الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5 - التواضع وذم الكبر
• الكبرياء صفة لا تنبغي إلا لله عز وجل:
من نبذ خلق التواضع وتعالى وتكَبَّر إنما هو في الحقيقة معتد على مقام الألوهية؛ لأن الكبرياء والعظمة لله وحده، ولا يجوز للعبد أن يتصف بهما أو بأحدهما.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «قَالَ اللهُ عز وجل: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» (صحيح رواه أبو داود).
فليسَ بغريب إذًا أن نجد التواضع من صفات الصالحين. ومن أخص خصال المؤمنين المتقين ومن كريم سجايا العاملين. قال الله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَـ?فِرِينَ} (المائدة:54).
وقال الله لنبيه والخطاب عام له ولأمته: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (الشعراء 215) وقال تعالى: {وَلَا تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِى الأرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (لقمان:18).وَلَا تُصَعّرْ خَدَّكَ: أي ولا تُعرض بوجهك عمن تكلمه تكبرًا. مَرَحًا: أي مختالًا تمشي خيلاء. مُخْتَالٍ فَخُورٍ: أي متبختر فخور كثير الفخر مما أعطاه الله ولا يشكر.
وقال عز وجل: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى? كُلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ} (غافر:35).
«كَذَلِكَ» أي: كما طبع على قلوب آل فرعون «يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ» متكبر في نفسه على الحق برده، وعلى الخلق باحتقارهم، جبار بكثرة ظلمه وعدوانه.
واعلم أخي المسلم: أن الكبر من أخلاق الكفار الفراعنة، والتواضع من أخلاق الأنبياء والصالحين لأن الله تعالى وصف الكفار بالكبر فقال:{إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَـ?هَ إِلَاّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ} (الصافات:35).وقال: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} (النحل:23).
•
صور من تواضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
يا من تحبون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يا من تعتقدون أن لا سعادة ولا عزة ولا طريق إلى الجنة إلا باتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلا بأن تكون محبته مقدمة على كل محبوب من البشر. {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاْخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب:21).
إنه صلى الله عليه وآله وسلم سيد ولد آدم، ليس فوقه أحد من البشر ـ حاشاه صلى الله عليه وآله وسلم ـ إنه أحب الخلق إلى الله وأعظمهم جاهًا وقدرًا عند رب العالمين. إنه صاحب الوسيلة وهي أعلى درجة في الجنة، منزلةٌ واحدةٌ ليست إلا له صلى الله عليه وآله وسلم.إن الأرض ما وطئ عليها ولن يطأ عليها إلى يوم القيامة أكرم ولا أجل ولا أرفع منه صلى الله عليه وآله وسلم.
ومع ذلك تأمل أخي المؤمن تواضعه العجيب صلى الله عليه وآله وسلم.
أ- عَنْ الْبَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ يَنْقُلُ التُّرَابَ حَتَّى وَارَى التُّرَابُ شَعَرَ صَدْرِهِ ـ وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ الشَّعَرِ ـ وَهُوَ يَرْتَجِزُ بِرَجَزِ عَبْدِ اللهِ
اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا
…
وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
…
وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِنَّ الْأَعْدَاءَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا
…
إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا»
يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ» (رواه البخاري).
ب- رعيُهُ صلى الله عليه وآله وسلم الغنم وتحدثه بذلك:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ» ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ:«وَأَنْتَ» ، فَقَالَ:«نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ» (رواه البخاري)
قَوْله: (عَلَى قَرَارِيط لِأَهْلِ مَكَّة) الْقِيرَاط: جُزْء مِنْ الدِّينَار أَوْ الدِّرْهَم.
وَفِي ذِكْر النَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم لِذَلِكَ ـ بَعْد أَنْ عُلِمَ كَوْنه أَكْرَم الْخَلْق عَلَى اللهِ ـ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ عَظِيم التَّوَاضُع لِرَبِّهِ وَالتَّصْرِيح بِمِنَّتِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى إِخْوَانه مِنْ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللهِ وَسَلَامه عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِر الْأَنْبِيَاء.
قَالَ الْعُلَمَاء: الْحِكْمَة فِي إِلْهَام الْأَنْبِيَاء مِنْ رَعْي الْغَنَم قَبْل النُّبُوَّة أَنْ يَحْصُل لَهُمْ التَّمَرُّن بِرَعْيِهَا عَلَى مَا يُكَلَّفُونَهُ مِنْ الْقِيَام بِأَمْرِ أُمَّتهمْ، وَلِأَنَّ فِي مُخَالَطَتهَا مَا يُحَصِّل لَهُمْ الْحِلْم وَالشَّفَقَة لِأَنَّهُمْ إِذَا صَبَرُوا عَلَى رَعْيهَا وَجَمْعهَا بَعْد تَفَرُّقهَا فِي الْمَرْعَى وَنَقْلهَا مِنْ مَسْرَح إِلَى مَسْرَح وَدَفْع عَدُوّهَا ـ مِنْ سَبُع وَغَيْره كَالسَّارِقِ ـ وَعَلِمُوا اِخْتِلَاف طِبَاعهَا وَشِدَّة تَفَرُّقهَا مَعَ ضَعْفهَا وَاحْتِيَاجهَا إِلَى الْمُعَاهَدَة؛ أَلِفُوا مِنْ ذَلِكَ الصَّبْر عَلَى الْأُمَّة وَعَرَفُوا اِخْتِلَاف طِبَاعهَا وَتَفَاوُت عُقُولهَا فَجَبَرُوا كَسْرهَا وَرَفَقُوا بِضَعِيفِهَا وَأَحْسَنُوا التَّعَاهُد لَهَا؛ فَيَكُون تَحَمُّلهمْ لِمَشَقَّةِ ذَلِكَ أَسْهَل مِمَّا لَوْ كُلِّفُوا الْقِيَام بِذَلِكَ مِنْ أَوَّل وَهْلَة لِمَا يَحْصُل لَهُمْ مِنْ التَّدْرِيج عَلَى ذَلِكَ بِرَعْيِ الْغَنَم.
وَخُصَّتْ الْغَنَم بِذَلِكَ لِكَوْنِهَا أَضْعَف مِنْ غَيْرهَا، وَلِأَنَّ تَفَرُّقهَا أَكْثَر مِنْ تَفَرُّق الْإِبِل وَالْبَقَر لِإِمْكَانِ ضَبْط الْإِبِل وَالْبَقَر بِالرَّبْطِ دُونهَا فِي الْعَادَة الْمَأْلُوفَة، وَمَعَ أَكْثَرِيَّة تَفَرُّقهَا فَهِيَ أَسْرَع اِنْقِيَادًا مِنْ غَيْرهَا.
جـ ـ تواضعه صلى الله عليه وآله وسلم مع الضعفاء والأرامل والمساكين والصبيان.
عن سهل بن حنيف رضي الله عنه:أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كَانَ يأتِي ضُعَفَاءَ المسْلِمِينَ ويَزُورُهُمْ، ويَعُودُ مَرْضَاهُمْ، ويَشْهَدُ جَنَائِزَهُمْ» (صحيح رواه الطبراني وغيره).
يأتي ضعفاء المسلمين، فلم تشغله النبوة عن ذلك. ولم تمنعه مسؤولية أمته، ولا كثرة الأعمال: أن يجعل للضعفاء والمرضى نصيبًا من الزيارة والعبادة واللقاء.
ولقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يمر بالصبيان فيسلم عليهم. وفي رواية: «كَانَ يَزُورُ الأنْصَارَ ويُسَلّمُ عَلَى صِبْيَانِهِمْ ويَمْسَحُ رُؤُوسَهُمْ» . (صحيح رواه النسائي).
إنك ترى ـ في عصرنا هذا ـ بعض الناس يترفع عن المتقين من الرجال فكيف يكون شأنه مع الصبيان والصغار؟
إنك لتجد بعض ضعفاء الإيمان يأنف أن يسلم على من يرى أنه أقل منه درجة أو منصبًا، ولعل ما بينهما عند الله كما بين السماء والأرض! ألا فليعلم أولئك أنهم على غير هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يركب الحمار ويخصف النعل ويرفَع القميص ويلبس الصوف ويقول: «مَنْ رَغِبَ عَنْ ُسنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» . (حسن رواه ابن عساكر). (خَصَفَ النعْلَ: خاطَهُ بالِمخْرَز).
د - تواضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أهله: أخي المسلم تأمل في هذه الأحاديث:
سُئِلَتْ عَائِشَةَ رضي الله عنها:مَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ ـ تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ ـ فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ» (رواه البخاري).
(فِي مَهْنَةِ أَهْله) قَدْ فَسَّرَهَا فِي الْحَدِيث بِالْخِدْمَةِ، وَهِيَ مِنْ تَفْسِير آدَم بْن أَبِي إِيَاس شَيْخ البخاري. وَقَدْ وَقَعَ مُفَسَّرًا فِي (الشَّمَائِل) لِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيق عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَة بِلَفْظِ:«مَا كَانَ إِلَّا بَشَرًا مِنْ الْبَشَر: يُفَلِّي ثَوْبه، وَيَحْلُبُ شَاتَه، وَيَخْدُم نَفْسه» (صحيح).
وَفِي الحديث التَّرْغِيب فِي التَّوَاضُع وَتَرْك التَّكَبُّر وَخِدْمَة الرَّجُل أَهْله.
وعَنْ عُرْوَةَ بن الزبير قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَائِشَةَ رضي الله عنها هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا؟ قَالَتْ: «نَعَمْ، كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ» (صحيح رواه الإمام أحمد).
وقِيلَ لِعَائِشَةَ رضي الله عنها:مَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَمَا يَصْنَعُ أَحَدُكُمْ يَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيُرَقِّعُ ثَوْبَهُ» (إسناده صحيح رواه الإمام أحمد).
ماذا يقال عمن يفعل مثل هذا اليوم؟ محكوم للمرأة!! ولكنه النور الذي جعله الله عز وجل في قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فظهر في سلوكه وفعاله وتواضعه وخدمة أهله. وبه كانت تسمو نفسه صلى الله عليه وآله وسلم وتعلو، فليقل السفهاء ما يحلو لهم أن يقولوا.
ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل هذا من فراغ في وقته ولكنه كان يحقق العبودية لله سبحانه بجميع أنواعها وأشكالها وصورها.
•
فضل التواضع وذم الكبر:
قال الله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الاْخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى الأرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَـ?قِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (القصص:83).قال عكرمة: العلو: التجبر. وقال سعيد بن جبير: بغير حق: وقال ابن جريج: «لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى الأرْضِ» تعظمًا وتجبرًا.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ» (رواه مسلم).
قَوْله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَة مِنْ مَال» ذَكَرُوا فِيهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُبَارَك فِيهِ، وَيَدْفَع عَنْهُ الْمَضَرَّات، فَيَنْجَبِر نَقْص الصُّورَة بِالْبَرَكَةِ الْخَفِيَّة، وَهَذَا مُدْرَك بِالْحِسِّ وَالْعَادَة.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنْ نَقَصَتْ صُورَته كَانَ فِي الثَّوَاب الْمُرَتَّب عَلَيْهِ جَبْر لِنَقْصِهِ، وَزِيَادَة إِلَى أَضْعَاف كَثِيرَة.
قَوْله صلى الله عليه وآله وسلم: «وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا» فِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ:
أَحَدهمَا: أَنَّهُ عَلَى ظَاهِره، وَأَنَّ مَنْ عُرِفَ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْح سَادَ وَعَظُمَ فِي الْقُلُوب، وَزَادَ عِزّه وَإِكْرَامه.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَاد أَجْره فِي الْآخِرَة وَعِزّه هُنَاكَ.
قَوْله صلى الله عليه وآله وسلم: «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَد للهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ» فِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ: أَحَدهمَا: يَرْفَعهُ فِي الدُّنْيَا، وَيُثْبِتُ لَهُ بِتَوَاضُعِهِ فِي الْقُلُوب مَنْزِلَة، وَيَرْفَعهُ اللهُ عِنْد النَّاس، وَيُجِلّ مَكَانه.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَاد ثَوَابه فِي الْآخِرَة، وَرَفْعه فِيهَا بِتَوَاضُعِهِ فِي الدُّنْيَا.
قَالَ الْعُلَمَاء: وَهَذِهِ الْأَوْجُه فِي الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة مَوْجُودَة فِي الْعَادَة مَعْرُوفَة، وَقَدْ يَكُون الْمُرَاد الْوَجْهَيْنِ مَعًا فِي جَمِيعهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.
تواضَعْ لربِّ العرشِ عَلّكَ تُرفَعُ
…
فما خَابَ عَبْدٌ للمهيمنِ يخضَعُ
وداوِ بذِكْرِ اللهِ قلبَك إنَّهُ
…
لَأَشْفَى دَواءٍ للقلوبِ وأنفعُ
إن المتواضع يرفع الله عز وجل منزلته ومكانه وقدره فطوبى للمتواضعين.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً؟ قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» (رواه مسلم).
(بَطْر الْحَقِّ):دَفْعه وَإِنْكَاره تَرَفُّعًا وَتَجَبُّرًا. (غَمْط النَّاسِ): اِحْتِقَارهمْ.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَبْغِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» (رواه مسلم).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّة؟» قَالُوا: بَلَى.
قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم: «كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ»
ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟» قَالُوا: بَلَى.
قَالَ: «كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ» . (رواه مسلم).
قَوْله صلى الله عليه وآله وسلم: «مُتَضَعَّف» بِفَتْحِ الْعَيْن وَكَسْرهَا، الْمَشْهُور الْفَتْح، وَلَمْ يَذْكُر الْأَكْثَرُونَ غَيْره، وَمَعْنَاهُ: يَسْتَضْعِفهُ النَّاس وَيَحْتَقِرُونَهُ وَيَتَجَبَّرُونَ عَلَيْهِ لِضَعْفِ حَاله فِي الدُّنْيَا، يُقَال: تَضَعَّفَه وَاسْتَضْعَفَهُ، وَأَمَّا رِوَايَة الْكَسْر «مُتَضَعِّف» فَمَعْنَاهَا: مُتَوَاضِع مُتَذَلِّل خَامِل وَاضِع مِنْ نَفْسه، وَقَدْ يَكُون الضَّعْف هُنَا: رِقَّة الْقُلُوب وَلِينهَا وَإِخْبَاتهَا لِلْإِيمَانِ، وَالْمُرَاد أَنَّ أَغْلَب أَهْل الْجَنَّة هَؤُلَاءِ، كَمَا أَنَّ مُعْظَم أَهْل النَّار الْقِسْم الْآخَر.
قَوْله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ» مَعْنَاهُ: لَوْ حَلَفَ يَمِينًا طَمَعًا فِي كَرَم اللهِ تَعَالَى بِإِبْرَارِهِ لَأَبَرَّهُ، وَقِيلَ: لَوْ دَعَاهُ لَأَجَابَهُ.
قَوْله صلى الله عليه وآله وسلم فِي أَهْل النَّار: «كُلّ عُتُلّ جَوَّاظ مُسْتَكْبِر»
أَمَّا (الْعُتُلّ) فَهُوَ: الْجَافِي الشَّدِيد الْخُصُومَة بِالْبَاطِلِ، وَقِيلَ: الْجَافِي الْفَظّ الْغَلِيظ.
أَمَّا (الْجَوَّاظ) فَهُوَ: الْجَمُوع الْمَنُوع، وَقِيلَ: كَثِير اللَّحْم الْمُخْتَال فِي مِشْيَته
و (الْمُتَكَبِّر وَالْمُسْتَكْبِر) هُوَ صَاحِب الْكِبْر، وَهُوَ بَطَر الْحَقّ وَغَمْط النَّاس.
قال الحسن سدد خطاكم: «هل تدرون ما التواضع؟ التواضع: أن تخرج من منزلك فلا تلقى مسلمًا إلا رأيت له عليك فضلًا» .
ومن منا الآن يطبق هذا القول على نفسه، وينزلها تلك المنزلة؟ بل البعض يأخذه العجب والتيه والتكبر على عباد الله لدنيا أو منصب أو علم أوجاه .. وكلها منح وعطايا من الله عز وجل.ومثلما أعطاها إياه فهو سبحانه قادر على أن يسلبها منه في طرفة عين.
قال سفيان بن عيينة: «من كانت معصيته في شهوة فارْجُ له التوبة؛ فإن آدم عليه السلام عصي مشتهيًا فاستغفر فغُفر له، فإذا كانت معصيته من كبر فاخْشَ عليه اللعنة. فإن إبليس عصى مستكبرًا فلُعن» .
أخي المسلم: من اتقى الله تعالى تواضَعَ له، ومن تكبر كان فاقدًا لتقواه، ركيكًا في دينه مشتغلًا بدنياه؛ فالمتكبر وضيع وإن رأى نفسه مرتفعًا على الخلق، والمتواضع وإن رؤي وضيعًا فهو رفيع القدر.
تواضَعْ تَكُنْ كالنجمِ لاحَ لِنَاظرٍ
…
على صَفْحَاتِ الماءِ وهو رَفِيعُ
ولا تكُ كالدّخَانِ يعْلُو بنَفْسِه إلى طبَقَاتِ الجوِّ وهو وَضِيعُ
وتأمل في حال من تلبسه الشيطان في حالة واحدة من حالات الكبر يظنها بعض الناس يسيرة وهي عند الله عظيمة؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ يَمْشِي فِي بُرْدَيْهِ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَخَسَفَ اللهُ بِهِ الْأَرْضَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (رواه مسلم). (يَتَجَلْجَل: يَتَحَرَّك وَيَنْزِل مُضْطَرِبًا).
مر بعض المتكبرين على مالك بن دينار، وكان هذا المتكبر يتبختر في مشيته فقال له مالك: أما علمت أنها مشية يكرها الله إلا بين الصفين؟ (أي عند قتال الكفار) فقال المتكبر: أما تعرفني؟ قال مالك: بلى، أوّلُك نطفة مَذِِرة (أي فاسدة)، وآخرك جيفة قذرة (أي تموت ويأكلك الدود)، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة (يعني البراز)، فانكسر وقال:«الآن عرفتني حق المعرفة» .
أخي الحبيب: كل ما تراه من مباهج الدنيا وزينتها إنما هو ظل زائل وراكب مرتحل.
أحلامُ ليلٍ أو كَظِلٍ زَائلِِِ
…
إنَّ اللبيبَ بمِثلِها لا يُخْدَعُ
عن ابن شهاب قال: «خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة، فنزل عنها وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته، فخاض بها المخاضة.
فقال أبو عبيدة: «يا أمير المؤمنين، أأنت تفعل هذا؟! تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة؟!
ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك!».
فقال عمر: أَوَّهْ، لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة، جعلته نكالًا لأمة محمد رضي الله عنه! إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله».
(رواه الحاكم وقال: «صحيح على شرط الشيخين». ووافقه الذهبي، والألباني).
(استشرفوك):رفعوا أبصارهم ينظرون إليك. (أَوَّهْ) كَلِمَة تُقَال عِنْد التَّوَجُّع.
قال الشاعر:
تواضَعْ إذا ما نِلتَ في الناسِ رفعةً
…
فإنّ رفِيعَ القومِ مَن يَتَوَاضَعُ
ولا تمشِ فوقَ الأرضِ إلا تواضعًا
…
فكمْ تحتَها قومٌ هُمُوا مِنْكَ أرفَعُ
وإنْ كُنْتَ في عِزٍ رَفيعٍ ومَنْعَةٍ
…
فكمْ مَاتَ مِن قومٍ هُمُوا منكَ أمْنَعُ
أيها الناس: اعلموا أن الزمان لا يثبت على حال كما قال عز وجل: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (آل عمران:139).فتارة فقر، وتارة غِنَى، وتارة عز، وتارة ذُل، وتارة منصب، وهكذا؛ فالسعيد من لازم أصلًا واحدًا على كل حال، وهو تقوى الله عز وجل والتواضع على كل حال، وهذا الذي يزينه ويبقى معه.