من الله عز وجل بأموالهم، فمنهم مَنْ تصدَّق بوزنه فضة ثلاثَ مرَّاتٍ أو أربعًا، كخالد الطحَّان.

ومنهم من كان يجتهد في الأعمال الصالحة ويقول: إنَّما أنا أسيرٌ أسعى في فكاك رقبتي، منهم عمرو بنُ عُتبة.

قال الحسن: المؤمن في الدنيا كالأسير، يسعى في فكاك رقبته، لا يأمنُ شيئًا حتّى يلقى الله عز وجل وقال: ابنَ آدم، إنَّك تغدو أو تروحُ في طلب الأرباح، فليكن همُّك نفسك، فإنَّك لن تربح مثلها أبدًا.

قال أبو بكر بن عيّاش: قال لي رجل مرَّة وأنا شابٌّ: «خلِّص رقبتَك ما استطعتَ في الدنيا من رقِّ الآخرة، فإنَّ أسيرَ الآخرةِ غيرُ مفكوكٍ أبدًا» ، قال: فوالله ما نسيتُها بعدُ.

وكان بعضُ السَّلف يبكي، ويقول:«ليس لي نفسان، إنَّما لي نفسٌ واحدةٌ، إذا ذهبت لم أجد أخرى» .

وقال محمد بن الحنفية: «إنَّ الله عز وجل جعل الجنَّة ثمنًا لأنفسكم، فلا تبيعُوها بغيرها» .وقال: «من كرمت نفسه عليه لم يكن للدنيا عنده قدر» .

وقيل له: من أعظمُ الناس قدرًا؟ قالَ: «من لم يرَ الدُّنيا كُلَّها لنفسه خطرًا» .

أثامِنُ بالنفْسِ النفيسةِ ربََّها

ولَيسَ لها في الخلقِ كُلِّهمُ ثَمَنْ

بها تُملَك الأخرَى فإنْ أنا بِعتُهَا

بشيءٍ مِن الدُّنيا، فذَاكَ هُوَ الغَبَنْ

لَئِنْ ذَهَبَتْ نفسي بدُنيا أُصيبُها

لقَدْ ذَهَبَتْ نفسي وقد ذَهَبَ الثَّمنْ

ص: 420