الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
56 - باب الشروط في البيع
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
الأول
290/ 1/ 56 - عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءَتني بريرة فقالت: كاتَبْتُ أَهلي عَلى تسعِ أوَاقٍ، في كلِّ عَامٍ أُوقيةٌ، فأعينيني. فقلت: إن أحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أعُدَّها لَهُم، [ويَكُونَ](1) وَلَاؤُكِ لي فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أهْلِهَا، فقالت لَهُمْ، فأبَوْا عَلَيْهَا. فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِم، ورَسولُ الله صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ، فقالت: إنِّي عَرَضْتُ ذلِكَ عَلَيْهِمْ، فأبَوْ إلَاّ أنْ يكُونَ لَهُم الْوَلاءُ (2)، فأخْبَرَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقالَ:(خُذِيَها، وَاشْتَرطِي لهُم الوَلَاءَ، فإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ)، فَفَعَلَتْ عائشة، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم في النَّاسِ، فحمدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد: ما بالُ رجالٍ يشترطونَ شرُوطاً لَيْسَتْ في كتابِ اللهِ ما كانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ في كتاب اللهِ:
(1) ساقطة من إحكام الأحكام.
(2)
في متن العمدة زيادة "فسمع النبي صلى الله عليه وسلم".
فَهُوَ باطلٌ وَإنْ كانَ مَائَةَ شَرْط، فقضاءُ الله أحق، [وَشَرْطُهُ](1) أوْثَقُ، [فإنما](2) الولاء لمن أعتق) (3).
هذا حديث عظيم كثير الأحكام، والقواعد والفوائد والفرائد، وقد اعتنى الأئمة بتعداد فوائده وآدابه وعنوا به ونكته وبلَّغوها عدداً جماً كابن جرير الطبري وابن خزيمة إمام الأئمة وغيرها ونحن نذكر مهم ذلك فنقول:
الكلام عليه من وجوه:
الأول: بريرة -بفتح الباء الموحدة ثم راء مهملة ثم مثناة تحت ثم راء مهملة ثم هاء- على وزن فعلية مأخوذة من البرير وهو ثمر الأراك.
ويجوز كما قال القرطبي (4): أن تكون من البِرِّ وأن تكون بمعنى: مفعولة. أي: مَبْرُورة كأكيلة السّبُع بمعنى مأكولة.
ويجوز أن تكون بمعنى: فاعلة. كرحيمة بمعنى: راحمة.
كانت لعتبة بن أبي لهب.
(1) في متن العمدة "وشرط الله".
(2)
في متن العمدة "وإنما".
(3)
البخاري (2561)، ومسلم (1075، 1504)، وأبو داود في العتق (3929)، باب: في بيع المكاتب الترمذي (2124)، والنسائي (7/ 305)، والسنن الكبرى له (3/ 194).
(4)
المفهم (5/ 2635).
وقال ابن عبد البر (1): كانت مولاة لأبي أحمد بن جحش.
وقيل: لأناس من الأنصار وزعم النووي في "تهذيبه"(2): أنها بريرة بنت صفوان ولم ير له سلفاً.
ذكرها: بقي بن مخلد فيمن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً واحداً (3).
وفي النسائي (4) من حديث يزيد بن رومان عن عروة عن بريرة كان فيّ ثلاث سنن قال: وحديث يزيد بن رومان خطأ وروى عبد الملك (5) عنها حديث: "إن الرجل يدفع عن باب الجنة بعد أن
(1) الاستذكار (17/ 152) قال فيه، عن عائشة أن بريرة أعتقت وهي عند مغيث عبد لآل أبي أحمد. اهـ. المقصود الإِصابة (6/ 130). قال في الإِصابة (8/ 29) بريرة: مولاة لعائشة، وقيل كانت مولاة لقوم من الأنصار، وقيل لآل عتبة بن أبي لهب، وقيل لبني هلال، وقيل لآل أبي أحمد بن جحش. وفي هذا القول نظر فقد تقدم في ترجمة زوجها مغيث، أنه مولى أبي أحمد، والثاني خطأ فإن مولى عتبة سأل عائشة عن حكم هذه المسألة فذكرة له قصة بريرة. اهـ.
(2)
تهذيب الأسماء واللغات (2/ 332)، وذكره ابن حجر في الفتح (9/ 411).
(3)
انظر: تلقيح فهوم أهل الأثر (378).
(4)
انظر: تحفة الأشراف (11/ 271)، والنسائي الكبرى (3/ 196)، وقد رواه البخاري وغيره من رواية عائشة (5097، 5279)، ومسلم (1504)، والنسائي (6/ 162)، والنسائي في الكبرى (4/ 51)، ومالك في الموطأ (562).
(5)
معجم الطبراني الكبير (24/ 205)، والخطيب في تاريخه (14/ 29)، =
ينظر إليها بملء محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق" ورواية عبد الملك عنها تدل على تأخيرها إلى بعد الأربعين.
وذكر العسكري: أن أمها لها صحبة.
الثاني: لفظ "بريرة" اسم جليل في الأصل غير صفة وهي واحدة البربر كما سلف فليس من الصفة في شيء فلذلك لم يغير -عليه الصلاة-. اسمها وإنما غير "برة" إلى "جويرية" و"برة بنت أبي سلمة" وبنت جحش إلى "زينب"، وقال:"لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم"(1) لأنه صفة.
وقول القرطبي (2) السالف: أنه يجوز أن تكون فعلية من البِرَّ ليس بجيد.
= والكامل لابن عدي (3/ 1140)، وذكره في مجمع الزوائد (7/ 298)، وكنز العمال (39921)، وجمع الجوامع (5506)، والإِصابة (8/ 29)، قال في مجمع الزوائد: وفيه عبد الخالق بن زيد بن واقد وهو ضعيف. اهـ.
(1)
بلفظ: "كانت جويرية اسمها برة، فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمها إلى جويرية، وكان يكره أن يقال خرج من عند برة"، مسلم: 38، كتاب: الأدب ح (16)، وأحمد (1/ 358)، والأدب المفرد (831).
وحديث زينب بنت جحش وزينب بنت أبي سلمة عند مسلم والبخاري (6192)، وأبو داود (4953) وفي الأدب المفرد. ابن ماجه، والدارمي.
تنبيه: وردت رواية شاذة أن اسم ميمونة برة فسماها النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة نبه على ذلك الحافظ في الفتح (10/ 475).
(2)
انظر ص 225.
قولها "كاتبت" قيل: إنها أول كتابة كانت في الإِسلام وأول مكاتب في الإِسلام سلمان (1).
وقيل: أول من كوتب عبد لعمر بن الخطاب يكنى أبا أمية (2).
قال الروياني: والكتابة إسلامية لا تعرف في الجاهلية (3).
الرابع: "كاتبت" فاعلت من الكتابة التي هي العقد وإما من معنى الإِلزام كما في قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)} (4). كأن السيد ألزم نفسه عتق العبد عند الأداء
(1) جمع ابن حجر في الفتح (9/ 411)، بأن أولية سلمان في الرجال وأولية بريرة في النساء.
(2)
انظر مصنف ابن أبي شيبة (14/ 139)، والفتح (9/ 411).
(3)
قال الأزهري: وسميت المكاتبة كتابة في الإِسلام، وفيه دليل على أن هذا الإِطلاق ليس عربياً. اهـ. من تهذيب اللغة. انظر الزاهر (275).
(4)
سورة النساء: آية 103، قال في المصباح المنير (525)، (كاتبت) العبد (مكاتبة) و (كتاباً) من باب قاتل قال تعالى:{وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ} و (كتبنا)(كتاباً) في المعاملات و (كتابة) بمعنى وقول الفقهاء (باب الكتابة) فيه تسامح لأن (الكتابة) اسم المكتوب وقيل (للمكاتبة) كتابة تسمية باسم المكتوب مجازاً واتساعاً لأنه يكتب في الغالب للعبد على مولاه كتاب بالعتق عند أداء النجوم ثم كثر الاستعمال حتى قال الفقهاء (للمكاتبة)(كتابة) وأن لم يكتب شيء قال الأزهري وسميت (المكاتبة)(كتابة) في الإِسلام وفيه دليل على أن هذا الإِطلاق ليس عربياً وشذ الزمخشري فجعل (المكاتبة) و (الكتابة) بمعنى واحد ولا يكاد يوجد لغيره ذلك ويجوز أنه أراد الكتاب فطغا القلم بزيادة الهاء قال الأزهري (الكتاب) و (المكاتبة) وإن يكاتب الرجل عبده أو أمته على مال منجم =
والعبد ألزم نفسه المال الذي كاتب عليه.
الخامس: "الأهل"(1) هنا السادة والملاّك وقد أسلفنا في شرح الخطبة أن ظاهر نص الشافعي أن الأهل كالآل وأنه وجه عندنا في الوصايا الأشبه دخول الزوجة أيضاً.
وحكى المتولي عن ثعلب: أنهم نسل الآباء: كالإِخوة، والأخوات، والأعمام، والعمات، وأولادهم دون الأولاد، قال: فيحمل عليه وهذا كله في أهل بيت الرجل.
وفي "أهله" دون لفظ "البيت" وجوه عندنا أرجحها في "الروضة"(2) أنه كل من تلزمه نفقته والمسئلة مبسوطة في "شرحي للمنهاج" في باب الوقف والوصايا فمن أراد الإِمعان في ذلك وقف عليه.
= ويكتب العبد عليه أنه يعتق إذا أدى النجوم وقال غيره بمعناه و (تكاتبا) كذلك فالعبد (مكاتب) بالفتح اسم مفعول وبالكسر اسم فاعل لأنه (كاتب) سيده فالفعل منهما والأصل في باب المفاعلة أن يكون من اثنين فصاعداً يفعل أحدهما بصاحبه ما يفعل هو به وحينئذ فكل واحد فاعل ومفعول من حيث المعنى. وانظر أيضاً تهذيب اللغة (10/ 150)، النظم المستعذب (2/ 111).
(1)
انظر شرح الخطبة في مقدمة الكتاب وشرح حديث "122" ت "6".
(2)
أبو حنيفة يخص الأهل بالزوجة، لأن الأهل حقيقة في الزوجة، قال تعالي:{وَسَارَ بِأَهْلِهِ} ، و {قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا} ويؤيده العرف.
وقال الصاحبان: يشمل الأهل كل من تلزمه نفقته ما عدا خدمه، لأن اللغة تستعمل الأهل في أقارب الرجل وعشيرته، قال تعالى:{فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ} ، والأولى الاعتماد على العرف.
وأغرب بعضهم: فاستنبط من قولها: "إن أحب أهلكِ" ومن قولها "فأبوا" إن بريرة كانت مشتركة.
السادس: "الأواق"(1) جمع أوقية كما سلف بيانه واضحاً في الحديث الثاني من كتاب الزكاة وذكرنا هناك مقدارها ووقع في بعض نسخ مسلم "وقية"(2) بغير ألف وهي لغة كما أسلفناها هناك وأن الجمهور على إثبات الألف كما وقع في الكتاب.
السابع: قولها: "على تسع أواق، في كل عام أُوقية" هذا هو الصواب وفي رواية معلقة للبخاري (3): "أن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها وعليها خمس أواق نجمت عليها في خمس سنين" ورجح القرطبي (4) الأولى على هذه فإنها من رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وهذه من رواية يونس عن ابن شهاب أثبت في حديث أبيه [وجدته](5) من غيره، قال: ويحتمل أن تكون هذه الخمس الأواقي هي التي استحقت عليها بحلول نجومها من جملة التسع الأواقي المذكورة.
(1) انظر التمهيد (22/ 169).
(2)
انظر شرح مسلم (10/ 145).
(3)
انظر فتح الباري (5/ 185)، كتاب: المكاتب، باب: المكاتب ونجومه في كل سنة نجم. وتعليق التعليق (3/ 349).
(4)
المفهم (5/ 2637).
(5)
في المفهم جده. والذي يفهم من السياق خالته -أي عائشة- لأن جده الزبير وجدته أسماء لم يرد ذكرهما هنا والراجح [خالته] فليصحح.
وقال غيره: لولا ما روى أنها لم تكن أدت من كتابتها شيئاً لجمع بينهما بأن تكون أصل الكتابة تسعاً والباقي وقت السؤال خمساً (1).
(1) قال ابن حجر -رحمنا الله وإياه- في فتح الباري (5/ 187)، وقد وقع في هذه الرواية المعلقة أيضاً مخالفة للروايات المشهورة في موضع فيه نظر وهو قوله في المتن:"وعليها خمس أواقي نجمت عليها في خمس سنين" والمشهور ما في رواية هشام بن عروة الآتية بعد بابين عن أبيه: "أنها كاتبت على تسع أواق في كل عام أوقية" وكذا في رواية ابن وهب عن يونس عند مسلم، وقد جزم الإِسماعيلي بأن الرواية المعلقة غلط، ويمكن الجمع إن التسع أصل والخمس كانت باقية عليها، وبهذا جزم القرطبي والمحب الطبري، ويعكر عليه قوله في رواية قتيبة "ولم تكن أدت من كتابتها شيئاً" ويجاب بأنها حصل الأربع أواق قبل أن تستعين بعائشة ثم جاءتها وقد بقيت عليها خمس، وقال القرطبي: يجاب بأن الخمس هي التي كانت استحقت عليها بحلول نجومها من جملة التسع الأواقي المذكورة في حديث هشام، ويؤيده قوله في رواية عمرة عن عائشة رضي الله عنها الماضية في أبواب المساجد:"فقال أهلها إن شئت أعطيت ما يبقى" وذكر الإِسماعيلي أنه رأى في الأصل المسموع على الفربري في هذه الطريق أنها كاتبت على خمسة أوساق وقال: إن كان مضبوطاً فهو يدفع سائر الأخبار. قلت: لم يقع في شيء من النسخ المعتمدة التي وقفنا عليها إلَاّ الأواقي، وكذا في نسخة النسفي عن البخاري، وكان يمكن على تقدير صحته، أن يجمع بأن قيمة الأوساق الخمسة تسع أواق، لكن يعكر عليه قوله:"في خمس سنين" فيتعين المصير إليه إلى الجمع الأول وقوله في هذه الرواية، فقالت عائشة ونفست فيها هو بكسر الفاء جملة حالية أي رغبت. اهـ.
الثامن: اختلف العلماء في جواز بيع المكاتب على ثلاثة مذاهب. (1)
(1) عرض أقوال أهل العلم في بيع المكاتب:
1 -
جمهور أهل العلم: لا يباع إلَاّ على أن يمضي في كتابته عند مشتريه، ولا يبطلها، وهذا عندي بيع الكتابة لا بيع الرقبة.
2 -
وقالت طائفة: بيعه جائز ما لم يؤد من كتابته شيئاً، لأن بريرة بيعت ولم تكن أدت من كتابتها شيئاً.
3 -
وقال آخرون: إذا رضي المكتب بالبيع، جاز لسيده بيعه. وهو قول أبي الزناد، وربيعة، وهو قول الشافعي، ومالك أيضاً، إلَاّ أن مالكاً اختلف قوله في كيفية تعجيز المكاتب، ولا يرى بيع رقبة المكاتب إلَاّ بعد التعجيز.
وأما رأي الشافعي: فإنه يقول إذا رضي المكاتب بالبيع، فهو منه رضى بالتعجيز، وتعجيزه إليه، لا إلى سيده، لأن بريرة رضيت أن تباع، وهي كانت المساومة لنفسها، والمختلفة بين سادتها الذين كاتبوها، وبين عائشة التي اشترتها.
4 -
وقال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق: لا يجور أن يباع إلَاّ للعتق، فكذلك بيعت بريرة.
5 -
وقال آخررن: لا يجوز أن تباع حتى تعجز، فإذا عجزت نفسها جاز بيها، وذكروا أن بريرة عجزت نفسها، وللمكاتب أن يعجز نفسه، كان له مال ظاهر أو لم يكن.
6 -
وقال آخرون: لا يجوز بيع المكاتب ويجوز كتابة، المكاتب على أنه إن عجز، فللذي اشترى كتابته رقبته، وإن مات المكاتب ورثه دون البائع وإن أدى كتابته إلى الذي اشترى، كان ولاؤه للبائع الذي عقد كتابته. وهو قول لمالك وأصحابه. =
أحدها: جوازه وهو قول عطاء والنخعي وأحمد ومالك في رواية الشافعي في أحد قوليه استدلالاً بهذا الحديث وعليه بوب البخاري بيع المكاتبة إذا رضي المكاتب فإن بريرة كانت مكاتبة وباعتها الموالي واشترتها عائشة وأمر صلى الله عليه وسلم ببيعها وعليه بوب البخاري (1)"بيع المكاتب إذا رضي [المكاتب] ".
وثانيها: منعها وهو قول ابن مسعود وتبعه أبو حنيفة والشافعي في أصح قوليه وبعض المالكية ومالك في رواية عنه وحملوا الحديث على أن بريرة عجزت نفسها وفسخوا الكتابة بعجزها وضعفها عن الأداء والكسب بدليل سعيها بين عائشة وأهلها وهو دليل على رضاها ورضاهم بإبطالها ومتى رضى السيد والعبد بإبطالها بطلت (2).
= 7 - وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز بيع المكاتب لما في ذلك من نقض العقد له، وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود لأنه يدخله بيع الولاء.
وكذلك لا يجوز بيع كتابته، ولا بيع شيء مما بقي منها عليه، والبيع في ذلك كله فاسد مردود. اهـ. من الاستذكار (23/ 298)، التمهيد (22/ 176).
(1)
البخاري مع الفتح (5/ 194). في الفتح لا يوجد ما بين القوسين.
(2)
قال ابن عبد البر -رحمنا الله وإياه- في التمهيد (22/ 176)، وفيه إجازة بيع المكاتب إذا رضي بالبيع وإن لم يكن عاجزاً عن أداء نجم قد حل عليه، خلاف قول من زعم أن بيع المكاتب غير جائز إلَاّ بالعجز، لأن بريدة لم تذكر أنها عجزت عن أداء نجم، ولا أخبرت بأن النجم قد حل عليها، ولا قال لها النبي صلى الله عليه وسلم أعاجزة أنت أم هل حل عليك نجم فلم تؤديه؟ ولو لم يجز بيع المكاتب والمكاتبة إلَاّ بالعجز عن أداء نجم قد حل، لكان النبي صلى الله عليه وسلم قد سألها أعاجزة هي أم لا؟ وما كان ليأذن في =
ومنهم من حمله: على أن عائشة اشترت الكتابة لا الرقبة، مستدلاً على ذلك بقول عائشة في الصحيح:"فإن أحبوا أن أقضي عنكِ كتابتكِ" وذلك يشعر بأن المشترَى: هو الكتابة، لا الرقبة، وقد أجاز مالك بيع كتابته خاصة ويؤدي للمشتري فإن عجز رق له (1).
والثالث: جوازه للعتق (2) دون الاستخدام وهو ظاهر الحديث وفي جواز بيعه إذا كان ظاهر المال ورضى بالعجز قولان للمالكية وكذا لهم خلاف فيما إذا لم يتبين له مال ظاهر ولكنه قادر على التكسب وتحصيل النجوم.
التاسع: اختلف العلماء أيضاً في بيع العبد بشرط العتق على قولين.
أحدهما: أنه باطل، كما لو باعه بشرط أن لا يبيعه [أو](3) لا يهبه.
= شرائها إلَاّ. بعد علمه صلى الله عليه وسلم أنها عاجزة- ولو عن أداء نجم واحد قد حل عليها، وأما خبر الزهري أنها لم تكن قضت من كتابتها شيئاً ولا أعلم في هذا الباب حجة أصح من حديث بريدة هذا ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء يعارضه ولا في شيء من الأخبار دليل على عجزها. اهـ.
(1)
قال الصنعاني -رحمنا الله وإياه- في حاشية إحكام الأحكام (4/ 91) أجيب بأنه خلاف سياق الحديث ولفظه. ومن الأعذار أن بريرة إنما فاوضت أهلها في كتابتها واتفقت معهم على هذا القدر ولم يقع العقد بعد، ولذلك بيعت. وأجيب: بأنه خلاف سياق الحديث أيضاً.
(2)
قال أيضاً: لأن الكتابة إعتاق.
(3)
في إحكام الأحكام بالواو.
والثاني: [وهو أصح قولي الشافعي إنه صحيح والحديث دال عليه](1)[وهو مذهب مالك أيضاً والأول قول أبي حنيفة لكنه قال إن وقع البيع مضى بالثمن وخالفه صاحباه فقالا يمضي بالقيمة](2)[ومن منع البيع منع أن تكون](3) عائشة مشترية للرقبة ويحمل [الحديث](4) على قضاء الكتابة عن بريرة، أو على شراء الكتابة، والأول ضعيف، مخالف [لقوله عليه الصلاة والسلام في الصحيح لعائشة "ابتاعي"](5).
وأما الثاني (6): فهو [يحتاج](7) فيه إلى أن يكون قد قيل بمنع
(1) العبارة في المرجع السابق: وهو الصحيح أن العقد صحيح لهذا الحديث.
(2)
غير موجود في المرجع السابق.
(3)
العبارة في المرجع السابق: ومن منع من بيع العبد بشرط العتق فقد قيل: إنه يمنع كون
…
إلخ.
(4)
غير موجودة في المرجع السابق.
(5)
العبارة في المرجع السابق: مخالف للفظ الوارد في بعض الروايات، وهو قوله عليه السلام:"ابتاعي" قال الصنعاني -رحمنا الله وإياه- في حاشية إحكام الأحكام (4/ 91) على قوله: "ابتاعي" فإنه ظاهر أن المراد ابتاعي رقبتها، بل لا يحمل إلَاّ عليه، وكيف يعبر صلى الله عليه وسلم بابتاعي عن قضاء الكتابة عن بريرة؟ هذا لا يفهمه اللفظ. اهـ.
(6)
وقال أيضاً قوله: "وأما الثاني" وهو أن الشراء للكتابة نفسها، فيه أولاً أنه لا يوافق لفظ ابتاعي، فإن المعروف أن المتبادر منه في شراء الأعيان، ولو فرض صحة بيع غيرها فما يتبادر عند الاطلاق إلَاّ بيع الأعيان.
(7)
في المرجع لسابق "محتاج".
البيع بشرط العتق، مع جواز البيع [المكاتب](1)، ويكون [قد](2) ذهب إلى الجمع بين هذين ذاهب واحد معين، [وهذا](3) يستمد من (4) إحداث القول الثالث (5).
العاشر: إذا قلنا بصحة البيع بشرط العتق، فهل يصح الشرط، أو يفسد؟
فيه قولان للشافعي: أصحهما [الأول](6) لأنه عليه الصلاة والسلام لم ينكر إلَاّ اشتراط الولاء. والعقد تضمن أمرين:
اشتراط العتق.
واشتراط الولاء.
[ولم ينكر إلَاّ الثاني فيبقى](7) الأول مقرراً عليه، ويؤخذ من
(1) في المرجع السابق "الكتابة وقد".
(2)
غير وجودة في المرجع السابق.
(3)
في المرجع السابق "ولهذا".
(4)
في المرجع السابق زيادة "مسألة".
(5)
قال الصنعاني -رحمنا الله وإياه- قوله: "على مسألة إحداث القول الثالث" إشارة إلى ما ذكره الأصوليون أنه إذا اتفق السلف من الأمة على قولين فهل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث أو لا؟ المختار أنه لا يجوز إذا لم يرفع القولين، وهنا قد رفع القولين، لأنه رفع القول بجواز بيع المكاتب، والقول بجواز بيعه بشرط العتق.
(6)
العبارة في المرجع السابق: أن الشرط يصح.
(7)
العبارة في المرجع السابق: "ولم يقع الإِنكار إلَاّ للثاني فيبقى"، قال الصنعاني -رحمنا الله وإياه- (4/ 92) فيكون ثبوته بالتقرير، وهو أحد أقسام السنة.
لفظ الحديث، فإن (1) من ضرورة [اشتراط الولاء](2) اشتراط العتق (3) فيكون من لوازم اللفظ، لا من مجرد التقدير، ومعنى صحة الشرط أنه يلزم الوفاء به من جهة المشتري، فإن امتنع (4)، فالأصح عند الشافعية إجباره عليه.
الحادي عشر: [ظاهر الحديث صحة](5) اشترط الولاء للبائع [حيث قال](6): واشتراطي لهم الولاء. ولا يأذن (7) في عقد باطل،
(1) في المرجع السابق زيادة: قوله "اشترطي لهم الولاء.
(2)
غير موجودة في المرجع السابق.
(3)
قال الصنعاني -رحمنا الله وإياه- في الحاشية (4/ 92): فإن ثبوت الولاء فرع ثبوت العتق، فيكون اشتراط العتق من لوازم اللفظ، أي من لوازم قوله:"اشترطي لهم الولاء" فإنه لا ولاء إلَاّ لمن أعتق، فقد وقع صحة البيع بشرط العتق من دلالة التقرير ودلالة لازم اللفظ، إلَاّ أن يقال: إنه بعد إفادة اللفظ اللازمة لا يلاحظ التقرير.
(4)
في المرجع السابق زيادة: فهل يجبر عليه أم لا؟ فيه اختلاف بين أصحاب الشافعي، وإذا قلنا لا يجبر أثبتنا الخيار للبائع قال الصنعاني -رحمنا الله وإياه- على قوله "أثبتنا الخيار للبائع" وذلك لأنه لم يبعه إلَاّ بشرط العتق، وإذا لم يقع الشرط ثبت له الخيار.
(5)
غير موجودة في المرجع السابق.
(6)
العبارة في المرجع السابق: هل يفسد العقد؟ فيه خلاف. وظاهر الحديث أنه لا يفسده لما قال فيه، قال الصنعاني -رحمنا الله وإياه- على قوله:"وظاهر الحديث لا يفسده" هذا مبني على أن اللام في "لهم" على أصلها، لا أنها بمعنى "علي" ويأتي الكلام في ذلك -إن شاء الله-.
(7)
في المرجع السابق: النبي صلى الله عليه وسلم.
[وإذا صح العقد فالشرط باطل لظاهر الحديث أيضاً ولأن](1) القياس يقتضي أن الأثر يختص بمن صدر منه السبب، والولاء من آثار العتق (2)، فمختص بمن صدر منه العتق [وهو المشتري المعتق] (3) وهذا التمسك والتوجيه في صحة البيع والشرط يتعلق بالكلام على معنى قوله عليه الصلاة والسلام:"واشترطي لهم الولاء" وسيأتي (4) على الأثر وأبدى الإِمام فيه بحثاً أثبته الرافعي وجهاً وأنكره عليه لأنه عليه الصلاة والسلام لا يأذن في باطل.
الثاني عشر: وهو أشكل ما في الحديث وأصعبه أنه عليه الصلاة والسلام كيف أذن في البيع على شرط فاسد؟
وكيف يأذن لهم في وقوع البيع، على هذا الشرط ويدخل البائع عليه ثم يبطل اشتراطه؟ وفي ذلك نوع خداع من عائشة لهم في ذلك.
فاختلف الناس في الكلام على هذا الإِشكال، العظيم
(1) العبارة في المرجع السابق: -وإذا قلنا إنه صحيح، فهو يصح الشرط؟ فيه اختلاف في مذهب الشافعي- والقول ببطلانه موافق لألفاظ الحديث وسياقه، وموافق للقياس أيضاً من وجه، وهو أن
…
إلخ.
الصنعاني قال -رحمنا الله وإياه- على قوله: "موافق لألفاظ الحديث وسياقه" لأنه ما سبق إلَاّ لإِنكار ذلك، وموافقته للقياس فقد أوضحها الشارح المحقق. اهـ.
(2)
ما بعده غير موجود في المرجع السابق في هذا الموضع.
(3)
في المرجع السابق: وهو المعتق.
(4)
إلى هنا انتهى نقله من إحكام الأحكام.
فمنهم من صَعُب عليه، فأنكر هذه اللفظة. أعني قوله:"اشترطي لهم الولاء" وقد نقل ذلك المازري (1) عن يحيى بن أكثم وقد وقع في كثير من الروايات سقوطها وهذا ما شجع يحيى على إنكارها.
(1) المعلم بفوائد مسلم (2/ 225) ، ويحيى بن أكثم -بفتح الهمزة وبمثلثة- ابن محمد التميمي الأسيدي أبو محمد، قال أحمد: ما عرفناه ببدعة، مات سنة 242.
وقد وصل هذا الأثر الخطابي في معالم السنن (4/ 246) ط دار المعرفة في بيروت -عن أبي رجاء الغنوي عن أبيه عن يحيى.
والمنقول عنه في ذلك قوله: "هذا لا يجوز على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يتوهم أنه يأمر بغرور أحد.
وقال الخطابي -رحمنا الله وإياه- في أعلام الحديث (2/ 1057) وقد اختلف الناس في قوله "اشترطي لهم الولاء" فذهب بعضهم إلى أن هذه اللفظة لا تصح في الرواية، وأنها شيء تفرد به مالك، عن هشام عن عروة لم يتابع عليه. اهـ.
وقال الخطابي في إعلام الحديث (2/ 1057)، وليس الأمر على ما ذهبوا إليه، وقد تابع مالكاً في روايته عن هشام بن عروة، جرير بن عبد الحميد، وأبو أسامة -حماد بن سلمة- وقد ذكر أبو عبد الله من رواية أبي أسامة في غير هذا الموضع من الكتاب. اهـ.
وقال ابن حجر -رحمنا الله وإياه- في تلخيص الحبير (3/ 13) قال الرافعي: قالوا: إن هشام بن عروة تفرد بقوله: "اشترطي لهم الولاء" ولم يتابعه سائر الرواة والله أعلم. وقد قيل: إن عبد الرحمن بن نمر تابع هشاماً على هذا، فرواه عن الزهري عن عروة نحوه. اهـ. انظر الاستذكار (23/ 189، 210)، وبالتأكيد (23/ 200)، التمهيد (22/ 180).
قال الشيخ تقي الدين (1): وبلغني عن الشافعي (2) قريب منه، وأنه قال هذه اللفظة تفرد بها هشام بن عروة عن أبيه دون غيره من الثقات الأثبات والأكثرون على إثبات هذه اللفظة للثقة برواتها، واختلفوا في التأويل والتخريج على وجوه:
أحدها: أن "لهم" بمعنى "عليهم" لقوله تعالى: {لَهُمُ اللَّعْنَةُ} (3) بمعنى عليهم، وقوله:{وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} (4)، أي: فعليها وهذا منقول عن الشافعي (5) وغيره.
قال النووي (6): وهو ضعيف لأنه عليه الصلاة والسلام أنكر الاشتراط ولو كان كما قاله صاحب هذا التأويل لم ينكره.
(1) إحكام الأحكام (4/ 94)، قال ابن حجر-رحمنا الله وإياه- في الفتح (5/ 190) واختلف العلماء في ذلك: فمنهم من أنكر الشرط في الحديث، فروى الخطابي في "المعالم" بسنده إلى يحيى بن أكثم أنه أنكر ذلك، وعن الشافعي في "الأم" الإِشارة إلى تضعيف رواية هشام المصرحة بالاشتراط لكونه انفرد بها دون أصحاب أبيه، وروايات غيره قابلة للتأويل، وأشار غيره إلى أنه روى بالمعنى الذي وقع له، وليس كما ظن، وأثبت الرواية آخرون وقالوا: هشام ثقة حافظ، والحديث متفق على صحته فلا وجه لرده. اهـ.
(2)
الأم (3/ 16).
(3)
سورة الرعد: آية 25.
(4)
سورة الإِسراء: آية 7.
(5)
انظر معرفة السنن (14/ 462)، والسنن الكبرى للبيهقي (10/ 339)، وساقه في الاستذكار (23/ 201).
(6)
انظر شرح مسلم (10/ 140).
وقد يجاب عن هذا: بأن عليه الصلاة والسلام ما أنكر إلَاّ ما أرادوا اشتراطه في أول الأمر.
وقال الشيخ تقي الدين (1): أيضاً فيه ضعف.
أما أولاً: سياق الحديث (2) وكثيراً من ألفاظه ينفيه.
وأما ثانياً: فلأن "اللام" لا تدل بوضعها على الاختصاص النافع، بل على مطلق الاختصاص، فقد يكون في اللفظ ما يدل على الاختصاص النافع، وقد لا يكون.
ثانيها (3): أن يكون الاشتراط المذكور بمعنى ترك المخالفة
(1) إحكام الأحكام (4/ 94).
(2)
قال الصنعاني -رحما الله وإياه- في حاشية إحكام الأحكام (4/ 94) قوله: "أما أولاً فلأن سياق الحديث" ضعيف بأمرين:
أما الأول: فلم نافاته كثيراً من ألفاظه، قال النووي: تأويل "اللام" بمعنى "على" هنا ضعيف لأنه صلى الله عليه وسلم أنكر الاشتراط
…
إلخ، كلامه -وقد سبقت الإشارة إليه-.
والثاني: أن "اللام" للاختصاص المطلق فكيف تجعل بمعنى "على" التي للاضراب؟ لأنك تقول شهد له، أي: لنفعه، وشهد عليه لاضراره، فالقرينة ظاهرة من السياق، فههنا، أي: فيما مثلنا به في اللفظ ما يدل على الاختصاص النافع، بخلاف الحديث فإنه ليس فيه ما يدل على ذلك حتى يبد لها باللفظ الدال على الاضرار، وحاصل مراده أن اللام لمطلق الاختصاص وجعلها بمعنى "على" صيرها لمعنى الاضرار.
(3)
قال الصنعاني -رحمنا الله وإياه- في الحاشية (4/ 95) على كلام لم يسقه المؤلف -ما فهمته من كلام بعض المتأخرين وتلخيصه-.
قال: قوله: "وتلخيصه" هذا الجواب تصرف في لفظ الفعل، والأول =
لما شرطه البائعون، وعدم إظهار النزاع فيما دعوا إليه، مراعاة لمصلحة الشرع في العتق وقد يعبر عن التخلية والترك بصيغة تدل على الفعل، ألا ترى أنه قد أطلق لفظ الأذن من الله تعالى على التمكين من الفعل والتخلية بين العبد وبينه سبحانه وتعالى، وإن كان ظاهر اللفظ يقتضي الإِباحة والتجويز؟ وذلك موجود في كلام الله تعالى على ما قاله المفسرون في قوله تعالى:{وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ} (1)، وليس المراد بالإِذن: إباحة الله تعالى الأضرار بالسحر، ولكنه لما خَلَّى بينهم وبين ذلك الإِضرار أطلق عليه لفظ "الإِذن" مجازاً.
قال الشيخ تقي الدين، وهذا وإن كان محتملاً -إلَاّ أنه خارج عن الحقيقة من غير دلالة ظاهرة على المجاز من حيث اللفظ-.
ثالثها: أن لفظة: "لاشتراط"(2) و"الشرط" وما تصرف منها
= تصرف في الحرف، ولخصه ابن حجر فقال: معنى "اشترطي" اتركي مخالفتهم فيما يشترطون ولا تظهري نزاعهم فيما دعوا إليه لتنجيز العتق لتشوف الشارع إليه، وقد يعبر عن الترك بالفعل كما في قوله تعالى:{وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} ، أي: بتركهم يفعلون ذلك، وليس المراد بالإِذن إباحة الإضرار بالسحر. اهـ.
(1)
سورة البقرة: آية 102.
(2)
قال ابن حجر -رحمنا الله وإياه- في فتح الباري (5/ 191) فزعم الطحاوي أن المزني حدثه به عن الشافعي بلفظ: و"اشرطي" بهمزة قطع بغير تاء مثناة، ثم وجهه بأن معناه: أظهري لهم حكم الولاء، والاشتراط الإِظهار -ثم ساق بيت أوس بن حجر إلى أن قال- وأنكر غيره الرواية. =
يدل على الإِعلام والإِظهار. ومنه: أشراط الساعة، والشرط اللغوي، والشرعي. ومنه قول أوس بن حَجَر -بفتح الحاء والجيم-.
فأشرط فيها نفسه وهو معصم
…
وألقى بأسباب له وتوكلا
أي: اعلمها وأظهرها، وإذا كان كذلك حمل "اشترطي" على معنى: أظهري حكم الولاء وبينيه واعلمي أنه لمن أعتق، على عكس ما أورده السائل وفهم من الحديث.
ويؤيد هذا ما نقله الطحاوي عن الشافعي أنه روى هذه اللفظة عن مالك عن هشام بن عروة بإسناده ولفظه وقال فيها: "واشرطي لهم الولاء" بغير تاء.
= والذي في "مختصر المزني" و"الأم" وغيرهما عن الشافعي كرواية الجمهور "واشترطي" بصيغة أمر المؤنث من الشرط. اهـ.
قال الصنعاني -رحمنا الله وإياه- في الحاشية (4/ 96) والشارح المحقق أجرى هذا الاحتمال في الرواية الثانية هنا، ولا يقال لا بد من حمل اللفظة في البيت على اشترط لأنا نقول: قد أشار بقوله "إن لفظة الاشتراط والشرط وما تصرف منها يدل على الإِعلام" واعلم أنه سكت عليه الشارح كالمرتضى له، وكذلك سكت عليه الحافظ ابن حجر.
ثم قال: قلت: ويخفى أن قيامه صلى الله عليه وسلم خطيباً وقوله: "ما بال قوم يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله" يشعر بأن الشرط في كلام عائشة كالشرط في كلامهم، وإلَاّ لكان إعلام عائشة لهم بحكم الله تعالى في الولاء كافياً إلَاّ أن يقال إنه صلى الله عليه وسلم أكد إعلامهم بحكم الله، ولكن التأسيس خير من التأكيد، وكذلك "اللام" تأتي بمعنى "عليهم"، إلَاّ أنه عندي أقرب الوجوه، على ما فيه. اهـ.
لكن قال القرطبي (1): هذه الرواية حيث مما انفرد بها الشافعي عن مالك والجمهور من الأئمة الحفاظ على ما تقدم.
الرابع: أنه عليه الصلاة والسلام كان قد أخبرهم أن "الولاء لمن أعتق" ثم أقدموا على اشتراط ما يخالف هذا الحكم الذي علموه، فورد هذا اللفظ على سبيل الزجر والتوبيخ (2)، لمخالفتهم الحكم الشرعي، وغاية ما في الباب إخراج لفظة الأمر عن ظاهرها وقد وردت خارجة عن مواضعها (3) في غير موضع يمتنع إجراؤها فيها على ظاهرها كقوله تعالى:{اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} (4){فَمَنْ شَاءَ} (5) ومعلوم أنه ليس المراد إطلاق المشيئة منهم في عملهم وكفرهم، وعلى هذا الوجه لا يبقى غرور (6).
(1) المفهم (5/ 2642).
(2)
قال الصنعاني -رحمنا الله وإياه- في الحاشية (4/ 96) على قوله: "فورد هذا اللفظ على سبيل الزجر والتوبيخ" يريد به قوله: "اشترطي" فإنه رمز يراد به ذلك على ما نبينه قريباً.
(3)
وقال أيضاً على قوله: "وقد وردت خارجة عن ظاهرها في مواضع" إلَاّ أنه يرد عليه ما أورده قريباً من أنه خارج عن الحقيقة من غير دلالة ظاهرة على المجاز من اللفظ، فالقرينة ما ذكرناه. اهـ.
(4)
سورة فصلت: آية 40.
(5)
سورة الكهف: آية 29.
(6)
قال الحافظ ابن حجر -رحمنا الله وإياه- في الفتح (5/ 191)، ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم حين خطبهم قال: "ما بال رجال يشترطون
…
" إلخ فوبخهم بهذا القول مشيراً إلى أنه قد سبق منه بيان حكم الله لإِبطاله، إذ لو لم يسبق منه بيان ذلك لبدأ ببيان الحكم في الخطبة لا بتوبيخ الفاعل، لأنه كان يكون =
الخامس: أن يكون إبطال هذا الشرط عقوبة لمخالفتهم حكم الشرع، فإن إبطال الشرط يقتضي تغريم ما قوبل به الشرط من المالية المسامح بها لأجل الشرط، ويكون هذا من باب العقوبة بالمال، كحرمان القاتل الميراث.
السادس: أن ذلك خاصاً بهذه القضية لا عام في سائر الصور، وسبب التخصيص بإبطال هذا الشرط للمبالغة في الرجوع عنه المخالفة للشرع، كما أن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصاً بتلك الواقعة، مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحج، وهذا قاله أصحابنا في كتب الفقه.
قال النووي (1): وهو أصح التأويلات.
= باقياً على البراءة الأصلية. اهـ.
قال الصنعاني -رحمنا الله وإياه- في الحاشية: (4/ 97) إلَاّ أنه يبعده أن عائشة كانت جاهلة لكون الولاء لمن أعتق، بدليل أنها قالت لبريرة:"إن أحب أهلك أن أعدها ويكون ولاؤك لي"، فإنها لو كانت عالمة بأن الولاء لمن أعتق لم تحتج إلى ذلك قطعاً، ومن البعيد أن يعلمه أهل بريرة ولا تعلمه عائشة. اهـ.
(1)
شرح مسلم (10/ 140)، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح (5/ 191)، وتعقب بأنه استدلال بمختلف فيه على مختلف فيه، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن التخصيص لا يثبت إلَاّ بدليل، ولأن الشافعي نص على خلاف هذه المقالة. اهـ.
قال الصنعاني -رحمنا الله وإياه- في الحاشية (4/ 98)، وكأن هذا التعقب في غير شرحه على العمدة، أو أنه في نسخة منه لم نجدها. اهـ.
وقول الشيخ تقي الدين (1): إن هذا الوجه جعله بعض متأخري الشافعية إلَاّ صحّ في تأويل الحديث أراد به النووي وقوى بعضهم الوجه الرابع وقال إنه أظهرها برواية البخاري (2)"اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاءوا" -فاشترتها وأعتقتها واشترط أهلها الولاء- ومال إليه الأصيلي أيضاً.
الثالث عشر: قوله عليه الصلاة والسلام: "إنما الولاء لمن أعتق" دال على "إن" كلمة "أن" للحصر لأنها لو لم تكن للحصر لما لزم من إثبات الولاء لمن أعتق نفيه عن من لم يعتق، فدل على أن مقتضاها الحصر. وقد قررنا ذلك في حديث "إنما الأعمال بالنيات" كما سلف لك، وقد أثبت العلماء الولاء في صور بغير العتق لكنها في معناه، كما إذا باعه أو أعتقه على مال، أو كاتبه أو استولدها، وعتقت بموته. ويثبت الولاء للمسلم على الكافر وعكسه، وإن كانا لا يتوارثان في الحال لعموم الحديث.
واختلفوا: فيمن أعتق وشرط أن لا ولاء له وهو المسمى "بالسائبة"(3).
(1) إحكام الأحكام (4/ 98).
(2)
البخاري كتاب المكاتب -باب إذا قال المكاتب اشترني وأعتقني، فاشتراه لذلك ح (2565).
(3)
قال الصنعاني -رحمنا الله وإياه- في إحكام الأحكام (4/ 99) بالسين المهملة، شبوه بسوائب الجاهلية حيث أضاع ولاءه مولاه، قالوا ويكون ولاؤه لبيت مال المسلمين. اهـ
انظر الاستذكار (23/ 223، 225).
ومدهب الشافعي ومن وافقه: إلى ثبوت الولاء، وأن الشرط لاغٍ، لأنه ثابت بالشرع، فلا يحذف بالشرط.
ولا ولاء بالحِلْف، ولا بالموالاة، ولا بالإِسلام -وهو أن يسلم الرجل على يد الرجل- ولا بالتقاطه اللقيط، كما هو ظاهر الحديث في حصره الولاء للمعتق وهو مذهب مالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأحمد وداود والجمهور (1).
وقال ربيعة والليث وأبو حنيفة وأصحابه: من أسلم على يديه رجل فولاؤه له (2).
وقال إسحاق: يثبت للملتقط الولاء (3).
وقال أبو حنيفة: يثبت الولاء بالحلف ويتوارثان به والحديث
(1) للاطلاع على أقوال أصحاب المذهب: الشرح الكبير مع المغني (3/ 7)، وحاشية ابن عابدين (488/ 5)، والفوائد الشنشورية (35)، ونهاية المحتاج (6/ 9، 10)، والشرح الكبير للمالكية:(4/ 416)، وتفسير ابن جرير (8/ 288)، والاستذكار (23/ 205، 207)، والتمهيد (3/ 80).
(2)
اختلف أهل العلم فيمن أسلم على يديه رجل هل يكون ولاؤه له على ثلاثة أقوال:-
المنع مطلقاً، الولاء له مطلقاً، التفصيل: فقيل: إن عقل عنه ورثه، وقيل: إن والاه ورثه وقيل: إن كان حربياً وأسلم على يديه ورثه وإلَاّ فلا. اهـ. من التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية (41).
(3)
الالتقاط: هو أخذ طفل لا يعرف نسبه ولا رقه نبذ في شارع أو غيره أو ضل. واختلفوا على قولين، عدم التوريث، ثبوت التوريث بالالتقاط. اهـ. من المرجع السابق انظر الاستذكار (22/ 157، 159).
دال للجمهور (1).
الرابع عشر: قوله عليه الصلاة والسلام "ما بال أقوام" إلى قوله: "وإن كان مائة شرط" مقتضاه أن كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط مبالغة في إبطال جميع الشروط التي ليست في كتاب الله تعالى وكأنه من باب قوله تعالى: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} (2) ولا شك أن من الشروط ما هو صحيح كاشتراط الرهن والكفيل والخيار ونحو ذلك. ومنها ماهو باطل كما هو مقرر في الفروع ومعلوم أن الأول جميعه ليس في كتاب الله وظاهر الحديث يقتضي بطلانه ولا بد من تأويله على أن المراد بكتاب الله تعالى حكم الله، وهو أعم أن يكون في كتاب الله أو مستنبطاً منه. وأن المراد به ما بينه الشارع في سنته واستنبطه العلماء منها، فيكون المراد بالحديث نفي كونها في كتاب الله
(1) المراد به ما كانوا يفعلون في الجاهلية حيث كان الرجل يرغب في خلة الآخر فيعاقده، ويقول له: دمي دمك، وهدمي هدمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك ويقبل الآخر ثم توارثوا في الإِسلام بهذا الحلف بقوله تعالى:{وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} ، وقد اختلف العلماء هل بقي ذلك في الإِسلام فيكون من أسباب الأرث أو نسخ على قولين:
الأول: أن الأرث به لم ينسخ وإنما حدث وارث آخر هو أولى منه كحدوث ابن لمن له أخ.
الثاني: أن ولاء الحلف والمعاقدة منسوخ بقوله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} . اهـ. من المرجع السابق بتصرف.
(2)
سورة التوبة: آية 80.
بواسطة أو بغيرها من حيث إن كلها في كتاب الله فالذي في كتاب الله تعالى هو المنصوص عليه فيه من الأحكام بغير واسطة والذي هو بواسطة كقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (1). وقوله: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (2)، وقوله: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ
…
} (3) الآية.
الخامس عشر: "الولاء"(4) بفتح الواو والمد وأصله من الولي وهو القرب، وهو سبب يورث به ولا يورث وسيأتى الكلام على لفظ العتق في بابه آخر الكتاب إن قدر الله الوصول إليه.
السادس عشر: قوله عليه الصلاة والسلام: (ما بال رجال)، أي: أخالهم و"البال" من الألفاظ المشتركة.
السابع عشر: في المراد بكتاب الله وشرطه أقوال:
أحدها: حكمه كما قدمته ونسبة هذا قوله في حديث العسيف: "لأقضين بينكما بكتاب الله"(5) وليس التغريب والرجم في نص الكتاب.
ثانيها: القرآن، قال الداودي: وكأنه إشارة إلى قوله تعالى:
(1) سورة الحشر: آيه 7.
(2)
سورة النساء: آية 59.
(3)
سورة النساء: آية 83.
(4)
سيأتي تعريفه إنشاء الله في كتاب: الفرائض.
(5)
البخاري (2695، 2696)، ومسلم (1697)، ومالك في الموطأ (2/ 822)، وأحمد (4/ 115، 116)، والدارمي (2/ 177). وسيأتي تخريجه في الحديث الثاني من كتاب الحدود.
{فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} (1)، وقوله:{وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} (2). وقوله: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)} (3). وقوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (4).
ثالثها: قال القاضي (5) عياض: وعندي أنه الأظهر أنه ما أعلم به عليه الصلاة والسلام من قوله: "إنما الولاء لمن أعتق"(6) و"مولى القوم منهم"(7) و"الولاء لحمة كلحمة النسب"(8).
(1) سورة الأحزاب: آية 5.
(2)
سورة الأحزاب: آية 37.
(3)
سورة النساء: آية 188.
(4)
سورة الحشر: آية 7.
(5)
ذكره في إكمال إكمال المعلم (4/ 165).
(6)
حديث الباب.
(7)
مسند أحمد (3/ 448)(4/ 430)، وسنن الدارمي (2/ 244)، ومعجم الكبير (12/ 197)، وذكره في مجمع الزوائد (1/ 195)(10/ 31)، ونصب الراية (4/ 148)، وكنز العمال (29642)، ومشكاة المصابيح (3051) ، وتلخيص الحبير (4/ 214).
وقد ورد بلفظ "مولى القوم من أنفسهم" عند البخاري وأبي داود والبيهقي، والبغوي في السنة وغيرهم.
(8)
أخرجه الشافعي (2/ 72، 73)، والحاكم (4/ 341)، والبيهقي =
الثامن عشر: قوله عليه الصلاة والسلام: (قضاء الله أحق وشرطه أوثق)، أي: أحق بالاتباع من الشروط المخالفة لحكم الشرع. وشرطه أوثق باتباع حدوده التي حدها.
التاسع عشر: ظاهر هذا عدم اشتراط المشاركة بين المفضل والمفضل عليه إذ ما شرطوه من ثبوت الولاء لهم باطل، كما قال عليه الصلاة والسلام:(لا مشاركة بين الحق والباطل)(1) إلَاّ أن يقال إن ذلك جاء على ما اعتقده أو على إن صيغة أفضل ليس على بابها ويكون كقول تعالى: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} (2)، أي: يقين، وقوله عليه الصلاة والسلام:(اسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)(3) فإن أعظم بمعنى عظيم كما سلف في باب المواقيت.
العشرون: في فوائده على وجه الاختصار:
الأولى: جواز الكتابة بالسنة تقريراً لحكم الكتاب (4).
الثانية: جواز كتابة الأنثى للتقرير لأن الآية ليست نصاً فيها إذ الدين ظاهر في الذكر فقديتوهم اختصاصها به لعجز النساء وضعفهن
= (10/ 292)، وعبد الرزاق (16149)، وسعيد بن منصور (284)، ابن أبي شيبة (6/ 122)، وابن حبان (4950)، وأشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح (23/ 44)، وقال: والمحفوظ في هذا ما أخرجه عبد الرزاق
…
إلخ.
(1)
لم أجده بعد البحث.
(2)
سورة الروم: آية 27.
(3)
انظر الجزء الثاني، كتاب: المواقيت ص 236.
(4)
انظر الاستذكار (23/ 192).
عن التكسب غالباً فبين الحديث دخولها أيضاً.
الثالثة: جواز كتابة الأمة المزوجة لأنها كانت مزوجة.
الرابعة: جواز كتابتها دون إذن زوجها ورضاه. لأنه لم يذكر في الحديث (1).
الخامسة: إنه ليس لزوجها منعها من الكتابة وإذا أدى ذلك إلى فراقها باختيارها إن كان عبداً على قول الجمهور أو كيف كان على القول الآخر لترك الاستفصال في الحديث (2).
السادسة: أن الزوج لا يدخل في كتابتها فيجوز كتابة أحد الزوجين دون الآخر ولا يدخل ولدها أيضاً فإن ولد بريرة لم يلحقها في ذلك (3).
(1) انظر المرجع السابق.
(2)
قال مالك في الموطأ (789) الأمر عندنا، أن المكاتب إذا كاتبه سيده تبعه ماله، ولم يتبعه ولده، إلَاّ أن يشترطهم في كتابته. وهذا هو قول مالك، والشافعي، والليث بن سعد، والأوزاعي حجتهم حديث ابن عمر:"من أعتق عبداً له مال، فماله له، إلَاّ أن يشترطه السيد".
وانظر تفصيل المسألة في الاستذكار (23/ 147، 151، 292،259).
وقال أيضاً (260)، وقوله:"ولم يتبعه ولده" فإن المعنى فيه، أن ولده ليسوا بمال بيده، ولا ملك له، وإنما هم عبيد سيده، فلا يدخلون في الكتابة إلَاّ بالشرط.
(3)
المرجع السابق (23/ 193).
السابعة: جواز كتابة من لا مال له ولا حرفة لترك الاستفصال (1) وهو ظاهر سؤالها لعائشة أيضاً وهو مذهب مالك والشافعي والثوري وجماعة غيرهم (2).
واختلف عن مالك في كتابة من لا حرفة له (3). وكرهها الأوزاعي وأحمد وإسحاق وروى مثله عن عمر (4) خلافاً لمن تأول من السلف أن المراد بالخير في الآية المال وهو عند أكثرهم الدين والأمانة والقوة على الكسب عند بعضهم (5).
(1) المرجع السابق (23/ 196).
(2)
المرجع السابق.
(3)
المرجع السابق (23/ 196، 249، 250).
(4)
المرجع السابق (23/ 196، 250).
(5)
قال ابن عبد البر -رحمنا الله وإياه- في الاستذكار (23/ 193، 194)، وفيما وصفنا دليل على أن قول من تأول قول الله عز وجل:{اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ} أن الخير ها هنا المال، ليس بالتأويل الجيد، وإن كان قد روى عن جماعة من المسلمين.
والدليل على ضعف هذا التأويل إجماع العلماء على أن مال العبد للسيد، إن شاء أن ينتزعه من عنده انتزعه ومن قال منهم: إن العبد يملك، ومن قال: إنه لا يملك، فكيف يكاتبه بماله إلَاّ أن يشأ ترك ذلك له.
وأصح ما في تأويل الآية، والله أعلم أن الخير المذكور فيها هو القدرة على الاكتساب مع الأمانة، وقد يكتسب بالسؤال كما قيل: السؤال آخر كسب الرجل، أي أرذل كسب الرجل. اهـ. وقال أيضاً (23/ 247).
واختلفوا أيضاً في قوله عز وجل: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} : [النور:33]:
فقالت طائفة: الخير المال، والغنى، والأداء.
وقال آخرون: الصلاح والدين. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقال آخرون: الخير ها هنا حرفة يقوى بها على الاكتساب. وكرهوا أن يكاتبوا من لا حرفة له فيبعثه عدم حرفته على السؤال.
وقال آخرون: الدين والأمانة، والقوة على الأداء.
وقال آخرون: الصدق، والقوة على طلب الرزق.
قاله مجاهد، وعطاء.
قال عطاء: هو مثل قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8)} [العاديات: 8]، {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} [البقرة: 180].
قال ابن جريج: قلت لعطاء أرأيت إن لم أعلم عنده مالاً، وهو رجل صدق؛ قال: ما أحسب خيراً إلَاّ المال.
وقاله مجاهد.
وقال عمرو بن دينار: هو كل ذلك؛ المال والصلاح.
وقال طاووس: المال، والأمانة.
وقال الحسن، وأخوه سعيد، والضحاك، وأبو رزين، وزيد بن أسلم، وعبد الكريم: الخير: المال.
وقال سفيان: الدين، والأمانة.
وقال الشافعي: إذا جمع القوة على الاكتساب والأمانة.
وروى معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة في قوله تعالى:{فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33]، قال: إن علمتم عندهم أمانة. والثوري، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: صدقا ووفاء.
قال أبو عمر: من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33]، مالاً.
قال: ويقال: علمت فيه الخير، والصلاح والأمانة، ولا يقال: علمت فيه المال، وإنما يقال: علمت عنده المال.
ومن قال: إن مال المكاتب لسيده إذا عقدت كتابته، فلا يكون الخير عنده =
الثامنة: إنه ليس له منعها من السعي.
التاسعة: أنه لا حق له في خدمتها، إذ لو كان كذلك لمنعها (1).
العاشرة: جواز الاستعانة على نجوم الكتابة بأهل الخير والفضل وقوله عليه الصلاة والسلام لحكيم بن حزام "لا تسئل أحداً"(2) يحمل على الأولى.
الحادية عشرة: إعانة المكاتب في كتابته ولا خلاف في ذلك فيما إذا كانت الإِعانة من التطوع واختلف في معونته من الفرض حكاه المالكية (3).
= إلَاّ القوة على الكسب، والتحرف.
(1)
أي في كتابتها. انظر لهما المرجع السابق (23/ 192)، وقال فيه: ولو استدل مستدل من هذا المعنى، بأن الزوجة ليس عليها خدمة زوجها لكان حسناً. اهـ.
(2)
البخاري الفتح (3/ 265، 266)، كتاب: الزكاة، باب: الاستعفاف عن المسألة، ومسلم (1035)، والترمذي (2463)، والنسائي، كتاب: الزكاة، باب:(91)، وأحمد (3/ 402)، والبيهقي (4/ 196)، والحاكم (2/ 3)، والطبراني في الكبير (3/ 211)، والسنة (6/ 115).
(3)
وأما قوله عز وجل: {وَفِي الرِّقَابِ} [60 من سورة التوبة]، فقال مالك والأوزاعي: لا يعطى المكاتب من الزكاة شيئاً لأنه عبد ما بقي عليه درهم والعبد لا يعطى منها موسراً كان أو معسراً ولا من الكفارات من أجل أن ملك العبد عنده غير مستقر ولسيده انتزاعه، هذا في الكفارات. وأما في المكاتب فإنه ربما عجز فصار عبداً.
* قال مالك: ولا يعتق من الزكاة إلَاّ رقبة مؤمنة، ومن اشترى من زكاته رقبة مؤمنة فأعتقها كان ولاءها لجماعة المسلمين.
* وهو قول عبيد الله بن الحسن.
* وقال أبو ثور: لا بأس أن يشتري الرجل الرقبة من زكاته فيعتقها على عموم الآية. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= * وقال الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، وابن شبرمة: لا يجزىء العتق من الزكاة.
* ومعنى قول الله تعالى عندهم {وَفِي الرِّقَابِ} هم المكاتبون، فإن أعطى المكاتب في أخذ كتابته ما يتم به عتقه كان حسناً، وإن أعطاه في غير تلك الحال ثم عجز أجزته.
* وقد روي عن مالك أنه يعان المكاتب.
* وهو قول الطبري، والأول هو تحصيل مذهب مالك.
* وقال الشافعي: الرقاب المكاتبون من جيران الصدقة، فإن اتسع لهم السهم أعطوا حتى يعتقوا وإن دفع ذلك الوالي إلى من يعتقهم فحسن، وإن دفعه إليهم أجزأه. اهـ. وانظر الاستذكار (23/ 258).
* واختلفوا أيضاً في قوله عز وجل: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33].
* فقالت طائفة: الخير المال، والغنى، والأداء.
* وقال آخرون: الصلاح والدين.
* وقال آخرون: الخير ها هنا حرفة يقوى بها على الاكتساب.
* وكرهوا أن يكاتبوا من لا حرفة له فيبعثه عدم حرفته على السؤال.
* وقال آخرون: الدين والأمانة، والقوة على الأداء.
* وقال آخرون: الصدق، والقوة على طلب الرزق.
* قاله مجاهد، وعطاء.
* قال عطاء: هو مثل قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8)} [العاديات: 8]، {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} [البقرة:180].
* قال ابن جريج: قلت لعطاء أرأيت إن لم أعلم عنده مالاً، وهو رجل صدق، قال: ما أحسب خيراً إلَاّ المال.
* وقاله مجاهد.
* وقال عمرو بن دينار: هو كل ذلك، المال والصلاح.
الثانية عشرة: جواز سؤال ذلك قبل الحلول لأنه روى أنها لم تكن قضت شيئاً من كتابتها.
الثالثة عشرة: أن سؤال ذلك لا يوجب تعجيزه.
الرابعة عشرة: اكتسابه في الحال له لا لسيده إلَاّ إذا عجز لقولها "أعينيني" لأن مقصود الكتابة لا يتم إلَاّ به.
الخامسة عشرة: جواز حكاية ما يقع من ذلك خصوصاً إذا قصد به تعريف الأحكام.
السادسة عشرة: جواز تصرف المرأة في مالها بالشراء والإِعتاق وغيرهما إذا كانت رشيدة من غير إذن زوجها وإرسالها إلى من تعامله بغير إذنه أيضاً.
السابعة عشرة: جواز الاستعانة بالمرأة المزوجة بغير إذن زوجها
= * وقال طاووس: المال، والأمانة.
* وقال الحسن، وأخوه سعيد، والضحاك، وأبو رزين، وزيد بن أسلم، وعبد الكريم: الخير: المال.
* وقال سفيان: الدين، والأمانة.
* وقال الشافعي: إذا جمع القوة على الاكتساب والأمانة.
* وروى معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة في قوله تعالى:{فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33]، قال: إن علمتم عندهم أمانة.
* والثوري، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: صدقاً ووفاء.
قال أبو عمر: من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النو ر: 33] مالاً.
* قال: ويقال: علمت فيه الخير، والصلاح والأمانة، ولا يقال: علمت فيه المال، وإنما يقال: علمت عنده المال.
لقولها: "أعينيني" ولم ينكر عليها وهو راجع إلى ما قبله (1).
الثامنة عشرة: جواز شراء السلعة بأكثر من ثمن مثلها، لأن عائشة بذلت بعدِّ ما سموه نسيئة في تسعة أعوام والأجل مقابلة قسط من الثمن.
التاسعة عشرة: جواز سؤال الأمة من يشتريها ويعتقها، وإن كان قد يضر بالسيد لفك الرقبة من ربقة الرق.
العشرون: جواز الاستدانة لمن ليس له مال عند حاجته إليه خلافاً لمن منعه، لأن كتابة بريرة مع مواليها سببه الاستدانة ممن لا شيء له.
الحادية والعشرون: المبادرة إلى إجابة السائل، وعرض ما
يفعل من الخير معه عليه، وعلى من يتعلق به إمضاء ذلك الخير.
الثانية والعشرون: أن الكتابة تكون على، نجوم لأنها كوتبت على تسع أواق، في كل عام أوقية.
ومذهب الشافعي وغيره: أنها لا تجوز على نجم واحد بل على نجمين فصاعداً.
وقال مالك والجمهور: تجوز على نجم وعلى نجمين.
وحكى عن بعضهم: أنه لا تجوز إلَاّ على ثلاثة.
وعند مالك أنه إذا لم يسم أجلاً، ولا نقد النجم، [أنجمت عنده](2) بقدر سعايته وقوته وإن كره السيد. ومنعها الشافعي جملة.
وقال: ليست بكتابة.
(1) أي السادس عشر.
(2)
زيادة من إكمال إكمال المعلم (4/ 160).
الثالثة والعشرون: بجواز فسخ الكتابة إذا أعجز المكاتب نفسه. وإن كان فيه إبطال حرية، لتقدم بريرة على سعيها من عائشة وأهلها في فسخ كتابتها. إذ لو لم يكن فسخاً لأمر بشرائها وإعتاقها، وأخبر أن الولاء لها.
وهل يتوقف التعجيز على إذن الحاكم (1)؟ فيه خلاف للمالكية.
وكذا لهم خلاف في رضاه بتعجيز نفسه، وإن كان له مال.
فقال ابن شهاب وربيعة وأبو الزناد: إذا رضي بالبيع فهو عجز، وجاز بيعه.
وقال مالك: لا يجوز ذلك إلَاّ بعجزه عن الأداء، ولا يكون له مال وتأول بعضهم عجز بريرة ولذلك استعانت بعائشة.
الرابعة والعشرون: جواز بيع المكاتب وقد علمت المذاهب فيه.
الخامسة والعشرون: جواز بيع المكاتب بشرط العتق عند من قال به كما سلف.
السادسة والعشرون: جواز بيع الرقيق بشرط العتق كما سلف أيضاً.
السابعة والعشرون: المكاتب غير عتيق بنفس الكتابة، وأنه عبد ما بقي عليه درهم، كما صرح به الحديث المشهور في سنن أبي داود وغيره، وهو قول عامة العلماء وفقهاء الأمصار.
وحُكي عن بعض السلف: أنه حر بنفس الكتابة، وهو غريم بالكتابة، ولا يرجع إلى الرق أبداً (2).
(1) انظر الاستذكار (23/ 297).
(2)
قال ابن عبد البر -رحمنا الله وإياه- في الاستذكار (23/ 231)، وهذا قول ترده السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة بريرة، من حديث عائشة وغيرها، أن بريرة جاءت تستعينها في كتابتها، ولم تكن قضت من كتابتها =
وحكى عن بعضهم: أنه إذا عجز أُعتق فيه بقدر ما أدى. رُوِيَ عن علي رضي الله عنه (1).
وحكى عن بعضهم: أنه إذا أدى الشطر من كتابته فهو حر، وهو غريم بالباقي (2)، وحُكِيَ عن عمر بن الخطاب (3).
= شيئاً -وذكر طرق الحديث- إلى أن قال- فهذا يدل ويبين أن المكاتب عبد جائز بيعه للعتاقة إذا عقدت كتابته، ولم يؤد منها شيئاً، وأنه لو كان بعقد كتابته حراً غريماً من الغرماء، لم يجز بيعه عند أكثر العلماء.
(1)
قال ابن عبد البر أيضاً: أنه إذا عجز يعتق منه بقدر ما أدى، ويورث، ويرث، ويؤدَّي بقدر ما أدى من كتابته -روى هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن علي رضي الله عنه.
أقول: هذا العطف على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى علي رضي الله عنه لعله خطأ من الناسخ- ثم ساق الحديث بإسناده عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: "يُؤَدَّي المكاتب بقدر ما أدى دية حُرَّ، وبقدر ما رق منه دية عبدٍ".
-أخرجه أبو داود (4581) في الديات: باب في دية المكاتب، والنسائي في القسامة والقود، باب دية المكاتب. وفي كتاب العتق في الكبرى.
وعن علي رضي الله عنه قال: "يعتق المكاتب بقدر ما أدى" مصنف عبد الرزاق (8/ 410)، معرفة السنن (14/ 447)، والسنن الكبرى (10/ 331).
(2)
إذا أدى قيمته فهو غريم، روى عن شريح وابن مسعود.
(3)
انظر الاستذكار (23/ 234)، ودليلهم ما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:"إذا أدى المكاتب الشطر، فلا رق عليه" مصنف عبد الرزاق (8/ 325، 410)، والمحلى (9/ 33، 229)، ومعرفة السنن (14/ 447)، والسنن الكبرى (10/ 325).
وقد روى عنه خلافة أنه قال: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم"، وقد تقدم تخريجه. =
وعن ابن مسعود وشريح مثل هذا، إذا أدى الثلث (1)، وعن عطاء مثله إذا أدى ثلاثة أرباع المال (2).
السابعة والعشرون: جواز إعطاء الصدقات لموالي قريش خلافاً لمن منع ذلك، لأن بريرة مولاة لهم، ولم ينكر عليه الصلاة والسلام الصدقة عليها، فإن كانت هذه الصدقة واجبة كان دليلاً لمن جوّز إعطائها لمواليهم، وهو أحد الوجهين عند الشافعية، والصحيح المنع.
الثامن والعشرون: ثبوت الولاء للمعتق، وهو إجماع، سواء كان عبداً أو أمة إذا أعتقه عن نفسه.
واختلفوا فيها إذا أعتقه عن رجل بعينه أو عن جماعة المسلمين.
فمذهب مالك (3): أن الولاء للمُعتَقِ عنه، سواء كان رجلاً بعينه أو جماعة المسلمين. وحمل الحديث على أن المراد به من أعتق عن نفسه، بدليل ما إذا أعتق الوكيل عن غيره بإذنه.
قلت: الوكيل يخرج بقوله صلى الله عليه وسلم "صحيح البخاري"(4): "إن الولاء لمن أعطى الورق وولى النعمة".
وقال باقي الأئمة الأربعة فيما حكاه ابن هبيرة: إن الولاء لمن
= قال ابن عبد البر في الاستذكار (23/ 241)، وهذا الإِسناد خير من الإِسناد عنه، بأن المكاتب إذا أدى الشطر فلا رق عليه.
(1)
انظر الاستذكار (23/ 235)، ومصنف عبد الرزاق (8/ 410).
(2)
المرجع السابق وفيه أقوال أخرى، راجعه للاطلاع عليها.
(3)
انظر الاستذكار (23/ 209).
(4)
البخاري (6760)، (456)، المسند (6/ 186)، شرح السنة للبغوي (8/ 350)، الترمذي (2125)، وأبو داود (2916)، ومسلم، والنسائي، والبيهقي.
أعتق قال: وزاد أبو حنيفة فقال: إنه للمُعتِق ولو كان المُعتَق عنه أذن في أن يُعتَق عنه (1).
وقال ابن نافع المالكي في المعتق [عن](2) جماعة المسلمين: إن الولاء له دونهم، وألزمه بعضهم أن يقول بمذهب المخالف بذلك في المعين.
قلت: وقد يفرق بينهما.
وقال جماعة من السلف: يتولى من شاء، فإن مات قبل ذلك فولاؤه للمسلمين.
وقيل: يشتري بتركته رقاب فيعتقن حكاها القاضي.
واختلف في ولاء المكاتب والعبد يشتري نفسه من سيده.
فقيل: ولاؤه لسيده، وهو قول مالك وأكثر العلماء.
وقيل: لا ولاء عليه.
قال المازري (3): وكان بعض شيوخنا يخالف في قوله: أنت حر عن المسلمين ويرى أن بقوله: أنت حر، استقر الولاء له، واستئنافه بعد ذلك جملة ثانية هي قوله:"لا ولاء ليّ عليك" لا يُغير حكم الأولى، لأنه إخبار عن أن حكم الجملة الأولى المستقرة بالشرع
(1) قال ابن عبد البر في الاستذكار -رحمنا الله وإياه- (23/ 210)، قال أبو حنيفة: إن قال أعتق عني عبدك على مالٍ ذكره، فالولاء للمُعْتَقِ عنه، لأنه بيعٍ صحيح، إذا قال: أعتق عبدك عني بغير مالٍ، فالولاء للمُعْتِقِ، لأن الآمر لم يملك منه شيئاً، وهي هبة باطلة، لأنها لا يصح فيها القبض. اهـ.
(2)
في الأصل: (على)، وما أثبت أولى.
(3)
المعلم بفوائد مسلم (2/ 227).
على خلاف ما حكم الله به ، فيكون إخباره كذباً، فلا يلتفت إليه.
التاسعة والعشرون: أنه لا ولاء بغير العتق، وقد تقدم ما فيه.
الثلاثون: ثبوت الولاء للمسلم على الكافر (1) وعكسه لعموم الحديث كما سلف.
الحادية والثلاثون: الأدب في الخطبة بالتعريض دون التصريح لمن بلغه عن رجل أو جماعة ما يكره لقوله "ما بال رجال" ولم يسمهم ولم يواجههم بالخطاب، لأن المقصود يحصل من غير شناعة عليهم. وهو حسن بالغ.
قال الفاكهي (2): ولا أبعد أن يكون هذا المعنى أصله في كتاب الله تعالى، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ
…
} (3) الآية.
وما كان مثل هذا، وقال تعالى في سورة التوبة "ومنهم" و"منهم".
الثانية والثلاثون: شرعية الخطبة للأئمة الكبار لأمر يحدث من وقوع بدعة أو مخالفة للشرع، ليبين ذلك للناس، ليعرف الخطأ من الصواب، منكراً على من يخالف الشرع.
الثالثة والثلاثون: بدأة الخطيب بحمد الله والثناء عليه.
الرابعة والثلاثون: شرعية قول "أما بعد" في الخطب بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام، وذلك سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث، وقد أهملها
(1) الاستذكار (23/ 225، 226).
(2)
ورد اسمه هكذا في الكتاب والصواب "الفاكهاني" انظر: البداية والنهاية (14/ 168)، الدرر الكامنة (3/ 178).
(3)
سورة البقرة: آية 8.
الخطباء، فينبغي لهم التفطن لها.
الخامسة والثلاثون: التغليظ في إزالة المنكر والمبالغة في تقبيحه.
السادسة والثلاثون: جواز السجع في الكلام إذا لم يكن بتكلف لقوله عليه الصلاة والسلام "كتاب الله أحق" إلى آخره، وإنما نهى عليه الصلاة والسلام عن سجع الكهان وما أشبهه بما فيه تكلف، وإقسام على علم غيب وإبطال حق (1).
السابعة والثلاثون: أن بيع الأمة المزوجة ليس بطلاق، ولا ينفسخ به النكاح، وبه قال جماهير العلماء (2).
(1) انظر الاستذكار (23/ 204).
(2)
قال ابن عبد البر -رحمنا الله وإياه- في التمهيد (3/ 59)، وفي تخيير رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة بعد أن بيعت من عائشة رضي الله عنها دليل على أن بيع الأمة ليس بطلاق لها، وفي ذلك بطلان قول من قال: بيع الأمة طلاقها، لأن بيعها لو كان طلاقاً لم يخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن تبقى مع من طلقت، أو تطلق نفسها، لأنه محال أن تخير، وهي مطلقة، وهذا واضح يغني عن الإكثار فيه، وهذا القول يروي عن بعض الصحابة، وأكثر الفقهاء وعلى خلافة بحديث بريرة هذا والله أعلم وقال أيضاً (22/ 183). وفي هذا الحديث دليل على أن بيع الأمة ذات الزوج ليس بطلاق لها، لأن العلماء قد أجمعوا -ولم تختلف في ذلك الآثار أيضاً- أن بريرة كانت إذ اشترتها عائشة ذات زوج -إلى أن قال- وفي إجماعهم على أن بريرة قد خيرت تحت زوجها بعد أن اشترتها عائشة فأعتقتها، خيرها النبي صلى الله عليه وسلم -بين أن تقر عند زوجها، وبين أن يفسخ نكاحها، وفي تخييره لها في ذلك دليل أن بيع الأمة ليس بطلاقها، لأن بيعها لو كان طلاقاً، ما خيرت وهي مطلقة، وعلى القول بأن بيع الأمة ليس بطلاق لها جماعة فقهاء =
وقال سعيد بن المسيب: هو طلاق.
وعن ابن عباس: أنه فسخ للنكاح، وهذا الحديث يردهما، فإنها خيرت في بقائها معه، كما ستعلمه في حديثها الآتي في آخر كتاب الفرائض إن شاء الله.
الثامنة والثلاثون: جواز بيع أحد الزوجين دون الآخر.
التاسعة والثلاثون: جواز شراء العبد نفسه من مولاه لأنه حقيقة الكتابة، وكذا مساومته، لأنها ساومت مواليها في حق نفسها.
الأربعون: صحة اشتراط الولاء للبائع وفيه ما سلف.
الحادية والأربعون: منعه لإِنكاره عليه الصلاة والسلام.
الثانية والأربعون: أن المكاتب إذا أدَّى النجوم من الصدقة أو من غيرها وجب عليه القبول أو الإِبراء، وليس له الرد.
= الأمصار من أهل الرأي والحديت، وجمهور السلف.
وقد روى عن بعضهم أن بيع الأمة طلاق لها، وممن روى ذلك عنه، ابن مسعود، وابن عباس، وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله في فتوى ابن عباس رضي الله عنه إن بيع الأمة طلاقها مع روايته لقصة بريرة وتخيير رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها بعد البيع والعتق وشهادته أنه رأى زوجها يتبعها في الأسواق دليل على أن المخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بالخبر وإن كان فقيهاً عالماً مبرزاً، قد يعزب عنه بعض دلائل الخبر الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن ابن عباس قد عزب عنه مع علمه وفهمه وفقهه -موضع الاستدلال بذلك إذا كان يقول: بيع الأمة طلاقها، قال: ومن هذا الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها ثم أداها لمن لم يسمعها، فرب مبلغ أوعى له من سامع. اهـ.
الاستذكار (17/ 159)(19/ 79).
الثالثة والأربعون: إذا عجل نجومه قل محلها وجب قبولها إذا لم يكن ضرر لقول عائشة: "أعدها لهم" ولم ينكر عليها.
الرابع والأربعون: أنه يعتق بأداء النجوم قبل محلها خلافاً لمن منعه (1).
الخامسة والأربعون: أن غير المكاتب إذا أدى عنه مال الكتابة عتق بذلك، ويكون كأدائه عن نفسه لقولها "أعدها لهم".
السادسة والأربعون: قبول خبر الواحد إذا كان مصدقاً، لأنه عليه الصلاة والسلام وعائشة قبلا خبر بريرة عن أهلها وبنيا عليه.
السابع والأربعون: قبول خبر الأمة المصدقة، وكذا العبد، وإن ردت شهادتهما.
الثامنة والأربعون: جواز تزويج المرأة الحسناء بالرجل الذميم ومنعه قوم.
التاسعة والأربعون: أن التأجيل في المعاملات والحقوق إنما يكون بالسنة العربية القمرية، لقولها:"في كل عام أوقية" والعام إنما هو بالعربية.
الخمسون: أن مال الكتابة لا حد فيه، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يستفصل عن ذلك، وهو وقت بيانه، وفيه غير ذلك من الفوائد فمن أراد استيفاءها والإِحاطة بطرق حديثها نظرها من التأليف التي أشرنا إليها، وهذا عيونها ومهماتها وسنذكر قطعة أخرى منها في حديثها الآخر الذي ذكره المصنف آخر الفرائص إن شاء الله الوصول إليه وقدره.
…
(1) انظر الاستذكار (123، 318، 321).