المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[مسألة شروط الفرق] - البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي - جـ ٧

[بدر الدين الزركشي]

فهرس الكتاب

- ‌[كِتَابُ الْقِيَاسِ] [

- ‌الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَة الْقِيَاس]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْقِيَاسُ فِي نَظَرِ الْأُصُولِيِّينَ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ اشْتِمَالُ النُّصُوصِ عَلَى الْفُرُوعِ الْمُلْحَقَةِ بِالْقِيَاسِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْقِيَاسُ مُظْهِرٌ لَا مُثْبِتٌ]

- ‌[الْبَابُ الثَّانِي فِي مَوْضُوعِ الْقِيَاسِ]

- ‌[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْقِيَاسُ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ]

- ‌[مَسْأَلَة الْقِيَاسُ يُعْمَلُ بِهِ قَطْعًا]

- ‌[مَسْأَلَة التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ نَصُّ الشَّارِعِ عَلَى الْحُكْمِ وَالْعِلَّةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ اسْتِعْمَال الْقِيَاسُ إذَا عُدِمَ النَّصُّ]

- ‌[مَسْأَلَة الْمُرْسَلُ وَالضَّعِيفُ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ]

- ‌[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ]

- ‌[أَقْسَامُ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ]

- ‌[أَقْسَامُ الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ]

- ‌[الْبَابُ الْخَامِسُ مَا يَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسُ]

- ‌[أَمْثِلَةٌ لِلْقِيَاسِ فِي الرُّخَصِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ جَرَيَانُ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ فِي الْعَقْلِيَّاتِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ جَرَيَانُ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَاتِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْقِيَاسُ فِي الْأَسْبَابِ]

- ‌[الْبَابُ السَّادِسُ فِي أَرْكَانِ الْقِيَاس] [

- ‌الرُّكْن الْأَوَّل الْأَصْلِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَأْثِيرُ الْأَصْلِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ]

- ‌[الْكَلَامُ فِي شُرُوطِ حُكْمِ الْأَصْلِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ مَا يَمْتَنِعُ فِيهِ الْقِيَاسُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ الْأَصْلِ]

- ‌[الرُّكْنُ الثَّالِثُ الْفَرْعُ]

- ‌[الرُّكْنُ الرَّابِعُ الْعِلَّةُ]

- ‌[مَسْأَلَة الْمَعْلُولُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَقَدُّمُ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا بُدَّ لِلْحُكْمِ مِنْ عِلَّةٍ]

- ‌[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ شُرُوطِ الْعِلَّةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ اقْتِصَارُ الشَّارِعِ عَلَى أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ فِي الْعِلَّة]

- ‌[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ أُمُورٍ اُشْتُرِطَتْ فِي الْعِلَّةِ]

- ‌[فَائِدَةٌ الْعِلَّةُ إذَا كَثُرَتْ أَوْصَافُهَا فِي الْقِيَاسِ]

- ‌[مَسَالِكُ الْعِلَّةِ]

- ‌[الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ الْإِجْمَاعُ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً]

- ‌[الْمَسْلَكُ الثَّانِي النَّصُّ عَلَى الْعِلَّةِ]

- ‌[الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ الْإِيمَاءُ وَالتَّنْبِيهُ]

- ‌[الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ الِاسْتِدْلَال عَلَى عِلِّيَّةِ الْحُكْمِ بِفِعْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الْمَسْلَكُ الْخَامِسُ فِي إثْبَاتِ الْعِلِّيَّةِ الْمُنَاسَبَةُ]

- ‌[تَقْسِيمُ الْمُنَاسِبِ]

- ‌[أَقْسَامُ الْمُنَاسِبِ مِنْ حَيْثُ الْيَقِينِ وَالظَّنِّ]

- ‌[أَقْسَامُ الْمُنَاسِبِ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةِ وَالْإِقْنَاعِ]

- ‌[تَقْسِيمُ الْمُنَاسَبَةِ مِنْ حَيْثُ التَّأْثِيرُ وَالْمُلَاءَمَةُ]

- ‌[الْمَسْلَكُ السَّادِسُ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ]

- ‌[الْمَسْلَكُ السَّابِعُ الشَّبَهُ]

- ‌[حُكْم قِيَاس الشَّبَه]

- ‌[الْمَسْلَكُ الثَّامِنُ الدَّوَرَانُ]

- ‌[الْمَسْلَكُ التَّاسِعُ الطَّرْدُ]

- ‌[الْمَسْلَكُ الْعَاشِرُ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ]

- ‌[الِاعْتِرَاضَاتُ]

- ‌[الْأَوَّلُ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ النَّقْضُ]

- ‌[الثَّانِي مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ الْكَسْرُ]

- ‌[الثَّالِثُ مِنْ الِاعْتِرَاضَات عَدَمُ الْعَكْسِ]

- ‌[الرَّابِعُ مِنْ الِاعْتِرَاضَات عَدَمُ التَّأْثِيرِ]

- ‌[الْخَامِسُ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ الْقَلْبُ]

- ‌[حَقِيقَتِهِ الْقَلْبُ]

- ‌[اعْتِبَارِهِ الْقَلْب]

- ‌[هَلْ الْقَلْب قَادِحٌ أَمْ لَا]

- ‌[أَقْسَام الْقَلْبُ]

- ‌[السَّادِسُ مِنْ الِاعْتِرَاضَات الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ]

- ‌[السَّابِعُ مِنْ الِاعْتِرَاضَات الْفَرْقُ وَيُسَمَّى سُؤَالَ الْمُعَارَضَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ شُرُوط الْفَرْقِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي جَوَابِ الْفَرْقِ]

- ‌[الثَّامِنُ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ الِاسْتِفْسَارُ]

- ‌[التَّاسِعُ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ فَسَادُ الِاعْتِبَارِ]

- ‌[الْعَاشِرُ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ فَسَادُ الْوَضْعِ]

- ‌[الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ الِاعْتِرَاضَات الْمَنْعُ]

- ‌[الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ الِاعْتِرَاضَات التَّقْسِيمُ]

- ‌[الثَّالِث عَشَرَ مِنْ الِاعْتِرَاضَات اخْتِلَافُ الضَّابِطِ]

- ‌[الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ اخْتِلَافُ حُكْمَيْ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ]

- ‌[الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ الْمُعَارَضَةِ]

- ‌[وُجُوهٍ الْمُعَارَضَةِ]

- ‌[السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ سُؤَالُ التَّعْدِيَةِ]

- ‌[فَصْلٌ تَرْتِيبِ الْأَسْئِلَةِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الِانْتِقَالِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْفَرْضِ وَالْبِنَاءِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي حِيَلِ الْمُتَنَاظِرِينَ]

- ‌[فَصْلٌ فِي التَّعَلُّقِ بِمُنَاقَضَاتِ الْخُصُومِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ]

الفصل: ‌[مسألة شروط الفرق]

الْقَدْحِ عَلَى الْمُعْتَرِضِ. ثُمَّ إذَا ذَكَرَ الْمُعْتَرِضُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْفَرْعِ وَبَيْنَ تِلْكَ الْأُصُولِ وَاحِدًا كَانَ أَوْ مُتَعَدِّدًا، فَهَلْ يَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ أَنْ يُجِيبَ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ أَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ تِلْكَ الْأُصُولِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ.

[مَسْأَلَةٌ شُرُوط الْفَرْقِ]

مَسْأَلَةٌ لِلْفَرْقِ شُرُوطٌ

أَحَدُهَا: أَنْ يُرَدَّ إلَى أَصْلٍ، عَلَى مَا سَيَأْتِي مِنْ الْخِلَافِ.

ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ أَخَصَّ مِنْ الْجَمْعِ. فَإِنْ كَانَ الْفَرْقُ أَعَمَّ مِنْهُ فَالْجَمْعُ الْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفَرْقِ الْعَامِّ. فَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ يُوجِبُ الِافْتِرَاقَ إلَّا إذَا تَرَجَّحَ الْجَمْعُ عَلَى الْفَرْقِ. وَمِثَالُ الْفَرْقِ الْعَامِّ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِفَاسِقَيْنِ: إذَا قِسْنَا عَلَى حُضُورِ الصَّبِيِّ، فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: بَعْدَ الْبُلُوغِ لَوْ أَعَادَ شَهَادَتَهُ الْمَرْدُودَةَ دُونَ الصَّبِيِّ قُبِلَتْ، بِخِلَافِ الْفَاسِقِ. فَهَذَا فَرْقٌ لَا يُشْعِرُ بِمَا هُوَ بِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ، فَلَا يُعَارِضُ الدَّلِيلَ الْمُشْعِرَ بِحُكْمِهَا.

ثَالِثُهَا: أَنْ لَا يَحْتَاجَ الْفَارِقُ إلَى زِيَادَةِ أَمْرٍ فِي جَانِبِ الْفَرْعِ إذَا عَكَسَهُ، فَإِنَّهُ إذَا ذَكَرَ زِيَادَةً كَانَ جَمْعًا بَيْنَ مُعَارَضَةٍ فِي الْأَصْلِ وَمُعَارَضَةٍ فِي الْفَرْعِ، كَقَوْلِنَا فِي خِيَارِ الشَّرْطِ: حَقٌّ مَالِيٌّ لَازِمٌ يَجْرِي الْإِرْثُ فِيهِ، كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: خِيَارُ الْعَيْبِ مُعْتَاضٌ عَنْهُ وَلَيْسَ بِوَثِيقَةٍ، احْتِرَازًا عَنْ الرَّهْنِ. فَهَذَا بَاطِلٌ.

رَابِعُهَا: أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إذَا اعْتَبَرَ الْفَرْعَ بِأُصُولٍ مُتَعَدِّدَةٍ، هَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ مُتَّحِدًا بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ الْأُصُولِ؟ فِيهِ خِلَافٌ يَنْبَنِي عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَى أُصُولٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وَإِذَا جَازَ فَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي الْفَرْقِ -

ص: 389

مَعَ اتِّحَادِهِ - مُتَنَاوِلًا لِجَمِيعِ الْأُصُولِ؟ فِيهِ خِلَافٌ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْفَرْقُ فِي مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ، وَالْجَمْعُ مُتَّحِدٌ، فَالْفَرْقُ يَكُونُ مُتَّحِدًا. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بِفُرُوقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، لِأَنَّهُ لَا يُسَاعِدُ فِي الْغَالِبِ مَعْنًى وَاحِدٌ عَلَى الْفَرْقِ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ. وَإِذَا قُلْنَا بِتَعْدِيدِ الْأُصُولِ، هَلْ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْفَرْقِ وَالْقَطْعِ عَنْ بَعْضِ الْأُصُولِ؟ فِيهِ خِلَافٌ: مِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ، لِأَنَّ مَا بَقِيَ يَكْفِي لِبِنَاءِ الْفَرْعِ عَلَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَمَّا ذَكَرَ الْأُصُولَ وَتَقَلَّدَ بِتَقْرِيرِهَا وَالذَّبَّ عَنْهَا فَطَرِيقُ الْفَارِقِ الْقَطْعُ عَنْ جَمِيعِهَا.

مَسْأَلَةٌ

لَا يُشْتَرَطُ فِي الْفَارِقِ أَنْ يَكُونَ مَعْنًى، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا شَرْعِيًّا، كَمَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، كَقَوْلِهِ: مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ كَالْمُسْلِمِ. فَإِذَا وَقَعَ الْفَرْقُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَالْعِلَّةِ قُبِلَ وَوَقَعَ الْكَلَامُ فِي التَّرْجِيحِ وَتَقْرِيبِ الْأَشْبَاهِ إنْ كَانَ الْقِيَاسُ مَعْنَوِيًّا وَإِنْ جَرَى الْفَارِقُ عَلَى صِفَةِ إلْحَاقِ حُكْمٍ بِحُكْمٍ. فَهَذَا مِنْ الْفَارِقِ مُحَاوَلَةُ مُعَارَضَةِ الْمَعْنَى بِالشَّبَهِ، فَلَا يُقْبَلُ، لِأَنَّ أَدْنَى مَعَانِي الْمُنَاسَبَةِ يُقَدَّمُ عَلَى أَجْلَى الْأَشْبَاهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هَلْ يَجُوزُ الْفَرْقُ بِالنَّصِّ؟ قَوْلَانِ؛ كَقَوْلِ عَائِشَةَ رضي الله عنها: «كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» .

قِيلَ: وَالْخِلَافُ يَتَنَزَّلُ عَلَى حَالَيْنِ: فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْفَرْقَ الْقِيَاسِيَّ الْمُتَضَمِّنَ الْوَصْفَ الْمُنَاسِبَ فَقَدْ لَا يَحْصُلُ بِالنَّصِّ، لِجَوَازِ كَوْنِهِ بَعِيدًا، كَقَوْلِنَا: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ السَّبُعِ وَالْكَلْبِ وَالشَّاةِ حَتَّى كَانَ نَجِسًا مُحَرَّمَ الْبَيْعِ وَهِيَ طَاهِرَةٌ جَائِزَةُ الْبَيْعِ؟ فَيُقَالُ: الشَّرْعُ مَنَعَ بَيْعَ الْكَلْبِ وَأَجَازَ بَيْعَ الشَّاةِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنْ لَا تَنَاسُبَ.

ص: 390

وَلَوْ عَكَسَ لَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ وَأَرَادَ بِهِ مُطْلَقَ الْفَرْقِ وَهُوَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ حُكْمِ الصُّورَتَيْنِ بِدَلِيلٍ حَصَلَ لِحُصُولِ ذَلِكَ مِنْهُ وَلِجَمْعِهَا. وَأَعْنِي الْفَرْقَ النَّصِّيَّ وَالْقِيَاسِيَّ، وَيَكُونُ النَّصِّيُّ تَابِعًا لِلْقِيَاسِيِّ، كَحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها، فَإِنَّ فِيهِ النَّظَرَ الْمَذْكُورَ وَالْمَعْنَى الْمُنَاسِبَ وَهُوَ حُصُولُ الْمَشَقَّةِ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ

قُلْت: وَقَدْ قَالَ الْخَصْمُ لِلشَّافِعِيِّ فِي فَرْقِهِ بَيْنَ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ وَفَوْقَهُ فِي تَحْرِيمِ الْمُبَاشَرَةِ فِي الْحَيْضِ: هَلْ تَجِدُ بَيْنَهُمَا فَرْقًا سِوَى الْخَبَرِ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَيُّ فَرْقٍ أَحْسَنُ مِنْ الْخَبَرِ؟ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفَرْقَ بِالنَّصِّ عِنْدَهُ مَقْبُولٌ فِي مَقَامِ الْمُنَاظَرَةِ وَحَكَى ذَلِكَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ رحمه الله.

مَسْأَلَةٌ

قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " النِّهَايَةِ "، فِي بَابِ الْعَيْبِ فِي الْمَنْكُوحَةِ: الْفَرْقُ نَوْعَانِ: (أَحَدُهُمَا) يَقَعُ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ. وَ (الثَّانِي) يَقَعُ فِي مَوْضِعَيْنِ وَمَأْخَذَيْنِ.

فَمَا ثَبَتَ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ يَثْبُتُ وَيَنْتَفِي وَيَنْعَكِسُ، وَمَا يَقَعُ بَيْنَ مَأْخَذَيْنِ يُبَيَّنُ مَأْخَذُ كُلِّ جِهَةٍ. ثُمَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الِانْفِصَالَ بِنَفْيَيْنِ وَإِثْبَاتَيْنِ (انْتَهَى) .

وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى إيضَاحٍ، وَمَعْنَاهُ - كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ: أَنَّ الْفَرْعَ الْوَاقِعَ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ هُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْقِيَاسِ، لِأَنَّ الْقَائِسَ جَمَعَ بَيْنَ أَصْلٍ وَفَرْعٍ بِعِلَّةٍ، وَالْفَارِقُ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ بِعِلَّةٍ أُخْرَى يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ بِثُبُوتِهَا، وَيَنْتَفِي فِي الْفَرْعِ بِانْتِفَائِهَا. وَهَذَا مَعْنَى الِاطِّرَادِ وَالِانْعِكَاسِ، وَاقْتَصَرُوا فِي كِتَابِ الْقِيَاسِ عَلَى هَذَا النَّوْعِ، لِأَنَّهُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي جَوَابِ الْقِيَاسِ، وَكُلٌّ مِنْ الْعِلَّةِ وَاقْتِضَائِهَا الْحُكْمَ مَعْلُومٌ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي وُجُودِهَا فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ وَعَدَمِهَا، هُوَ تَصْدِيقٌ مَسْبُوقٌ بِتَصَوُّرٍ.

وَالنَّوْعُ الثَّانِي هُوَ الْوَاقِعُ بَيْنَ حَقِيقَتَيْنِ لِيُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا وَيُبَيِّنَ اللُّبْسَ عَمَّنْ يَتَوَهَّمُ

ص: 391

أَنَّهُمَا حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ، أَوْ بَيْنَ انْتِفَائِهَا لِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِيَتَمَيَّزَ ذَلِكَ وَيَنْتَفِيَ اللُّبْسُ عَمَّنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ مَأْخَذَ الْحُكْمَيْنِ وَاحِدٌ، وَأَنَّ انْتِفَاءَ الْحَقِيقَتَيْنِ وَاحِدٌ، وَهُوَ يُوجِبُ الِانْفِصَالَ بِنَفْيَيْنِ وَإِثْبَاتَيْنِ، وَإِنَّهُ حَيْثُ انْتَفَى يَنْتَفِي الْحُكْمُ وَحَيْثُ. ثَبَتَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ، هُوَ مُطَّرِدٌ مُنْعَكِسٌ كَالنَّوْعِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْفِقْهِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ، وَهُوَ أَكْثَرُ وَأَنْفَعُ مِنْ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ بِهِ تَتَمَيَّزُ الْحَقَائِقُ وَالْمَآخِذُ وَيُفْهَمُ تَرْتِيبُ الْفِقْهِ عَلَيْهَا.

وَمِنْ هَذَا: الْفَرْقُ بَيْنَ حَقِيقَةِ انْفِسَاخِ النِّكَاحِ فِي الرِّدَّةِ وَفَسْخِهِ بِالْعُيُوبِ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُمَا حَقِيقَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنْ طَارِئٍ غَيْرِ مُسْتَنِدٍ إلَى أَمْرٍ مُقَارِنٍ، وَالثَّانِي مُسْتَنِدٌ إلَى مُقَارِنٍ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ رِدَّةِ الزَّوْجِ وَرِدَّةِ الزَّوْجَةِ، حَيْثُ كَانَتْ رِدَّةً مُنْتَظَرَةً بَيْنَهُمَا بِطَلَاقِهِ، وَرِدَّتُهَا حَيْثُ كَانَتْ هِيَ الْقَاطِعَةَ كَالرَّضَاعِ فَاخْتَلَفَ الْمَأْخَذُ. وَهَذَا كَثِيرٌ، وَفِيهِ صَنَّفَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ كِتَابَ " الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ ".

وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ. وَمَعْنَاهُ: الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا. فَإِنْ كَانَ بَيْنَ حَقِيقَتَيْنِ فَهُوَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ. وَإِنْ كَانَ بَيْنَ مَحَلَّيْنِ فَهُوَ النَّوْعُ الثَّانِي. وَالْأَوَّلُ أَنْفَعُ وَأَفْقَهُ. وَيُمْكِنُ رَدُّ الْأَوَّلِ إلَى الثَّانِي وَإِدْرَاجُهُ فِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: الْفَرْقُ أَبَدًا مَعْنًى فِي إحْدَى الصُّورَتَيْنِ مَفْقُودٌ فِي الْأُخْرَى، لِأَنَّ النِّزَاعَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ صُورَتَيْنِ، أَعْنِي فِي الْقِيَاسِ. فَالْفَارِقُ إنْ نَازَعَ فِي حَقِيقَةِ الْعِلَّةِ أَوْ فِي اقْتِضَائِهَا فَهُوَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ، وَإِذَا تَمَّ لَهُ مَا ادَّعَاهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، لِافْتِرَاقِهِمَا فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى. وَإِنْ سَلَّمَ حَقِيقَةَ الْعِلَّةِ وَاقْتِضَاءَهَا وَنَازَعَ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَالْفَرْعِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى فَهُوَ النَّوْعُ الثَّانِي. وَالْمَقْصُودُ بِالْفَرْقِ يَحْصُلُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ.

مَسْأَلَةٌ

كُلُّ فَرْقٍ مُؤَثِّرٍ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ يُؤَثِّرُ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْجَامِعَ أَظْهَرُ.

ص: 392

قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " النِّهَايَةِ ": فِي نِكَاحِ الْعَبْدِ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَذِنَ بِهِ السَّيِّدُ: إنَّهُ لَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نَكْتَفِيَ بِالْخَيَالَاتِ فِي الْفُرُوقِ، كَدَأْبِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْأَحْكَامِ مَجَالُ الظُّنُونِ عِلْمًا بِهَا، فَإِذَا كَانَ اجْتِمَاعُ مَسْأَلَتَيْنِ أَظْهَرَ فِي الظَّنِّ مِنْ افْتِرَاقِهِمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ بِاجْتِمَاعِهِمَا، وَإِنْ انْقَدَحَ فُرِّقَ عَلَى بُعْدٍ. قَالَ الْإِمَامُ: فَافْهَمُوا ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ.

وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَإِذَا فَرَّقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بَعْدَمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا - فَرْقًا مُؤَثِّرًا فَهَلْ يَكْفِي الْفَارِقُ فِي إثْبَاتِ مُخَالِفِ كُلِّ وَاحِدَةٍ الْأُخْرَى فِي الْحُكْمِ؟ فِيهِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ: هَلْ يَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَنْبَطَتَيْنِ؟ مِثَالٌ: إذَا قِيسَ الشِّطْرَنْجُ عَلَى النَّرْدِ فِي التَّحْرِيمِ ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّرْدَ فِعْلُهُ مِنْ النَّقْصِ، وَالشِّطْرَنْجَ مِنْ الْفِكْرِ مَثَلًا، فَهَلْ يَكُونُ الْفَارِقُ دَلِيلًا عَلَى مُخَالَفَةِ الشِّطْرَنْجِ لِلنَّرْدِ فِي التَّحْرِيمِ لِيَكُونَ الشِّطْرَنْجُ حَلَالًا أَمْ لَا؟ إذَا عَرَفَ ذَلِكَ فَهَلْ يَسْمَعُ الْجَامِعَ بَعْدَ الْفَرْقِ؟ فِيهِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ عَلَى أَنَّهُ: هَلْ يَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ؟ مِثَالُهُ: لَوْ خُيِّرَ الْجَامِعُ - بَعْدَ أَنْ فَرَّقَ الْفَارِقُ فِي الشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ بِمَا ذَكَرْنَا " بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا اشْتَرَكَ فِي الْمَنْعِ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِاَللَّهِ وَعَنْ عِبَادَتِهِ.

ص: 393

ذَكَرَ الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَفْرَدَهُ فِي " الْفَرْقِ وَالْجَمْعِ ": إذَا تَمَّتْ الْمُنَاسَبَةُ بِشُرُوطِهَا فَهُوَ الْفَرْقُ الصَّحِيحُ. وَأَمَّا الْفُرُوقُ الْفَاسِدَةُ فَكَثِيرَةٌ:

الْأَوَّلُ: الْفَرْقُ بِالْأَوْصَافِ الطَّرْدِيَّةِ: كَمَا لَوْ قِيلَ: صَحَّ بَيْعُ الْحَبَشِيِّ فَيَصِحُّ بَيْعُ التُّرْكِيِّ، فَلَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ هَذَا أَسْوَدُ وَذَلِكَ أَبْيَضُ لَكَانَ بَاطِلًا، فَإِنَّهُ لَوْ فَتَحَ بَابَ الْفَرْقِ بِذَلِكَ لَمْ يَتِمَّ قِيَاسٌ أَصْلًا، لِأَنَّ مَا مِنْ صُورَتَيْنِ إلَّا وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ.

الثَّانِي: الْفَرْقُ بِنَوْعٍ اصْطَلَحُوا عَلَى رَدِّهِ: كَمَا لَوْ قِيلَ فِي الزَّانِي الْمُحْصَنِ يَجِبُ رَجْمُهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَاعِزٍ. فَلَوْ قِيلَ: إنَّمَا وَجَبَ الرَّجْمُ هُنَاكَ تَطْهِيرًا لَهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي غَيْرِهِ لَكَانَ بَاطِلًا.

الثَّالِثُ: الْفَرْقُ بِكَوْنِ الْأَصْلِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَالْفَرْعِ مُخْتَلَفًا فِيهِ: كَمَا لَوْ قِيلَ: الْحَاجَةُ إلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى الْبَالِغِ أَكْثَرُ مِنْهُ عَلَى الصَّبِيِّ، لِأَنَّهَا فِي الْبَالِغِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي الصَّبِيِّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَلَوْ اسْتَوَتْ الصُّورَتَانِ فِي الْمَصْلَحَةِ لَاسْتَوَتَا فِي الِاجْتِمَاعِ وَعَدَمِهِ. وَقَرِيبٌ مِنْهُ الْفَرْقُ بِكَوْنِ الْأَصْلِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَالْفَرْعِ مُخْتَلَفًا فِيهِ، لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْفَرْقُ بِذَلِكَ بَطَلَتْ الْأَقْيِسَةُ كُلُّهَا.

مَسْأَلَةٌ

مِمَّا ذُكِرَ عَلَى صُورَةِ الْفَرْقِ وَلَيْسَ فَرْقًا وَإِنْ كَانَ مُبْطِلًا لِلْعِلَّةِ - كَمَا قَالَ فِي " الْبُرْهَانِ " قَوْلُ الْحَنَفِيِّ فِي اشْتِرَاطِ تَعَيُّنِ النِّيَّةِ: مَا تَعَيَّنَ أَصْلُهُ بِنَفْسِهِ

ص: 394

لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ تَعْيِينُ النِّيَّةِ، كَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالْوَدَائِعِ. فَنَقُولُ: أَصْلُ النِّيَّةِ لَيْسَ شَرْعِيًّا فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَهَذَا لَيْسَ فَرْقًا، بَلْ الْجَامِعُ بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي تَفْصِيلِ النِّيَّةِ فَرْعُ تَسْلِيمِ أَصْلِهَا، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُرَاعِي التَّعْيِينَ مَعَ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لِأَنَّ أَصْلَهَا عِنْدَهُ كَافٍ مُغْنٍ عَنْ التَّفْصِيلِ، فَكَيْفَ يَتَمَسَّكُ بِمَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَصْلُ النِّيَّةِ

ص: 395