الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
20 - السعادة الوهمية
(1)
• هل السعادة وهم أم حقيقة؟
إن كل إنسان على وجه البسيطة يسعى إلى السعادة. قد يختلف الناس في مذاهبهم، يختلفون في أعراقهم، يختلفون في مشاربهم، بل قد يختلفون في مبادئهم، وغاياتهم، ومقاصدهم، إلا غاية واحدة ربما اتفقوا عليها، من أولهم إلى آخرهم، إنها: طلب السعادة.
المؤمن والكافر، البر والفاجر، كل واحد منهم يريد السعادة لو سألته: لِمَ تعمل هذا؟ ولأي شيء تفعل ذاك؟ لقال: أريد السعادة!! سواء أقالها بحروفها أم بمعناها، بمدلولها أم بحقيقتها.
وإن كثيرًا من الناس يخطئ طريق السعادة، كل الناس يريدون السعادة، ولكن كثيرا منهم يخطئ هذا الطريق، بل إن القلة القليلة هي التي تسلك سبيل السعادة الحقيقية.
• تعريف السعادة:
السعادة هي ذلك الشعور المستمر بالغبطة، والطمأنينة، والأرْيَحِيَّة، والبهجة، وهذا الشعور السعيد يأتي نتيجة للإحساس الدائم بخيرية الذات، وخيرية الحياة، وخيرية المصير.
إن هناك سعادة وهمية، وسعادة حقيقية.
• أوهام السعادة: السعادة في المال:
هل السعادة في تكديس المال؟ وفي جمع الثروات، وبناء العقارات والقصور؟ هل هذه هي السعادة؟ كثير من الناس يتوهم ذلك، فهذا سعيد لأنه يملك الأرصدة في البنوك.
(1) هذه الخطبة والتي بعدها مقتبسة بتصرف من رسالة (السعادة بين الوهم والحقيقة) للدكتور ناصر العمر.
وفلان سعيد لأنه يملك كذا من الأراضي، وكذا من العمارات. فلان سعيد لأنه يملك كذا وكذا.
كثير من الناس يطلق هذا الوهم بلسانه، وكثير منهم يعتقده بقلبه، فيتصرف من هذا المنطلق الخاطئ. أقول: ليست السعادة في جمع المال، على حد قول الشاعر:
ولَسْتُ أرَى السَّعَادةَ جَمْعَ مَالٍ
…
ولَكِنَّ التَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ
وتقوَى اللهِ خَيْرُ الزَّادِ ذُخْرًا
…
وعِنْدَ اللهِ للأتْقَى مَزِيدُ
أخي المسلم: أقف معك حول هذه القضية - أعني قضية أن السعادة في المال - لأنها من أهم القضايا في أوهام السعادة.
وجملة القول: «ليس كل صاحب مالٍ سعيدًا» .
فكثير من أرباب المال وأصحاب الثروات يعيشون في شقاء وتعاسة دائمة في حياتهم الدنيا قبل الآخرة لماذا؟ لأنهم يتعبون في:1 - جمع المال.2 - حفظه واستثماره. 3 - القلق والخوف من فوات هذا المال وزواله.
كم من إنسان يملك المليارات ولكنه خائف! قلق! لماذا كل هذا الخوف!؟ ولم كل هذا القلق!؟ إنه يخاف على هذا المال، يخاف أن تأتي هزة سياسية، أو يأتي لصوص فيسرقون هذا المال؛ فهو يعيش في شقاء، خوف، قلق، هم، غم، بل إنه لا ينام الليل، وهذا أمر مجرب، مشاهَد، ترونه بأعينكم، بل قد يكون المال سبب هلاكه ومماته!!
كم من غني خطف أو قتل بسبب تجارته، بل كم من غني حُرم من لذاته بسبب أمواله، تجده لا يمشي طليقا، لا يمشي حرًا، لا يسافر كما يريد، لا ينام كما يريد، كل هذا بسبب أمواله!! ثم كم من إنسان صاحب مال زال ماله، وزالت ثرواته بسبب أو بآخر فعاش بقية حياته في تعاسة وشقاء. وإليكم هذه النماذج الناطقة:
1 -
قصة قارون:
تلك القصة التي أوردها القرآن الكريم عن قارون، حيث قال سبحانه وتعالى:{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} (القصص: من الآية79) في قمة سعادته، حتى إن قائلهم يقول: {إِنَّهُ لَذُو
حَظٍّ عَظِيمٍ} (القصص: من الآية79).خرج في زينته فهو ذو حظ عظيم، كل هذا من أوهام السعادة، والنتيجة لكفره بأنعم الله كما يقول الله سبحانه وتعالى:{فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ} (القصص:81).أي سعادة هذه وأي نهاية!؟
2 -
قصة كرستينا أوناسيس: تلك القصة العجيبة، التي تؤكد أن المال مهما زاد وكثر، لا يمكن أن يكون - وحده - سببا للسعادة.
«كرستينا أوناسيس» تلك الفتاة اليونانية، ابنة المليونير المالي المشهور «أوناسيس» ذلك الذي يملك المليارات، يملك الجزر، يملك الأساطيل.
هذه الفتاة مات أبوها، وقبل ذلك ماتت أمها، وبينهما مات أخوها، وبقيت هي الوريثة الوحيدة - مع زوجة أبيها - لهذه الثروات الطائلة.
أتدري كم ورثت؟ لقد ورثت من أبيها ما يزيد على خمسة آلاف مليون ريال!!! فتاة تملك أسطولًا بحريًا ضخمًا!! تملك جزرًا كاملة!!! تملك شركات طيران!!
أخي الكريم: امرأة تملك أكثر من خمسة آلاف مليون ريال، بقصورها وسفنها، وطائراتها، أليست ـ في مقاييس كثير من الناس ـ أسعد امرأة في العالم؟؟
السؤال هو: هل هذه المرأة سعيدة؟
أما أمها: فقد ماتت بعد حياة مأساوية، كان آخر فصولها الطلاق.
وأما أخوها: فقد هلك بعدما سقطت به طائرته، التي كان يلعب بها.
وأما أبوها: فقد اختلف مع زوجته الجديدة التي هي «جاكلين كندي» زوجة الرئيس الأمريكي السابق «كندي» ، تلك الزوجة التي تزوجها بملايين الدولارات، يبحث عن الشهرة فقط، ليقال: إنه تزوج بزوجة الرئيس الأمريكي «جون كندي» .
ومع ذلك فقد عاش معها في شقاء دائم.
تصور أن من بنود عقد الزواج: ألا تنام معه في فراش، وألا يسيطر عليها، وأن ينفق عليها الملايين ـ حسب رغبتها ـ ومع ذلك فقد اختلفت معه، وعندما مات، اختلفت مع ابنته.
وخلاصة القول: أن هذه الفتاة كانت قد تزوجت في حياة أبيها - برجل أمريكي، وعاش معها شهورا، ثم طلقها ـ أو طلقته ـ.
وبعد وفاة أبيها تزوجت برجل آخر يوناني، وعاش معها شهورا ثم طلقها ـ أو طلقته ـ ثم انتظرت طويلا تبحث عن السعادة. أتعلمون من تزوجت؟
للمرة الثالثة، «أغنى أمرأة في العالم على الإطلاق» ، أتعلمون من تزوجت؟ لقد تزوجت شيوعيًا روسيًا، يا للعجب!! قمة الرأسمالية تلتقي مع قمة الشيوعية!!!
وعندما سألها الناس، والصحفيون ـ بشكل خاص ـ عندما سألوها: أنت تمثلين الرأسمالية فكيف تتزوجين بشيوعي؟ عندها قالت: أبحث عن السعادة!!! نعم، لقد قالت: أبحث عن السعادة.
وبعد الزواج ذهبت معه إلى روسيا، وبما أن النظام هناك لا يسمح بامتلاك أكثر من غرفتين، ولا يسمح بخادمة، فقد جلست تخدم في بيتها ـ بل في غرفتيها ـ فجاءها الصحفيون ـ وهم يتابعونها في كل مكان ـ فسألوها: كيف يكون هذا؟
قالت: أبحث عن السعادة. وعاشت معه سنة، ثم طلقها ـ بل طلقته ـ.
ثم بعد ذلك أقيمت حفلة في فرنسا، وسألها الصحفيون: هل أنت أغنى امرأة؟ قالت: نعم. أنا أغنى امرأة ولكني أشقى امرأة!!!
وآخر فصل من فصول المسرحية الحقيقية، تزوجت برجل فرنسي.
لاحظوا أنها تزوجت من أربع دول وليس من دولة واحدة لعلها تجرب حظها.
أقول: تزوجت بغَنِي فرنسي (أحد رجال الصناعة) وبعد فترة يسيرة أنجبت بنتًا، ثم طلقها ـ بل طلقته ـ.
ثم عاشت بقية حياتها في تعاسة، وهَمّ، وبعد فترة وجدوها ميتة في شالية في الأرجنتين، لا يعلمون هل ماتت مِيتة طبيعية، أم أنها قُتِلت، حتى إن الطبيب الأرجنتيني قد أمر بتشريح جثتها، ثم دفنت في جزيرة أبيها!!
انظر إلى هذه المرأة هل أغنى عنها مالها؟
إذن، المال وحده لا يكفي، المال وحده لا يجلب السعادة، ولا يوفرها، فمن أكبر أوهام السعادة قضية الثراء والتجارة.
قالوا: السعادةُ في الغِنَى
…
فأخو الثَّرَاءِ هوَ السعيدْ
الأصفرُ الرنَّانُ في كَفَّيْه يَلْوِي كلّ جِيدْ
يرمِي به شرَكًا يصيدُ
…
مِن الرغائبِ ما يصيدْ
وبه يَدِينُ له العَصِيّ
…
وقد يلِينُ له الحديدْ
فإذا أرادَ
…
فكلّ مَا في هذه الدنيا يُريدْ
وإذا تمنَّى الشيءَ جَاءَ كما تمنَّى
…
أو يزيدْ
قلت: الغِنَى في النَّفْسِ وهْوَ
…
واللهِ العيشُ الرغيدْ
كَمْ عائِلٍ راضٍ، وكَمْ
…
مُثْرٍ على بُؤْسٍ قَعِيدْ
فيذوبُ في أطماعِهِ
…
هي نارُه وهو الوقودْ
فهو الشقِيُّ بوَهْمِهِ
…
وبحرصِه العاني الكدُودْ
وهو الفقيرُ وإنْ بَدا في
…
مَالِ قارونَ العديدْ
يَعْدُو هُنا وهناك في
…
شُغْلٍ، كطَوَّافِ البريدْ
يبغي المئاتِ، فإن وفَتْ يَبْغِ الألوفَ من النقودْ
جَشِع به كجهنم
…
يشكو: ألا هل مِن مزيدْ؟
أفَبَعْدَ ذاك تَظُنُّ أنّ
…
أخَا الثراءِ هو السعيدْ؟
•
هل السعادة في الشهرة، كالرياضة والفن؟
لا؛ لأن الشهرة شقاء لا سعادة، ولأن الشهرة لا حقيقة لها إن لم ترتبط بتقوى الله سبحانه وتعالى والذي يتقي الله سبحانه وتعالى لا يريد الشهرة؛ لأن الشهرة إذا ارتبطت بغير سبب أصيل فإنها تزول سريعًا، وإذا زالت عن صاحبها عاش في شقاء، وتعاسة.
قد يتوهم كثير من الناس أن السعادة موجودة عند صنفين من الناس هم أهل الرياضة وأهل الفن، ولكن:
1 -
أهل الرياضة: معظمهم يعيش الشقاء في أيامه ولياليه.
فمن معسكر إلى معسكر ومن سفر إلى سفر فلا يكاد يستقر مع أهله إلا قليلا. ويضطر أغلبهم إلى التفريط بمستقبلهم الدراسي وعدم مواصلته بسبب الانشغال الكامل بالرياضة.
أضف إلى ذلك: اضطرابهم عند كل مباراة. وكآبتهم عند كل هزيمة. ثم إن الإصابات تتقاذفهم من كل جانب. كما أن الخوف من رأي الجماهير ونظرتها عند أي هبوط في المستوى يجعلهم يعيشون شقاءً متواصلًا. ثم ماذا بعد ذلك؟ إن الناس سرعان ما ينسونهم بعد الاعتزال فيزدادون ألمًا وحزنًا.
إذن فليست السعادة عند أهل الرياضة وإن ظن الكثيرون أنها عندهم.
2 -
أهل الفن: أهل الغناء والطرب، والتمثيل. إن حياتهم أسوأ حياة يعيشها البشر! فشل أسري، مخدرات، انحلال، انعدام حياء، موت فضيلة. وليس هذا الكلام افتراءٌ عليهم، بل هو من مذكراتهم التي تعج بها الصحف صباحَ مساء.
«أنور وجدي» زوج الممثلة ليلى مراد، هذه الزوجة التي قالت عنه في مذكراتها:«إن زوجي كان ممثلًا بسيطًا، فقال: أتمنى أن أملك مليون جنيه حتى ولو أصِبْتُ بمرض، فقلت له: ما ينفعك المال إذا جاءك المرض؟ فقال: أنفِقُ جزءًا من المال في علاج المرض، وأعيش في بقيته سعيدًا» ، فملك أكثر من مليون جنيه، وابتلاه الله بسرطان الكبد،
فأنفق المليون جنيه وزيادة، ولم يجد السعادة حتى إنه كان لا يأكل إلا شيئًا يسيرًا من الطعام، فهو ممنوع من أكل كثير من الأطعمة، وأخيرًا، مات بهذا المرض حسيرًا نادمًا.
• هل السعادة في نيل أعلى الشهادات، في أن يصبح الإنسان دكتورًا!!.
الإجابة - بكل ثقة - لا.
طبيبة تصرخ، تقول: خذوا شهاداتي وأعطوني زوجًا!!! انظروا كيف تقول هذه الطبيبة، وربما كانت في نظر كثير من الناس «سعيدة جدًا» .
لأن الطب ـ في نظر كثير من الناس ـ أعلى العلوم، وشهاداته أفضل الشهادات، وهذه نظرة خاطئة، إنما هذه نظرة الكثير من الناس، أن الإنسان إذا كان «دكتورًا» ، وفي الطب، فإنه يعيش في قمة السعادة.
تقول تلك الطبيبة: خذوا شهاداتي ومعاطفي، وكل مراجعي، وجالب السعادة الزائفة (تعني المال)، وأسمعوني كلمة «ماما».ثم تقول هذه الأبيات:
لقد كنْتُ أرجُو أنْ يُقالَ طبيبةٌ
…
فقد قِيل فما نالني مِن مقالِها
فَقُل للتي كانتْ ترَى في قدوةً
…
هي اليومَ بينَ الناسِ يُرثَى لحالِها
وكلّ مُناها بعضُ طِفْلٍ تَضُمُّهُ
…
فهل ممكنٌ أنْ تشتريه بمالِها
• هل أصحاب السعادة هم أصحاب المناصب العالية المرموقة من قادة ووزراء وغيرهم؟
لا. أتدرون لماذا؟ لأن المسئولية هَمٌّ في الدنيا، وإن لم يقُمْ صاحبها بحقها فهي حسرة وندامة يوم القيامة. صاحب المنصب والسلطان لا يفارقه الهمّ خوفًا من زواله، تجده يشقى للمحافظة عليه، وإذا زال منصبه ـ ولابد أن يزول ـ عاش بقية عمره تعيسًا. والمنصب قد يكون سببًا في هلاك صاحبه، ولذلك يعيش في خوف وقلق دائمين. وكفانا على ذلك قصة: فرعون وهامان صاحبا المناصب العالية المرموقة اللذان خلد القرآن قصتيهما.
أما في العصر الحاضر، فشاه إيران مثال واضح:
الرجل الذي أقام حفلًا ليعيد فيه ذكرى مرور ألفين وخمسمائة سنة على قيام الدولة الفارسية، وأراد أن يبسط نفوذه على الخليج، ثم على العالم العربي بعد ذلك،
ليلتقي مع اليهود. ذلك الرجل الذي كان يتغنى ويتقلب كالطاووس، كيف كانت نهايته.
لقد تشرد!! طُرد!! لم يجد بلدًا يأويه، حتى أمريكا التي كان أذل عميل لها.
وظل على هذه الحال حتى مات شريدًا طريدًا في مصر، بعد أن أنهكه الهم، وفتك به السرطان. أما أولاده وأهله وحاشيته فقد أصبحوا أشتاتا متفرقين في عدة قارات!!!
قالوا: السعادةُ في النفوذِ وسلطةِ الجاهِ العتيدْ
مَن كالأميرِ وكالوزيرِ وكالمديرِ وكالعميدْ؟
يرنُو إلى مَن دونَهُ فيُسَابقون لما يريدْ
وإذا رأى رأيًا فذلك ـ وحدَه ـ الرأيُ الرشيد
كلٌ يُسَارعُ في هواهُ وعن رضاه لا يحِيدْ
قلت: اطرحوا هذي المظاهرَ واسمعوا بيتَ القَصيدْ
فأخو النفوذِ بجاهِهِ يَشْقَى وإنْ سحبَ البُرودْ
ما عاش يحرصُ أنْ يدومَ له النفُوذُ ويستزيدْ
متمَلّقًا مَن فوقَه
…
طمَعَ المثوبةِ والمزيدْ
ومخافةَ أن يَسقطَ
…
الكرسيُّ يومًا أو يميدْ
مُتَرضِّيًا مَنْ دُونَه
…
بعطائِه أو بالوعودْ
يبغِي رضا كلّ الورى
…
ورِضَاهُمُو شيءٌ بعيدْ
فتراه يبْسُم للبغيض
…
كأنه الحِبُّ الودودْ
وتراهُ يمْتَدحُ الغبيَّ
…
كأنه الفَطِنُ الرشيدْ
فاعجَبْ لأزياءِ الملوكِ
…
وتحتها نَفْسُ العبيدْ
لا يخدَعَنَّك ثُلّة
…
حاطوا به مثلَ الجنودْ
أبصِرْهُمُو ـ إن شئتَ ـ حينَ
…
يجيءُ بالعزلِ البريدْ
تجد النفوذَ هوى كما
…
تهوي وتنفرطُ العقودْ
ذهب البطانةُ واختفى
…
الزوارُ، وانفضَّ الحشودْ
وافَوْهُ يومَ نفاقِهِ
…
وجَفَوْه أيامَ الرُّكودْ
وإذا رأوْه دعَوْا: ألا بعدًا
…
كما بعِدَتْ ثمودْ
أفبعدَ ذاكَ تَظُنُّ أنّ
…
أخَا النفوذِ هو السعيدْ؟
إذن هذه هي السعادة الوهمية التي يتصور الناس أنها حقيقة السعادة.
كثير من الناس يبدو لأول وهلة أنهم سعداء، وهم في الواقع يتجرعون غصص الشقاء والبؤس والحسرة.
ومن أوضح الأمثلة على السعادة الوهمية، ما تعيشه أوربا، وبخاصة الدول الإسكندنافية، فهي أغنى الدول، سواء على مستوى الدولة، أو على مستوى دخل الفرد، ومع ذلك فهي تمثل أعلى نسب الانتحار.
فدولة السويد مثلا هي أغنى دولة من حيث دخل الفرد، ولكنها أعلى دولة في نسب الانتحار!!
بينما نجد الدول الإسلامية - مع أن أكثرها فقيرة - تسجل أقل نسبة من نسب الانتحار في العالم.
وهكذا نرى من خلال الواقع أن السعادة الحقيقية ليست في المال ولا في الشهرة، ولا في الشهادات، ولا في المناصب، ولا ما أشبه ذلك من حطام الدنيا.
• موانع السعادة: لا ريب أن هناك موانع كثيرة للسعادة تحول دون الوصول إليها، والتنعم بالعيش فيها. وأهمها:
1 -
الكفر: يقول الله سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} (الأنعام: من الآية125).
هكذا يصور القرآن التعاسة والشقاء تصويرا دقيقا.
2 -
عمل المعاصي والآثام والجرائم: إن المعاصيَ التي يقترفها الناس آناء الليل وأطراف النهار لها آثار مدمرة على الفرد والمجتمع والحياة كلها، وذلك أنّ قوام الحياة
وصلاحها إنما هو في الطاعة والاستقامة على أمر الله والتقيد بشرعه الحنيف، وكلّ انحراف عن أمره، وكل اتباع لنزغات الشيطان وكل تفلُّت من دينه إنما هو ركض وراء السراب، وضرب في تيه الشقاء، ولا بد أن يلمس الإنسان آثارها النكرة في نفسه وحياته ثم في أخراه يوم لقاء ربه.
3 -
الحسد والغيرة: وأمر الحسد خطير، حتى إن الله -تعالى- يأمرنا بالاستعاذة من شر الحاسد، قال سبحانه وتعالى:{وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} (الفلق:5).
وقال الله سبحانه وتعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ} (النساء: من الآية54).قال ذلك عن الكفار.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موجها أمته: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا» (متفق عليه)
4 -
الحقد والغل: قال سبحانه وتعالى في سورة الحشر: {وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا} (الحشر: من الآية10).
يصف الله سبحانه وتعالى المؤمنين في هذه الآية بأنهم يقولون هذا الدعاء، لأن الغل من موانع السعادة.
ويقول سبحانه وتعالى واصفًا المؤمنين في حياتهم الأبدية، في جنة الخلد:{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} (الأعراف: من الآية43).
إن الحاقد يظل طوال وقته لا يفكر إلا في النَّيْل من الذي يحقد عليه، فقد يكذب عليه، وقد يضر به، ولا يهاب في سبيل ذلك ما يفعل.
5 -
الغضب:
فلا شك أن الغضب من حواجب السعادة والانشراح، ولذلك امتدح الله المؤمنين قائلا عنهم:{وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} (الشورى: 37).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ؛ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (متفق عليه).
(بِالصُّرَعَةِ) بِضَمِّ الصَّاد وَفَتْح الرَّاء: الَّذِي يَصْرَع النَّاس كَثِيرًا بِقُوَّتِهِ، وَالْهَاء لِلْمُبَالَغَةِ فِي الصِّفَة، وَالصُّرْعَة بِسُكُونِ الرَّاء بِالْعَكْسِ وَهُوَ مَنْ يَصْرَعهُ غَيْره كَثِيرًا.
6 -
الظلم:
فإن الظلم مرتعه وخيم. وعاقبته سيئة إلى أبعد الحدود.
فلنقف على مثالين معاصرين يصوران عقبى الظلم ومآل الظلمة، هما (حمزة البسيوني، وصلاح نصر)، فقد كانا من جنود زعيمهما (جمال عبد الناصر) صبَّا على الدعاة إلى الله من الظلم والعذاب ما تقشعر له الأبدان.
ولكن: كيف كانت حياتهم؟ شر حياة والله.
أما حمزة البسيوني فقد بلغ به التجبر والطغيان إلى حد أنه كان يقول للمؤمنين ـ وهو يعذبهم حينما يستغيثون بالله ـ يقول: أين إلهكم لأضعه في الحديد!
وأما صلاح نصر فقد كان يعقد على زوجات الناس عقودًا وهمية، وهن في عصمة رجال آخرين، ويتزوجهن!!! لكن كيف كانت نهاية أولئك الطغاة؟
حمزة البسيوني اصطدمت سيارته، وهو خارج من القاهرة إلى الإسكندرية، بشاحنة تحمل حديدًا، فدخل الحديد في جسمه، من أعلى رأسه إلى أحشائه، وعجز المنقذون أن يخرجوه إلا قطعًا.
هكذا أهلكه الله بالحديد، وهو الذي كان يقول إنه سيضع الله في الحديد، تعالى الله عما يقول الظالمون.
وأما صلاح نصر فقد أصيب بأكثر من عشرة أمراض مؤلمة، مزمنة، عاش عدة سنوات من عمره في تعاسة، ولم يجد له الطب علاجًا، حتى مات سجينًا، مزجوجًا به في زنزانات زعمائه الذين كان يخدمهم.
7 -
الخوف من غير الله عز وجل:
إن الخوف من غير الباري سبحانه وتعالى يورث الشقاء والذلة، قال سبحانه وتعالى:{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (آل عمران:175).
وقال إبراهيم عليه السلام لقومه: {وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} (الأنعام: من الآية80).
8 -
التشاؤم:
كم كان التشاؤم سببًا في التعاسة والمتاعب. ولهذا كان المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم يعجبه الفأل، ويكره التشاؤم. (رواه البخاري ومسلم).
فالمتشائم يتحمل بفعل اتجاهه التشاؤمي متاعب عدة، هي أشد وقعًا على أعصابه من الكوارث والملمات التي قد تقع به.
9 -
سوء الظن:
فالله سبحانه وتعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} (الحجرات: من الآية12).
ويقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «إيَّاكُمْ والظَّنَّ، فَإِنَّ الظّنَّ أكْذَبُ الْحَدِيثَ» (متفق عليه).
10 -
الكبر: المتكبر يعيش في شقاء دائم، وتعاسة أبدية، وإن تغطرس، وتعالى على الناس، وغمطهم حقوقهم.
11 -
تعلق القلب بغير الله: كتعلق قلب العاشق بمعشوقته.
ويكفي لتصوير خطورة الأمر أن نقرأ قصة مجنون ليلى، لنعلم كيف عاش هذا الرجل شريدًا طريدًا، حتى جُنَّ، ومات وهو عاشق. وكم من عاشق مات في عشقه، وقدم على الله وقلبه معلق بغيره. فيالها من خسارة دنيوية وأخروية.
12 -
المخدرات:
إن كثيرًا من الناس يتوهم أن السعادة تجتلب بمعاقرة المخدرات والمسكرات، فيقبلون عليها، قاصدين الهروب من هموم الدنيا ومشاغلها وأتراحها، وإذا بهم يجدون أنفسهم كالمتجير من الرمضاء بالنار.
إن المخدرات في الحقيقة تجلب الشقاء، واليأس، والانحلال، والدمار: دمار الفرد والمجتمع والأمة، وإن لنا في الواقع الحاضر لخير شاهد على ذلك فليعتبر أولو الألباب.