الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
55 - باب السَّلم
السلم: والسلف: بمعنى سُمَّي سلماً لتسليم رأس المال في المجلس، وسلفاً لتقديمه.
قال الماوردي (1):
والسلف: لغة عراقية، والسلم: لغة حجازية.
قلت: وقد أخرج مسلم في صحيحه الحديث باللفظين.
وفي "غريب الحديث للخطابي"(2): أن في حديث ابن عمر
(1) الشرح الكبير للماوردي (7/ 3).
(2)
غريب الحديث للخطابي (2/ 411).
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (8/ 15).
قال الخطابي في حديث ابن عمر: "أنه كان يكره أن يقول السَّلم، وكان يقول السلف" إلى أن قال: السَّلَم: الاستسلام، قال تعالى:{وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} ، أي من استسلم وأعطى المقادة، وكذلك الإِسلام إنما هو الطاعة لله والانقياد لأمره، وأحدها مشتق من الآخر، كره ابن عمر أن يقال: أسلمت إلى فلان أو أعطيته السَّلَم بمعنى السلف، وأحب أن يكون هذا الاسم محضاً في طاعة الله لا يدخله شيء غيره. اهـ. وذكره ابن عبد البر عن عمر في الاستذكار (20/ 19)، ولعله =
أنه كان يكره أن يقال السلم بمعنى السلف، وكان يقول الإِسلام لله ضن بالاسم الذي هو موضوع للطاعة أن يمتهن في غيرها وصيانة من أن يستذل فيما سواها.
وأخرجه البيهقي (1) في "سننه" أيضاً: موقوفاً على ابن عمر.
وفي حد السلم عبارات لأصحابنا: أحسنها أنه بيع موصوف في الذمة ببدل يُعطي آجلاً بلفظ السلم، فإن أورد بلفظ البيع انعقد بيعاً على الأصح لا سلماً.
289/ 1/ 55 - وذكر المصنف في الباب حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يسلفون في الثمار: السنتين والثلاث. فقال: "من أسلف في شيء فليسلف في كل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (2).
والكلام عليه من وجوه:
الأول: فيه دلالة على جواز السلم في الجملة، وهو إجماع من
= وهم منه -رحمنا الله وإياه-.
(1)
السنن الكبرى (6/ 29).
(2)
البخاري أطرافه (2239)، ومسلم (1604)، والترمذي (1311)، وأبو داود (3463)، والنسائي (7/ 290)، وابن ماجه (2280)، والدارمي (2/ 260)، والحميدي (510)، والدارقطني (3/ 3، 4)، وابن الجارود (614، 615)، والبغوي (2125)، والبيهقي (6/ 18، 19، 24)، مع زيادات في بعض الروايات كزيادة الحميدي في "تمر معلوم".
الأمة؛ وحكى الماوردي (1) وجهين في أنه عقد غرر جوز للحاجة أم لا.
الثاني: فيه أيضاً دلالة على جواز السلم إلى السنتين والثلاث.
الثالث: فيه دلالة أيضاً على جواز السلم فيما ينقطع في أثناء المدة إذا كان موجوداً عند المحل، فإنه إذا سلم في الثمرة السنتين والثلاث، فلا محالة ينقطع في أثناء المدة إذا حملت الثمار على الرطب.
فرع: لو غلب على الظن وجوده، لكن لا يحصَّله إلا بمشقة عظيمة كالعدد الكثير من الباكورة فأقرب الوجهين عندنا البطلان.
الرابع: "الواو" في قوله "ووزن" بمعنى "و" التقدير: فليسلم في كيل معلوم إذا كان المسلم فيه مكيلاً أو وزن معلوم إذا كان موزوناً، لأنا لو أخذناها على ظاهرها من معنى الجمع لزم أن يجمع في الشيء الواحد بين السلم فيه كيلاً ووزناً، وذلك يفضي إلى عزة الوجود. وهو مانع من صحة السلم.
فتعين حملها على ما ذكرناه من التفصيل.
فرع: العد والزرع في معنى الكيل والوزن، وخص الكيل والوزن على الذكر لأنها الغالب، وحاصل ذلك أن العلم بقدر المسلم فيه لا بد منه إما كيلاً أو وزناً أو عداً أو ذرعاً.
تنبيه: أجمعوا على اشتراط وصفه بما يضبط به، وإنما لم يذكر
(1) الحاوي الكبير (7/ 9).
في الحديث لأنهم كانوا يعملون به، فاستغنى عنه، واعتنى بذكر ما كانوا يحلون به من المقدار والأجل.
فرع: لو عين كيلاً فسد إن لم يكن معتاداً، وإلا فلا في الأصح، وكذا لو عين ميزاناً معتاداً.
الخامس: يصح السلم في المكيل وزناً، وعكسه على الأصح عند الشافعية، لأن المقصود معرفة المقدار بخلاف الربويات على المشهور للتعبد.
وقيل: لا يجوز في الموزون كيلاً وحمل أمام الحرمين إطلاق الأصحاب جواز قيل الموزون على ما يعد الكيل في مثله ضابطاً حتى لو أسلم في فتات المسك والعنبر ونحوهما كيلاً لم يصح.
وقال الرافعي: يجوز السلم في اللآلىء الصغار إذا عم وجودها كيلاً ووزناً فكأنه اختار إطلاق الأصحاب.
الخامس: استدل بقوله عليه الصلاة والسلام: "إلى أجل معلوم" من منع السلم في الحال، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد، وهؤلاء يوجهون الأمر في قوله:"فليسلف" إلى الأجل والعلم معاً.
والشافعي ومن وافقه: في جوازه حالاً يوجهون الأمر في العلم فقط، ويكون التقدير: إن أسلم إلى أجل فليسلم الثمن لأجل معلوم لا إلى أجل مجهول كما تقدم في الكيل والوزن، ولأنه إذا جاز مع الأجل المعلوم وفيه الغرر البيِّن، فمع الحال أولى لأنه أبعد من الغرر.
فرع: لو أطلق السلم حمل على الحلول عندنا على الأصح.
وقيل: لا ينعقد. وبناهما الماوردي (1) على الخلاف في أن الأصل في السلم التأجيل والحلول رخصة، أم بالعكس أو هما أصل فالأول على الأول والثاني على الثاني.
السادس: لا بد من العلم بالأجل كما دل عليه الحديث، فلا يجوز تأقيته بالحصاد والجذاذ وقدوم الحاج، وبه قال الشافعي خلافاً لمالك وإحدى الروايتين عن أحمد وجوّز ابن خزيمة (2) تأقيته
(1) الحاوي (7/ 24).
(2)
قال ابن حجر -رحمنا الله وإياه- في فتح الباري (4/ 435)، واختار ابن خزيمة من الشافعية نأقيته إلى الميسرة، واحتج بحديث عائشة:"أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى يهودي ابعث لي ثوبين إلى الميسرة"، وأخرجه النسائي، وطعن ابن المنذر في صحته بما وهم فيه، والحق أنه لا دلالة فيه على المطلوب لأنه ليس في الحديث إلَاّ مجرد الاستدعاء، فلا يمتنع أنه إذا وقع العقد قيد بشروطه، ولذلك لم يصف الثوبين. اهـ.
ولفظه عند النسائي في السنن الكبرى (4/ 42)، عن عائشة رضي الله عنهما قالت: كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم بردين قطريين، فكان إذا جلس فعرق فيهما ثقلا عليه، وقدم لفلان اليهودي بزمن الشام، فقلت: لو أرسلت إليه فاشتريت منه ثوبين إلى الميسرة فأرسل إليه قال: قد علمت ما يريد محمد إنما يريد أن يذهب بمالي أو يذهب بهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كذب قد علم أني من أتقاهم لله وآداهم للأمانة"، وفي السنن الصغرى (7/ 294)، والترمذي (1213)، وحلية الأولياء (3/ 347)، والبداية والنهاية (9/ 250)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (1248)، وسنن النسائي =
بالميسرة لحديث مختلف فيه.
السابع: يصح السلم في الحيوان خلافاً لأبي حنيفة، وقد يستدل له بقوله:"من أسلم في شيء" على الصحة، لكن المراد به هنا التمر لقوله في رواية أخرى:"من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم" إلى آخره.
خاتمة: لصحة السلم شروط عندنا، بسَّطناها في كتب الفروع.
ومن شروطه عند المالكية: أن لا يكون أكثر منه، لأنه سلف جر منفعة.
وليس من شرطه أن يكون المسلَم إليه مالكاً للمسلِّم فيه خلافاً لبعض السلف.
ولا أن يكون موجوداً عند العقد خلافاً لأبي حنيفة.
وأقل الأجل في السلم عند ابن القاسم خمسة عشر يوماً، وهو المشهور عندهم، وقال غيره: ثلاثة أيام، ولم يحدها ابن عبد الحكم في روايته عن مالك، بل قال أياماً يسيرة، حكاه القرطبي عنه (1) قال: وهذا في البلد الواحد، وأما البلدين فيُغنى ما بينهما من المسافة عن اشتراط الأجل إذا كانت معلومة وتعين وقت الخروج.
= (957)، وفي الحلية والبداية زيادة "لأن يلبس أحكم من رقاع شتى خير له من أن يستدين ما ليس عنده"، ومن رواية أنس عند أحمد (3/ 244)، وفي تاريخ بغداد (3/ 155) مع اختلاف في الألفاظ.
(1)
المفهم (5/ 2894).
فرع: رؤية مال السلم يكفي عن معرفة قدره على الأظهر عند الشافعي خلافاً لمالك وأحمد.
فرع: يجوز عند المالكية (1) أن يتأخر رأس السلم ثلاثة أيام بشرط ودونه، ولا يجوز الزيادة على ذلك بالشرط، فإن وقع بطل.
وعند الشافعية وأهل الكوفة لا بد من تسليمه في المجلس.
…
(1) المفهم (5/ 2893).