المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[المسلك الثالث الإيماء والتنبيه] - البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي - جـ ٧

[بدر الدين الزركشي]

فهرس الكتاب

- ‌[كِتَابُ الْقِيَاسِ] [

- ‌الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَة الْقِيَاس]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْقِيَاسُ فِي نَظَرِ الْأُصُولِيِّينَ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ اشْتِمَالُ النُّصُوصِ عَلَى الْفُرُوعِ الْمُلْحَقَةِ بِالْقِيَاسِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْقِيَاسُ مُظْهِرٌ لَا مُثْبِتٌ]

- ‌[الْبَابُ الثَّانِي فِي مَوْضُوعِ الْقِيَاسِ]

- ‌[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْقِيَاسُ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ]

- ‌[مَسْأَلَة الْقِيَاسُ يُعْمَلُ بِهِ قَطْعًا]

- ‌[مَسْأَلَة التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ نَصُّ الشَّارِعِ عَلَى الْحُكْمِ وَالْعِلَّةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ اسْتِعْمَال الْقِيَاسُ إذَا عُدِمَ النَّصُّ]

- ‌[مَسْأَلَة الْمُرْسَلُ وَالضَّعِيفُ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ]

- ‌[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ]

- ‌[أَقْسَامُ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ]

- ‌[أَقْسَامُ الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ]

- ‌[الْبَابُ الْخَامِسُ مَا يَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسُ]

- ‌[أَمْثِلَةٌ لِلْقِيَاسِ فِي الرُّخَصِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ جَرَيَانُ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ فِي الْعَقْلِيَّاتِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ جَرَيَانُ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَاتِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْقِيَاسُ فِي الْأَسْبَابِ]

- ‌[الْبَابُ السَّادِسُ فِي أَرْكَانِ الْقِيَاس] [

- ‌الرُّكْن الْأَوَّل الْأَصْلِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَأْثِيرُ الْأَصْلِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ]

- ‌[الْكَلَامُ فِي شُرُوطِ حُكْمِ الْأَصْلِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ مَا يَمْتَنِعُ فِيهِ الْقِيَاسُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ الْأَصْلِ]

- ‌[الرُّكْنُ الثَّالِثُ الْفَرْعُ]

- ‌[الرُّكْنُ الرَّابِعُ الْعِلَّةُ]

- ‌[مَسْأَلَة الْمَعْلُولُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَقَدُّمُ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا بُدَّ لِلْحُكْمِ مِنْ عِلَّةٍ]

- ‌[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ شُرُوطِ الْعِلَّةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ اقْتِصَارُ الشَّارِعِ عَلَى أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ فِي الْعِلَّة]

- ‌[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ أُمُورٍ اُشْتُرِطَتْ فِي الْعِلَّةِ]

- ‌[فَائِدَةٌ الْعِلَّةُ إذَا كَثُرَتْ أَوْصَافُهَا فِي الْقِيَاسِ]

- ‌[مَسَالِكُ الْعِلَّةِ]

- ‌[الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ الْإِجْمَاعُ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً]

- ‌[الْمَسْلَكُ الثَّانِي النَّصُّ عَلَى الْعِلَّةِ]

- ‌[الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ الْإِيمَاءُ وَالتَّنْبِيهُ]

- ‌[الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ الِاسْتِدْلَال عَلَى عِلِّيَّةِ الْحُكْمِ بِفِعْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الْمَسْلَكُ الْخَامِسُ فِي إثْبَاتِ الْعِلِّيَّةِ الْمُنَاسَبَةُ]

- ‌[تَقْسِيمُ الْمُنَاسِبِ]

- ‌[أَقْسَامُ الْمُنَاسِبِ مِنْ حَيْثُ الْيَقِينِ وَالظَّنِّ]

- ‌[أَقْسَامُ الْمُنَاسِبِ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةِ وَالْإِقْنَاعِ]

- ‌[تَقْسِيمُ الْمُنَاسَبَةِ مِنْ حَيْثُ التَّأْثِيرُ وَالْمُلَاءَمَةُ]

- ‌[الْمَسْلَكُ السَّادِسُ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ]

- ‌[الْمَسْلَكُ السَّابِعُ الشَّبَهُ]

- ‌[حُكْم قِيَاس الشَّبَه]

- ‌[الْمَسْلَكُ الثَّامِنُ الدَّوَرَانُ]

- ‌[الْمَسْلَكُ التَّاسِعُ الطَّرْدُ]

- ‌[الْمَسْلَكُ الْعَاشِرُ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ]

- ‌[الِاعْتِرَاضَاتُ]

- ‌[الْأَوَّلُ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ النَّقْضُ]

- ‌[الثَّانِي مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ الْكَسْرُ]

- ‌[الثَّالِثُ مِنْ الِاعْتِرَاضَات عَدَمُ الْعَكْسِ]

- ‌[الرَّابِعُ مِنْ الِاعْتِرَاضَات عَدَمُ التَّأْثِيرِ]

- ‌[الْخَامِسُ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ الْقَلْبُ]

- ‌[حَقِيقَتِهِ الْقَلْبُ]

- ‌[اعْتِبَارِهِ الْقَلْب]

- ‌[هَلْ الْقَلْب قَادِحٌ أَمْ لَا]

- ‌[أَقْسَام الْقَلْبُ]

- ‌[السَّادِسُ مِنْ الِاعْتِرَاضَات الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ]

- ‌[السَّابِعُ مِنْ الِاعْتِرَاضَات الْفَرْقُ وَيُسَمَّى سُؤَالَ الْمُعَارَضَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ شُرُوط الْفَرْقِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي جَوَابِ الْفَرْقِ]

- ‌[الثَّامِنُ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ الِاسْتِفْسَارُ]

- ‌[التَّاسِعُ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ فَسَادُ الِاعْتِبَارِ]

- ‌[الْعَاشِرُ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ فَسَادُ الْوَضْعِ]

- ‌[الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ الِاعْتِرَاضَات الْمَنْعُ]

- ‌[الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ الِاعْتِرَاضَات التَّقْسِيمُ]

- ‌[الثَّالِث عَشَرَ مِنْ الِاعْتِرَاضَات اخْتِلَافُ الضَّابِطِ]

- ‌[الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ اخْتِلَافُ حُكْمَيْ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ]

- ‌[الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ الْمُعَارَضَةِ]

- ‌[وُجُوهٍ الْمُعَارَضَةِ]

- ‌[السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ سُؤَالُ التَّعْدِيَةِ]

- ‌[فَصْلٌ تَرْتِيبِ الْأَسْئِلَةِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الِانْتِقَالِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْفَرْضِ وَالْبِنَاءِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي حِيَلِ الْمُتَنَاظِرِينَ]

- ‌[فَصْلٌ فِي التَّعَلُّقِ بِمُنَاقَضَاتِ الْخُصُومِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ]

الفصل: ‌[المسلك الثالث الإيماء والتنبيه]

مَعَ صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِهَا فِي الْكُلِّ، خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ لَا يَحْتَجُّ بِهَا إلَّا فِي كَلَامِ الرَّاوِي الْفَقِيهِ، وَهَذَا بَحْثٌ تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَيْسَ قَوْلًا. وَزَعَمَ الْآمِدِيُّ أَنَّ الْوَارِدَ فِي كَلَامِ اللَّهِ أَقْوَى مِنْ الْوَارِدِ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَالْحَقُّ تَسَاوِيهِمَا، وَبِهِ صَرَّحَ الْهِنْدِيُّ، لِعَدَمِ احْتِمَالِ تَطَرُّقِ الْخَطَأِ إلَيْهِمَا.

[الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ الْإِيمَاءُ وَالتَّنْبِيهُ]

وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ بِالِالْتِزَامِ، لِأَنَّهُ يَفْهَمُهَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لَا اللَّفْظِ، وَإِلَّا لَكَانَ صَرِيحًا، وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ أَنَّ ذِكْرَهُ مَعَ الْحُكْمِ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ لَا لِفَائِدَةٍ، لِأَنَّهُ عَبَثٌ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ لِفَائِدَةٍ، وَهِيَ إمَّا كَوْنُهُ عِلَّةً أَوْ جُزْءَ عِلَّةٍ أَوْ شَرْطًا، وَالْأَظْهَرُ كَوْنُهُ عِلَّةً لِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ فِي تَصَرُّفِ الشَّارِحِ. وَهُوَ أَنْوَاعٌ.

أَحَدُهَا: ذِكْرُ الْحُكْمِ السُّكُوتِيِّ أَوْ الشَّرْعِيِّ عَقِبَ الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ لَهُ، وَتَارَةً يَقْتَرِنُ بِ (أَنْ) ، وَتَارَةً بِالْفَاءِ، وَتَارَةً يُذْكَرُ مُجَرَّدًا. فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} [الأنبياء: 89]- إلَى قَوْلِهِ: {خَاشِعِينَ} وَقَوْلِهِ: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الحجر: 45] . . . الْآيَةُ

ص: 251

وَالثَّانِي كَقَوْلِهِ {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا} [المائدة: 38] . . . وَ {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} [النور: 2] . . . وَالثَّالِثُ: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} [القمر: 54]، {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 277] . وَاَلَّذِي بَعْدَ الْفَاءِ تَارَةً يَكُونُ حُكْمًا، نَحْوُ {قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ} [البقرة: 222] . . .، وَتَارَةً يَكُونُ عِلَّةً، نَحْوُ «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» فَإِنَّهُ عِلَّةُ تَجْنِيبِهِ الطَّيِّبَ. ثُمَّ مِنْهُ مَا صَرَّحَ فِيهِ بِالْحُكْمِ وَالْوَصْفِ مَعًا فَهُوَ إيمَاءٌ بِلَا خِلَافٍ، كَقَوْلِهِ عليه السلام:«مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» ، «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ عَلَيْهِ» ، فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْأَوَّلِ بِالْإِحْيَاءِ، وَهُوَ الْوَصْفُ، وَالْحُكْمُ وَهُوَ الْمِلْكُ. وَفِي الثَّانِي بِالْمِلْكِ وَهُوَ الْوَصْفُ، وَبِالْعِتْقِ وَهُوَ الْحُكْمُ. وَمِنْهُ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِمَا: فَإِنْ صُرِّحَ بِالْحُكْمِ - وَالْوَصْفُ مُسْتَنْبَطٌ - كَتَحْرِيمِ الرَّبَّا فِي الْبُرِّ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْهُ عِلَّةُ الْكَيْلِ أَوْ الطُّعْمِ أَوْ الْوَزْنِ، فَلَيْسَ بِإِيمَاءٍ قَطْعًا. وَقِيلَ: عَلَى الْخِلَافِ فِي عَكْسِهِ، وَهُوَ مَا حَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَاسْتَبْعَدَهُ الْهِنْدِيُّ. وَإِنْ صَرَّحَ بِالْوَصْفِ - وَالْحُكْمُ مُسْتَنْبَطٌ - كَالصِّحَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ حِلِّ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، فَهَلْ النَّصُّ الدَّالُ عَلَى ثُبُوتِ الْحِلِّ إيمَاءٌ أَوْ ثُبُوتُ الصِّحَّةِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى إثْبَاتِهِ، وَرَجَّحَهُ الْهِنْدِيُّ، لِأَنَّ الصِّحَّةَ لَازِمَةٌ لِلْحِلِّ، إذْ لَوْلَا الصِّحَّةُ لَمْ يَكُنْ لِلْإِحْلَالِ فَائِدَةٌ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِإِيمَاءٍ إلَيْهَا، لِأَنَّهَا غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالْحُكْمِ وَاسْتَخْرَجْنَا الْعِلَّةَ قِيَاسًا لِأَحَدِهِمَا عَلَى عَكْسِهِ. وَجَمَعَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الصُّورَتَيْنِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: وَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ يَلْتَفِتُ إلَى تَفْسِيرِ (الْإِيمَاءِ) هَلْ هُوَ اقْتِرَانُ الْحُكْمِ وَالْوَصْفِ، سَوَاءٌ

ص: 252

كَانَا مَذْكُورَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا مَذْكُورًا وَالْآخَرُ مُقَدَّرًا، أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَا مَذْكُورَيْنِ؟ وَإِنَّ إثْبَاتَ مُسْتَلْزِمِ الشَّيْءِ نَقِيضُ إثْبَاتِهِ.

الثَّانِي - أَنْ يَذْكُرَ الشَّارِعُ مَعَ الْحِكْمَةِ وَصْفًا لَوْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةٌ لَعَرِيَ عَنْ الْفَائِدَةِ، إمَّا مَعَ سُؤَالٍ فِي مَحَلِّهِ، أَوْ سُؤَالٍ فِي نَظِيرِهِ.

فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ: وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ:«أَعْتِقْ رَقَبَةً» فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوِقَاعَ عِلَّةٌ لِلْإِعْتَاقِ، وَالسُّؤَالُ مُقَدَّرٌ فِي الْجَوَابِ، كَأَنَّهُ قَالَ: إذَا وَاقَعْتَ فَكَفِّرْ. وَقَدْ مَرَّ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لِلتَّعْلِيلِ فَكَذَا هُنَا، لِأَنَّ الْمُقَدَّرَ كَالْمُحَقَّقِ، فَإِنْ حُذِفَتْ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُ الْأَوْصَافِ وَعُلِّلَتْ بِالْبَاقِي سُمِّيَ (تَنْقِيحُ مَنَاطٍ)، مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ: كَوْنُهُ أَعْرَابِيًّا لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْعِلَّةِ، إذْ الْأَعْرَابِيُّ وَغَيْرُهُ حُكْمُهُمَا سَوَاءٌ. وَكَذَا كَوْنُ الْمَحَلِّ أَهْلًا، فَإِنَّ الزِّنَى أَجْدَرُ بِهِ.

(وَالثَّانِي) كَقَوْلِهِ، وَقَدْ سَأَلَتْهُ الْخَثْعَمِيَّةُ: إنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ الْوَفَاةُ وَعَلَيْهِ فَرِيضَةُ الْحَجِّ أَيَنْفَعُهُ إنْ حَجَجْتُ عَنْهُ؟ قَالَ: «أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ أَكَانَ يَنْفَعُهُ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، فَذَكَرَ نَظِيرَهُ وَهُوَ دَيْنُ الْآدَمِيِّ، فَنَبَّهَ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً فِي النَّفْعِ وَإِلَّا لَزِمَ الْعَبَثُ. وَجَعَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ مِنْهُ قَوْلَهُ عليه السلام لِلسَّائِلِ عَنْ الْقُبْلَةِ:«أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ» فَقَالَ: نَبَّهَهُ عليه الصلاة والسلام عَلَى قِيَاسِ

ص: 253

الْقُبْلَةِ عَلَى الْمَضْمَضَةِ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ مَعَهَا. وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام إنَّمَا نَبَّهَ عَلَى نَقِيضِ قِيَاسٍ يَخْتَلِجُ فِي صَدْرِ السَّائِلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِشْكَالَ الَّذِي عِنْدَ الْقَائِلِ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ اعْتِقَادِهِ أَنَّ الْقُبْلَةَ مُقَدِّمَةُ الْجِمَاعِ، وَالْجِمَاعُ مُفْسِدٌ وَمُقَدِّمَةُ الشَّيْءِ يَنْبَغِي أَنْ تُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ الشَّيْءِ، لِمَا بَيْنَ الْمُقَدِّمَةِ وَالْغَايَةِ مِنْ التَّنَاسُبِ، فَنَبَّهَ عليه الصلاة والسلام أَنَّ تَعْلِيلَ تَنْزِيلِ الْقُبْلَةِ مَنْزِلَةَ الْجِمَاعِ فِي الْإِفْسَادِ بِكَوْنِهَا مُقَدِّمَةً مَنْقُوضٌ بِالْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا، فَإِنَّ الْمُقَدِّمَةَ وُجِدَتْ مِنْ الْمَضْمَضَةِ وَلَمْ يُوجَدْ الْإِفْسَادُ، وَإِلَّا فَكَيْفَ تُقَاسُ الْقُبْلَةُ عَلَى الْمَضْمَضَةِ فِي عَدَمِ الْإِفْسَادِ بِجَامِعِ كَوْنِهِمَا مُقَدِّمَتَيْنِ لِلْمُفْسِدِ، وَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ كَوْنِ الشَّيْءِ مُقَدِّمَةٌ لِفَسَادِ الصَّوْمِ وَبَيْنَ كَوْنِ الصَّوْمِ صَحِيحًا مَعَهُ، بَلْ هَذَا قَرِيبٌ مِنْ فَسَادِ الْوَضْعِ.

أَمَّا إذَا عَلِمَ الشَّارِعُ فِعْلًا مُجَرَّدًا تَكَلَّمَ عَقِيبَهُ بِحُكْمٍ فَهَلْ يَكُونُ عِلْمُهُ كَإِعْلَامِهِ حَتَّى يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُجَرَّدُ الْمَعْلُومُ سَبَبًا؟ فِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ الْإِبْيَارِيُّ. وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِنَادُ التَّعْلِيلِ إلَيْهِ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ حُكْمٌ مُبْتَدَأٌ وَجَرَى ذِكْرُ الْوَاقِعَةِ اتِّفَاقًا، وَيُحْتَمَلُ الرَّبْطُ لِقُرْبِهِ مِنْ الْقَرِينَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ جَنَّةِ النَّاظِرِ ": مِنْ أَنْوَاعِ الْإِيمَاءِ الْحُكْمُ عِنْدَ رَفْعِ الْحَادِثَةِ إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:" كَفِّرْ " لِمَنْ قَالَ: وَاقَعْتُ.

وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ إلَى أَنَّ شَرْطَ فَهْمِ التَّعْلِيلِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ وَقَعَ جَوَابًا لِمَا رُفِعَ إلَيْهِ، إذْ مِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ اسْتِئْنَافًا لَا جَوَابًا، وَهَذَا كَمَنْ تَصَدَّى لِلتَّدْرِيسِ فَأَخْبَرَهُ تِلْمِيذٌ بِمَوْتِ السُّلْطَانِ مَثَلًا، فَأَمَرَهُ عَقِبَ الْإِخْبَارِ بِقِرَاءَةِ دَرْسِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى تَعْلِيلِ الْقِرَاءَةِ بِذَلِكَ الْخَبَرِ، بَلْ الْأَمْرُ بِالِاشْتِغَالِ بِمَا هُوَ بِصَدَدِهِ وَبِتَرْكِ مَا لَا يَعْنِيه. وَإِذَا ثَبَتَ افْتِقَارُ فَهْمِ التَّعْلِيلِ إلَى الدَّلِيلِ فَلَيْسَ إلَّا انْتِفَاءُ الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ، إذْ السُّؤَالُ يَسْتَدْعِي الْجَوَابَ، فَتَأْخِيرُهُ عَنْهُ يَكُونُ تَأْخِيرًا لِلْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ.

ص: 254

وَاعْلَمْ أَنَّ اعْتِرَافَ هَؤُلَاءِ بِكَوْنِ السُّؤَالِ يَسْتَدْعِي الْجَوَابَ اعْتِرَافٌ بِكَوْنِ السُّؤَالِ قَرِينَةٌ عَلَى كَوْنِ الْوَاقِعِ جَوَابًا، فَيَكُونُ مُنَاقِضًا لِقَوْلِهِمْ: إنَّ فَهْمَ التَّعْلِيلِ يَفْتَقِرُ إلَى الدَّلِيلِ، وَالْقَرَائِنُ الصَّارِفَةُ تُرْشِدُ الْمُعَارِضَ لِدَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَى تَعْيِينِ الْوَاقِعِ جَوَابًا، فَلَا يُؤْخَذُ انْتِفَاؤُهَا فِي حَدِّ الدَّلِيلِ. نَعَمْ يَقِفُ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلِ عَلَى انْتِفَائِهَا، وَذَلِكَ لَا يَخُصُّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْإِيمَاءِ، بَلْ هُوَ جَارٍ فِي جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ، لِأَنَّ انْتِقَاءَ الْمُعَارِضِ مُشْتَرَطٌ فِي الْعَمَلِ بِجَمِيعِ الدَّلَائِلِ.

وَالثَّالِثُ: أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ حُكْمَيْنِ لِوَصْفٍ. إمَّا مَعَ ذِكْرِهِمَا مَعًا، نَحْوُ:«لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ» ، وَقَوْلُهُ:{وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [البقرة: 222] فَإِنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَا جَعَلَهُ غَايَةً لِلْحُكْمِ يَكُونُ عِلَّةً، قَوْلُهُ:{لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} [المائدة: 89] فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي حُكْمِ الْمُؤَاخَذِ وَالتَّفْصِيلُ مَا وَقَعَ بِهِ الْفَرْقُ. وَإِمَّا مَعَ ذِكْرِ أَحَدِهِمَا، نَحْوُ: الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِغَيْرِ الْقَاتِلِ وَإِرْثِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْإِرْثِ الْقَتْلُ. وَأَيْضًا: إمَّا بِالْغَايَةِ، مِثْلُ {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] أَوْ بِالِاسْتِثْنَاءِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة: 237] .

وَالرَّابِعُ: مَنْعُهُ مَا قَدْ يُفَوِّتُ الْمَطْلُوبَ، بِأَنْ يَذْكُرَ عَقِيبَ الْكَلَامِ أَوْ

ص: 255

فِي سِيَاقِهِ شَيْئًا لَوْ لَمْ يُعَلِّلْ بِهِ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ لَمْ يَنْتَظِمْ الْكَلَامُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] لِأَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ لِبَيَانِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ وَأَحْكَامِهَا، فَلَوْ لَمْ يُعَلِّلْ النَّهْيَ عَنْ الْبَيْعِ بِكَوْنِهِ مَانِعًا مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ شَاغِلًا عَنْ الْمَشْيِ إلَيْهَا لَكَانَ ذِكْرُهُ عَبَثًا، لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ مُطْلَقًا. كَقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:«لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» فَلَوْ لَمْ يُعَلِّلْ [النَّهْيَ] عَنْ الْقَضَاءِ عِنْدَ الْغَضَبِ بِكَوْنِهِ يَتَضَمَّنُ تَشْوِيشَ الْفِكْرِ لَكَانَ ذِكْرُهُ لَاغِيًا. إذْ الْقَضَاءُ لَا يُمْنَعُ مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ.

وَالْخَامِسُ: رَبْطُ الْحُكْمِ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ بِمَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ يَنْتَهِضُ عِلَّةً فِيهِ. وَإِلَى هَذَا صَارَ الشَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الرِّبَا، وَأَوَّلَ الْقَاضِي مَذْهَبَهُ وَقَالَ: لَعَلَّهُ تَمَسَّك بِالْحَدِيثِ فِي إثْبَاتِ حُكْمِ الرِّبَا لَا فِي إثْبَاتِ عِلَّتِهِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: لَيْسَ كَمَا ظَنَّهُ الْقَاضِي، لِأَنَّهُ أَثْبَتَ عِلِّيَّةَ الطُّعْمِ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: تَعَلَّقَ أَئِمَّتُنَا فِي تَعْلِيلِ رِبَا الْفَضْلِ بِالطُّعْمِ بِقَوْلِهِ: «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ» وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى إثْبَاتِ كَوْنِ الطَّعَامِ مُشْعِرًا بِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ، وَإِلَّا فَالطَّعَامُ وَالْبُرُّ سَوَاءٌ فِي تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِهِ.

وَالسَّادِسُ: تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2] أَيْ لِأَجْلِ تَقْوَاهُ. {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] أَيْ لِأَجْلِ تَوَكُّلِهِ، لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَتَعَقَّبُ الشَّرْطَ، وَالسَّبَبُ مَا ثَبَتَ الْحُكْمُ عَقِبَهُ، فَإِذَا الشَّرْطُ فِي مِثْلِ هَذَا سَبَبُ الْجَزَاءِ، فَيَكُونُ الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ سَبَبًا وَعِلَّةً. وَمِنْهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ اتَّبَعَ جِنَازَةً فَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ قِيرَاطٌ» ، وَ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» .

ص: 256

وَهَذَا الْقِسْمُ لَا يَكُونُ مَا بَعْدَ الْفَاءِ إلَّا حُكْمًا، وَمَا قَبْلَهَا إلَّا سَبَبًا، لِأَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ مُتَأَخِّرٌ بِالْوَضْعِ عَنْ الشَّرْطِ تَحْقِيقًا، نَحْوُ: إنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا فَاتَّقِ اللَّهَ، أَوْ تَقْدِيرًا، نَحْوُ: اتَّقِ اللَّهَ إنْ كُنْت مُؤْمِنًا، لِأَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ لَازِمٌ، وَالشَّرْطُ مَلْزُومٌ، وَاللَّازِمُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْمَلْزُومِ، وَثُبُوتُهُ فَرْعٌ عَنْ ثُبُوتِهِ. بِخِلَافِ الْأَقْسَامِ السَّابِقَةِ. فَإِذَا مَا بَعْدَ الْفَاءِ قَدْ يَكُونُ حُكْمًا وَقَدْ يَكُونُ عِلَّةً. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ رُجُوعَهُ إلَى بَابِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لِأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ قَدْ يَقْتَضِيَانِ الشَّرْطَ فَيُجْزَمُ جَوَابُهُمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} [مريم: 5]{يَرِثُنِي} [مريم: 6] أَيْ: هَبْ لِي، فَإِنَّك إنْ تَهَبْ لِي وَلِيًّا يَرِثُنِي. وَقَوْلُك: لَا تَقْرَبْ الشَّرَّ تَنْجُ: أَيْ: لَا تَقْرَبْهُ، فَإِنَّك إنْ لَا تَقْرَبْهُ تَنْجُ، وَتَدْخُلُ الْفَاءُ فِي جَوَابِهِمَا، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«لَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ» أَيْ إنَّهُ مَاتَ مُحْرِمًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا فَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا. فَالظَّاهِرُ اسْتِوَاءُ الصِّيَغِ كُلِّهَا فِي تَأَخُّرِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ وَالْحُكْمُ إمَّا مُسَبَّبٌ أَوْ مَشْرُوطٌ وَهُوَ مُسَبَّبٌ أَيْضًا، وَكِلَاهُمَا مُتَأَخِّرٌ، نَعَمْ بَعْضُ ذَلِكَ مُتَأَخِّرٌ تَحْقِيقًا، وَبَعْضُهُ مُتَأَخِّرٌ تَقْدِيرًا.

السَّابِعُ: تَعْلِيلُ عَدَمِ الْحُكْمِ بِوُجُودِ الْمَانِعِ مِنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ} [الزخرف: 33] . . . {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ} [الشورى: 27] . . .، {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ} [الإسراء: 59] . . . أَيْ: آيَاتِ الِاقْتِرَاحِ لَا الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ الرُّسُلِ، وَقَوْلِهِ:{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} [فصلت: 44] وَقَوْلِهِ: {لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ} [الأنعام: 8] فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ الْمَانِعِ الَّذِي مَنَعَ مِنْ إنْزَالِ الْمَلَكِ عِيَانًا بِحَيْثُ يُشَاهِدُونَهُ، وَأَنَّ لُطْفَهُ بِخَلْقِهِ مَنَعَهُ، فَإِنَّهُ لَوْ أَنْزَلَ عَلَيْهِ مَلَكًا

ص: 257

وَعَايَنُوهُ وَلَمْ يُؤْمِنُوا فَعُجِّلُوا الْعُقُوبَةَ، وَجَعَلَ الرَّسُولَ بَشَرًا لِيُمْكِنَهُمْ التَّلَقِّي عَنْهُ وَالرُّجُوعَ إلَيْهِ.

الثَّامِنُ: إنْكَارُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ الْخَلْقَ لِغَايَةٍ وَلَا لِحِكْمَةٍ. بِقَوْلِهِ: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} [المؤمنون: 115] وَقَوْلِهِ: {أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36] وَقَوْلِهِ: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ} [الدخان: 38]{مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ} [الدخان: 39] . .

التَّاسِعُ: إنْكَارُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُسَوَّى بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ، وَيُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ.

(فَالْأَوَّلُ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} [القلم: 35]{مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 36] وَقَوْلِهِ: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28] وَقَوْلِهِ: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ} [الجاثية: 21] . . .

وَ (الثَّانِي) كَقَوْلِهِ: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [النساء: 69] وَقَوْلِهِ: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]، وَقَوْلِهِ:{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} [التوبة: 67] .

مَسْأَلَةٌ

فِي اشْتِرَاطِ الْوَصْفِ الْمُومَأِ إلَيْهِ لِلْحُكْمِ فِي الْأَقْسَامِ السَّابِقَةِ مَذَاهِبُ.

ص: 258

أَحَدُهَا) . اشْتِرَاطُهُ. وَهُوَ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ، كَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالصَّوْمِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَاسِبًا فَهُوَ كَالتَّعْلِيلِ بِالْقَلْبِ.

وَ (الثَّانِي) - وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ - عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ، بَلْ يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّعَلُّقِ مَعَ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ فِي الْبُرْهَانِ " عَنْ إطْلَاقِ الْأُصُولِيِّينَ، وَاخْتَارَهُ إلْكِيَا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ مَعْنًى وَتَعَطَّلَ الْكَلَامُ.

وَ (الثَّالِثُ) - وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ - إنْ كَانَ التَّعْلِيلُ فُهِمَ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ:«لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» اُشْتُرِطَ. وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا، لِأَنَّ التَّعْلِيلَ يُفْهَمُ مِنْ غَيْرِهَا. وَحَكَى الْهِنْدِيُّ قَوْلًا بِاشْتِرَاطِهِ فِي تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى الِاسْمِ دُونَ غَيْرِهِ. وَفَصَّلَ ابْنُ الْمُنِيرِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ الْمُشْتَقُّ يَتَنَاوَلُ مَعْهُودًا مُعَيَّنًا فَلَا يَتَعَيَّنُ لِلتَّعْلِيلِ وَلَوْ كَانَ مُنَاسِبًا، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَعْرِيفًا. وَأَمَّا إذَا عُلِّقَ بِعَامٍّ أَوْ مُنَكَّرٍ فَهُوَ تَعْلِيلٌ وَلَوْ لَمْ تَظْهَرْ الْمُنَاسَبَةُ، كَمَا لَوْ قَالَ: لِعِلَّةِ كَذَا، وَلَمْ تَظْهَرْ الْمُنَاسَبَةُ.

تَنْبِيهَاتٌ

الْأَوَّلُ: الْإِيمَاءَاتُ بِأَنْوَاعِهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُشَرِّعَ اعْتَبَرَ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ وَلَمْ يُلْغِهِ. وَأَمَّا أَنَّهُ عِلَّةٌ تَامَّةٌ، أَوْ جُزْءُ عِلَّةٍ، أَوْ شَرْطُ عِلَّةٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الدَّالُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ، وَقَدْ يَدُلُّ بِقَرِينَةٍ. وَإِنْ شِئْت فَقُلْ: هَلْ التَّنْصِيصُ أَوْ

ص: 259

التَّنْبِيهِ عَلَى الْعِلَّةِ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ هَذَا الْمَنْصُوصَ أَوْ الْمُنَبَّهَ عَلَى عِلَّتِهِ مَقْصُودٌ بِعَيْنِهِ، أَوْ جُزْئِيٌّ أُقِيمَ مَقَامَ كُلِّيٍّ، وَالْعِلَّةُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا أَوْ الْمُنَبَّهُ عَلَيْهَا هُوَ الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ الَّذِي أُقِيمَ هَذَا الْجُزْئِيُّ مَقَامَهُ؟ قُلْنَا: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَقْصُودٌ لَعَيْنِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جُزْئِيًّا أُقِيمَ مَقَامَ كُلِّيٍّ، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» . وَهَذَا السُّؤَالُ وَقَعَ فِي الْمُسْتَصْفَى " مجا وَصَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَا.

الثَّانِي: دَلَالَةُ هَذِهِ الْأَقْسَامِ فِي الْإِيمَاءَاتِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ إنَّمَا هِيَ ظَاهِرَةٌ إلَّا فِيمَا كَانَ مِنْهَا بِصِيغَةِ الشَّرْطِ.

الثَّالِثُ: لَوْ ظَفِرْنَا فِي الْوَصْفِ بِمُنَاسَبَةٍ تَعَيَّنَ لِحَاظُهَا، وَجَازَ لِلنَّاظِرِ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، وَالنَّقْصُ:

فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» فَإِنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْمَنْعَ لِعِلَّةِ تَشْوِيشِ الْفِكْرِ فَأَلْحَقَ بِهِ الْجُوعَ وَالْعَطَشَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ الْمَعَانِي الْمُوجِبَةِ لِاخْتِلَافِ الْفِكْرِ.

وَالثَّانِي: كَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَقْبِضْ، فَإِنَّهُ إضَافَةُ الْمَنْعِ إلَى عَدَمِ الْقَبْضِ لَيْسَتْ لِصُورَتِهِ. وَاضْطَرَبَ أَصْحَابُنَا فِي مَعْنَاهُ، فَقِيلَ: لِتَوَالِي الضَّمَانَيْنِ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْبَيْعُ مِنْ الْبَائِعِ. وَقِيلَ: لِضَعْفِ الْمِلْكِ فَلَا يَخْرُجُ، لَكِنْ يَخْرُجُ مِنْهُ الِاسْتِبْدَالُ عَنْ بَدَلِ الثَّلَاثِمِائَةِ بِمِائَةٍ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ لِتَضَمُّنِهِ غَرَرًا مِنْ حَيْثُ يُتَوَقَّعُ انْقِلَابُ الْمِلْكِ إلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بِالتَّلَفِ قَبْلَ الْقَبْضِ تَبَيَّنَ بِالْآخِرَةِ أَنَّ الْبَائِعَ الثَّانِيَ بَاعَ مِلْكَ الْغَيْرِ فَيَكُونُ غَرَرًا، فَيَخْرُجُ مِنْهُ بَيْعُ الْعَقَارِ فَإِنَّ تَلَفَهُ غَيْرُ مُتَصَوَّرٌ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أُصُولِهِمْ.

وَأَيْضًا كَقَوْلِهِ عليه السلام: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» فَإِنَّهُ يُنَبِّهُ عَلَى

ص: 260