الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَعَلَهُ فِي الْعِبَادِ سَبَبًا لِلْمَوْتِ، وَكَقَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ اعْتَدِّي وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَك يُرِيدُ بِهِ الطَّلَاقَ؛ لِأَنَّهُمَا مُسَبَّبَانِ عَنْهُ، وَمِنْهُ أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ نَبَاتًا، فَذُكِرَ النَّبَاتُ وَأُرِيدَ بِهِ الْغَيْثُ؛ لِأَنَّ الْغَيْثَ سَبَبٌ لِلنَّبَاتِ، وَعَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى:{وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الزمر: 6] وَاعْلَمْ أَنَّ التَّجَوُّزَ بِلَفْظِ السَّبَبِ عَنْ الْمُسَبَّبِ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُعَيَّنَ يَسْتَدْعِي مُسَبَّبًا مُعَيَّنًا كَالزِّنَى بَعْدَ الْإِحْصَانِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي مُسَبَّبًا مُعَيَّنًا وَهُوَ الرَّجْمُ، وَالْمُسَبَّبُ الْمُعَيَّنُ لَا يَسْتَدْعِي سَبَبًا مُعَيَّنًا، بَلْ سَبَبًا مَا كَإِبَاحَةِ الدَّمِ، فَإِنَّهَا تَقْتَضِي سَبَبًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ إمَّا الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ أَوْ الزِّنَى بَعْدَ الْإِحْصَانِ، أَوْ قَتْلٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَا يَقْتَضِي وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ بِعَيْنِهِ، وَمَا اقْتَضَى الشَّيْءَ الْمُعَيَّنَ أَقْوَى مِمَّا يَقْتَضِي الْمُطْلَقَ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْمُعَيَّنِ يَقْتَضِي الْمُطْلَقَ وَزِيَادَةً، وَهِيَ التَّعْيِينُ، فَكَانَ أَوْلَى كَالضَّرْبِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْأَلَمَ جَزْمًا بِخِلَافِ الْأَلَمِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي الضَّرْبَ عَلَى التَّعْيِينِ لِجَوَازِ أَنْ يَخْلُفَهُ سَبَبٌ آخَرُ، فَكَانَ فَهْمُ الْمُسَبَّبِ مِنْ اسْمِ السَّبَبِ فَوْقَ فَهْمِ السَّبَبِ مِنْ اسْمِ الْمُسَبَّبِ، فَكَانَ أَبْلَغَ إفَادَةً لِلْمَقْصُودِ، وَهَكَذَا يَقُولُ: إطْلَاقُ اسْمِ اللُّزُومِ عَلَى اللُّزُومِ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ، وَكَذَا إطْلَاقُ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ إطْلَاقَ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ أَوْلَى مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ لِمَا بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ مِنْ الِاتِّصَالِ وَالْمُنَاسَبَةِ.
[الْعَلَاقَةُ الثَّالِثَةُ الْمُشَابَهَةُ]
ُ: وَهِيَ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ مُشَبَّهِهِ، إمَّا فِي الصُّورَةِ كَإِطْلَاقِ اسْمِ الْأَسَدِ
عَلَى الْمَنْقُوشِ فِي الْحَائِطِ بِصُورَتِهِ، وَإِمَّا فِي الْمَعْنَى كَالصِّفَةِ الظَّاهِرَةِ لِلْحَقِيقَةِ، كَإِطْلَاقِ اسْمِ الْأَسَدِ عَلَى الشُّجَاعِ، فَلَا يَجُوزُ فِي الْحَقِيقَةِ كَاسْتِعَارَةِ لَفْظِ الْأَسَدِ لِلرَّجُلِ الْأَبْخَرِ؛ إذْ هِيَ صِفَةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: إنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ أَشْهَرَ صِفَاتِ الْمَحَلِّ، وَمِنْ هَاهُنَا تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ اشْتِرَاطَ كَوْنِ الْعَلَاقَةِ أَمْرًا ذِهْنِيًّا كَمَا سَبَقَ، وَنَحْنُ إنْ اشْتَرَطْنَا الظُّهُورَ، فَلَا نَشْرِطُ كَوْنَهُ ذِهْنِيًّا.
وَقَدْ اجْتَمَعَتْ الْمُشَابَهَةُ فِي الصُّورَةِ وَالصِّفَةِ الظَّاهِرَةِ مَعًا فِي قَوْله تَعَالَى {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ} [طه: 88] فَإِنَّ الْعَلَاقَةَ مَجْمُوعُ الشَّكْلِ وَالْخُوَارِ، وَإِمَّا بِدُونِ أَدَاةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى، {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] أَيْ: مِثْلُ أُمَّهَاتِهِمْ فِي الْحُرْمَةِ وَتَحْرِيمِ الْمُنَاكَحَةِ، وَقَوْلُهُمْ: أَبُو يُوسُفَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمِنْهُ تَسْمِيَةُ الْكَافِرِ كَافِرًا؛ إذْ حَقِيقَةُ الْكُفْرِ سَتْرُ جُرْمٍ بِجُرْمٍ وَتَغْطِيَتُهُ لِئَلَّا تَرَاهُ الْعُيُونُ، وَلَمَّا كَانَ الْكُفْرُ وَاحِدًا، وَالْإِيمَانُ وَاقِعٌ لِلْبَصِيرَةِ عَنْ إدْرَاكِ الْحَقِّ شُبِّهَ بِمَا يَمْنَعُ الْإِبْصَارَ مِنْ الْمَحْسُوسَاتِ. وَقِيلَ: فِي قَوْله تَعَالَى: {أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} [الحديد: 20] أَيْ: الزُّرَّاعَ لِكُفْرِهِمْ الْحَبَّ فِي الْأَرْضِ وَيُسَمَّى الْمَجَازُ الَّذِي عَلَاقَتُهُ الْمُشَابَهَةُ اسْتِعَارَةً، فَالِاسْتِعَارَةُ أَخَصُّ مِنْ الْمَجَازِ، وَخَصَّ الْإِمَامُ الِاسْتِعَارَةَ بِالْمُتَشَابِهِ الْمَعْنَوِيِّ لَا الصُّورِيِّ وَتَبِعَهُ الْهِنْدِيُّ، وَحَكَى عَبْدُ اللَّطِيفِ الْبَغْدَادِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّ الْمَجَازَ وَالِاسْتِعَارَةَ مُتَرَادِفَانِ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَجَازَ مُنْحَصِرٌ فِي الْمُشَابَهَةِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ الْمُعْتَبَرُ الْمُشَابَهَةُ بَيْنَ لَفْظَيْ الْمُسْتَعَارِ مِنْهُ وَالْمُسْتَعَارِ لَهُ فِي بَعْضِ مَا وُضِعَ اسْمُ الْمُسْتَعَارِ مِنْهُ لَا بَيْنَ ذَاتَيْهِمَا، أَوْ الْمُعْتَبَرُ الْمُشَابَهَةُ بَيْنَ ذَاتَيْهِمَا فِي الْمَعْنَى اللَّازِمِ الْمَشْهُورِ فِي الْحَقِيقَةِ دُونَ الْمُشَابَهَةِ، وَفِي مَعْنَى اسْمِهَا لُغَةً؟ وَهَذَا الْقَوْلُ صَحَّحَهُ صَاحِبُ " الْمِيزَانِ " مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. وَشَرَطَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الرُّمَّانِيُّ فِي " إعْجَازِ الْقُرْآنِ " أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُسْتَعَارُ مِنْهُ أَبْلَغَ حَتَّى يَكُونَ لِلِاسْتِعَارَةِ فَائِدَةٌ. قَالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: وَالصَّحِيحُ: أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْغَالِبَ، وَسَبَقَ فِي كَلَامِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ، وَقَالَ الْحَاجَوِيُّ فِي " رِسَالَاتِهِ ": شَرَطُوا فِي صِحَّةِ الْمَجَازِ كَوْنَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ مَشْهُورًا فِي الْأَصْلِ كَالشَّجَاعَةِ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ مَشْهُورَةٌ لِلْأَسَدِ وَالْبَلَادَةِ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ مَشْهُورَةٌ لِلْحِمَارِ، وَالْأَقْرَبُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ حَتَّى تَصِحَّ تَسْمِيَتُهُ أَسَدًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَخَرُ صِفَةً مَشْهُورَةً لِلْأَسَدِ.
مَسْأَلَةٌ اللَّفْظُ الْمُسْتَعَارُ إذَا اُسْتُعِيرَ مِنْ الْمُسْتَعَارِ مِنْهُ إلَى الْمُسْتَعَارِ لَهُ، فَالْعَامِلُ اللَّفْظُ الْمُسْتَعَارُ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ اسْمِ الْمُسْتَعَارِ لَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِاسْمِهِ صَرِيحًا، وَهَذَا قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ. قَالَ صَاحِبُ " الْمِيزَانِ " مِنْهُمْ: وَفُرُوعُ الشَّافِعِيِّ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ هُوَ الِاسْمُ الَّذِي قَامَ لَفْظُ الْمُسْتَعَارِ مَقَامَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَآتِهِ أَنْتِ بَائِنٌ: