المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحديث الثالث 300/ 3/ 58 - وعنه قال: قال رسول الله - الإعلام بفوائد عمدة الأحكام - جـ ٧

[ابن الملقن]

الفصل: ‌ ‌الحديث الثالث 300/ 3/ 58 - وعنه قال: قال رسول الله

‌الحديث الثالث

300/ 3/ 58 - وعنه قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم -أو قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول-: (مَنْ أدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدِ رَجُلٍ أوْ إنْسانٍ قَدْ أفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِه مِنْ غَيْرِهِ)(1).

الكلام عليه من وجوه:

الأول: هذا الحديث أخرجه البخاري كذلك إلَاّ أنه قال: بدل "سمعت النبي"، "سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم"، وترجم عليه باب (2): إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض والوديعة فهو أحق به.

وأخرجه مسلم كذلك، وقال:"سمعت النبي -صلي الله عليه وسلم -" بعد قوله: "عند رجل قد أفلس".

(1) البخاري (2404)، وسلم (1559)، وأبو داود في البيوع، باب: في الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه عنده (3519، 3520، 3522)، ورواه برقم (3521) مرسلًا. الترمذي (1262)، والنسائي (7/ 311)، والبيهقي (6/ 45، 47)، ومالك (1345)، وابن ماجه (2358، 2359)، معرفة السنن والآثار (8/ 11810).

(2)

الفتح (5/ 62)، ح (2402).

ص: 383

وفي رواية له: "أيما امرئ فُلِّسَ".

وفي رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم: "في الرجل الذي يُعَدِمُ إذا وُجدَ عنده المتاع ولم يفرقه أنه لصاحبه الذي باعه".

وفي رواية له: "عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفلس الرجل فوجد الرجل متاعه بعينه فهو أحق به".

وفي رواية له: "فهو أحق به من الغرماء".

وفي رواية له: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أفلس الرجلُ فوجد الرجلُ عنده سلعته بعينها فهو أحق بها".

الوجه الثانى: هذا التردد في قوله: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو من الراوي عن أبي هريرة/ وهو أبو بكر بن عبد الرحمن الحارث بن هشام (1) وقد قال: مرة أخرى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم كما قدمناه عن رواية مسلم.

ورواية عراك بن مالك عن أبي هريرة بلفظ: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" كما أسلفنا عن رواية مسلم أيضًا.

ورواه بشير بن نهيك عن أبي هريرة بلفظ: "عن النبي صلى الله عليه وسلم" كما أسلفناه أيضًا، وقد قدمت لك أن رواية مسلم الأولى كرواية

(1) قال ابن حجر -رحمنا الله وإياه- في الفتح (5/ 63)، على قوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم هو شك من أحد رواته وأظنه من زهير، فإني لم أر في رواية أحد ممن رواه عن يحيى مع كثرتهم فيه التصريح بالسماع، وهذا معشر بأنه كان لا يرى الرواية بالمعنى أصلًا. اهـ.

ص: 384

المصنف: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"، أو "قال: سمعت النبي"، وأن رواية البخاري "قال رسول الله"، أو قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم" ويتعلق برواية مسلم المسألة السالفة في الكلام على حديث: "إنما الأعمال بالنيات" من كتاب الطهارة (1) أنه هل يجوز تغيير قال النبي صلى الله عليه وسلم إلى قال الرسول أو عكسه؟ وقد ذكرت هناك ما فيها من الخلاف وهو الوجه الرابع عشر من الكلام على ذلك الحديث فلما وقع الخلاف في ذلك ساغ للراوي التحري في أي اللفظين سمع ليرويه به وقد أسلفت هناك في الوجه الثالث عشر عن الخطيب البغدادي أن أرفع العبارات "سمعت" ثم "حدثنا وحدثني" فلما اختلفت رتبتهما تحرّي الراوي هل قال: قال، أو سمعت؟

الثالث: قوله: "عند رجل" أو "إنسان" الظاهر أنه شك من الراوي أيضًا.

الرابع: معنى "أفلس"(2): صار مفلسًا، أي: صارت دراهمه

(1)(1/ 168).

(2)

تعريف المفلس لغة: من لا مال له، وهو المعدم.

شرعًا: من دينه أكثرُ من ماله أو من لا يفي ماله بدينه، أو الذي أحاط الدين بماله، أو من لزمه من الدين أكثر من ماله الموجود.

التفليس لغة: النداء على المفلس وشهره بين الناس بصفة الإفلاس المأخوذ من الفلوس التي هي أخس الأموال.

وشرعًا: جعل الحاكم المديون مفلسًا بمنعه من التصرف في ماله أو خلع الرجل عن ماله للغرماء.

سبب التسمية: سمي مفلسًا وإن كان ذا مال لأن ماله مستحق الصرف في =

ص: 385

فلوسًا كما وصف الرجل صارت دابته قَطُوفًا، ويجوز كما قال الجوهري (1): أن يراد به أنه صار إلى حال، يقال فيها: ليس معه فلس.

كما يقال: أقهر الرجل إذا صار في حالة يذل فيها.

وهو في الشرع: حجر الحاكم على المديون.

والمفلس: المحجور عليه بالديون.

الخامس: في الحديث أحكام.

أولها: رجوع البائع إلى عين، ما له عند تعذر الثمن بالفلس، وهو مذهب الشافعي ومالك والأكثرون، وألحقوا الموت به.

وخالف مالك: فقال: يكون فيه أسوة الغرماء.

وخالف أبو حنيفة فقال: لا يرجع فيهما، بل يضارب مع الغرماء.

حجة الأكثرين في الفلس: هذا الحديث ودلالته ظاهرة.

قال الاصطخري (2): لو حكم الحاكم بخلافه نقض حكمه.

= جهة دينه، فكأنه معدوم، أو باعتبار ما يؤول من عدم ماله بعد وفاء دينه، أو لأنه يمنع من التصرف في ماله إلَّا الشيء التافه الذي لا يعيش إلَّا به كالفلوس ونحوها.

(1)

انظر: مختار الصحاح (215).

(2)

الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى أبو سعيد الاصطخري ولد سنة أربع وأربعين قبل ابن سريج وتوفي في ربيع الآخر وقيل في جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وقد جاوز الثمانين. طبقات الشافعية للسبكي =

ص: 386

وفي "الموت" حديث في "سنن أبي داود" و"ابن ماجه"(1) من حديث أبي هريرة أيضًا وقال الحاكم (2): إنه صحيح الإِسناد ولفظه: (أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه).

وحمل أبو حنيفة (3) الحديث على الغصب والوديعة. لأنه لم

= (2/ 193)؛ وطبقات ابن قاضي شهبة (1/ 109).

والآخر: هو عبد الله بن سعيد أبو محمَّد الإِصطخري ولد سنة إحدى وتسعين ومائتين ومات سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. تاريخ بغداد (10/ 133)، طبقات ابن قاضي شهبة (1/ 158).

(1)

انظر: ت (1)، ص 383.

(2)

المستدرك (2/ 50)، والبيهقي (6/ 46)، والشافعي (2/ 163)، والدارقطني (3/ 29)، والبغوي (2134)، من طرق عن ابن أبي ذئب، عن أبي المعتمر بن عمرو بن رافع عن عمر بن خلدة الزرقي، عن أبي هريرة مرفوعًا.

وفيه أبو المعتمر وهو مجهول كما قال أبو داود، انظر: مختصر أبي داود (5/ 177)، وابن عبد البر في الاستذكار (21/ 35)، والتمهيد (8/ 416)، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (5/ 64).

(3)

قال ابن حجر في الفتح (5/ 63)، وخالف الحنفية فتأولوه لكونه خبر واحد خالف الأصول، لأن السلعة صارت بالبيع ملكًا للمشتري ومن ضمانة واستحقاق البائع أخذها منه نقض لملكه، وحملوا الحديث على صورة وهي ما إذا كان المتاع وديعة أو عارية أو لقطة، وتعقب بأنه لو كان كذلك لم يقيد بالفلس ولا جعل أحق بها لما يقتضيه صيغة أفعل من الاشتراك، وأيضًا فما ذكروه ينتقض بالشفعة، وأيضًا فقد ورد التنصيص في حديث الباب على أنه في صورة المبيع، وذلك فيما رواه سفيان =

ص: 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الثوري في جامعه، وأخرجه من طريقه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما عن يحيى بن سعيد بهذا الإِسناد بلفظ:"إذا ابتاعت الرجل سلعة ثم أفلس وهي عنده بعينها فهو أحق بها من الغرماء" ولابن حبان من طريق هشام بن يحيى المخزومي عن أبي هريرة بلفظ: "إذا أفلس الرجل فوجد البائع سلعته" والباقي مثله، ولمسلم في رواية ابن أبي حسين المشار إليها وقيل:"إذا وجد عنده المتاع أنه لصاحبه الذي باعه" وفي مرسل ابن أبي مليكة عند عبد الرزاق "من باع سلعة من رجل لم ينقده ثم أفلس الرجل فوجدها بعينها فليأخذها من بين الغرماء"، وفي مرسل مالك المشار إليه "أيما رجل باع متاعًا"، وكذا هو عند من قدمنا أنه وصله، فظهر أن الحديث وارد في صورة البيع، ويلتحق به القرض وسائر ما ذكر من باب الأولى.

تنبيه: وقع في الرافعي سياق الحديث بلفظ الثوري الذي قدمته، فقال السبكي في "شرح المنهاج" هذا الحديث أخرجه مسلم بهذا اللفظ، وهو صريح في المقصود، فإن اللفظ المشهور أي الذي في البخاري عام أو محتمل، بخلاف لفظ البيع فإنه نص لا احتمال فيه، وهو لفظ مسلم، قال: وجاء بلفظه بسند آخر صحيح انتهى. واللفظ المذكور ما هو في صحيح مسلم وإنما فيه ما قدمته، والله المستعان، وحمله بعض الحنفية أيضًا على ما إذا أفلس المشتري قبل أن يقبض السلعة، وتعقب بقوله في حديث الباب "عند رجل" ولابن حبان من طريق سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد "ثم أفلس وهي عنده" وللبيهقي من طريق ابن شهاب عن يحيى "إذا أفلس الرجل وعنده متاع" فلو كان لم يقبضه ما نص في الخبر على أنه عنده، واعتذارهم بكونه خبر واحد فيه نظر، فإنه مشهور من غير هذا الوجه، أخرجه ابن حبان من حديث ابن عمر وإسناده صحيح، وأخرجه أحمد وأبو داود من حديث سمرة وإسناده حسن، وقضى به =

ص: 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= عثمان وعمر بن عبد العزيز كما مضى، وبدون هذا يخرج الخبر عن كونه فردا غريبًا، قال ابن المنذر: لا نعرف لعثمان في هذا مخالفًا من الصحابة. وتعقب بما روى ابن أبي شيبة عن علي أنه أسوة الغرماء، وأجيب بأنه اختلف على علي في ذلك بخلاف عثمان، وقال القرطبي في "الرمفهم": تعسف بعض الحنفية في تأويله هذا الحديث بتأويلات لا تقوم على أساس، وقال النووي: تأوله بتأويلات ضعيفة مردودة انتهى، واختلف القائلون في صورة وهي ما إذا مات ووجدت السلعة فقال الشافعي: الحكم كذلك وصاحب السلعة أحق بها من غيره، وقال مالك وأحمد: هو أسوة الغرماء، واحتجا بما في مرسل مالك "وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء" وفرقوا بين الفلس والموت بأن الميت خربت ذمته فليس للغرماء محل يرجعون إليه فاستووا في ذلك، بخلاف المفلس. واحتج الشافعي بما رواه من طريق عمر بن خلدة قاضي المدينة عن أبي هريرة قال:"قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه" وهو حديث حسن يحتج بمثله، أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم، وزاد بعضهم في آخره "إلَّا أن يترك صاحبه وفاء" ورجحه الشافعي على المرسل، وقال: يحتمل أن يكون آخره من رأى أبي بكر بن عبد الرحمن، لأن الذين وصلوه عنه لم يذكروا قضية الموت، وكذلك الذين رووا عن أبي هريرة وغيره لم يذكروا ذلك، بل صرح ابن خلدة عن أبي هريرة بالتسوية بين الإفلاس والموتع، فتعين المصير إليه، لأنها زيادة من ثقة. وجزم ابن العربي المالكي بأن الزيادة التي في مرسل مالك من قول الراوي، وجمع الشافعي أيضًا بين الحديثين بحمل حديث ابن خلدة على ما إذا مات مفلسًا، وحديث أبي بكر ابن عبد الرحمن على ما إذا مات مليئًا. والله أعلم. =

ص: 389

يذكر البيع فيه أو على ما قبل القبض وهما ضعيفان كما قال الشيخ تقي الدين (1):

والأول: ضعيف جدًا لأنه يبطل. فائدة: تعليق الحكم بالفلس.

قلت: ورواية مسلم السالفة أنه لصاحبه الذي باعه يرده ردًا صريحًا.

والثاني: يضعفه قوله: "أدرك ماله" أو "وجد متاعه"(2) فإن ذلك يقتضي إمكان العقد. وذلك بعد خروج السلعة من يده.

= قال ابن عبد البر -رحمنا الله وإياه- في الاستذكار (21/ 24): حديث التفليس حديث صحيح من نقل الحجازيين، والبصريين، رواه العدول، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ودفعه طائفة من العراقيين، منهم: أبو حنيفة، وأصحابه، وسائر الكوفيين، وردوه بالقياس على الأصول المجتمع عليها، وهذا مما عيبوا به، وعد عليهم من السنن التي ردوها بغير سنة صاروا إليها؛ لأنهم أدخلوا القياس، والنظر حيث لا مدخل له، وإنما يصح الاعتبار، والنظر عند عدم الآثار.

وحجتهم أن السلعة من المشتري وثمنها في ذمته، فغرماؤه أحق بها كسائر ماله، وهذا لا يجهله عالم، ولكن الانقياد إلى السنَّة أولى بمعارضاتها بالرأي عند أهل العلم، وعلى ذلك العلماء. اهـ.

(1)

إحكام الأحكام (4/ 121)، قوله:"تعليل الحكم بالفلس"، قال الصنعاني: لما قدمناه قريبًا من عدم مشاركة غيره له في ملكه. اهـ.

(2)

قال في المرجع السابق، قوله:"أو وجد متاعه"، قال: قوله "عند رجل" دال على أنه قد قبضه المشتري هنا، فإن ذلك يقتضي إمكان العقد. اهـ.

ص: 390

ورده القاضي (1) عياض بأوجه:

أحدها: أنه نص في الحديث على الموت والفلس دون غيرهما.

ثانيها: رواية مالك في "الموطأ" أيما رجل باع مالًا" وهذا مقيد بالبيع فحمل المطلق عليه.

ثالثها: أن لفظة "أحق" تقتضي الاشتراك ولا اشتراك فيما ذكره.

رابعها: أن الأحقية هنا منتفية فيما إذا تغيرت الصفة بخلاف المودع والمغصوب والمقترض، فإنها أموالهم على كل حال.

وأجمل النووي القول في الرد عليه فقال (2): تأوله أبو حنيفة بتأويلات ضعيفة مردودة وتعلق بشيء يروي عن علي (3)، وابن مسعود وليس بثابت عنهما.

(1) ذكره في إكمال إكمال المعلم (4/ 242).

(2)

في شرح مسلم (10/ 222).

(3)

قال ابن عبد البر -رحمنا الله وإياه- في الاستذكار (21/ 25)، ولا أعلم لأهل الكوفة سلفًا في هذه المسألة إلَّا ما رواه قتادة عن خِلاس بن عمرو، عن علي رضي الله عنه قال: وفيه أسوة الغرماء إذا وجدها بعينها. والآثر أخرجه عبد الرزاق (8/ 266)؛ المحلى (8/ 186).

قال: وأحاديث خِلاس عن علي رضي الله عنه ضعيفة عند أهل العلم بالحديث، لا يرون في شيء منها إذا انفرد بها حجة.

قال: وروى الثوري، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: هو والغرماء فيه شرع، سواء. وليس قول إبراهيم حجة عند الجمهور.

ويشبه قوله في هذه المسألة قوله في المسكر، أي: النبيذ. اهـ.

ص: 391

وكذا القرطبي فقال في "مفهمه"(1) تعسف بعض الحنفية في تأويل أحاديث الإِفلاس تأويلات لا تقوم على أساس، ولا تتمشى على لغة ولا قياس فلنضرب عن ذكرها لوضوح فسادها.

وحجة مالك ما رواه في "موطئه": عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقتضي من ثمنه شيئًا فوجده بعينه فهو أحق به، فإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع أسوة الغرماء)، قال القرطبي (2): وهذا مرسل صحيح وقد أسنده أبو داود (3)

(1)(4/ 433).

(2)

المرجع السابق.

(3)

انظر: ت (1)، ص 383.

قال ابن عبد البر -رحمنا الله وإياه- في الاستذكار (21/ 22) ، بعد سياق الإِمام مالك رحمه الله للحديث من طريقين.

مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أيما رجل باع متاعًا، فأفلس الذي ابتاعه منه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا، فوجده بعينه فهو أحق به، وإن مات الذي ابتاعه، فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء".

مالك، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمَّد ابن عمرو بن حزم، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أيما رجل أفلس، فأدرك الرجل ماله بعينه، فهو أحق به من غيره".

قال أبو عمر: الحديث الأول مرسل في "الموطأ" عند جميع رواته عند مالك.

ص: 392

حديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وهو طريق

= ورواه عبد الرزاق، عن مالك عن ابن شهاب، عن أبي بكر ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ "الموطأ" سواء.

واختلف فيه أصحاب ابن شهاب: فمنهم من أسنده، فجعله عن ابن شهاب، عن أبي بكر، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من جعله، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن مرسلًا، عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرنا الرواة بذلك كله، والأسانيد عنهم في "التمهيد".

وأما حديث يحيى بن سعيد فمتصل صحيح مسند إلَّا أن قوله في حديث ابن شهاب، عن أبي بكر: وإن مات الذي ابتاعه، فصاحب المتاع إسوة الغرماء"، ليس في حديث يحيى بن سعيد، وهو موضع اختلف فيه العلماء على ما نذكره -إن شاء الله عز وجل.

وقد روى هذا الحديث بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"إذا أفلس الرجل، فوجد غريمه متاعه بعينه، فهو أحق به"، لم يذكر الموت، ولا حكمه.

كذلك رواه قتادة، وغيره، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وكذلك رواه أيوب، وابن جريج، وابن عيينة، عن عمرو ابن دينار، عن هشام بن يحيى، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أفلس الرجل، فوجد البائع سلعته بعينها، فهو أحق بها دون الغير" لم يذكر الموت ولا حكمه.

ورواه ابن أبي ذئب، عن أبي المعتمر بن عمرو بن نافع، عن عمر ابن خلدة الزرقيّ، قال: أتينا أبا هريرة في صاحب لنا أفلس، فقال أبو هريرة: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما رجل مات، أو أفلس، فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه" فسوَّى في روايته بين الموت، والفلس. اهـ.

ص: 393

صحيح، قال: ومذهب مالك أولى لأن حديثه أصح من حديث الشافعي، لأن في إسناده مجهول على ما ذكره أبو داود. وللفرق بين المفلس والميت فإن ذمة الميت قد خربت بخلافه هذا كلامه وليته لما نقل عن أبي داود أنه أسنده عقبه بقوله:"حديث مالك أصح" يعني المرسل -فإن أبا داود ذكره عقبه، وكذا نص عليه الحفاظ.

وقال: إمامنا الشافعي (1) حديث أبي هريرة المتقدم أولى من هذا وحديث ابن شهاب منقطع.

وقال أبو حاتم: إن رواية الوصل خطأ.

وقال البيهقي (2): لا يصح. فحينئذٍ حديث الشافعي أصح كما شهد له إمامنا.

(1) انظر: كتاب الأم (3/ 213، 215)؛ ومختصر المزني (103)، كتاب التفليس، الاستذكار (21/ 27)؛ ومعرفة السنن والآثار (8/ 249)، وما قبله (243، 250).

(2)

السنن الكبرى (6/ 45)، وقال ابن حجر في الفتح (5/ 64)، ورجحه الشافعي على المراسيل، وقال: يحتمل أن يكون آخره من رأي أبي بكر بن عبد الرحمن، لأن الذين وصلوه عنه لم يذكروا قضية الموت، وكذلك الذين رووا عن أبي هريرة وغيره لم يذكروا ذلك، بل صرح ابن خلدة بالتسوية بين الإفلاس والموت فتعين المصير إليه لأنها زيادة من ثقة. وجزم ابن العربي المالكي بأن الزيادة التي في مرسل مالك من قول الراوي، وجمع الشافعي أيضًا بين الحديثين بحمل حديث ابن خلدة على ما إذا مات مفلسًا، وحديث أبي بكر بن عبد الرحمن على ما إذا مات مليئًا. والله أعلم. اهـ.

ص: 394

وقول القرطبي (1): إن في إسناده مجهول، تبع فيه أبا داود وقد ثبت في "تخريجي الأحاديث الرافعي"(2) وغيره أنه معروف ثقة، فظهر رجحان مذهب الشافعي في ذلك، وإذا ثبت النص طاح الفرق وبالله التوفيق.

وحمل المازري (3): رواية الشافعي على الوديعة والغصب. وقد علمت جوابه، وأنه تعسف.

الثاني: رجوعه أيضًا ولو قبض بعض الثمن لإطلاق الحديث، وهو الجديد من قولي الشافعي وخالف في القديم (4).

(1) المفهم (4/ 433).

(2)

انظر: خلاصة البدر المنير (2/ 81).

(3)

المعلم بفوائد مسلم (2/ 282).

(4)

قال البغوي -رحمنا الله وإياه- في السنة (8/ 187): والعمل على هذا عند بعض أهل المعلم قالوا: إذا أفلس المشتري بالثمن، ووجد البائع عين ماله، فله أن يفسخ البيع، ويأخذ عين ماله. وإن كان قد أخذ بعض الثمن، وأفلس بالباقي، أخذ من عين ماله بقدر ما بقي من الثمن، وهو قول أكثر أهل العلم، قضى به عثمان، وروي عن علي ذلك، ولا نعلم لهما مخالفًا من الصحابة، وإليه ذهب عروة بن الزبير، وبه قال مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.

وذهب قوم إلى أنه ليس له أخذ عين ماله، وهو أسوة الغرماء، وبه قال النخعي وابن شبرمة، وأصحاب الرأي، ولو مات مفلسًا، فهو كما لو أفلس في حياته على هذا الاختلاف.

وذهب مالك إلى أنه إذا مات مفلسًا، أو أفلس في حياته، وقد أخذ البائع =

ص: 395

فقال: يضارب بباقي الثمن فقط: وعليه اقتصر القرطبي (1) في حكايته عنه وليس بجيد منه.

وفيه حديث في الدارقطني (2) وهو مرسل ولا يصح مسندًا فعلى الجديد إذا باعه وتلف أحدهما وقبض نصف الثمن مثلًا أخذ الباقي، بباقي الثمن، ويكون ما قبضه في مقابلة التالف، وفي قول: مخرج يأخذ نصفه بنصف باقي الثمن

= شيئًا من الثمن، فليس له أخذ عين ماله، بل يضارب الغرماء. اهـ. قال ابن دقيق العيد في "إحكام الأحكام" 3/ 200: رجوع البائع إلى عين ماله عند تعذر الثمن بالفلس أو الموت، فيه ثلاثة مذاهب:

الأول: أنه يرجع إليه في الموت والفلس، وهذا مذهب الشافعي.

والثاني: أنه لا يرجع إليه، لا في الموت ولا في الفلس، وهو مذهب أبي حنيفة.

والثالث: يرجع إليه في الفلس دون الموت، ويكون في الموت أسوة الغرماء وهو مذهب مالك. اهـ.

انظر: الاستذكار (21/ 26، 28) وسيأتي نقلًا منه في ت (1) ص 397، وانظر الفقه الإِسلامي وأدلته (4/ 468، 496).

(1)

المفهم (4/ 433).

(2)

ولفظه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أيما رجل باع سلعة فأدرك سلعته بعينها عند رجل قد أفلس ولم يكن قبض من ثمنها شيئًا، فهي له، وإن كان قبض من ثمنها شيئًا فهو أسوة الغرباء".

وقال دعلج: "فإن كان قضاه من ثمنها شيئًا فما بقي فهو أسوة الغرباء". إسماعيل بن عياش مضطرب الحديث ولا يثبت هذا، عن الزهري مسندًا، وإنما هو مرسل. اهـ، الدارقطني (3/ 30)، وانظر: تخريج الأحاديث الضعاف من الدارقطني (271).

ص: 396

ويضارب بنصف الباقي وهو الربع (1).

(1) قال ابن عبد البر -رحمنا الله وإياه- في الاستذكار (21/ 26، 34)، وانظر: ت (3)، الوجه الثامن، ص (406).

قال مالك، في رجل باع من رجل متاعًا، فأفلس المبتاع، فإن البائع إذا وجد شيئًا من متاعه بعينه، أخذه، وإن كان المشتري قد باع بعضه، وفرَّقه، فصاحب المتاع أحق به من الغرماء، لا يمنعه ما فرَّق المبتاع منه، أن يأخذ ما وجد بعينه، فإن اقتضى من ثمن المبتاع شيئًا، فأحب أن يرده ويقبض ما وجد من متاعه، ويكون فيما لم يجد إسوة الغرماء، فذلك له. قال أبو عمر: لا أعلم خلافًا بين الفقهاء القائلين بأن البائع أحق بغير ماله في الفلس أنه أحق أيضًا بما وجد عنه إذا كان المشتري قد باع ذلك أو فوته بوجوه الفوت؛ لأن الذي وجد من سلعته هو عين ماله، لا شك فيه؛ لأنه قطعة منه.

قال مالك: فيمن وجد نصف سلعته بعينها عند رجل قد أفلس، قال: أرى أن يأخذها بنصف الثمن، ويحاص الغرماء في النصف الثاني.

وكذلك قال الشافعي، قال: لو كانت السلعة عبدين بمئة، فقبض نصف الثمن، وبقي أحد العبدين، وقيمتهما سواء كان له نصف الثمن، أو النصف الذي قبض، ئمن الهالك كما لو رهنهما بمئة، فقبض تسعين، فهلك أحدهما كان الآخر رهنًا بعشرة.

هكذا روى المزني.

وروى الربيع عنه، قال: لو كانا عبدين، أو ثوبين فباعهما بعشرين قبض عشرة، وبقي من ثمنهما عشرة كان شريكًا فيها بالنصف، يكون نصفهما له، والنصف للغرماء يباع في دينه.

وجملة قول الشافعي أنه لو بقي من ثمن السلعة في التفليس درهم لم يرجع من السلعة إلَّا بقدر الدرهم.

ومعناه أن ما بقي في يد المشتري المفلس عين مال البائع وقيمته بمقدار ما =

ص: 397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= بقي له من الثمن الذي من أجله جعل له أخذه، فله أخذه دون سائر غرماء المفلس.

وقال أشهب، عن مالك، عن رجل باع من رجل عبدين بمئة دينار وانتقد من ذلك خمسين، وبقيت على الغريم خمسون، ثم أفلس غريمه، فوجد عنده أحد عبديه، وفاته الآخر، فأراد أخذه بالخمسين التي بقيت له على غريمه، وقال: الخمسون التي أخذت ثمن العبد الذاهب، وقال الغرماء: بل الخمسون التي أخذت ثمن هذا.

فقال مالك: إذا كان العبدان سواء، رد نصف ما قبض، ولك خمسة وعشرون دينارًا، وأخذ العبد، وذلك أنه إنما اقتضى من ثمن كل عبد خمسة وعشرين دينارًا.

قال: ولو كان باعه عبدًا واحدًا بمئة دينار، فاقتضى من ثمنه خمسين رد الخمسين إن أحب وأخذ العبد.

قال أشهب: وكذلك العمل في روايات الزيت، وغيرها على هذا القياس.

وقال الشافعي في مسألة أشهب عن مالك: العبد أحق به من الغرماء إذا كان قيمة العبدين سواء؛ لأنه ماله بعينه وجده عند غريمه، وقد أفلس، والذي قبضه، وثمن ما فات إذا كانت القيمة سواء كما لو باع عبدًا واحدًا، وقبض نصف لبه، كان ذلك النصف للغرماء وكان النصف الباقي له، فإنه لم يقبض ثمنه ولا يرد شيئًا مما أخذ؛ لأنه مستوف لما أخذ.

وأما قول مالك في "الموطأ": فإن اقتضى من ثمن المبتاع شيئًا، فأحب أن يرده إلى آخر قوله. فقد خالفه الشافعي، وغيره في ذلك، فقالوا: ليس له أن يرده، وإنما له أخذ ما بقي من سلعته، لا غير ذلك؛ لإجماعهم على أنه لو قبض ثمنها كله لم يكن له إليها سبيل، فكذلك إذا أخذ ثمن بعضها لم يكن إلى ذلك البعض سبيلًا، وليس له أن يرد بعض الثمن كما ليس له أن يرد جميعه، لو قبضه.

ص: 398

الثالث: رجوع المقرض إلى عين ماله إذا كان باقيًا بعينه وأفلس بعد قبضه، كما ترجم عليه البخاري فيما سلف، ووجهه أن لفظ الحديث أعم من أن يكون المال أو المتاع لبائع أو لمقرض والفقهاء قاسوه عليه بجامع أنه مملوك يقدر [علي](1) تحصيله فأشبه البيع ولا حاجة إليه لاندراجه تحته وبهذا قال الشافعي وأبو محمَّد الأصيلي (2) من المالكية.

= وحجتهم حديث مالك في هذا الباب، قوله: ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا.

وقال جماعة من أهل العلم: إذا قبص من ثمن سلعته شيئًا، لم يكن له أخذها، ولا شيئًا منها.

وممن قال هذا: داود، وأهل الظاهر أيضًا، وأحمد، وإسحاق.

واختلف مالك، والشافعي أيضًا في المفلس يأبى غرماؤه دفع السلعة إلى صاحبها، وقد وجدها بعينها، ويريدون دفع الثمن إليه من قبل أنفسهم لما لهم في قبض السلعة من الفضل:

فقال مالك: ذلك لهم، وليس لصاحب السلعة أخذها إذا دفع إليه الغرماء ثمنها.

وقال الشافعي: ليس للغرماء هذا مقال: قال: وإذا لم يكن للمفلس، ولا لورثته أخذ السلعة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل صاحبها أحق بها منهم، فالغرماء أبعد من ذلك، وإنما الخيار لصاحب السلعة إن شاء أخذها، وإن شاء تركها، وضرب مع الغرماء بثمنها.

وبهذا قال أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وجماعة. اهـ.

(1)

زيادة من المصحح ليستقيم بها المعنى.

(2)

هو عبد الله بن إبراهيم أصله من كورة شذونه ورحل به أبوه إلى أصيلا من بلاد العدوة فسكنها ونشأ بها أبو محمَّد. له مصنف على الموطأ سماه =

ص: 399

وخالفه غيره فقال: لا يكون القرض كالبيع.

الرابع: الحجر على المفلس وخالف فيه أبو حنيفة (1).

= بالدليل ذكر فيه خلاف مالك والشافعي وأبي حنيفة توفي يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة اثنين وتسعين وثلاثمائة الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون (138)، ط دار الكتب العلمية.

(1)

قال أبو حنيفة: لا أحجر على المفلس في الدين، لأن مال الله غاد ورائح، فهو لا يرى الحجر على المدين المفلس، كما لا يرى الحجر على السفيه، لأن في الحجر، إهدارًا لحريته وإنسانيته وأهليته، فذلك أخطر من ضرر خاص يلحق الدائن فتنفذ تصرفاته ولا يباع ماله جبرًا عنه، وإنما يؤمر بسداد ديونه، فإن امتثل فلا يتعرض له بشيء، وإن امتنع عن الأداء، حبس حتى يسدد دينه، أو يبيع ماله بنفسه، وشرع حبسه دفعًا لظلمه، لأن قضاء الدين واجب عليه، والمماطلة ظلم، وليس للقاضي أن يبيع ماله جبرًا عنه، لأنه نوع حجر عليه، وهو لا يجوز عنده.

والخلاصة: أن أبا حنيفة قال: ليس للحاكم أن يحجر على المفلس، ولا يبيع ماله بل يحبسه، حتى يؤدي أو يموت في السجن.

والمفتي به عند الحنيفة هو قول الصاحبين وهو قول جمهور الفقهاء: وهو جواز الحجر على المدين المفلس في تصرفاته المالية، حفاظًا على حقوق الدائنين وأموالهم من الضياع بدليل ما روى الدارقطني، والخلال، وصحع الحاكم إسناده: أن النبي صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ وباع ماله في دين كان عليه، وقسمه بين غرمائه، فأصابهم خمسة أسباع حقوقهم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ليس لكم إلَّا ذلك. اهـ. من الفقه الإسلامي (5/ 456).

ص: 400

ولابد في الحديث (1) من إضمار (2) أمور يحمل عليها، مثل: كون السلعة مقبوضة موجودة عند المشتري دون غيره، والثمن غير مقبوض، ومال المفلس لا يفي بالديون، أو كان مساويًا وقلنا، يحجر عليه في صورة (3) التساوي، فلو مات أو كاتب العبد فلا رجوع، ولو زال من يد المشتري وعاد إليه فأظهر الوجهين في "الشرح الصغير للرافعي": أنه يجوز الرجوع.

وصحح النووي في "الروضة"(4) من زياداته مقابله.

(1) في إحكام الأحكام (4/ 122) ، المسألة الثالثة.

(2)

قال الصنعاني -رحمنا الله وإياه- في الحاشية، قوله:"من إضمار" وأدلته القواعد الشرعية، وقد يؤخذ من الحديث إما كون الثمن غير مقبوض فلأنه يؤخذ من قوله في الحديث:"ماله" فإضافته إليه دالة على بقائه له، وإلَّا لما كانت إضافته إلَّا من المجاز، وأما كون السلعة عند المشتري دون غيره، فلأن قوله:"قد أفلس" عائد إلى الرجل، والمراد به المشتري مثلًا، وأما كون المال لا يفي بالديون، فلأن حقيقة المفلس من لا يفي ماله بدينه.

(3)

وقال أيضًا قوله: "وقلنا يحجر على المفلس في هذه الصورة"، أي: صورة مساواة ماله لديونه، وفيه قولان للشافعية على تفصيل ذلك، قال في المنهاج: ولو كانت الديون بقدر المال فإن كان كسوبًا ينفق من كسبه فلا حجر عليه، لأنه لا حاجة له إليه بل يؤمر بقضاء الدين، وإن لم يكن كسوبًا، وكانت نفقته من ماله فكذا في الأصح لتمكنهم من المطالبة في الحال، والثاني: يحجر عليه لئلا يذهب ماله، واختاره الإِمام. اهـ.

(4)

روضة الطالبين وعمدة المفتين (4/ 156).

ص: 401

وحكى الشيخ تقي الدين (1): هذا الخلاف، ولم يرجح شيئًا، لكنه فرضه فيما إذا خرج عنه، ثم رجع إليه بغير عوض. ثم قال: وهذا تصرف في اللفظ (2) بالتخصيص، بسبب معنى مفهوم منه، وهو الرجوع إلى العين، لتعذر العوض من تلك الجهة، أو تخصيص بالمعنى (3) وإن سلم باقتضاء اللفظ له.

تنبيه: للرجوع شروط آخر عند الشافعية (4):

أن يكون الثمن حالًا.

وأن لا يتعلق بالمبيع حق ثالث كالجناية والرهن والشفعة فإن زال التعلق رجع في الأصح.

وأن لا يقوم بالبائع مانع من الملك كما لو أحرم وكان المبيع صيدًا، وكما لو كان البائع كافرًا، والمبيع مثله، وأسلم في يد المشتري.

(1) انظر: إحكام الأحكام (4/ 126)، حيث تصرف المؤلف بالعبارة.

(2)

قال الصنعاني -رحمنا الله وإياه- في إحكام الأحكام (4/ 126)، قوله:"وهذا تصرف في اللفظ"، لفظ متاعه أو ماله العام بالإضافة بسبب معنى مفهوم من الحديث، والمعنى هو الرجوع إلى العين لأنه تعذر العوض منه من جهة المفلس، لأنه عاد إليه بغير عوض. اهـ.

(3)

وقال أيضًا: قوله: "أو تخصيص بالمعنى" الأول كان تخصيصًا بالسبب وهذا بالمعنى، وهو أن المراد وجد عين ماله لم يتصرف فيه المفلس، وهنا قد تصرف فيه ثم عاد بغير عوض فهذا الملك متلقى من غيره فهو مال ذلك الغير صار إلى المفلس.

(4)

انظر: الفقه الإِسلامي (5/ 470، 473).

ص: 402

الخامس: المؤجر كالبائع عند المالكية وهو الصحيح عند الشافعية فيرجع مكترى الدابة والدار إلى عين دابته وداره، وإن كانت أرضًا فصاحبها أحق بالزرع من الغرماء في الفلس دون الموت عند المالكية.

وقال ابن القاسم: أحق فيهما وإدراج الإِجارة تحت لفظ الحديث يتوقف على أن المنافع ينطلق عيها اسم "المتاع" أو "المال" وانطلاق اسم "المال" عليها أقوى (1)، وقد عُلل منع الرجوع بأن [المنازل تنزل] (2) منزلة الأعيان القائمة إذ ليس لها وجود مستقر وإن نوزع في الإِطلاق. فالطريق أن يقال: كما نبه عليه الشيخ تقي الدين (3): اقتضى الحديث أن يكون أحق بالعين ومن لوازم ذلك الرجوع في المنافع -فيثبت بطريق اللازم، لا بطريق الأصالة. فإن المنافع هي المعقود عليها لا العين.

قلت: لكن الأصح عند الأصحاب أن المعقود عليه العين لاستيفاء المنافع.

فرع: لو ألزم (4) ذمته نقل متاع من مكان إلى مكان بطريق

(1) قال الصنعاني في الحاشية (4/ 124)، قوله:"وانطلاق اسم المال عليها أقوى" فيدخل في الحديث، ولكن الإدراك في غالب الإطلاق لا يكون إلَّا للأعيان، ثم هذا مبني على أنه لا يخص اللفظ بالبائع. اهـ.

(2)

العبارة في إحكام الأحكام "المنافع لا تنزل". وهي أولى.

(3)

انظر: العبارة في إحكام الأحكام (4/ 124)، وقد تصرف فيها المؤلف هنا.

(4)

انظر: إحكام الأحكام (4/ 125) ، المسألة الخامسة.

ص: 403

الإِجارة، ثم أفلس والأجرة في يده، فإنه يثبت حق الفسخ والرجوع إلى الأجرة واندراج هذا الفرع ظاهر، تحت لفظ الحديث إن أخذنا باللفظ، ولم نخصصه بالبائع. فإن خصصناه به فلحكم ثابت قياسًا، لا نصًا.

السادس: قد يمكن أن يستدل بالحديث على حلول الدين المؤجل بالحجر. من حيث أن صاحب الدين كأنه أدرك متاعه، فيكون أحق به. ومن لوازم ذلك أن يحل، إذ لا مطالبة بالمؤجل قبل الحلول (1). وهو أحد قولي الشافعي وبه قالت المالكية (2) وحكاه

(1) انظر: إحكام الأحكام (4/ 124).

(2)

من الآثار التي تترتب على الحجر حلول الديون المؤجلة، وهو عند الحنفية وفي المشهور عند المالكية، لخراب الذمة في الحالتين، وهو عند المالكية ما لم يشترط المدين عدم حلوله بهما، وما لم يقتل الدائن المدين عمدًا، فلا يحل.

وأما الحنابلة في أرجح الروايتين والشافعية: في الأظهر، لا يحل الدين المؤجل بفلس من هو عليه، لأن الأجل حق مقصود للمفلس، فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه، ويفترق الفلس عن الموت في أن الميت خربت ذمته وبطلت، وعليه: لا يشارك أصحاب الديون المؤجلة غرماء الديون الحالة، بل يقسم المال الموجود بين أصحاب الديون الحالة، ويبقى المؤجل في الذمة إلى وقت حلوله. فإن لم يقتسم الغرماء حتى حل الدين، شارك الغرماء كما لو تجدد على المفلس دين بجنايته. اهـ. من الفقه الإِسلامي (5/ 461)، وانظر: الاستذكار (21/ 34، 35).

هل تحل الديون المؤجلة بالموت؟ يرى جمهور العلماء ومنهم أئمة المذاهب كما في بداية المجتهد (2/ 282)، والمغني (4/ 435)، =

ص: 404

القرطبي (1) عن الجمهور والأظهر من قولي الشافعي عدم الحلول به، لأن الأجل حق مقصود له، فلا يفوت، والأول قاسه على الموت، لكن الفرق أن ذمة الميت خربت بخلافه.

= والمهذب (1/ 327). أن الديون المؤجلة تحل بالموت، كما تحل عند الحنفية والمالكية خلافًا لغيرهم بالتفليس، قال الزهري: مضت السنة بأن دينه قد حل حين مات يدل له ما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات الرجل وله دين إلى أجل، وعليه دين إلى أجل، فالذي عليه حال، والذي له إلى أجله". المهذب (1/ 327). وحجتهم أن الله تبارك وتعالى لم يبح التوارث إلَّا بعد قضاء الدين.

وإذا لم يحل الدين بالموت، فلا يخلو إما أن يبقى في ذمة الميت، أو الورثة، أو يتعلق بالمال: لا يجوز بقاؤه في ذمة الميت لخرابها وتعذر مطالبته بها، ولا في ذمة الورثة؛ لأنهم لم يلتزموا الدين، ولا رضي صاحب الدين بذممهم، وهي مختلفة متباينة، ولا يجوز تعلق الدين بأعيان أموال التركة، أو تأجيله؛ لأنه ضرر بالميت، وصاحب الدين، ولا نفع للورثة فيه. أما إضرار الميت فلأن ذمته تظل مشغولة بالدين حتى يوفى عنه لحديث "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه". رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة، وهو حديث صحيح. وأما إضرار صاحب الدين (الدائن) فيتأخر حقه، وقد تتلف العين، فيسقط حقه، وأما إضرار الورثة فإنهم لا ينتفعون بأعيان التركة ولا يتصرفون فيها.

ولأن الموت ما جعل مبطلًا للحقوق، وإنما هو ميقات للخلافة وعلامة على الوراثة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من ترك حقًا أو مالًا فلورثته". رواه أحمد وابن ماجه عن أبي كريمة. الجامع الكبير (3/ 178).

(1)

المفهم (4/ 435).

ص: 405

ومن الغريب ما حكاه القرطبي عن الحسن أنها لا تحل بالموت أيضًا (1).

السابع (2): ظاهر الحديث يدل على الاستبداد بالأخذ وإن لم يحكم به حاكم وفيه خلاف بين العلماء. والأصح عند أصحابنا الاستبداد به كخيار العتق.

الثامن (3): يمكن أن يستدل على أن الغرماء إذا قالوا للبائع لا تفسخ ونقدمك بالثمن أنه لا يسقط حقه من الرجوع لاندراجه تحت لفظ الحديث. وهو الأصح عند الشافعية وعللوه بالمِنَّة، وربما ظهر كريم آخر فيزاحمه فيما أخذ، وفيه وجه عندهم أنه يسقط وعزى إلى مالك.

(1) المفهم (4/ 435).

(2)

انظر: إحكام الأحكام (4/ 125)، المسألة الثامنة.

(3)

انظر: إحكام الأحكام (4/ 124)، المسألة السابعة.

قال ابن عبد البر -رحمنا الله وإياه- في الاستذكار (21/ 34)، واختلف مالك والشافعي في المفلس يأبى غرماؤه دفع السلعة إلى صاحبها، وقد وجدها بعينها، ويريدون دفع الثمن إليه من قبل أنفسهم لما لهم في قبض السلعة من الفضل.

فقال مالك: ذلك لهم، وليس لصاحب السلعة أخذها إذا دفع إليه الغرماء ثمنها.

وقال الشافعي: ليس للغرماء هذا مقال: قال: وإذا لم يكن للمفلس ولا لورثته أخذ السلعة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل صاحبها أحق بها منهم، فالغرماء أبعد من ذلك، وإنما الخيار لصاحب السلعة إن شاء أخذها، وإن شاء تركها، وضرب مع الغرماء بثمنها. وبهذا قال أبو ثور، وأحمد، وجماعة. اهـ.

ص: 406

التاسع: لو امتنع من دفع الثمن بعد يساره أو هرب أو امتناع الوارث من التسليم بعد موته فلا فسخ في الأصح عند الشافعية عملًا بمفهوم الحديث، ووجه مقابلة القياس عليه بجامع تعذر الوصول إليه حالًا مع توقعه.

(1)

[العاشر: هذا الأمر في قوله: "فليتبع": وفي قوله: "فليحتل"، في رواية الإِمام أحمد للاستحباب وعند الشافعية والجمهور.

وقال الماوردي: هو للإباحة لوروده بعد الحظر وهو: "نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الدين بالدين"، كما في قوله تعالى:{وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} (2) وهذا حمل منه ويحتاج إلى التاريخ في ذلك وأنه وارد بعده، ولم أر ذلك.

وقال أبو ثور وابن جرير وداود (3): إنه للوجوب لظاهر الخبر.

وادعى الجوري -بضم الجيم- من أصحابنا الأجماع على الأول لما فيه من "الإحسان إلى المحيل بتحويل الحق عنه، وبترك تكليفه التحصيل بالطلب].

[الحادي عشر](4): في الحديث إشعار بأن الأمر بقبول الحوالة

(1) هذا المبحث لا علاقة له هنا وقد سبق في الحديث قبله ص 370، 371.

(2)

سورة المائدة: آية 2.

(3)

نيل الأوطار (6/ 403)، وبداية المجتهد (2/ 384)، والمغني (4/ 576).

(4)

بياض في الأصل.

ص: 407

على الملىء معلل يكون "مطل الغني ظلم".

قال الشيخ تقي الدين (1): ولعل السبب فيه أنه إذا تبين كونه ظلمًا، والظاهر من حال المسلم الاحتراز عنه. فيكون ذلك سببًا للأمر بقبول الحواله عليه، لحصول المقصود من غير مطل. ويحتمل أن يكون ذلك لأن الملىء لا يتعذر استيفاء الحق منه عند الامتناع، بل يأخذه الحاكم قهرًا ويوفيه.

ففي قبول الحوالة عليه تحصيل الغرض من غير مفسدة تأخير الحق، قال: والمعنى الأول أرجح. لما فيه من بقاء معنى التعليل بكون المطل ظلما. وعلى هذا المعنى الثاني تكون العلة عدم تأخير الحق لا الظلم.

[الثاني عشر](2): في أحكامه:

[الأول](3): تحريم المطل بالحق ولا خلاف فيه مع القدرة بعد الطلب واختلف أصحابنا في وجوب الأداء مع أنه لا رجوع مع هلاك العين كما سلف وهو ظاهر في الهلاك الحسي، وقد نزّل الفقهاء تصرفات شرعية منزلته كالبيع، والهبة، والوقف، والعتق، ولم ينقضوا هذه التصرفات، بخلاف تصرفات المشتري في حق الشفيع بها فإنهم فصلوا فيها تفصيلًا كما هو معروف في كتب الفروع.

(1) إحكام الأحكام (4/ 119).

(2)

بياض في الأصل، وما أثبت يتضح من سياق الكلام.

(3)

بياض في الأصل، وما أثبت يتضح من سياق الكلام. وانظر: المسألة في إحكام الأحكام (118 - 125).

ص: 408

[الحادي عشر](1): إذا باع عبدين -مثلًا- وتلف أحدهما، ثم أفلس أخذ الباقي وضارب بحصة التالف. وفي قول بعيد أنه إذا رجع أخذ الباقي بكل الثمن. ولا يضارب بشيء. فأما رجوعه في الباقي فقد يندرج تحت قوله:"فوجد متاعه" أو "ماله" وأما كيفية الرجوع فلا تعلق للفظ به.

الثاني عشر: لو تغيرت صفة المبيع كأن حدث به عيب فأثبت الشافعي الرجوع إن شاء البائع ناقصًا وإن شاء ضارب بالثمن كما في تعييب المبيع في يد البائع، وهذا يمكن دخوله تحت اللفظ فإنه وجده بعينه. والتغيير حدث في الصفة لا في العين، وفي وجه، أو قول يأخذ المبيع ويضارب بما نقص وهو غريب (2).

(1) هذه تكون المسألة الثالثة عشرة، وانظر: إحكام الأحكام (4/ 127)، وانظر: ت (26).

(2)

قال ابن عبد البر -رحمنا الله وإياه- في الاستذكار (21/ 37، 38): قال أبو عمر: قال الشافعي فيما روى الربيع، وغيره عنه: ولو كانت السلعة دارًا فبنيت، أو بقعة، فغرست، ثم أفلس الغريم ردت للبائع الدار كما كانت، والبقعة حين باعها، ولم أجعل له الزيادة، ثم خيرته بين أن يعطي قيمة العمارة، والغراس، ويكون ذلك له، أو يكون له ما كان من الأرض لا عمارة فيها، وتكون العمارة الحادثة فيها تباع للغرماء سواء بينهم، إلَّا أن يشاء الغرماء والغريم: أن يقلعوا البيان، والغرس، ويضمنوا لرب الأرض ما نقص الأرض القطع، فيكون ذلك لهم.

قال: ولو باع أرضًا، فغرسها المشتري، ثم أفلس، فأبى رب الأرض أن يأخذ الأرض بقيمة الغرس الذي فيها، وأبى الغرماء، أو الغريم أن يقلعوا الغرس، ويسلموا الأرض إلى ربها، لم يكن لرب الأرض إلَّا الثمن الذي =

ص: 409

الثالث عشر: الحديث يقضي الرجوع، ومفهومه أنه لا يرجع في غيره. والزوائد المنفصلة حادثة على ملك المشتري ليست بمتاع البائع، فلا رجوع له فيها (1).

الرابع عشر (2): لا يثبت الرجوع إلَّا إذا تقدم سبب لزوم الثمن على الفلس. ويؤخذ ذلك من الحديث الذي في لفظه بترتيب الأحقية على الفلس، بصيغة الشرط، فإن المشروط مع الشرط، أو عقبه. ومن ضرورة ذلك تقدم سبب اللزوم على الفلس.

= باع به الأرض يحاص به الغرماء.

قال أبو عمر: تلخيص قول الشافعي في ذلك أن للبائع ما فيه من الأرض، وأما ما كان فيه بناء، فهو مخير إن شاء أعطى قيمة البناء، وأخذ الأرض والبناء، وإن شاء ضرب مع الغرماء ليس له غير ذلك.

وأما الكوفيون، فعلى ما قدمت لك، مال المفلس كله عندهم للغرماء، الذي فلسه القاضي لهم دون صاحب المساقاة، وهو فيها كأحدهم.

انظر أيضًا: الفقه الإِسلامي وأدلته (5/ 476).

(1)

الفقه الإِسلامي (5/ 473).

(2)

انظر: إحكام الأحكام (4/ 128)، المسألة الخامسة عشرة.

ص: 410