المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحديث الثاني 299/ 2/ 58 - عن أبي هريرة رضي الله - الإعلام بفوائد عمدة الأحكام - جـ ٧

[ابن الملقن]

الفصل: ‌ ‌الحديث الثاني 299/ 2/ 58 - عن أبي هريرة رضي الله

‌الحديث الثاني

299/ 2/ 58 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيء فَلْيَتْبَع"(1).

الكلام عليه من وجوه:

[الثاني](2): هذا الحديث أخرجه البخاري هنا بلفظين.

أحدهما: هذا وترجم عليه باب: الحوالة، وهل يرجع [في الحوالة](3).

الثاني: "مطل الغني ظلم، ومن اتبع على مليء فليتبع"،

(1) البخاري أطرافه (287)، ومسلم (1564)، وأبو داود (3345) في البيوع، باب: المطل. النسائي (7/ 317)، والبغوي (2152)، وأحمد (2/ 379 - 465)، والبيهقي (6/ 70)، وعبد الرزاق (15355)، وابن أبي شيبة (7/ 79)، والترمذي (1308)، وابن ماجه (2403)، وابن الجارود (560)، ومالك (2/ 644).

(2)

هذا غلط من الناسخ لان المخطوط قد طمس الأول فيكون هو الأول.

(3)

الفتح (4/ 464)، ح (2287). وفي المخطوط (فيها)، وما أثبت من الفتح.

ص: 365

وترجم عليه إذا أحال على مليء فليس له رد (1)، وذكره في أداء الديون بلفظ:"مطل الغني ظلم" فقط.

وأخرجه مسلم (2) بلفظ المصنف، إلا أنه قال "وإذا" بدل "فإذا".

ورواه الإِمام أحمد (3) في "مسنده". "وإذا أُحيل أحدكم على مليء فليحتل".

الثالث: "المطل" مصدر مطله يمطله، بضم الطاء، مطلاً وماطله مماطلة، فهو ماطل، وهو مشتق من مطلت الحديد إذا ضربتها ومددتها لتطول، وكل ممدود ممطول، فأصله إذن لغة: المد، فمعنى مطله بحقه مد له في الأصل زيادة على ما اتفقا عليه.

وعبارة بعضهم: المطل: المدافعة.

وعبارة الأزهري. المطل (4): إطالة المدافعة.

وهو في الشرع كما قال القاضي (5) عياض وغيره: منع قضاء ما استحق أداؤه.

والغني عند الفقهاء: من لا تحل له الزكاة.

(1) الفتح (4/ 466) ،ح (2288)

(2)

انظر: ت (1)، ص 365.

(3)

انظر: ت (1)، ص 365.

(4)

في الزاهر (312)؛ وتهذيب اللغة (13/ 361)، (2/ 282)، (5/ 246)، والمغني في الأنباء عن غريب المهذب والأسماء (1/ 323).

(5)

ذكره في إكمال إكمال المعلم (4/ 245).

ص: 366

واختلفوا فيه على أقوال: محل الخوض فيها كتب الخلافيات.

والغنى الحقيقي: هو غنى النفس لا كثرة العرض، كما قاله -عليه أفضل الصلاة والسلام- (1).

الرابع: "الظلم" وضع الشيء في غير موضعه وهو مجاوزة الحد.

وقيل: التصرف في غير ملك، وكل منهما مستحيل في حق الله تعالى.

الخامس: "المليء" بالهمز، الغنى الكبير. قاله: القلعي (2) في "المستغرب"، والأزهري (3) قال: إنه الغني ويؤيده أن في رواية سليم (4) ....................................

(1) حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس". أخرجه البخاري (6446)، ومسلم (1051)، والترمذي (2373)، والحميدي (1063)، والقضاعي في "مسند الشهاب"(1207، 1210)، وأحمد (2/ 243، 443، 539، 540)، والبغوي (4040).

(2)

هو محمد بن علي بن أبي علي القلعي اليمني توفي سنة (630) فقيه كثير التصانيف منها: "احترازات المهذب"، و"إيضاح النبراس في علم الفرائض"، و"اللفظ المستغرب في شواهد المهذب"، الأسنوي (2/ 324)، وابن قاضي شهبة (2/ 49).

(3)

في الزاهر (231)، وتهذيب اللغة (2/ 282)، (5/ 246).

(4)

هو سليم بن أيوب بن سليم، توفي غرقاً في بحر القلزم عند ساحل جدة بعد الحج في صفر سنة سبع وأربعين وأربعمائة وقد نيف على الثمانين، طبقات الشافعية للسبكي (3/ 68)؛ وطبقات ابن قاضي شهبة (1/ 225).

ص: 367

والبندنيجي (1) من كبار فقهاء الشافعية: "غنى" بدل "مليء"، وكذا عنى به صاحب "المستغرب على المهذب" أنه الغني. قال: وأصله الواسع الطويل (2).

الثامن: قوله عليه الصلاة والسلام: "وإذا اتبع أحدكم على ملي فليتبع"، هو بإسكان التاء المثناة فوق فيهما، أعني -في "أُتْبِعَ"، وفي "فَلْيَتْبَعْ". وهذا هو الصواب المشهور في الروايات، والمعروف في اللغة والغريب.

ونقل القاضي (3): عن بعض المحدثين في الكلمة الثانية أنه بتشديدها، وليس بصواب.

قال الخطابي (4): الصواب الأول. وأصحاب الحديث يروونه

(1) هو محمد بن هبة الله بن ثابت، الإِمام أبو نصر البندنيجي نزيل مكة توفي سنة خمس وتسعين وأربعمائة بمكة وقد نيف على الثمانين. طبقات الشافعية للسبكي (3/ 85)، وابن قاضي شهبة (1/ 282).

(2)

انظر: النظم المستعذب (1/ 276).

(3)

في المشارق (1/ 118)، قال:"وفي الحديث وإذا أَتبع أحدكم على ملىء فليتبع"، كذا الرواية ساكنة التاء في الكلمة الأولى معدى على وزن فعل ما لم يسم فاعله، وفي الثانية بتشديد التاء كذا هي عامة رواية شيوخنا في هذه الأصول، وكذا قيده الأصيلي وأبو ذر وغيرهما ورواه بعضهم "فليتبع" بسكون التاء وكسر الباء بعدها وهو وجه الكلام وكذا قيده الجياني بخطه عن أبي مروان بن سراج في بعض أصوله.

(4)

انظر: معالم السنن (5/ 17)، إصلاح غلط المحدثين (54) غريب الحديث للخطابي (1/ 87)، مشارق الأنوار (1/ 119)، نقلاً عنه.

ص: 368

بالتشديد، وهو غلط. والمعنى: إذا أحيل أحدكم بالدين الذي له على موسر، يقال فيه: تبعت الرجل بحقي، أُتبعه تِباعة: فأنا له تبيع إذا طلبته. قال تعالى: {ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (69)} (1).

وكذا حكى القرطبي في "مفهمه"(2) الخلاف في تشديد التاء وتخفيفها في الثانية فقط، فإنه قال:"أُتبع" -بضم الهمزة وتخفيف التاء وكسر الباء- على ما لم يسم فاعله عند الجميع.

فأما "فليتَّبع" فبعضهم قيده بتشديد التاء، وكذا قيَّدته على من يوثق به. وقد روي بتخفيفها وهو الأجود، لأن العرب تقول: تبعتُ الرَّجل بحقَّي، ثم ذكر ما أسلفناه.

واقتصر الشيخ تقي الدين في "شرحه"(3): على التخفيف فيهما، ولم يحك سواه، وقال: إنه مأخوذ من قولنا: أتبعت فلاناً إذا جعلته تابعاً للغير، والمراد هنا: تبعته في طلب الحق بالحوالة.

وحكى الروياني (4) من كبار الشافعية أنه قيل: -بالتشديد- في الأولى أيضاً، فقال في كتاب "البحر": من أصحابنا أصحاب الحديث يقولون: اتّبع -بالتشديد- وهو غلط، وصوابه: بألف مضمومة وتاء مخففة.

وحكى الوجهين الفاكهي من غير عزو ولا حد، فقال الصواب:

(1) سورة الإِسراء: آية 69.

(2)

(4/ 439).

(3)

إحكام الأحكام (4/ 118).

(4)

سبقت له ترجمة.

ص: 369

في التأين السكون، وبعض المحدثين والرواة يقولونه بتشديدهما، يقال: تبعت فلاناً بحقي، فأنا أتبعه ساكنة التاء والراء، يقال: ولا يقال اتبعه بتشديدها إلا من المشي خلفه، واتباع أثره في أمر.

السادس: ادعى الرافعي (1) رحمه الله وإيانا- في "شرحه للوجيز"، أن الأشهر في الرواية:"وإذا أحيل" بالواو دون "الفاء" ثم قال: فعلى التقدير الأول هو مع قوله: "مطل الغني ظلم"، جملتان لا تعلق للثانية بالأولى، كقوله عليه الصلاة والسلام:"العارية مردودة والزعيم غارم".

وعلى الثاني: يجوز أن يكون المعنى في الترتيب أنه إذا كان المطل ظلماً من الغني، فليقبل من يحتل بدينه عليه، فإن الظاهر أنه يحترز عن الظلم ولا يمطل.

قال الشيخ نجم الدين ابن الرفعة (2) في "مطلبه": وهذا إذا كان الوصف بالغنى يعود إلى من عليه الدين، وقد قيل: إنه يعود إلى من له الدين، وعلى هذا لا يحتاج أن يذكر في التقدير من الغني.

السابع: "اتبع" يتعدى بنفسه، وعدى هنا "بعلى" تضميناً له معنى أحيل.

الثامن: هذا الأمر في قوله: "فليتبع"، وفي قوله:"فليحتل" في رواية الإِمام أحمد للاستحباب وعند الشافعية والجمهور (3).

(1) سبقت له ترجمة.

(2)

سبقت له ترجمة.

(3)

لأنه الأمر عندهم أمر رشاد ليس بواجب فرضاً.

ص: 370

وقال الماوردي: هو للإِباحة لوروده بعد الحظر، وهو نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الدين بالدين، كما في قوله تعالى:{وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} (1). وهذا حمل منه، ويحتاج إلى التاريخ في ذلك، وأنه وارد بعده، ولم أر ذلك.

وقال أبو ثور (2) وابن جرير وداود: إنه للوجوب لظاهر الخبر.

وادعى الجوري (3) -بضم الجيم- من أصحابنا الإِجماع على الأول لما فيه من الإِحسان إلى المحيل بتحويل الحق عنه، وبترك تكليفه التحصيل بلا طلب.

التاسع: في الحديث إشعار بأن الأمر بقبول الحوالة على

(1) سورة المائدة: آية 2.

(2)

أبو ثور هو إبراهيم بن خالد المتوفي سنة (240).

ومذهبه: أنه يجب على من أحيل بحقه على ملىء أن يحتال، وحجته في هذا: ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: "مطل الغني ظلم، وإذا أُحلت على مليء فأتبعه"، فقوله عليه السلام:"فأتبعه"، "فليتبع" أمر، والأمر يفيد الوجوب، ما لم يصرفه صارف، ولا صارف هنا عن الوجوب. اهـ. وهو ظاهر مذهب الإِمام أحمد، وداود.

انظر: المغني (4/ 576)، وبداية المجتهد (2/ 384)، والعدة (4/ 118)، ونيل الأوطار (6/ 404)، وفقه الإِمام أبي ثور (623)، والاستذكار (20/ 271).

(3)

هو علي بن الحسين القاضي أبو الحسين الجوري مدينة بفارس قال ابن الصلاح: كان من أجلاء الشافعية، انظر: ابن قاضي شهبة (1/ 129)، طبقات الشافعية للأسنوي (122).

ص: 371

المليء معلل بكون مطل الغني ظلماً (1).

قال الشيخ تقي الدين (2): ولعل السبب فيه أنه إذا [تبين](3) كونه ظلماً -والظاهر من حال المسلم الاحتراز عنه- فيكون ذلك سبباً للأمر بقبول الحوالة عليه، لحصول المقصود من غير [مطل](4). ويحتمل أن يكون ذلك، لأن المليء لا يتعذر استيفاء الحق منه عند الامتناع، بل يأخذه الحاكم قهراً (5) ويوفيه. ففي قبول

(1) قال الصنعاني -رحمنا الله وإياه- في الحاشية (4/ 119).

قوله: "معلل يكون مطل الغنى ظلماً"، أقول: إنما قال إشعار لأنه كالتوطئة والعلة لقبول الحوالة أي إذا كان المطل ظلماً فليقبل ويحتال بدينه عليه، فإن المؤمن من شأنه أنا يحترز عن الظلم فلا يمطل، ومناسبة الجملة لما قبلها أنه لما دل على أن مطل الغنى ظلم عقبه بأن ينبغي أو يجب قبول الحوالة على المليء، لما في قبولها من دفع الظلم الحاصل بالمطل، ففي قبول الحوالة إعانة على كفه عن الظلم، وهذا على رواية "فإذا أتبع" بالفاء، وزعم الرافعي أن الأشهر في الروايات الواو وأنهما جملتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى، وهو بالفاء في جميع روايات البخاري. اهـ.

(2)

إحكام الأحكام (4/ 19).

(3)

في المرجع السابق: تعين.

(4)

في المرجع السابق: ضرر المطل.

(5)

قال الصنعاني -رحمنا الله وإياه- في حاشية إحكام الأحكام (4/ 119).

قوله: "بل يأخذه الحاكم قهراً": استدل باشتراط أن يكون المحال عليه مليئاً أنها إذا صحت الحوالة ثم تعذر القبض بحدوث حادث أو أفلس لم يكن للمحتال رجوع على المحيل "لأنه لو كان له الرجوع لم يكن لاشتراط الغنى فائدة، فلما شرط علم أنه انتقل انتقالاً لا رجوع له كما =

ص: 372

الحوالة تحصيل الغرض من غير مفسدة تأخير الحق، قال: والمعنى الأول أرجح لما فيه من بقاء معنى التعليل يكون المطل ظلماً. وعلى هذا المعنى الثاني تكون العلة عدم تأخير الحق لا الظلم.

العاشر: في أحكامه:

الأول: تحريم المطل بالحق ولا خلاف فيه مع القدرة بعد الطلب، واختلف أصحابنا في وجوب الأداء مع القدرة من غير طلب صاحب الحق على وجهين حكاهما الشيخ تقي الدين (1).

وقال الروياني في "البحر" في آخر كتاب الغصب: يحتمل أن يقال إن كان وجوبه برضى المالك فهو على التراخي، ويتعين بالمطالبة وبالخوف على ضياع المال، وإن كان بغير رضاه فهو على الفور، وإلا فإن وجب بتعدٍ كان على الفور، وإلا كان على التراخي.

وقال إمام الحرمين في كتاب القاضي إلى القاضي: قد يقول الفقيه من عليه دين حال يلزمه أداؤه، وإن لم يطلبه صاحبه وإنما سقط وجوبه برضى المستحق بتأخيره.

وقال في الزكاة: من عليه دين وهو غير ممتنع من أدائه ومستحقه غير مطالب به لا يتعين أداؤه إلا بمطالبته.

قلت: ويؤيده هذا الحديث، فإنه عليه الصلاة والسلام

= لو عوض عن دينه بعوض ثم تلف العوض في يد صاحب الدين لم يكن له الرجوع. اهـ.

(1)

في إحكام الأحكام (4/ 118).

ص: 373

أناط الظلم بالمطل والغنى، ولا يتبين الظلم مع الفقر، فلا يثبت مع عدم المطل، والمطل إنما يكون مع الطلب.

وكذا قال الشيخ تقي الدين: أنه لا ينبغي أن يؤخذ الوجوب من هذا الحديث، لأن لفظة:"المطل" تشعر بتقديم الطلب.

قلت: ولا يخفى جواز التأخير بعذر كغيبة مال ونحوها، ولا يطلق عليه مطل محرم. والحالة هذه.

الثاني: عدم تحريم المطل من غير الغنى كما أفهمه، الحديث وهو ظاهر، لأنه معذور، ولا يحل له حبسه، ولا ملازمته ولا مطالبته في الحال، بل يمهل حتى يوسر، لقوله تعالى:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (1).

الثالث: يدخل في مطل الغني كل من عليه حق، وكذا هو قادر على القيام به كالزوجين فيما يتعلق بكل منهما من الحق الذي عليه، وكذا الأصول والفروع والسادة والمماليك والحاكم والناظر وغير ذلك.

الرابع: فيه جواز الحوالة (2)، وهو إجماع، والأصح عند

(1) سورة البقرة: آية 284.

(2)

الحوالة: -بفتح الحاء-، مشتقة من التحول، بمعنى الانتقال، يقال: تحول من المنزل، إذا تحول عنه وانتقل منه.

وشرعاً: "هي تحول الدين من ذمة الأصيل إلى ذمة المحتال عليه على سبيل التوثق به".

وعرفها بعضهم: بأنها عقد يقتضي نقل دين من ذمة إلى ذمة. =

ص: 374

الشافعية أنها بيع دين بدين، واستثنى للحاجة إليها، ولها شروط (1) محل الخوض فيها كتب الفروع.

الخامس: فيه أيضاً ستحباب قبولها إذا أحيل على مليء، وهو قول الجمهور كما سلف (2).

السادس: فيه أيضاً ترك الأسباب القاطعة لاجتماع القلوب وتعاطي ما يقضي لاجتماعها.

السابع: استنبط منه القاضي عياض، ثم القرطبي (3) أنه لا تجوز الحوالة إلا من دين حال، لأن المطل والظلم إنما صح فيما حل لا فيما لم يحل.

= وأركانها: محيل، محال، محال عليه، محال به. فمثلاً: يقول: أحلت زيداً بما كان له عليّ وهو مائة على عمرو. فالمحيل الذي عليه الدين، محتال له وهو زيد، والمال، محتال به. وعمرو ومحتال عليه وهو الذي قبل الحوالة.

(1)

انظر: الاستذكار (22/ 272).

(2)

مذهب الشافعي يستحب له القبول.

وقيل الأمر فيه للوجوب كما هي رواية عن أحمد والرواية الأخرى الندب والجمهور على أنه ندب لأنه من باب التيسير على المعسر. وقيل: مباح.

وقد سأل ابن وهب مالكاً عنها فقال: هذا أمر ترغيب وليس بإلزام ويبتغي أن يطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرط أن يكون بدين، وإلَاّ فلا حوالة لاستحالة حقيقتها إذ ذاك وإنما تكون حمالة.

(3)

المفهم (4/ 440).

ص: 375

الثامن: استنبط القاضي إسقاط شهادته لتسميته ظالماً (1)، وهو ما ذهب إليه سحنون (2) وغيره. واعتبر غيره في إسقاطها أن يصير المطل له عادة. ويقتضي مذهبنا اشتراط التكرار كما قاله النووي في "شرح مسلم"(3)، وكأن من لم يشترط التكرار رآه كبيرة لأجل ظلمه بذلك.

التاسع: استنبط منه بعضهم أن المعسر لا يحل حبسه (4)

(1) اختلف العلماء هل يعد فعله كبيرة أم لا؟.

الجمهور: فاعله يفسق لكن هل يثبت فسقه بمطله مرة واحدة أم لا؟

(2)

انظر: الاستذكار (20/ 270).

(3)

شرح مسلم (10/ 227)، قال النووي مقتضى مذهبنا اشتراط التكرار.

قال ابن حجر في الفتح (4/ 466)، ورده السبكي في "شرح المنهاج" بأن مقتضى مذهبنا عدمه، واستدل بأن منع الحق بعد طلبه وابتغاء العذر عن أدائه كالغصب والغصب كبيرة، وتسميته ظلماً يشعر بكونه كبيرة والكبيرة لا يشترط فيها التكرار، نعم لا يحكم عليه بذلك إلَاّ بعد أن يظهر عدم عذره. اهـ.

(4)

كان الصحابة رضوان الله عليهم يحبسون إلَاّ أنه لم يكن لهم حبس معين وكانوا ربما حبسوا في المسجد أو في الدهليز كما يتفق فلما آل الأمر إلى علي رضي الله عنه أتخذ حبساً وسماه نافعاً فلم يكن حصيناً وفر منه من كان فيه فاتخذ آخر وسماه مخيساً وله في ذلك الشعر:

بنيت بعد نافع مخيساً

باباً شديداً وأميراً كيساً

ألا تراتي كيساً مكيساً

وفي بعض الروايات:

ألا تراني كيساً مكيساً

بنيت بعد نافع مخيساً

باباً حصيناً وأميراً كيساً =

ص: 376

وملازمته، ولا مطالبته حتى يوسر، كما أسلفته، وهو مذهب مالك والشافعي والجمهور.

قال الشافعي: لم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم مطل المديون ظلماً إلا بالغنى، فلو كان يؤاخذ لكان ظالماً بترك المؤاخذة.

وحكى عن شريح حبسه حتى يقضي الدين، وإن كان قد ثبت إعساره (1).

= ونافع ومخيس اسمان للسجن الذي بناه بالبصرة، وقد كانوا يسمون مواضعهم وعقاراتهم أسماء، وروى أن عمر له سجن يسمى ثمغاً.

(1)

عن طلق بن معاوية قال: كان لي على رجل ثلاثمائة درهم فخاصمته إلى شريح فقال الرجل: إنهم قد وعدوني أن يحسنوا إلي. فقال شريح: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، قال وأمر بحبسه، وما طلبت إليه أن يحبسه حتى صالحني على مائة وخمسين درهماً. أراد شريح بالأمانة ها هنا الدين، وهو القول الرابع في الآية

وأيضاً شريح حبسه من غير طلب الطالب، ولي هذا مذهبنا بل لا يحبسه ما لم يطلب المدعي من القاضي حبسه، لأن الحبس حق المدعي فيجب متى طلب.

وللقضاة في ذلك مذاهب مختلفة: منهم من يرى حبسه ابتداء من غير طلب، لأن ذلك يوصل إلى إيصال الحق إلى مستحقه. قال طلق بن معاوية: حتى صالحني على مائة وخمسين، وذلك لأنهم وعدوا المدعى عليه أن يحسنوا إليه على ما زعم فحط عنه شطر المال وشطر المال إحسان إلخ.

انظر: شرح أدب القاضي للخصاف -رحمنا الله وإياه- (217).

ص: 377

وعن أبي حنيفة (1) ملازمته.

وأبعد من قال ببيعه في دينه، وحكاه ابن حزم الظاهري عن الشافعي، فقال في "محلاه"(2) في كلامه على بيع الحر أن زرارة ابن أوفى، قاضي البصرة، من التابعين، باع حراً في دين، ثم قال:

(1) قال في المرجع السابق (218): هل لرب الدين الطالب أن يلازمه أم يمنعه القاضي من ملازمته؟ قال عامة العلماء: له أن يلازمه. وقال إسماعيل ابن حماد بن أبي حنيفة رضي الله عنهم: ليس له ذلك واحتج: بحديث علي رضي الله عنه إن لزمته كنت له ظالماً فلو كانت له ولاية الملازمة لم يكن ظالماً بذلك، ولأن التأجيل إلى الميسرة ثابت شرعاً، فصار كما لو ثبت شرطاً، وهناك يمنع ولاية الملازمة، كما امتنع ولاية الحبس كذلك في الأجل الثابت شرعاً.

وعامة العلماء: احتجوا بحديث كعب بن مالك رضي الله عنه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه لازم غريماً له عند سارية ولم ينكر عليه، وقال عليه الصلاة والسلام:"لصاحب الحق اليد واللسان" أراد "باليد" الملازمة و"باللسان" التقاضي. واحتجوا: بقول علي رضي الله عنه "ولا أحول بينك وبينه" وقوله: "كنت ظالماً" لم يرد به الظلم الشرعي، وإنما أراد به الظلم العادي العرفي، أي لم يحسن المعاملة معه.

وأما المسألة الثانية: فإذا كان معسراً ولازمه الطالب هل يأثم الطالب بالملازمة؟ قال بعضهم: يأثم احتجاجاً بحديث علي رضي الله عنه فإنه قال: "كنت له ظالماً ولا أحول بينك وبينه" دل على أنه يأثم بملازمته لكن القاضي لا يحول بينه وبينه.

وقال بعضهم: لا يأثم لأن ذلك توسل إلى وصوله إلى حق نفسه. وقوله: "كنت له ظالماً" قد ذكرنا تأويله، والله أعلم. اهـ.

(2)

المحلى (9/ 17).

ص: 378

وقد روينا هذا القول عن الشافعي، وهي قول غريبة لا يعرفها من أصحابه إلا من تبحر في الحديث والآثار، وقال: هذا قضاء عمر وعلي بحضرة [الصحابة رضوان الله عليهم](1)، ولا يعترضهم في ذلك منهم معترض. قال: وقديماً أثر بأن الحر كان يباع في الدين في صدر الإِسلام إلى أن أنزل الله: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (2).

العاشر: استنبط أصحابنا منه أن الحوالة إذا صحت وتعذر الأخذ بفلس، وجحد وحلف ونحوهما: كموت البينة، وامتناعه لا يرجع على المحيل.

وجه الدلالة: أنه لو كان له الرجوع لما كان لاشتراط الملاءة.

فائدة، لأنه إن لم يصل إلى حقه رجع به، فلما شرطها علم أنه انتقل انتقالاً لا رجوع به فاشترطت الملاءة حراسة لحقه.

وخالف أبو حنيفة فقال: يرجع عليه عند التعذر (3).

(1) زيادة من المحلى.

(2)

سورة البقرة: آية 285.

(3)

قال ابن عبد البر -رحمنا الله وإياه- في الاستذكار (22/ 273، 275).

قال أبو عمر: عند مالك في باب الحوالة حديث مسند، رواه عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"مطل الغني ظلم، وإذا اتبع أحدكم على مليء، فليتبع".

وهذا الحديث في رواية يحيى عن مالك في "الموطأ" في باب جامع الدين والحول من كتاب البيوع، وهو عند جماعة من رواة "الموطأ" ها هنا.

والحوالة عند مالك، وأكثر العلماء خلاف الحمالة. =

ص: 379

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= والذي عليه مالك وأصحابه في الحوالة ما ذكره في "الموطأ" إلَاّ أنه لم يذكر: "إذا غرَّه من فلس، علمه فإنه يرجع عليه كالحمالة"، وكذلك لو أحاله على من لا دين عليه، فهي حمالة يرجع بها إن لحقه توّا.

وقد ذكر هذا من الوجهين ابن القاسم وغيره عن مالك، قالوا عن مالك: إذا حال غريمه عن غريم له، فقد برىء المحيل، ولا يرجع عليه المحال بإفلاس، ولا موت إلَاّ أن يغره من فلس علمه من غريمه الذي أحال عليه، فإن كان ذلك رجع عليه، وإن لم يغره من فلس علمه إذا كان له دين، وإن غرَّه، أو لم يكن عليه شيء، فإنه يرجع عليه إذا أحاله، قال: وهذه حمالة.

وقال الشافعي: يرجع المحيل بالحوالة، ولا يرجع عليه بموت، ولا إفلاس.

وهو قول أحمد، وأبي عبيد، وأبي ثور أنه لا يرجع على المحيل بموت، ولا إفلاس، وسواء غرَّه، أو لم يغرَّه من فلس عند الشافعي، وغيره.

وقال أبو حنيفة، وأصحابه يبدأ المحيل بالحوالة، ولا يرجع عليه إلَاّ بعد التَّوي.

التوي التلف والهلاك، والمراد: تعذر تحصيل الدين بسبب لا دخل للمحال فيه كإفلاس المحال عليه مثلاً.

والتَّوي عند أبي حنيفة أن يموت المحال عليه مفلساً، أو يحلف ما له شيء، ولم تكن للمحيل بيَّنة.

وقال أبو يوسف، ومحمد: هذا توي، وإفلاس المحال عليه توي أيضاً.

وقال شريح، والشعبي، والنخعي: إذا أفلس، أو مات رجع على المحيل.

وقال عثمان البتيُّ: الحوالة لا تبرىء المحيل إلَاّ أن يشترط براءته، فإن =

ص: 380

الحادي عشر: فيه دلالة لمسألة أصولية، وهي أن تعليق الحكم بصفة من صفات الذات يدل على نفي الحكم عن الذات عند انتفاء تلك الصفة. ووجهه أن المتبادر إلى الفهم عرفاً ولغة من قوله عليه الصلاة والسلام:"مطل الغني عندهم ظلم"، أن مطل الفقير ليس بظلم، وهذا مذهب الشافعي والأشعري. اللهم إلا أن يظهر أن للتخصيص بتلك الصفة، فائدة أخرى، فلا تدل على

= شرط البراءة بيد المحيل إذا أحاله على مليء، وإن أحاله على مفلس، ولم يقل إنه مفلس فإنه يرجع عليه، وإن أبرأه، وإن أعلمه أنه مفلس وأبرأه لم يرجع على المحيل.

وروى ابن المبارك، عن الثوري إذا أحاله على رجل فأفلس، فليس له أن يرجع على الآخر إلَاّ بمحضرهما، وإن مات وله ورثة، ولم يترك شيئاً رجع حضروا، أو لم يحضروا.

وروى المعافي، عن الثوري: إذا كفل لمدين رجل بمال وأبرأه برىء، ولا يرجع إلَاّ أن يفلس الكبير أو يموت، فيرجع على صاحبه حينئذٍ.

وقال الليث في الحوالة: لا يرجع إذا أفلس المحال عليه.

وقال زفر، والقاسم بن معن في الحوالة: له أن يأخذ كل واحد منهما بمنزلة الكفالة.

وقال ابن أبي ليلى: يبرأ صاحب الأصل بالحوالة.

قال أبو عمر: هذا اختلافهم في الحوالة، وأما الكفالة والحمالة، وهما لفظتان معناهما الضمان، فاختلاف العلماء في الضمان على ما أورده بحول الله لا شريك له. اهـ. انظر: الأم (3/ 228)، وفقه الإِمام أبي ثور (624).

ص: 381

نفيه، وخالف أبو حنيفة وابن سريج (1) والغزالي (2) وغيرهم، فقالوا: إنه ليس بحجة.

واختاره الآمدي (3)، والإِمام (4) في "محصوله"(5) و"منتخبه"، وقال في "معالمه": إنه يدل عرفًا لا لغة.

(1) ابن سريج هو أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج توفي سنة (306)، من أعلام الشافعية، انظر: طبقات الأسنوي (2/ 20، 21)، وابن هداية (41).

(2)

محمَّد بن محمد بن أحمد أبو حامد الغزالي ولد بطرس سنة خمسين وأربعمائة، وتوفي في جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة. انظر: طبقات الشافعية للسبكي (4/ 110)، طبقات الشافعية ابن قاضي شهبة.

(3)

هو علي بن أبي علي بن محمَّد بن سالم الثعلبي، سيف الدين الآمدي. ولد بآمد بعد الخمسين وخمسمائة بيسير. وتوفي في صفر سنة إحدى وثلاثين وستمائة. طبقات الشافعية للسبكي (5/ 129)، وابن قاضي شهبة (2/ 79).

(4)

هو محمَّد بن عمر بن الحسين فخر الدين الرازي ولد في رمضان سنة أربع وأربعين وخمسمائة وتوفي بهراة يوم عيد الفطر سنة ست وستمائة. انظر: النجوم الزاهرة (6/ 197)، وفيات الأعيان (3/ 381)، وابن قاضي شهبة (2/ 65).

(5)

المحصول في علم الأصول للرازي. انظر: الجزء الأول القسم الثاني (228، 245).

ص: 382