الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ شُرُوطِ الْعِلَّةِ]
ِ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا فِي الْحُكْمِ:
فَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً، فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَرْجُمْ مَاعِزًا لِاسْمِهِ وَلَا لِهَيْئَةِ جِسْمِهِ، وَلَكِنَّ الزِّنَى عِلَّةُ الرَّجْمِ، وَكَذَا الطُّعْمُ عِلَّةُ الرِّبَا دُونَ الزَّرْعِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ. وَمُرَادُهُمَا بِالتَّأْثِيرِ الْمُنَاسَبَةُ وَأَحْسَنُ مِنْ عِبَارَتِهِمَا قَوْلُ الْأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ: أَنْ يَكُونَ وَصْفُهَا مِمَّا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِهَا فَإِنْ لَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَى وَصْفٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَصْفُ عِلَّةً لِذَلِكَ الْحُكْمِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تَكُونُ عِلَّةً لِلتَّخْفِيفِ، وَأَبْطَلْنَا بِذَلِكَ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ الرِّدَّةَ عِلَّةً لِإِسْقَاطِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَإِبَاحَةَ الْفِطْرِ وَالْقَصْرِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ فِي السَّفَرِ الَّذِي يَكُونُ مَعْصِيَةً.
وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ التَّعْلِيلَ بِمُجَرَّدِ الْأَمَارَةِ الطَّرْدِيَّةِ. وَالْحَقُّ خِلَافُهُ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى حُكْمٍ يَبْعَثُ الْمُكَلَّفَ عَلَى الِامْتِثَالِ وَيَصِحُّ شَاهِدًا لِإِنَاطَةِ الْحُكْمِ بِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ ": مَعْنَى كَوْنِ الْعِلَّةِ مُؤَثِّرَةً فِي الْحُكْمِ هُوَ الْحُكْمُ بِأَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ أَنَّ الْحُكْمَ حَاصِلٌ عِنْدَ ثُبُوتِهَا لِأَجْلِهَا دُونَ شَيْءٍ سِوَاهَا، وَالْمُرَادُ مِنْ تَأْثِيرِهَا فِي الْحُكْمِ دُونَ مَا عَدَاهَا أَنَّهَا جُعِلَتْ عَلَامَةً عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِيمَا هِيَ فِيهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا مُوجِبَةٌ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ لَا مَحَالَةَ كَالْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي يَسْتَحِيلُ ثُبُوتُهَا مَعَ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ أَوْ ثُبُوتُ حُكْمِهَا مَعَ انْتِقَائِهَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إنَّهَا جَالِبَةٌ لِلْحُكْمِ وَمُقْتَضِيَةٌ لَهُ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى هَذِهِ الْأَلْفَاظِ أَجْمَعَ أَنَّهَا عَلَامَةٌ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ لَا يُوجِبُهُ فِي حَقِّ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ كَوْنُهَا مُؤَثِّرَةً فِيهِ.
وَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ يُعْتَبَرُ تَأْثِيرُ الْعِلَّةِ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ فِي " اللُّمَعِ ":
أَحَدُهُمَا: فِي الْأَصْلِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ تُنْزَعُ مِنْ الْأَصْلِ أَوَّلًا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يُؤَثِّرَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْأُصُولِ. قَالَ: وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِنَا الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ رحمه الله وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي، وَحَكَى شَارِحُهُ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: تَأْثِيرُهُ فِي الْأَصْلِ. قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَاخْتَارَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّانِي: اشْتَرَطَ تَأْثِيرَهَا فِي الْفَرْعِ، لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ وَالْأَصْلُ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَكْفِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْأُصُولِ سَوَاءٌ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ وَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِمْ لِأَنَّ تَأْثِيرَهَا فِي مَوْضِعٍ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ وَصْفًا ضَابِطًا:
لِأَنَّ تَأْثِيرَهَا لِحِكْمَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلشَّارِعِ لَا حِكْمَةٍ مُجَرَّدَةٍ لِخَفَائِهَا، فَلَا يَظْهَرُ إلْحَاقُ غَيْرِهَا بِهَا، وَهَلْ يَجُوزُ كَوْنُهَا نَفْسَ الْحِكْمَةِ، وَهِيَ الْحَاجَةُ إلَى جَلْبِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ؟ قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ فِي " الْمَحْصُولِ ": يَجُوزُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَمْتَنِعُ وَاخْتَارَهُ فِي " الْمَعَالِمِ "، وَفَصَّلَ آخَرُونَ فَقَالُوا: إنْ كَانَتْ الْحِكْمَةُ ظَاهِرَةً مُنْضَبِطَةً بِنَفْسِهَا جَازَ التَّعْلِيلُ بِهَا لِمُسَاوَاةِ ظُهُورِ الْوَصْفِ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَالْهِنْدِيُّ، وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهَا، أَيْ مَظِنَّتِهَا بَدَلًا عَنْهَا، مَا لَمْ يُعَارِضْهُ قِيَاسٌ وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْمَنْعُ، وَقَالَ: الْحِكْمَةُ مِنْ الْأُمُورِ الْغَامِضَةِ، وَشَأْنُ الشَّرْعِ فِيمَا هُوَ كَذَلِكَ قَطْعُ النَّظَرِ عِنْدَ تَقْدِيرِ الْحُكْمِ عَنْ دَلِيلِهِ وَمَظِنَّتِهِ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ الْجَوَازُ وَأَنَّ
اعْتِبَارَهَا هُوَ الْأَصْلُ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الْمَظِنَّةُ لِلتَّسْهِيلِ.
وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَنْبَنِي خِلَافُهُمَا فِي الْمُصَابَةِ بِالزِّنَى، هَلْ تُعْطَى حُكْمَ الْأَبْكَارِ أَوْ الثَّيِّبَاتِ فِي السُّكُوتِ؟ فَإِنْ قَطَعَ بِانْتِفَاءِ الْحِكْمَةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَاسْتِبْرَاءِ الصَّغِيرَةِ فَإِنَّهُ شُرِعَ لِتَبَيُّنِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الصَّغِيرَةِ، فَقَالَ الْغَزَالِيُّ وَتِلْمِيذُهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: ثَبَتَ الْحُكْمُ بِالْمَظِنَّةِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ قَدْ صَارَ مُتَعَلِّقًا بِهَا، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجَدَلِيُّونَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِانْتِفَاءِ الْحِكْمَةِ فَإِنَّهَا أَصْلُ الْعِلَّةِ، وَقَالَ ابْنُ رَحَّالٍ: التَّعْلِيلُ بِالْحِكْمَةِ مُمْتَنِعٌ عِنْدَ مَنْ يَمْنَعُ الْقِيَاسَ فِي الْأَسْبَابِ، وَجَائِزٌ عِنْدَ مَنْ جَوَّزَهُ. فَرْعَانِ فِيهِمَا نَظَرٌ:
الْأَوَّلُ: هَلْ الْعِلَّةُ حَقِيقَةٌ فِي الْوَصْفِ الْمُتَرْجَمِ عَنْ الْحِكْمَةِ مَجَازٌ فِي الْحِكْمَةِ؟ أَوْ الْعَكْسُ، لِأَنَّ الْحِكْمَةَ هِيَ الْمَقْصُودَةُ اعْتِبَارًا وَالْمُلَاحَظُ بِالْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ مَعْنَاهَا وَتَوَسُّطُ الْوَصْفِ مَقْصُودٌ لِأَجْلِهَا.
الثَّانِي: إذَا وُجِدَ مَحَلٌّ قَابِلٌ لِلتَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ وَالْحِكْمَةِ، وَالْحِكْمَةُ نَهَضَتْ بِشَرْطِهَا وَسَارَتْ الْعِلَّةُ فِي تَأْثِيرِ التَّعْدِيَةِ بِإِلْحَاقِ فُرُوعٍ تُنْشِئُ أَحْكَامًا مِنْ الْأَصْلِ، فَالْأَوْلَى فِي النَّظَرِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْوَصْفِ أَوْ الْحِكْمَةِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْوَصْفُ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى التَّعْلِيلِ بِهِ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي الثَّانِي.
وَالثَّانِي: الْحِكْمَةُ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ بِالذَّاتِ وَالْوَصْفُ وَسِيلَةٌ إلَى الْعِلْمِ بِوُجُودِهَا.
الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ ظَاهِرَةً جَلِيَّةً:
وَإِلَّا لَمْ يُمْكِنْ إثْبَاتُ الْحُكْمِ بِهَا فِي الْفَرْعِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ أَخْفَى مِنْهُ أَوْ مُسَاوِيَةً لَهُ فِي الْخَفَاءِ، ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ فِي جَدَلِهِ ". وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْعِلَّةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ فِي الْأَصْلِ أَظْهَرَ مِنْهَا فِي الْفَرْعِ، وَقَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ: " الْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ " يَقْتَضِي اسْتِوَاءَ حَالِهِمَا فِي الْمَحَلَّيْنِ، وَالْحَقُّ أَنَّ كُلَّ وَصْفٍ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ بِدَلِيلٍ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ نَصْبُهُ أَمَارَةً، لِأَنَّ مَقْصُودَ التَّعْرِيفِ يَحْصُلُ مِنْهُ. كَمَا يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ خَفِيًّا أَوْ لَا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:{إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] وَفِي الْحَدِيثِ: «إنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرِّضَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْعُقُودِ وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا عِنْدَهُمْ، وَكَذَلِكَ الْعَمْدِيَّةُ عِلَّةٌ فِي الْقِصَاصِ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ فَسَّرُوا الْخَفَاءَ بِمَا لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ، وَمَثَّلُوهُ بِالرِّضَا فِي الْعُقُودِ وَالْعَمْدِيَّةِ فِي الْقِصَاصِ، وَاسْتَشْكَلَ لِأَنَّهُمْ إنْ عَنَوْا بِكَوْنِهِ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَّا الْوُقُوفُ عَلَيْهِ لَا بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ وَلَا بِاعْتِبَارِ غَيْرِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَهَذَا لَا يَصِحُّ نَصْبُهُ أَمَارَةً بِنَفْسِهِ وَلَا مَظِنَّةَ، وَإِنْ عَنَوْا بِهِ أَنَّهُ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ وَيُمْكِنُ [أَنْ] يُوقَفَ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُهُمْ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ الْإِشْكَالُ خَفِيًّا، لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ
عَلَيْهِ بِآثَارِهِ. قَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيلُ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ إذْ يَعْسُرُ تَعْيِينُ قَدْرٍ فِي الْأَصْلِ هُوَ ثَابِتٌ فِي الْفَرْعِ، وَأَيْضًا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ انْدَفَعَتْ النُّصُوصُ إذْ يُمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مَا فِي مَحَلِّهَا مِنْ الْحُكْمِ غَيْرَ قَاصِرٍ عَنْ ذَلِكَ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ. قَالَ ابْنُ النَّفِيسِ فِي " الْإِيضَاحِ ": إنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ يَرِدُ حِينَئِذٍ مَنْعٌ يَعْسُرُ دَفْعُهُ، وَهُوَ أَنَّهُ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ هَذَا الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ قَدْرٌ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهِ؟ فَإِنَّ التَّعْلِيلَ بِالْحِكْمَةِ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ لِذَلِكَ الْحُكْمِ قَدْرٌ يُعْتَدُّ بِهِ وَلَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِكُلِّ حِكْمَةٍ.
الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ سَالِمَةً بِشَرْطِهَا، أَيْ بِحَيْثُ لَا يَرُدُّهَا نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ. لِأَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعٌ لَهَا لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِهَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ رَافِعًا لَهَا، فَإِذَا رَدَّهُ أَحَدُهُمَا بَطَلَ.
الْخَامِسُ: أَنْ لَا يُعَارِضَهَا مِنْ الْعِلَلِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا، فَإِنَّ الْأَقْوَى أَحَقُّ بِالْحُكْمِ، كَمَا أَنَّ النَّصَّ أَحَقُّ بِالْحُكْمِ مِنْ الْقِيَاسِ، وَمَا أَدَّى إلَى إبْطَالِ الْأَقْوَى فَهُوَ الْبَاطِلُ بِالْأَقْوَى. ذَكَرَهُ - وَاَلَّذِي يَلِيهِ - الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ.
السَّادِسُ: أَنْ تَكُونَ مُطَّرِدَةً، أَيْ كُلَّمَا وُجِدَتْ وُجِدَ الْحُكْمُ لِيَسْلَمَ مِنْ النَّقْضِ وَالْكَسْرِ، فَإِنْ عَارَضَهَا نَقْضٌ أَوْ كَسْرٌ فَعُدِمَ الْحُكْمُ مَعَ وُجُودِهَا بَطَلَتْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِلَّةَ إمَّا عَقْلِيَّةٌ أَوْ سَمْعِيَّةٌ، فَالْعَقْلِيَّةُ يَمْتَنِعُ تَخْصِيصُهَا بِإِجْمَاعِ أَهْلِ النَّظَرِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ فُورَكٍ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وَابْنُ عَبْدَانَ، فِي شَرَائِطِ الْأَحْكَامِ، وَغَيْرُهُمْ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الشَّرْعِيَّةِ. وَهِيَ إمَّا أَنْ تَكُونَ مُسْتَنْبَطَةً أَوْ مَنْصُوصَةً، فَإِنْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً فَجَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ بِامْتِنَاعِ تَخْصِيصِهَا عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَبْقَى حُجَّةً فِيمَا وَرَاءَ الْحُكْمِ الْمَخْصُوصِ لِبُطْلَانِ الْوُثُوقِ بِهَا، وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ: عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا، وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: إنَّهُ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ
أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَكَذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ " الْبَيَانِ " فِي بَابِ الرِّبَا: إنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمَنْصُوصَةِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ: اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَزَعَمَ أَهْلُ الْكُوفَةِ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ. وَأَطْلَقَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ " مَنْعَ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَإِنْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً. فَمَنْ جَوَّزَ تَخْصِيصَ الْمُسْتَنْبَطَةِ جَوَّزَ هَذِهِ أَيْضًا، وَمَنْ مَنَعَ هُنَاكَ اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ، وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا.
أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ، كَالْمُسْتَنْبَطَةِ. قَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّفْظِ الْعَامِّ حَيْثُ جَازَ تَخْصِيصُهُ أَنَّ الْعَامَّ لَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَى بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ، فَإِذَا وَرَدَ لَمْ يُنَافِهِ، وَأَمَّا الْعِلَّةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ فَإِنَّمَا انْتَزَعَهَا الْقَائِسُ مِنْ الْأَصْلِ، وَمُقْتَضَاهُ الِاطِّرَادُ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " إنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْفُقَهَاءِ، ثُمَّ اخْتَارَهُ الْقَاضِي آخِرًا وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَنَصَرَهُ فِي " كِتَابِ الْجَدَلِ " لَهُ، وَكَذَا الْخَفَّافُ فِي " الْخِصَالِ " وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: إنَّهُ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا، وَقَالَ إلْكِيَا: إنَّهُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ فِي " الْقَوَاطِعِ ": إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ إلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَقَالُوا: تَخْصِيصُهَا نَقْضٌ لَهَا، وَنَقْضُهَا يَتَضَمَّنُ إبْطَالَهَا. قَالَ: وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْخُرَاسَانِيِّينَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ بَاطِلٌ، وَمَنْ قَالَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فَقَدْ وَصَفَ اللَّهَ تَعَالَى بِالسَّفَهِ وَالْعَبَثِ، لِأَنَّهُ أَيُّ فَائِدَةٍ فِي وُجُودِ الْعِلَّةِ وَلَا حُكْمَ إذْ الْعِلَّةُ شُرِعَتْ لِلْحُكْمِ، وَالْكَلَامِ فِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِذَا خَلَا الْفِعْلُ عَنْ الْعَاقِبَةِ الْحَمِيدَةِ يَكُونُ عَبَثًا. وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ، أَنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ يُشْبِهُ الْإِبْدَاءَ أَوْ النَّاسِخَ وَكِلَاهُمَا لَا يُدْخِلُ الْعِلَلَ. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ " لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ سَوَاءٌ الْمَنْصُوصَةُ وَالْمُسْتَنْبَطَةُ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ ": الْمُخْتَارُ أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَتَطَرَّقُ إلَى جَوْهَرِ عِلَّةِ الشَّارِعِ، فَإِنَّهُ مِنْ أَعَمِّ الصِّيَغِ، وَلَا نَظُنُّ بِرَسُولِ اللَّهِ أَنْ يُنَصَّبَ عَلَمًا ثُمَّ يَنْتَفِيَ الْحُكْمُ مَعَ وُجُودِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ، نَعَمْ يَتَطَرَّقُ إلَى مَحَلِّ كَلَامِهِ بِتَخْصِيصِ بَعْضِ الْمَحَالِّ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة: 38] {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} [النور: 2] فَيَذْكُرُ الْمَحَلَّ دُونَ الْعِلَّةِ.
وَالثَّانِي: الْجَوَازُ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: إنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ ابْنُ كَجٍّ فِي كِتَابِهِ. قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُسْتَنْبَطَةِ حَيْثُ امْتَنَعَ فِيهَا أَنَّ الْمَنْصُوصَةَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَتْ بِعِلَّةٍ، بَلْ هِيَ كَالِاسْمِ يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ بِدَلَالَةِ الْعُمُومِ، وَأَيْضًا فَإِنَّمَا جَازَ تَخْصِيصُهَا لِأَنَّ وَاضِعَهَا قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهَا عِنْدَ إطْلَاقِهَا الْعُمُومَ فَصَارَ كَالِاسْتِثْنَاءِ، وَالْمُعَلَّلُ يَقْصِدُ بِالْعِلَّةِ جَمِيعَ مَعْلُولَاتِهَا، فَإِذَا وُجِدَتْ وَلَا حُكْمَ كَانَ نَقْضًا، وَحَكَاهُ
الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ. قَالَ: وَحَكَاهُ الْهَمْدَانِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا وَالْأَمْرُ بِخِلَافِ مَا قَالَهُ. انْتَهَى. قَالَ إلْكِيَا: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ قُدَمَاءُ الْحَنَفِيَّةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْوَجِيزِ " عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ. - وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ عَنْهُ - وَنَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ عَامَّةِ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. قَالَ: وَمِنْهُمْ أَبُو زَيْدٍ وَادَّعَى أَنَّهُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ. قَالَ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ ": وَأَمَّا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْمُتَقَدِّمُونَ مِنْهُمْ وَافَقُوا الشَّافِعِيَّ عَلَى الْمَنْعِ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ كَأَبِي زَيْدٍ جَوَّزُوا وَرَجَعَ بَعْضُهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَهُمْ أَهْلُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ. انْتَهَى. وَقَالَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ ": جَوَّزَ قَوْمٌ مِنْ أَسْلَافِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ تَخْصِيصَهَا مُسْتَنْبَطَةً وَمَنْصُوصَةً، وَزَعَمُوا أَنَّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ عَنْهُ، وَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ يُجِيزُهُ، وَأَنْكَرَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوْلًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَقَالُوا: إنَّمَا يَتْرُكُ بَعْضُ أَسْلَافِنَا الْحُكْمَ لِأَجْلِ عِلَّةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَوْلَى مِنْهَا فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ تَخْصِيصِهَا فَلَا. وَهَذَا اعْتِذَارٌ مِنْهُمْ وَتَحَامٍ لِلْقَوْلِ بِتَخْصِيصِهَا. وَتَحَصَّلَ فِي الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبُ:
ثَالِثُهَا: الْمَنْعُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ، وَالْجَوَازُ فِي الْمَنْصُوصَةِ.
وَفِيهَا مَذْهَبٌ رَابِعٌ: وَهُوَ تَجْوِيزُ تَخْصِيصِهَا فِي أَصْلِ الْمَذْهَبِ، وَأَمَّا فِي عِلَّةِ النَّظَرِ. فَلَا يَجُوزُ، حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ فِي " أَدَبِ الْجَدَلِ " عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ. قَالَ: وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ فِي النَّاظِرَةِ إنَّمَا يُثْبِتُ الْمَذْهَبَ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِجَوَازِ مَا فِيهِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ اخْتِيَارِ ابْنِ بَرْهَانٍ فِي " الْوَجِيزِ " شَرَطَ الِاطِّرَادَ فِي الْمُنَاظَرَةِ حَتَّى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الِاحْتِرَازُ عَنْ النَّقْضِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْخَصْمُ. وَالْجَوَازُ فِي الْمُجْتَهِدِ نَفْسِهِ حَتَّى أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ إلَى ذَلِكَ. وَفِيهَا مَذْهَبٌ: خَامِسٌ: حَكَاهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " عَنْ بَعْضِ
الْقَدَرِيَّةِ وَهُوَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ عِلَّةِ الْإِقْدَامِ فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهَا، وَبَيْنَ عِلَّةِ تَرْكِ الْفِعْلِ فَلَا يَجُوزُ، بَلْ يَكُونُ عِلَّةً لِتَرْكِهِ وَاجْتِنَابِهِ أَيْنَ وُجِدَتْ. قَالَ: وَهَذَا الْقَوْلُ خُرُوجٌ عَنْ إجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَرُبَّمَا عُزِيَ لِقُدَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ. قَالَ ابْنُ فُورَكٍ: وَلِأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ طَرِيقَةٌ فِي تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَالْعُمُومِ فَيَقُولُ: إنَّ تَخْصِيصَهَا سَوَاءٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إنَّمَا يَمْتَنِعُ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ الْمُطْلَقَةِ كَمَا يَمْتَنِعُ تَخْصِيصُ الْعَامِّ الْمُطْلَقِ، وَأَمَّا إذَا اقْتَرَنَتْ بِهِمَا قَرِينَةٌ فَيُعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِيهَا فِي الِابْتِدَاءِ وَلَيْسَ ذَلِكَ نَقْضًا، وَالنَّقْضُ أَنْ يُقَالَ: كَانَتْ مُطْلَقَةً فَقُيِّدَتْ الْآنَ، فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ مَا قَالَهُ الْخَصْمُ تَخْصِيصًا مِنْ عِلَلِ السَّمْعِ، بَلْ تَبَيَّنَ بِالْقَرِينَةِ، أَنَّهَا وَقَعَتْ فِي الِابْتِدَاءِ مُقَيَّدَةً. ثُمَّ الْكَلَامُ فِي تَحْرِيرِ أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْغَزَالِيَّ ذَكَرَ فِي " شِفَاءِ الْعَلِيلِ " أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ التَّصْرِيحُ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ أَوْ مَنْعُهُ، وَنَقَلَ الدَّبُوسِيُّ تَعْلِيلَاتٍ عَنْهُمَا مَنْقُوضَةً. قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى قَبُولِهَا التَّخْصِيصَ. انْتَهَى.
وَيُوَافِقُهُ مَا ذَكَرَهُ الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِ " الْأَعْلَامِ " أَنَّ الْمُجَوِّزِينَ قَاسُوا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ: " الْقِيَاسُ كَذَا لَوْلَا الْأَثَرُ " وَ " النَّظَرُ كَذَا لَوْلَا الْخَبَرُ "، وَكَذَا أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ:" الْقِيَاسُ كَذَا إلَّا أَنِّي أَسْتَحْسِنُ "، وَلَوْلَا الْأَثَرُ لَكَانَ الْقِيَاسُ كَذَا. فَلَوْ كَانُوا يُبْطِلُونَ الْأَصْلَ الَّذِي جَرَى الْقِيَاسُ فِيهِ لَمَا وَجَدُوا الْأَثَرَ فِي الْعَيْنِ الَّتِي جَاءَ الْأَثَرُ فِيهَا، انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ ": نَقَلَ جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازَ التَّخْصِيصِ مُطْلَقًا، وَحَكَى عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا. وَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ عَنْهُ. وَأَنْكَرَ كَثِيرٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ الْقَوْلَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوْلًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ: إنَّمَا يَتْرُكُ بَعْضُ أَسْلَافِنَا الْحُكْمَ بِعِلَّةٍ لِأَجْلِ عِلَّةٍ أُخْرَى هِيَ أَوْلَى مِنْهَا،
فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ تَخْصِيصِهَا فَلَا، وَإِنَّمَا هَذَا اعْتِذَارٌ وَتَحَامٍ عَنْ الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِهَا. وَنَقَلَ ابْنُ فُورَكٍ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ الشَّافِعِيِّ الْمَنْعَ.
وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ ": إنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ بَاطِلٌ، وَأَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ: لَوْ صَحَّ عِنْدِي أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ مَا كُنْت أُعِدُّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأُصُولِيِّينَ. وَذَكَرَ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " أَنَّ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ جَوَازَهُ، قَالَ: وَذَكَرَ أَقْضَى الْقُضَاةِ يَعْنِي عَبْدَ الْجَبَّارِ - فِي " الشَّرْحِ " أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يُجِيزُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَعْدِلُ عَنْ حُكْمِ عِلَّةٍ إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى. وَالْمَعْلُومُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ شَرَطَ فِي الْعِلَّةِ التَّأْثِيرَ حَتَّى لَا تُنْتَقَضَ.
قُلْت: وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي " الْأُمِّ " مَا يَقْتَضِي الْجَوَازَ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَسُنُّ سُنَّةً فِي نَصٍّ مُعَيَّنٍ فَيَحْفَظُهَا حَافِظٌ وَلَيْسَ يُخَالِفُهُ فِي مَعْنًى، وَيُجَامِعُهُ سَنَةً غَيْرَهَا لِاخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ فَيَحْفَظُ غَيْرَهُ تِلْكَ السَّنَةَ. فَإِذَا أَدَّى كُلَّ مَا حَفِظَ رَأَى بَعْضُ السَّامِعِينَ اخْتِلَافًا، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُخْتَلِفٌ، انْتَهَى. وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ ابْنُ اللَّبَّانِ فِي " تَرْتِيبِ الْأُمِّ " جَوَازَ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ لَا تَبْطُلُ بِالْمُعَارَضَةِ.
الثَّانِي: مَثَّلَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ فِي عِلَّةِ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ: هُوَ الْوَزْنُ، وَجَعَلُوا لِذَلِكَ فُرُوعًا مِنْ الْمَوْزُونَاتِ، ثُمَّ جَوَّزُوا إسْلَامَ الدَّرَاهِمِ فِي الزَّعْفَرَانِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ مَعَ اجْتِمَاعِهَا فِي الْوَزْنِ، فَحَكَمُوا بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فَانْتَقَضَتْ عِلَّةُ الْوَزْنِ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ لَمْ تَنْتَقِضْ. قِيلَ: قَدْ نَاقَضَ الشَّافِعِيُّ أَصْلَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ: الْوَاجِبُ فِي إتْلَافِ الْمِثْلِ الْمِثْلُ، ثُمَّ خَصَّ هَذَا الْأَصْلَ فِي الْمُصَرَّاةِ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ فِي اللَّبَنِ الْمُسْتَهْلَكِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ. وَقَالَ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ لِلشِّدَّةِ، وَقَاسَ عَلَيْهَا النَّبِيذَ، وَلِلْخَمْرِ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ: التَّحْرِيمُ، وَالتَّفْسِيقُ، وَالْحَدُّ، فَطَرَدَ عِلَّتَهُ فِي الشَّرْعِ فِي الْحَدِّ، وَلَمْ يَطْرُدْهَا فِي التَّفْسِيقِ، فَإِنَّهُ لَمْ تُرَدَّ شَهَادَةُ شَارِبِ النَّبِيذِ وَلَمْ يُحْكَمْ بِفِسْقِهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ خَصَّ عِلَّةَ الرِّبَا فِي مَسْأَلَةِ الْعَرَايَا، وَجَوَّزَ الْعَقْدَ مِنْ غَيْرِ وُجُودِ الْمُمَاثَلَةِ كَيْلًا، وَكَذَلِكَ خَصَّ ضَمَانَ الْجَنِينِ بِالْغُرَّةِ مَعَ مُخَالَفَةِ سَائِرِ أَجْنَاسِهِ، وَكَذَلِكَ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ.
وَأَجَابَ بِأَنَّا لَا نُنْكِرُ وُجُودَ مَوَاضِعَ فِي الشَّرْعِ وَتَخْصِيصَهَا بِأَحْكَامٍ تُخَالِفُ سَائِرَ أَجْنَاسِهَا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يَقُومُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلَى الْخُصُوصِ كَالْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ، إنَّمَا الْمَمْنُوعُ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ. وَأَجَابَ الْقَفَّالُ عَنْ الْعَرَايَا بِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ الْمُزَابَنَةِ الْجَهْلُ الْكَثِيرُ، وَمَا أُجِيزَتْ فِيهِ قَلِيلٌ، فَتَكُونُ هَذِهِ عِلَّةً مُقَيِّدَةً لِعِلَّةِ الرِّبَا مُقَيِّدَةً لِلْجِنْسِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُجَوِّزِينَ لِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ تَمَسَّكُوا بِآيَاتٍ، مِنْهَا قَوْله تَعَالَى:{قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} [يوسف: 78] فَإِنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ الَّتِي قَصَدُوا بِهَا إطْلَاقَهُ مِنْ يَدِ الْعَزِيزِ هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي ذِهْنِهِمْ أَنَّ الْعَزِيزَ يَعْرِفُ أُخُوَّتَهُمْ الَّذِي أَخَذُوا الِاحْتِرَازَ مِنْ مَحَلِّ النَّقْضِ إنَّمَا هُوَ لِدَفْعِ الْمُعْتَرِضِ
بِحَيْثُ لَا يَعْتَرِضُ إلَّا بِحَسَبِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ لَفْظًا، وَتَكْفِي إرَادَتُهُ. فَالْعِلَّةُ أَنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا وَأَنَّهُ صَغِيرٌ يَصْدُرُ عَلَيْهِ مِنْ الْحُزْنِ مَا لَا يَصْدُرُ عَلَى أَحَدٍ، فَحَذَفَ هَذَا الْقَيْدَ مَعَ إضْمَارِهِ، وَإِنَّ فِي حَذْفِهِ لَفَائِدَةً جَلِيلَةً، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَصْدٌ فِي التَّعْرِيفِ بِأُخُوَّتِهِمْ لَهُ، وَلَوْ صَرَّحُوا لَهُ بِذِكْرِ هَذَا الْقَيْدِ لَفَهِمَ أُخُوَّتَهُمْ لَهُ. فَتَأَمَّلْ هَذَا مَا أَحْسَنَهُ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113] الْآيَةَ. دَلَّ النَّصُّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ، ثُمَّ اعْتَذَرَ عَنْ اسْتِغْفَارِ إبْرَاهِيمَ بِالْوَعْدِ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ عَلَى الِامْتِنَاعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ} [الأنعام: 143] فَإِنَّهُ طَالَبَ الْكُفَّارَ بِبَيَانِ الْعِلَّةِ فِيمَا ادَّعَوْا فِيهِ الْحُرْمَةَ لِأَوْجُهٍ لَا تَدْفَعُ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ إذَا أَثْبَتُوا أَحَدَ هَذِهِ الْمَعَانِي أَنَّ الْحُرْمَةَ لِأَجْلِهِ انْتَقَضَ بِإِقْرَارِهِمْ بِالْجَوَازِ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ مَعَ وُجُودِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِيهِ، وَلَوْ كَانَ التَّخْصِيصُ فِي عِلَلِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ جَائِزًا لَمَا كَانُوا مَحْجُوجِينَ فَإِنَّهُ لَا يَعِزُّ أَنْ يُقَالَ امْتَنَعَ ثُبُوتُهُ هُنَاكَ لِمَانِعٍ.
الرَّابِعُ: مَثَّلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ لِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ بِمَسْأَلَةِ الْعَرَايَا، وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ إنْ قُلْنَا: إنَّ تَحْرِيمَ الْمُزَابَنَةِ وَارِدٌ أَوَّلًا وَاسْتَقَرَّ، ثُمَّ وَرَدَتْ رُخْصَةُ الْعَرَايَا. فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ النَّهْيَ لَمْ يَتَوَجَّهْ إلَى خُصُوصِ الْعَرَايَا، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْمُزَابَنَةِ مَا سِوَاهَا مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْعَامِّ وَإِرَادَةِ الْخَاصِّ فَلَا. وَهَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ " وَنَقَلَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ " عَنْ الرَّبِيعِ عَنْهُ، وَنَقَلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَوْلَى الِاحْتِمَالَيْنِ عِنْدِي الثَّانِي: وَقَدْ يُقَالُ: تَرْجِيحُ الثَّانِي يَقْتَضِي مَنْعَ كَوْنِ الْعَرَايَا رُخْصَةً.
الْخَامِسُ: أَنَّ إلْكِيَا الطَّبَرِيَّ قَسَمَ الْمَسْأَلَةَ إلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِحَسَبِ الْمُنَاظَرَةِ وَالْآخَرُ: الْمُجْتَهِدُ.
فَأَمَّا الْمُنَاظَرَةُ إذَا تَوَجَّهَ إلَيْهَا النَّقْضُ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ لَمْ أَحْكُمْ بِمِثْلِ مَا حَكَمْت بِهِ هَاهُنَا لِمَانِعٍ وَيَتَكَلَّفُ عُذْرًا، أَمْ لَا يَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُنَاقِضُ كَلَامَهُ فَلَزِمَهُ أَنْ يَسْكُتَ؟ فِيهِ خِلَافٌ. وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فَيَتْبَعُ الْعِلَّةَ الْمُطَّرِدَةَ فِي مَحَالِّهَا ثُمَّ حَكَى الْخِلَافَ السَّابِقَ.
السَّادِسُ: أَنَّ الْمَانِعِينَ تَعَلَّقُوا بِأَنَّ التَّخْصِيصَ يُؤَدِّي إلَى تَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَجْعَلُ الْمَعْنَى الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْمُعَلِّلُ عِلَّةً فِي ضِدِّ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَيُجْرِيهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إلَّا مَا قَامَ دَلِيلُهُ، لِأَنَّ نَفْسَ هَذَا الْمَعْنَى تَعَلَّقَ عَلَيْهِ حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ جَعَلَ الْمُعَلِّلُ مَا خَالَفَ حُكْمَهُ مَخْصُوصًا، وَمَا وَافَقَهُ تَعْمِيمًا. فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ جَعَلَ " مَا جَعَلَهُ أَصْلًا " مَخْصُوصًا وَمَا " جَعَلَهُ مَخْصُوصًا " أَصْلًا. مِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ الْمُعَلِّلُ: طَهَارَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ قِيَاسًا عَلَى التَّيَمُّمِ، فَيُقَالُ: بَاطِلٌ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، فَيَقُولُ: إنَّهَا مَخْصُوصَةٌ، فَتُقْلَبُ عَلَيْهِ فَتَقُولُ: طَهَارَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ كَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ لِيُقَالَ: بَاطِلٌ بِالتَّيَمُّمِ فَيَقُولُ: ذَلِكَ مَخْصُوصٌ فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ.
قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ إذَا كَانَتْ دَالَّةً عَلَى الْحُكْمِ بِإِخَالَتِهَا وَتَأْثِيرِهَا فِي مَحَلِّ النَّصِّ فَفِيمَا عَدَاهُ لَا يَكُونُ دَلَالَتُهَا مِنْ نَاحِيَةِ الِاطِّرَادِ فَقَطْ لَكِنْ مِنْ نَاحِيَةِ التَّأْثِيرِ وَالْإِخَالَةِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ تَنَاقُضُ شَهَادَتِهِمَا حِينَئِذٍ. أَمَّا إذَا كَانَتْ الدَّلَالَةُ تُتَلَقَّى مِنْ الِاطِّرَادِ الْمَحْضِ فَيَتَّجِهُ ادِّعَاءُ التَّكَافُؤِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ إنْ صَحَّ الْقَوْلُ بِالطَّرْدِ، قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: تَقُولُ لِمَنْ خَصَّ الْعِلَّةَ بِمَا اسْتَنْبَطَ: عَامٌّ أَوْ خَاصٌّ؟ إنْ ادَّعَيْت عُمُومَهُ وَاسْتِغْرَاقَهُ بَطَلَتْ الدَّعْوَى بِالْمُنَاقَضَةِ لَا مَحَالَةَ، وَإِنْ لَمْ تَدَّعِ عُمُومَهُ وَقُلْت: إنَّهَا عِلَّةٌ فِي مَحَلٍّ دُونَ مَحَلٍّ فَلَعَلَّهَا عِلَّةٌ فِي الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ دُونَ الْفَرْعِ. ثُمَّ قَالَ إلْكِيَا: مَنْ اشْتَرَطَ الِاطِّرَادَ وَمَنْعَ التَّخْصِيصِ فَإِنَّمَا يَشْتَرِطُ اطِّرَادَ كُلِّ عِلَّةٍ فِي فُرُوعِ مَعْلُولَاتِهَا لَا