الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فَصْلٌ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمَجَازَ مَوْضُوعٌ أَمْ لَا]
اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمَجَازَ مَوْضُوعٌ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: مَوْضُوعٌ كَالْحَقِيقَةِ إلَّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ بِوَضْعٍ أَصْلِيٍّ، وَالْمَجَازُ بِوَضْعٍ طَارٍ، وَقِيلَ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ، بَلْ الْمَوْضُوعُ طَرِيقُهُ دُونَ لَفْظِهِ؛ لِأَنَّ فِي وَضْعِهِمْ الْحَقِيقَةَ غُنْيَةً عَنْ وَضْعِ الْمَجَازِ، وَلَكِنْ وَضَعُوا الْمَجَازَ تَوْسِعَةً لِلنَّاسِ فِي الْكَلَامِ، وَقِيلَ: لَمْ يَضَعُوا لَفْظَهُ وَلَا طَرِيقَهُ؛ لِأَنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ، وَمَتَى كَانَتْ الْعِلَّةُ مَوْضُوعَةً كَانَ الْحُكْمُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، كَالْعِلَّةِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إذَا كَانَتْ مَنْصُوصَةً كَانَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ فِيهَا مَنْصُوصًا فَيَفْسُدُ بَابُ الْمَجَازِ، وَهُوَ خِلَافُ إجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْكَلَامَ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ، لَكِنَّ الْمَجَازَ عُرِفَ بِالتَّأَمُّلِ فِي أَشْعَارِهِمْ، وَهَذَا الْخِلَافُ حَكَاهُ صَاحِبُ " الْمِيزَانِ " مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. تَنْبِيهٌ الْوَضْعُ فِي الْمَجَازِ خِلَافُ الْوَضْعِ فِي الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ تَعَلُّقُ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى الَّذِي جُعِلَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً لَهُ، وَأَمَّا الْوَضْعُ فِي الْمَجَازِ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ، فَالْمُرَادُ بِهِ كَمَا قَالَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ ": أَنْ يَكُونَ نَوْعُ ذَلِكَ الْمَجَازِ مَنْقُولًا عَنْ الْعَرَبِ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ، كَاسْتِعْمَالِهِمْ الْكُلَّ فِي الْجُزْءِ وَعَكْسِهِ، هَكَذَا جَعَلَ هَذَا الْخِلَافَ هُوَ الْخِلَافُ الْآتِي فِي أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ النَّقْلُ وَفِيهِ نَظَرٌ كَمَا سَبَقَ، وَقِيلَ: الْخِلَافُ فِيهِ يَلْتَفِتُ عَلَى تَفْسِيرِ الْوَضْعِ بِأَنَّهُ التَّعْيِينُ مُطْلَقًا، أَوْ التَّعْيِينُ الَّذِي بِنَفْسِهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَوْضُوعٌ لَا بِمَعْنَى تَوَقُّفِ الِاسْتِعْمَالِ بَعْدَ الْمُنَاسَبَةِ بِإِذْنِ الْوَاضِعِ، بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلَى وَضْعِ الْحَقِيقَةِ، وَلِهَذَا كَانَ وَضْعًا غَيْرَ أَوْلَى.
مَسْأَلَةٌ إذَا قُلْنَا: إنَّهُ مَوْضُوعٌ، انْقَسَمَ كَالْحَقِيقَةِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، لُغَوِيٍّ وَشَرْعِيٍّ وَعُرْفِيٍّ، فَالشَّرْعِيُّ وَالْعُرْفِيُّ يَجِيءُ فِيهِمَا الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ. وَأَمَّا اللُّغَوِيُّ فَالْمَجَازُ وَاقِعٌ فِي اللُّغَةِ خِلَافًا لِلْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ حَيْثُ قَالَ: لَا مَجَازَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْحَقَائِقَ شَمِلَتْ جَمِيعَ الْمُسَمَّيَاتِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّجَوُّزِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَالظَّنُّ بِالْأُسْتَاذِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَهْلُ اللُّغَةِ لَمْ يُسَمُّوهُ بِذَلِكَ بَلْ اسْمُهُ مَعَ قَرِينَةٍ حَقِيقَةٌ فَمَمْنُوعٌ، فَإِنَّ كُتُبَهُمْ مَشْحُونَةٌ بِتَلْقِيبِهِ مَجَازًا، وَلَوْ صَحَّ كَوْنُ الْمَجْمُوعِ حَقِيقَةً لَمْ يَقْدَحْ فِي تَسْمِيتِهِمْ الِاسْمَ بِانْفِرَادِهِ مَجَازًا، وَقِيلَ: الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ؛ إذْ هُوَ لَا يُنْكِرُ اسْتِعْمَالَ الْأَسَدِ لِلشُّجَاعِ وَأَمْثَالِهِ، بَلْ يَشْتَرِطُ فِي ذَلِكَ الْقَرِينَةَ، وَيُسَمِّيهِ حِينَئِذٍ حَقِيقَةً، وَلَكِنْ يُنْكِرُ تَسْمِيَتَهُ مَجَازًا قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ ": لَعَلَّ الْأُسْتَاذَ أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ ثُبُوتَ الْحَقِيقَةِ، وَلَا يُظَنُّ بِالْأُسْتَاذِ إنْكَارُ الِاسْتِعَارَاتِ مَعَ كَثْرَتِهَا، ثُمَّ قَالَ فِي بَابِ التَّأْوِيلِ:" مَسْأَلَةٌ " قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: الظَّاهِرُ هُوَ الْمَجَازُ، وَالنَّصُّ هُوَ الْحَقِيقَةُ وَرُبَّ مَجَازٍ هُوَ نَصٌّ، كَقَوْلِنَا: الْخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ، وَالتَّحْرِيمُ لَا يَتَعَلَّقُ
بِالْخَمْرِ حَقِيقَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَالْحَافِظَاتِ} [الأحزاب: 35] بَعْدَ قَوْلِهِ: {وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ} [الأحزاب: 35] مَجَازٌ فِي حِفْظِ الْفَرْجِ عَلَى الْخُصُوصِ، وَهُوَ نَصٌّ فِي مَقْصُودِهِ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: الظَّاهِرُ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ فَهْمُ مَعْنًى مِنْهُ اهـ. . فَلْيُنْظَرْ فِي مُطَابَقَةِ هَذَا النَّقْلِ لِلْمَنْقُولِ مِنْهُ هُنَا. وَرَأَيْت بِخَطِّ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي فَوَائِدِ رِحْلَتِهِ أَنَّ أَبَا الْقَاسِمِ بْنَ كَجٍّ حَكَى عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ إنْكَارَ الْمَجَازِ كَقَوْلِ الْأُسْتَاذِ، وَهُوَ غَرِيبٌ، عَكْسُ مَقَالَةِ تِلْمِيذِهِ ابْنِ جِنِّي، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ تِلْمِيذَهُ أَبَا الْفَتْحِ بْنَ جِنِّي أُعْرَفُ بِمَذْهَبِهِ، وَقَدْ نَقَلَ عَنْهُ فِي كِتَابِ " الْخَصَائِصِ " عَكْسَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: أَنَّ الْمَجَازَ غَالِبُ اللُّغَاتِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ جِنِّي، وَقَالَ: فَإِنْ قُلْت: فَقَدْ أَحَالَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَنَا: شَرِبْت مَاءَ الْبَحْرِ، وَهَذَا مَنْعٌ مِنْهُ لِوُقُوعِ الْمَجَازِ. قُلْت: الَّذِي مَنَعَهُ سِيبَوَيْهِ حَقِيقَةً لِامْتِنَاعِ تَصَوُّرِهِ ذَلِكَ، أَمَّا إذَا أُرِيدَ الْبَعْضُ فَلَا شَكَّ فِي جَوَازِهِ.
تَنْبِيهٌ لَمْ يُبَيِّنُوا الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هَلْ هُوَ فِي الْوُجُوبِ وَالِامْتِنَاعِ، أَوْ فِي الْجَوَازِ كَمَا هُوَ فِي الْمُشْتَرَكِ وَالْمُرَادِفِ؟ وَظَاهِرُ دَلِيلِ الْأُسْتَاذِ أَنَّهُ فِي الِامْتِنَاعِ لِاحْتِجَاجِهِ فَإِنَّهُ مُخِلٌّ بِالتَّفَاهُمِ، وَهَذَا يُنَاسِبُ الْمَنْعَ.
مَسْأَلَةٌ بَالَغَ ابْنُ جِنِّي فَادَّعَى أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى اللُّغَةِ الْمَجَازُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ، وَقَالَ تِلْمِيذُ ابْنِ جِنِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَتَّوَيْهِ: الْكُلُّ مَجَازٌ وَهُمَا شَاذَّانِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ جِنِّي: وَأَكْثَرُ اللُّغَةِ لِمَنْ تَأَمَّلَ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ، وَذَلِكَ عَامَّةُ الْأَفْعَالِ نَحْوَ قَامَ زَيْدٌ وَقَعَدَ عَمْرٌو، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ جَمِيعُ الْقِيَامِ، وَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ وَهُوَ جِنْسٌ، وَالْجِنْسُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ؟ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى وَضْعِ الْكُلِّ مَوْضِعَ الْبَعْضِ لِلِاتِّسَاعِ وَالْمُبَالَغَةِ وَتَشْبِيهِ الْقَلِيلِ بِالْكَثِيرِ، وَحُكِيَ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ. وَغَرَضُ ابْنِ جِنِّي مِنْ هَذَا أَنَّ اللَّهَ غَيْرُ خَالِقٍ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْدُ حَيْثُ قَالَ: وَكَذَلِكَ أَفْعَالُ الْقَدِيمِ نَحْوَ خَلْقِ اللَّهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَنَحْوَهُ. قَالَ: لِأَنَّهُ - تَعَالَى - لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ خَالِقًا لِأَفْعَالِنَا، وَلَوْ كَانَ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا لَكَانَ خَالِقًا لِلْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَفْعَالِنَا، وَيَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ. قَالَ: وَكَذَلِكَ عِلْمُ اللَّهِ بِقِيَامِ زَيْدٍ مَجَازٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ الْحَالَةُ الَّتِي عَلِمَ عَلَيْهَا قِيَامَ عَمْرٍو، وَلَسْنَا نُثْبِتُ لَهُ تَعَالَى عِلْمًا؛ لِأَنَّهُ - تَعَالَى - عَالِمٌ بِنَفْسِهِ إلَّا