الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إنَّ الضَّمِيرَ فِي " يُقَاتِلْ " عَائِدٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَاَلَّذِينَ يَشْتَرُونَ مَفْعُولٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَكَانَ الْمَعْنَى فِي دُخُولِ الْبَاءِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ الشِّرَاءِ أَنَّ " اشْتَرَيْت " وَ " بِعْت " كُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنَى الْآخَرِ لَكِنَّ الْأَكْثَرَ فِي " بِعْت " الْإِخْرَاجُ عَنْ الْمِلْكِ، وَفِي " اشْتَرَيْت " الْإِدْخَالُ. الثَّانِيَةُ إدْخَالُهُمْ الْبَاءَ مَعَ فِعْلِ الِاخْتِصَاصِ عَلَى الْمُخْتَصِّ، وَالصَّوَابُ: إدْخَالُهَا عَلَى الْمُخْتَصِّ بِهِ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ إفْرَادُ بَعْضِ الشَّيْءِ عَمَّا لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ بِالْجُمْلَةِ فَإِذَا قُلْت: اخْتَصَّ زَيْدٌ بِالْمَالِ. فَمَعْنَاهُ أَنَّ زَيْدًا مُنْفَرِدٌ عَنْ غَيْرِهِ بِالْمَالِ فَهُوَ الْمُخْتَصُّ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ، وَالْمَالُ مُخْتَصٌّ بِهِ. وَالْمُخْتَصُّ أَبَدًا هُوَ الْمُنْفَرِدُ الْمُحْتَوِي أَبَدًا عَلَى الشَّيْءِ فَهُوَ كَالظَّرْفِ لَهُ، وَالْمُخْتَصُّ بِهِ أَبَدًا هُوَ الْمَأْخُوذُ كَالْمَظْرُوفِ. فَلَوْ قُلْت: اخْتَصَّ الْمَالُ بِزَيْدٍ تُرِيدُ مَا أَرَدْته بِالْمِثَالِ السَّابِقِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّك فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ حَصَرْت الْمَالَ فِي زَيْدٍ، وَفِي الثَّانِي حَصَرْت زَيْدًا فِي الْمَالِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ صِفَةٌ غَيْرُ الِاحْتِوَاءِ عَلَى الْمَالِ، وَهُوَ غَيْرُ الْمُرَادِ فَإِنَّ زَيْدًا قَدْ يَكُونُ لَهُ صِفَاتٌ مِنْ دِينٍ وَعِلْمٍ وَغَيْرِهِمَا. وَبِهَذَا يَظْهَرُ حُسْنُ عِبَارَةِ التَّسْهِيلِ:" وَخُصَّ الْجَرُّ بِالِاسْمِ " عَلَى عِبَارَةِ الْخُلَاصَةِ: " وَالِاسْمُ قَدْ خُصِّصَ بِالْجَرِّ ".
[اللَّامُ مِنْ أَدَوَات الْمَعَانِي]
اللَّامُ حَقِيقَةٌ فِي الِاخْتِصَاصِ كَقَوْلِك: الْمَالُ لِزَيْدٍ، وَقَوْلُهُمْ: لِلْمِلْكِ مَجَازٌ مِنْ
وَضْعِ الْخَاصِّ مَوْضِعَ الْعَامِّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ اخْتِصَاصٌ، وَلَيْسَ كُلُّ اخْتِصَاصٍ مِلْكًا. فَإِذَا قِيلَ: هِيَ لِلِاخْتِصَاصِ دَخَلَ فِيهِ الْمِلْكُ وَغَيْرُهُ، كَقَوْلِك: السَّرْجُ لِلدَّابَّةِ، وَالْبَابُ لِلْمَسْجِدِ. أَيْ: هُمَا مُخْتَصَّانِ بِهِمَا، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِمَا حَقِيقَةُ الْمِلْكِ، وَجَعَلَهَا الْجُرْجَانِيُّ حَقِيقَةً فِي الْمِلْكِ، وَمَتَى اُسْتُعْلِمَتْ فِي غَيْرِهِ فَبِقَرِينَةٍ. وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الِاخْتِصَاصَ مَعْنًى عَامٌّ لِجَمِيعِ مَوَارِدِ اسْتِعْمَالِهَا وَبِأَيِّ مَعْنًى اُسْتُعْمِلَتْ لَا تَخْلُو مِنْهُ. قَالَ ابْنُ يَعِيشَ: إنَّمَا قُلْنَا: أَصْلُهَا الِاخْتِصَاصُ لِعُمُومِهِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَالِكٍ مُخْتَصٌّ بِمِلْكِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ فِي " الْمُفَصَّلِ " غَيْرَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهَا لِلْمِلْكِ. وَقَالَ ابْنُ الْخَشَّابِ: قَالَ الْحُذَّاقُ: اللَّامُ تُفِيدُ الِاخْتِصَاصَ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الْمِلْكُ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ الْعَبْدُ: سَيِّدٌ لِي قَبْلَ الْعِتْقِ، وَمَوْلًى لِي بَعْدَهُ، كَمَا قَالَ السَّيِّدُ: عَبِيدٌ لِي، التَّنْزِيلُ {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ} [غافر: 16] وَفِيهِ {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97]{وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ} [الأنبياء: 81]{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} [الرحمن: 46]{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [النساء: 12]
قَالَ: فَمَا لَا يَصْلُحُ لَهُ التَّمَلُّكُ قِيلَ: اللَّامُ مَعَهُ لَامُ الِاسْتِحْقَاقِ، وَمَا صَحَّ أَنْ يَقَعَ فِيهِ التَّمَلُّكُ وَأُضِيفَ إلَيْهِ مَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ قِيلَ: اللَّامُ مَعَهُ لَامُ الِاسْتِحْقَاقِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَاللَّامُ فِيهِ عِنْدَهُمْ لَامُ الْمِلْكِ. وَفَرَّقَ الْقَرَافِيُّ بَيْنَ الْمِلْكِ وَالِاسْتِحْقَاقِ وَالِاخْتِصَاصِ فَقَالَ: الْمَالُ إنْ أُضِيفَ إلَى مَنْ يَعْقِلُ كَانَتْ لِلْمِلْكِ، وَإِلَّا فَإِنْ شَهِدَتْ الْعَادَةُ لَهُ بِهِ فَلِلِاسْتِحْقَاقِ، كَالسَّرْجِ لِلدَّابَّةِ، وَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ بِهِ بَلْ كَانَتْ مِنْ شَهَادَةِ الْعَادَةِ وَغَيْرِهَا فَهُوَ لِلِاخْتِصَاصِ، فَالْمِلْكُ أَخَصُّ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ، وَالِاسْتِحْقَاقُ أَخَصُّ مِنْ الِاخْتِصَاصِ، وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْخَشَّابِ فِي الْفَرْقِ أَحْسَنُ. وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ» لِلِاخْتِصَاصِ؛ إذْ لَوْ كَانَتْ لِلْمِلْكِ لَتَنَافَى مَعَ قَوْلِهِ: (فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ) . وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِفْرَادِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ اللَّامَ تَقْتَضِي الِاخْتِصَاصَ بِالْمِلْكِ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ تَجَرَّدَتْ وَأَمْكَنَ الْحَمْلُ عَلَى الْمِلْكِ حُمِلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ وُجُوهِ الِاخْتِصَاصِ، وَإِنْ وَصَلَ بِهَا وَذَكَرَ وَجْهًا آخَرَ مِنْ الِاخْتِصَاصِ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ الْحَمْلُ عَلَى الْمِلْكِ، كَقَوْلِنَا: الْحَبْلُ لِلْفَرَسِ حُمِلَ عَلَيْهِ. وَتَأْتِي لِلتَّعْلِيلِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ} [النساء: 165] ، وَلِلْعَاقِبَةِ، نَحْوُ {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص: 8] قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَعِنْدِي أَنَّهُ مَجَازٌ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّحْقِيقُ أَنَّهَا لَامُ الْعِلَّةِ، وَالتَّعْلِيلُ فِيهَا وَارِدٌ عَلَى طَرِيقِ
الْمَجَازِ لَا الْحَقِيقَةِ. وَقَالَ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ بْنُ هِشَامٍ فِي " الْمُغْنِي ": أَنْكَرَ الْبَصْرِيُّونَ لَامَ الْعَاقِبَةِ. قُلْت: فِي كِتَابِ " الْمُبْتَدِئِ " فِي النَّحْوِ لِابْنِ خَالَوَيْهِ، فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى:{فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا} [القصص: 8] فَهِيَ لَامُ كَيْ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ، وَلَامُ الصَّيْرُورَةِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ. انْتَهَى. وَنَقَلَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْغُرَّةِ " عَنْ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ تَقْدِيرَهُ " لِئَلَّا يَكُونَ ". وَفِي " أَمَالِي الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ: الْمُفَرِّقُ بَيْنَ لَامِ الصَّيْرُورَةِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى:{لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا} [القصص: 8] وَلَامُ التَّعْلِيلِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى:{لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} [الفرقان: 49] أَنَّ لَامَ التَّعْلِيلِ تَدْخُلُ عَلَى مَا هُوَ غَرَضٌ لِفَاعِلِ الْفِعْلِ، وَيَكُونُ مُرَتَّبًا عَلَى الْفِعْلِ، وَلَيْسَ فِي لَامِ الصَّيْرُورَةِ إلَّا التَّرْتِيبُ فَقَطْ. قَالَ ابْنُ فُورَكٍ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ: كُلُّ لَامٍ نَسَبَهَا اللَّهُ عز وجل لِنَفْسِهِ فَهِيَ لَامُ الصَّيْرُورَةِ، لِاسْتِحَالَةِ الْغَرَضِ مَكَانَ الْمُخْبِرِ فِي لَامِ الصَّيْرُورَةِ. قَالَ: فَعَلْت هَذَا بَعْدَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ غَرَضٌ لِي.
وَمِنْ الثَّانِي (أَنْ) الْمَفْتُوحَةُ السَّاكِنَةُ تَدْخُلُ عَلَى الْمُضَارِعِ لِتَخَلُّصِهِ لِلِاسْتِقْبَالِ، وَتَلِي الْمَاضِيَ فَلَا تُغَيِّرُهُ عَنْ مَعْنَاهُ نَحْوُ سَرَّنِي أَنْ ذَهَبَ زَيْدٌ. وَاخْتُلِفَ هَلْ هِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْمُضَارِعِ؛ لِأَنَّهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُؤَوَّلَةٌ بِالْمَصْدَرِ؟ وَالصَّرِيحُ: أَنَّهَا غَيْرُهَا وَإِلَّا لَزِمَ انْصِرَافُ الْمَاضِي مَعَهَا إلَى الِاسْتِقْبَالِ، كَمَا أَنَّ " إنْ " الشَّرْطِيَّةَ الدَّاخِلَةَ عَلَى الْمَاضِي لَمَّا كَانَتْ بِمَعْنَى الدَّاخِلَةِ عَلَى الْمُضَارِع قَلَبَتْ الْمَاضِيَ إلَى الِاسْتِقْبَالِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَخْلِيصِهَا الْمُضَارِعَ إلَى الِاسْتِقْبَالِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ النُّحَاةِ.
وَزَعَمَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَتَبِعَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ أَنَّهَا تَكُونُ غَيْرَ مُخَلِّصَةٍ لِلِاسْتِقْبَالِ بَلْ تَكُونُ لِلْحَالِ، وَاحْتَجُّوا بِذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْله تَعَالَى:{إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40] فَقَوْلُهُ: {أَنْ نَقُولَ} حَالٌّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْتَقْبَلًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ مَخْلُوقًا تَعَالَى اللَّهُ عز وجل عَنْ ذَلِكَ. وَتَابَعَهُمْ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ. وَقَالَ فِي كِتَابِ " التَّسْدِيدِ ": إنَّ الْقَوْلَ بِتَخْلِيصِهَا لِلِاسْتِقْبَالِ قَوْلٌ ضَعَّفَهُ النُّحَاةُ، وَهَذَا عَجِيبٌ. وَاحْتَجَّ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِقَوْلِ سِيبَوَيْهِ:" أَنْ " مَفْتُوحَةٌ عَلَى أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ " أَنْ " وَمَا تَعْمَلُ فِيهِ مِنْ الْفِعْلِ بِمَنْزِلَةِ مَصَادِرِهَا فَكَمَا أَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَخُصُّ زَمَانًا بِعَيْنِهِ فَكَذَلِكَ مَا كَانَ بِمَنْزِلَتِهِ وَتَضَمَّنَ مَعْنَاهُ.
قَالَ ابْنُ خَرُوفٍ: وَكَلَامُ سِيبَوَيْهِ فِي هَذَا قَوْلُهُ: " أَنْ " الْمَفْتُوحَةُ تَكُونُ عَلَى وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ " أَنْ " وَمَا تَعْمَلُ فِيهِ مِنْ الْفِعْلِ بِمَنْزِلَةِ مَصَادِرِهَا وَبَاقِي الْكَلَامِ لِأَبِي الْمَعَالِي، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ سِيبَوَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ " أَنْ " مَعَ الْفِعْلِ بِتَأْوِيلِ مَصْدَرٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَعْلِ الشَّيْءِ بِمَنْزِلَةِ الشَّيْءِ فِي حُكْمٍ مَا، أَنْ يُشْبِهَهُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ. وَغَرَضُ سِيبَوَيْهِ أَنَّ " أَنْ " مَعَ الْفِعْلِ بِتَأْوِيلِ اسْمٍ يَجْرِي بِوُجُوهِ الْإِعْرَابِ، كَقَوْلِك: أَعْجَبَنِي أَنْ قُمْت، وَيُعْجِبُنِي أَنْ تَقُومَ فَالْأَوَّلُ مَاضٍ وَالثَّانِي مُسْتَقْبَلٌ. فَإِنْ أَرَدْت الْحَالَ قُلْت: يُعْجِبُنِي أَنَّك تَقُومُ، فَجِئْت بِهَا مُثْقَلَةً، وَإِذَا قُلْت: يُعْجِبُنِي قِيَامُك احْتَمَلَ الْأَزْمِنَةَ الثَّلَاثَةَ، وَلِأَجْلِ الدَّلَالَةِ عَلَى الزَّمَانِ جِيءَ بِأَنْ وَالْفِعْلِ.
وَأَمَّا الْآيَةُ الشَّرِيفَةُ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا الْقَاضِي وَمُتَابِعُوهُ فَأَجَابَ ابْنُ عُصْفُورٍ فِيمَا حَكَاهُ عَنْ الصَّفَّارِ أَنَّ الْقَوْلَ قَدْ يَكُونُ خِلَافَ الْكَلَامِ لُغَةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: امْتَلَأَ الْحَوْضُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَجَعَلَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ كَلَامًا فَيَكُونُ الْقَوْلُ هُنَا مُتَجَوَّزًا فِيهِ: فَكَأَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا عَلَّقَ إرَادَتَهُ عَلَى الشَّيْءِ أَنْ يُعَلِّقَهَا عَلَيْهِ فَيَكُونُ فَجَعَلَ تَعْلِيقَ الْإِرَادَةِ عَلَى الشَّيْءِ قَوْلًا؛ لِأَنَّهَا يَكُونُ عَنْهَا الشَّيْءُ كَمَا يَكُونُ عَنْ الْأَمْرِ، فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ إثْبَاتُ خَلْقِ الْقُرْآنِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّعْلِيقَ حَادِثٌ. وَفِيهِ كَلَامٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا لِلْحَالِ وَهِيَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ كَمَا فِي مَرَرْت بِرَجُلٍ مَعَهُ صَقْرٌ صَائِدٌ بِهِ غَدًا، فَإِنَّ مَعْنَاهُ مُقَدَّرٌ (إلَّا أَنَّ الصَّيْدَ بِهِ غَدًا) وَذَلِكَ لَا يُنَافِي قَوْلَ النُّحَاةِ: أَنَّهَا تُخَلِّصُهُ لِلِاسْتِقْبَالِ.
وَاحْتَجُّوا عَلَى أَنَّهَا تَكُونُ لِلْمَاضِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا} [البروج: 8] قَالُوا: فَوُقُوعُ الْمَاضِي قَبْلَهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا
تَكُونُ لِغَيْرِ الِاسْتِقْبَالِ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوا لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَبِدَلِيلِ أَنَّهُمْ لَمْ يُقْتَلُوا عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ الْإِيمَانِ، وَبِذَلِكَ وَرَدَ خَبَرُهُمْ فِي حَدِيثِ الْفَتَى وَالرَّاهِبِ وَالْمَلِكِ فَذُكِرَا بِفِعْلٍ قَبْلَهَا بِلَفْظِ الْمَاضِي وَالثَّانِي بِلَفْظِ الْمُسْتَقْبَلِ لِيَعُمَّ الْأَزْمِنَةَ الثَّلَاثَةَ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ:
وَنَدْمَانَ يَزِيدُ الْكَأْسَ طِيبًا
…
سَقَيْت إذَا تَغَوَّرَتْ النُّجُومُ
وَتَجِيءُ [أَنْ] لِلتَّعْلِيلِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ دَخَلْت الدَّارَ بِفَتْحِ أَنْ وَقَعَ فِي الْحَالِ إنْ كَانَ نَحْوِيًّا؛ لِأَنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ، وَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْعِلَّةِ، وَقَدْ نَاظَرَ فِيهِ الْكِسَائِيُّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ، فَزَعَمَ الْكِسَائِيُّ أَنَّهَا بِمَعْنَى " إذْ " مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا} [الحجرات: 17] وَقَوْلُهُ: {أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} [مريم: 91] وَهُوَ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ. وَخَالَفَهُمْ الْبَصْرِيُّونَ وَأَوَّلُوا عَلَى أَنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ: إسْلَامُهُمْ وَلَكِنْ قَبْلَهَا لَامُ الْعِلَّةِ مَقْدِرَةٌ، وَبِذَلِكَ يَبْطُلُ انْتِصَارُ السُّرُوجِيِّ فِي " الْغَايَةِ " لِمُحَمَّدٍ فَإِنَّ التَّعْلِيلَ مَلْحُوظٌ وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهَا لِلتَّعْلِيلِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْإِيقَاعَ فِي الْحَالِ.
تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ وَالْفِعْلِ وَالْمَصْدَرِ، وَذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: دَلَالَةُ الْفِعْلِ عَلَى الْمُضِيِّ أَوْ الِاسْتِقْبَالِ بِخِلَافِ الْمَصْدَرِ. الثَّانِي: دَلَالَةُ " أَنْ " وَالْفِعْلِ عَلَى إمْكَانِ الْفِعْلِ دُونَ وُجُوبِهِ وَاسْتِحَالَتِهِ بِخِلَافِ الْمَصْدَرِ.
الثَّالِثُ: تَحْصِيرُ " أَنْ " بِمَعْنَى الْحُدُوثِ دُونَ احْتِمَالِ مَعْنًى زَائِدٍ عَلَيْهِ، فَإِنَّ قَوْلَك: كَرِهْت قِيَامَك قَدْ يَكُونُ لِصِفَةٍ فِي ذَلِكَ الْقِيَامِ، وَقَوْلُك: كَرِهْت أَنْ قُمْت يَقْتَضِي أَنَّك كَرِهْت نَفْسَ الْقِيَامِ. الرَّابِعُ: امْتِنَاعُ الْإِخْبَارِ عَنْ " أَنْ " وَالْفِعْلِ فِي نَحْوِ قَوْلِك: أَنْ قُمْت خَيْرٌ مِنْ أَنْ قَعَدْت بِخِلَافِ الْمَصْدَرِ. قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ. الْخَامِسُ: " أَنْ " وَالْفِعْلُ يَدُلُّ عَلَى الْوُقُوعِ بِخِلَافِ الْمَصْدَرِ، قَالَهُ صَاحِبُ " الْبَسِيطِ " مِنْ النُّحَاةِ كَذَا نَقَلَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَإِنَّمَا قَالَ صَاحِبُ " الْبَسِيطِ " ذَلِكَ فِي " أَنَّ " الْمُشَدَّدَةَ لَا الْمُخَفَّفَةَ، فَفُرِّقَ بَيْنَ عَجِبْت مِنْ انْطِلَاقِك وَعَجِبْت مِنْ أَنَّك مُنْطَلِقٌ بِمَا ذُكِرَ. ثُمَّ مَا قَالَهُ فِي الْمَصْدَرِ يُخَالِفُ قَوْلَ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ الظِّهَارِ فِي مَسْأَلَةِ: إنْ وَطِئْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي، وَلَمْ يَكُنْ ظِهَارٌ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِهِ ظِهَارٌ لِإِقْرَارِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:" أَنْ " مَعَ الْفِعْلِ تُعْطِي اسْتِئْنَافًا لَيْسَ فِي الْمَصْدَرِ فِي أَغْلَبِ أَمْرِهَا. وَقَدْ تَجِيءُ فِي مَوَاضِعَ لَا يُلَاحَظُ فِيهَا الزَّمَانُ، وَتَفْتَرِقَانِ فِي الْأَحْكَامِ فِي أُمُورٍ مِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُؤَكَّدُ بِأَنْ وَالْفِعْلِ بِخِلَافِ الْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّهُ مُبْهَمٌ، وَهِيَ مُعَيَّنَةٌ فَكَانَ الْمَصْدَرُ الْمُصَرَّحُ بِهِ أَشْيَاءَ بِمَا أَكَّدَ، فَقَالَ: ضَرَبْت زَيْدًا ضَرْبًا، وَلَا تَقُولُ: ضَرَبْت زَيْدًا أَنْ ضَرَبْت.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَصْدَرَ الصَّرِيحَ قَدْ يَقَعُ حَالًا، وَقَدْ لَا يَقَعُ، وَ " أَنْ " وَالْفِعْلُ الْمُنْسَبِكُ مِنْهُمَا الْمَصْدَرُ لَا يَقَعُ حَالًا أَلْبَتَّةَ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ مَنَابَ الْمَفْعُولَيْنِ فِي بَابِ ظَنَنْت