الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
12 - إذا سَأَلْتَ فاسْألِ الله
وإذا اسْتََعَنْتَ فاستَعِنْ باللهِ
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَوْمًا فَقَالَ: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» (صَحيحٌ رواه الترمذيُّ).
هذا الحديث رواه الإمامُ أحمد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ: «يَا غُلَامُ ـ أَوْ يَا غُلَيِّمُ «أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِنَّ» فَقُلْتُ: «بَلَى» .
• اسأل الله لا تسأل غيره:
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ» هذا مُنْتَزَعٌ من قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة:5)، فإنَّ السؤال لله هو دعاؤُه والرغبةُ إليه، و «الدُّعاء هو العبادة» ، كما قال النَّبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» ثُمَّ قَرَأَ: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (غافر:60)» (صحيح رواه الترمذي).
فتضمن هذا الكلام أنْ يُسأل الله عز وجل، ولا يُسأل غيره، وأنْ يُستعان بالله دونَ غيره.
وأما السؤال فقد أمر الله بمسألته، فقال:{وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ} (النساء:32).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ لَا يَسْأَلِ اللهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» (حسن رواه الترمذي).
إذا أذِنَ اللهُ في حاجةٍ
…
أتاك النجاح على رِسْلِهِ
فلا تسأل الناسَ من فضلِهِمْ ولكن سَلِ اللهَ مِن فضلِهِ
وفي النَّهي عن مسألة المخلوقين أحاديثُ كثيرة صحيحة، وقد بايع النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم جماعةً من أصحابه على أنْ لا يسألوا النَّاسَ شيئًا، منهم: أبو بكر الصدِّيق، وأبو ذر، وثوبان، وكان أحدهم يسقط سوطُه أو خِطام ناقته، فلا يسأل أحدًا أنْ يُناوله إياه.
عن عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟» ، وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا:«قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ» ، ثُمَّ قَالَ:«أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟» ، فَقُلْنَا:«قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ» .
ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟»
قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: «قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟» .
قَالَ: «عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا» وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً، «وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا» .فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ. (رواه مسلم).
إذا عَرِضَتْ لي في زَمَانيَ حَاجةٌ
…
وقد أشكِلَتْ فيها عَليَّ المقاصِدُ
وقَفْتُ ببابِ اللهِ وقفَةَ ضَارِعٍ
…
وقلتُ: إلهِي إنَّنِي لَكَ قاصِدُ
ولستَ ترانِي واقفًا عند باب مَنْ
…
يقول فَتَاهُ: سيِّدِي اليَوْمَ راقدُ
واعلم أنَّ سؤالَ اللهِ تعالى دونَ خلقه هوَ المتعين؛ لأنَّ السؤال فيهِ إظهار الذلِّ من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعترافُ بقدرةِ المسئول على دفع هذا
الضَّرر، ونيل المطلوب، وجلبِ المنافع، ودرء المضارِّ، ولا يصلح الذلُّ والافتقار إلَاّ لله وحدَه؛ لأنَّه حقيقة العبادة.
وكان الإمامُ أحمد يدعو ويقول: اللهمَّ كما صُنتَ وجهي عَنِ السُّجود لغيرك فصُنْه عن المسألة لغيرك.
ولا يقدر على كشف الضرِّ وجلب النفع سواه. كما قال: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ} (يونس:107)، وقال:{مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} (فاطر:2).
• الله عز وجل يحبّ أنْ يُسأل:
والله سبحانه يحبّ أنْ يُسأل ويُرْغَبَ إليه في الحوائج، ويُلَحَّ في سؤاله ودُعائه، ويَغْضَبُ على من لا يسأله، ويستدعي مِنْ عباده سؤاله، وهو قادر على إعطاء خلقه كُلِّهم سُؤْلَهم من غير أنْ يَنْقُصَ من ملكه شيء.
والمخلوق بخلاف ذلك كله: يكره أنْ يُسأل، ويُحبُّ أنْ لا يُسألَ، لعجزه وفقره وحاجته. ولهذا قال وهب بن منبه لرجل كان يأتي الملوك: ويحك، تأتي من يُغلِقُ عنك بابَه، ويُظهِرُ لك فقرَه، ويواري عنك غناه، وتَدَعُ من يفتحُ لك بابه بنصف الليل ونصف النهار، ويظهر لك غناه، ويقول: ادعني أستجب لك؟!
وقال طاووس لعطاء: إياك أنْ تطلب حوائجك إلى من أغلق دونك بابه ويجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة، أمرك أنْ تسأله، ووعدك أنْ يُجيبك.
لا تَسْألَنَّ بُنَيَّ آدَمَ جاجةً
…
وسَلِ الذِي أبوابُه لا تُحْجَبُ
اللهُ يغضبُ إن تركْتَ سؤالَه
…
وبُنَيَّ آدمَ حينَ يُسْأَلُ يغضبُ
• لماذا الاستعانة بالله عز وجل دونَ غيره من الخلق؟
لأنَّ العبدَ عاجزٌ عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضارّه، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل، فمن أعانه الله، فهو المُعانُ، ومن خذله فهو المخذولُ،
وهذا تحقيقُ معنى قول: «لا حول ولا قُوَّةَ إلا بالله» ، فإنَّ المعنى: لا تَحوُّلَ للعبد مِنْ حال إلى حال، ولا قُوَّة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمةٌ عظيمةٌ، وهي كنز من كنوز الجنة.
فالعبدُ محتاجٌ إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلِّها في الدنيا وعندَ الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله عز وجل، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه.
وفي الحديث الصحيح عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاْسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ» (رواه مسلم).
ومَن ترك الاستعانة بالله، واستعان بغيرِه، وكَلَهُ الله إلى من استعان به فصار مخذولًا. كتب الحسنُ إلى عُمَرَ بنِ العزيز: لا تستعِنْ بغيرِ الله، فيكِلَكَ الله إليه.
ومن كلام بعضِ السَّلف: يا ربِّ عَجبت لمن يعرفُك كيف يرجو غيرك، عجبتُ لمن يعرفك كيف يستعينُ بغيرك.
• أنواع الدعاء:
النوع الأول: دعاء العبادة:
وهو طلب الثواب بالأعمال الصالحة: كالنطق بالشهادتين والعمل بمقتضاهما، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والذبح لله، والنذر له، وبعض هذه العبادات تتضمن الدعاء بلسان المقال مع لسان الحال كالصلاة.
فمن فعل هذه العبادات وغيرها من أنواع العبادات الفعلية فقد دعا ربه وطلبه بلسان الحال أن يغفر له، والخلاصة أنه يتعبد لله طلبًا لثوابه وخوفًا من عقابه.
وهذا النوع لا يصح لغير الله تعالى، ومن صرف شيئًا منه لغير الله فقد كفر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، وعليه يقع قوله تعالى:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين} . (غافر:60).وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} الأنعام:162، 163)
النوع الثاني: دعاء المسألة: وهو دعاء الطلب: طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضر، وطلب الحاجات، ودعاء المسألة فيه تفصيل كالتالي:
أ- إذا كان دعاء المسألة صدر من عبد لمثله من المخلوقين وهو قادر حي حاضر فليس بشرك. كقولك: اسقني ماءً، أو يا فلان أعطني طعامًا، أو نحو ذلك فهذا لا حرج فيه، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم:«مَنْ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا اللهَ لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» (صحيح رواه أبو داود).
ب - أن يدعو الداعي مخلوقًا ويطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله وحده، فهذا شرك سواء كان المدعو حيًّا أو ميتًا، أو حاضرًا أو غائبًا، كمن يقول: يا سيدي فلان اشْفِ مريضي، رُدّ غائبي، أعطني ولدًا، وهذا كفر أكبر مخرج من الملة، قال الله تعالى:{وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَاّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُير} الأنعام:17).وقال سبحانه: {وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ، وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَاّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (يونس:106، 107).
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (الأعراف، الآية:194)
وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ} (الأعراف:197).
وقال تبارك وتعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ، إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلا الْعَالِمُونَ} (العنكبوت:41 - 43).
قال عز وجل: {ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ، إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُواْ دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا اسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} (فاطر:13، 14). (القطمير: هو اللفافة التي تكون على نواة التمرة، أي: لا يملكون من السموات والأرض شيئًا، ولا بمقدار هذا القطمير).
قال الله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآء وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} (الأحقاف:5، 6).
فمن الشرك الاستغاثة بغير الله ودعاء غير الله دعاء عبادة أو دعاء مسألة فيما لا يقدر عليه إلا الله قال سبحانه: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَآئِيلَ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} . (المائدة:72).
وقال تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} (النساء:116).
وقال تعالى: {فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} (الشعراء:213).
وقال عز وجل: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} (الزمر:65، 66).
وقال سبحانه: {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (الأنعام:88).
والفرق بين الاستغاثة والدعاء: أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب، والدعاء أعم من الاستغاثة، لأنه يكون من المكروب وغيره.
• فضل الدعاء:
جاء في فضل الدعاء آيات وأحاديث كثيرة منها:
1 ـ قال الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة، الآية:186).
2 ـ وقال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (غافر:60).
3 ـ وقال تعالى: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين، وَلَا تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} (الأعراف:55، 56).
6 ـ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» ، ثُمَّ قَرَأَ:{وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (غافر:60)» (صحيح رواه الترمذي).
7 ـ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ الدُّعَاءِ» (حسن رواه الترمذي).
8 ـ عن عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «مَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللهَ بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ اللهُ إِيَّاهَا، أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ» ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: إِذًا نُكْثِرُ؟ قَالَ: «اللهُ أَكْثَرُ» . (حسن صحيح رواه الترمذي). (مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ: أَيْ بِمَعْصِيَةٍ).
9 ـِ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ» (صحيح رواه الترمذي).
(إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ) أَيْ كَثِيرُ الْحَيَاءِ، وَوَصْفُهُ تَعَالَى بِالْحَيَاءِ يُحْمَلُ عَلَى مَا يَلِيقُ لَهُ كَسَائِرِ صِفَاتِهِ نُؤْمِنُ بِهَا وَلَا نُكَيِّفُهَا.
(كَرِيمٌ) هُوَ الَّذِي يُعْطِي مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ فَكَيْفَ بَعْدَهُ.
(صِفْرًا) أَيْ خَالِيَتَيْنِ. (خَائِبَتَيْنِ) مِنْ الْخَيْبَةِ وَهُوَ الْحِرْمَانُ.
• الدعاء من أنفع الأدوية:
والدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه، وحصول المطلوب، وهو من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن، وللدعاء مع البلاء ثلاث مقامات:
أ- أن يكون الدعاء أقوى من البلاء فيدفعه.
ب- أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد، ولكن يخففه وإن كان ضعيفًا.
جـ- أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه.
قال صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يُغْني حَذَرٌ مِنْ قدَر، وَالدُعَاءُ يَنْفَعُ ممَّا نَزَلَ ومِمَّا لمْ يَنْزِِلْ، وإنَّ البَلَاءَ لَيَنْزِلُ فَيَتَلَقَاهُ الدُعَاء فَيَعْتَلِجَانِ إلىَ يَوْمِ القِيَامَةِ» (حسن رواه الحاكم).
(الدُعَاءُ يَنْفَعُ ممَّا نَزَلَ) من المصائب والمكاره أي يسهّل تحمل ما نزل من البلاء فيصبّره أو يرضيه (ومِمَّا لمْ يَنْزِِلْ) منها بأن يصرف ذلك عنه، أو يمده قبل النزول بتأييد إلهي من عنده حتى لا يعبأ به إذا نزل. (فَيعْتَلِجَان) أي يَتَصارَعان.
وعَنْ سَلْمَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ» (حسن رواه الترمذي).
(لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ) الْقَضَاءُ هُوَ الْأَمْرُ الْمُقَدَّرُ.
وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِالْقَضَاءِ مَا يَخَافُهُ الْعَبْدُ مِنْ نُزُولِ الْمَكْرُوهِ بِهِ وَيَتَوَقَّاهُ، فَإِذَا وُفِّقَ لِلدُّعَاءِ دَفَعَهُ اللهُ عَنْهُ فَتَسْمِيَتُهُ قَضَاءً مَجَازٌ عَلَى حَسَبِ مَا يَعْتَقِدُهُ الْمُتَوَقَّى عَنْهُ، يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وآله وسلم فِي الرُّقَى:«هُوَ مِنْ قَدَرِ اللهِ» وَقَدْ أَمَرَ بِالتَّدَاوِي وَالدُّعَاءِ مَعَ أَنَّ الْمَقْدُورَ كَائِنٌ لِخَفَائِهِ عَلَى النَّاسِ وُجُودًا وَعَدَمًا.
وَلَمَّا بَلَغَ عُمَرُ الشَّامَ وَقِيلَ لَهُ إِنَّ بِهَا طَاعُونًا رَجَعَ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَتَفِرُّ مِنْ الْقَضَاءِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: لَوْ غَيْرَك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ!! نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ اللهِ إِلَى قَضَاءِ اللهِ.
أَوْ أَرَادَ بِرَدِّ الْقَضَاءِ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ حَقِيقَتَهُ تَهْوِينَهُ وَتَيْسِيرَ الْأَمْرِ حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ، يُؤَيِّدُهُ حَدِيثِ أَنَّ «الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ» . (حسن رواه الحاكم).
وَقِيلَ: الدُّعَاءُ كَالتُّرْسِ وَالْبَلَاءُ كَالسَّهْمِ وَالْقَضَاءُ أَمْرٌ مُبْهَمٌ مُقَدَّرٌ فِي الْأَزَلِ.
(وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ) وَهُوَ الْإِحْسَانُ وَالطَّاعَةُ.
قِيلَ: يُزَادُ حَقِيقَةً فتكون أَعْمَالَ الْبِرِّ سَبَبًا لِطُولِ الْعُمُرِ كَمَا قَدَّرَ الدُّعَاءَ سَبَبًا لِرَدِّ الْبَلَاءِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّهُ إِذَا بَرَّ لَا يَضِيعُ عُمُرُهُ فَكَأَنَّهُ زَادَ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُبَارَكُ لَهُ فِي عُمُرِهِ، فَيُيَسِّرُ لَهُ فِي الزَّمَنِ الْقَلِيلِ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَا لَا يَتَيَسَّرُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ.
• سؤال: كيف يرد الدعاء القضاء؟ إذا كان الله عز وجل قدر على الإنسان وقضى عليه سابقًا بشيء، ثم دعا الله وردّ عنه هذا البلاء، فكيف يجمع بين هذا وذاك؟
الجواب: الجمع بين هذا وذاك بإيجاز: الوجه الأول: هو ما جاء ذكره في قوله تعالى: {يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (الرعد:39).
فأُم الكتاب هو اللوح المحفوظ وهذا لا تغيير فيه ولا تبديل، لكن هناك تقدير سنوي حولي في السنة، ويكون في ليلة القدر، وهناك تقدير عمري، وهذا يقدر إذا نفخ الملك الروح في الإنسان، وهناك التقدير الكوني، وهو الذي في اللوح المحفوظ.
فيجوز أن يكون في التقدير العمري أو التقدير الحولي أو التقدير اليومي، الذي يقدره الله أمر معلق، ولكنه في اللوح المحفوظ ثابت، والأمر المعلق مثل أن يقدر الله على إنسان بمرض في التقدير الحولي أو العمري أو اليومي، لكنه يعلق بالدعاء، فإذا دعا الإنسان صرف عنه هذا التقدير، وإلا فإنه يحلّ به.
أما التقدير الكوني فإنه لا بد إما أنه مكتوب بأنه يدعو، فينجو من المرض ـ مثلًا ـ أو لا يدعو فيصيبه المرض، فيكون هذا حافزًا لنا أن ندعو الله عز وجل دائمًا، ندعو الله تعالى ونستيقن أن هذا الدعاء سيصرف الله تعالى عنا به شيئًا من الشر، أو يحقق لنا شيئًا من الخير، أو يدخره لنا عنده.
الوجه الثاني: شرع الله عز وجل الدعاء وأمر به، فقال:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (غافر:60) وقال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (البقرة:186)، فإذا فعل العبد السبب المشروع ودعا فإن ذلك من القضاء، فهو رد القضاء بقضاء إذا أراد الله ذلك.
فالدعاء سبب من الأسباب المشروعة شرعها الله عز وجل لنا، فنتخذه لندرأ به ما نتوقعه من الشرور، فإن لله عز وجل أقدارًا تمشي وفق السنن المعروفة لدينا، ونحن نعلم من السنة الربانية ـ وكل إنسان يعلم هذا ـ أن كثيرًا من الناس دعوا الله عز وجل فجنبهم الله مصائب حاقَتْ بمن حولهم، وهذا بفضل دعائهم لله عز وجل، بل حتى المشركين إذا دعوا الله عز وجل في البحر فإنه ينجيهم.
فمثلًا نحن نخشى أن تقع في مصيبة ـ عافانا الله وإياكم ـ فلو أنك ركبت سيارتك في آخر الليل وأنت سهران، لربما وقع لك حادث، لكن لو قلت: أنا لن أقود السيارة وأنا سهران! فإنك تنجو بإذن الله، فهذا سبب تتخذه فتنجو بإذن الله.
إذًا: الدعاء سبب واضح مجرب يدفع بعض ما يقتضي في علمنا الإنساني البشري وقوع الشر ووقوع المصيبة، التي قد تكون مكتوبة عند الله أنها لا تقع، فالمسلم مطلوب منه أن يدعو الله عز وجل ويتخذ ذلك الدعاء سببًا لدفع الشر، ودفع البلاء الذي يتوقعه.