الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نسبت إِلَى إِحْدَاهمَا بِالْمُبَاشرَةِ، وَإِلَى الْأُخْرَى بِالسَّبَبِ، وَنسب الْقصاص إِلَى إِحْدَاهمَا من جِهَة أَنَّهَا الْمُبَاشرَة للجناية، وَإِلَى الْأُخْرَى من جِهَة تأثرها بالاقتصاص من هَذِه فَكل مَا نيل مِنْهَا نيل من أُخْتهَا.
فَائِدَة ثَالِثَة: قَوْله: «كتاب الله الْقصاص» المُرَاد بهَا قَوْله تَعَالَى: (وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا) إِلَّا أَنه فِي نقل الرَّافِعِيّ عَن الْأَصْحَاب أَن هَذَا وَإِن كَانَ خَبرا مَا فِي التَّوْرَاة، لَكِن شرع من قبلنَا شرع لنا إِذا لم يرد نَاسخ لَهُ عَلَى رَأْي الْأُصُولِيِّينَ، وَبِتَقْدِير أَن لَا يكون كَذَلِك، فَإِن ورد مَا يقرره فَهُوَ شرع لنا لَا محَالة ثمَّ ذكر الحَدِيث، وَمَا ذكره من أَن قَوْله:«كتاب الله الْقصاص» تَقْرِير لشرع من قبلنَا غَرِيب، فَإِنَّهُ إِخْبَار عَمَّا فِي كتاب الله - تَعَالَى - لَا إنْشَاء حكم، بل الْجَواب عِنْد من لَا يَقُول بِأَنَّهُ شرع لنا، أَن ذَلِك إِشَارَة إِلَى آيَات تدل عَلَيْهَا بِالْعُمُومِ لقَوْله تَعَالَى:(وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا) وَقَوله: (فَمن اعْتَدَى عَلَيْكُم) الْآيَة، وَقَوله:(وَإِن عَاقَبْتُمْ) الْآيَة وَهَذِه الْآيَات وَإِن طرقها التَّخْصِيص إِلَّا أَن دلالتها بَاقِيَة عَلَى مَا لم يثبت تَخْصِيصه.
الحَدِيث الثَّانِي
قَالَ (: «قيل السَّوْط والعصى فِيهِ مائَة من الْإِبِل» .
هَذَا الحَدِيث كَرَّرَه الرَّافِعِيّ فِي بَاب الدِّيات، وَهُوَ حَدِيث رَوَاهُ
أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة حَمَّاد عَن خَالِد، عَن الْقَاسِم بن ربيعَة، عَن عقبَة بن أَوْس، عَن عبد الله بن عَمْرو «أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم خطب يَوْم الْفَتْح بِمَكَّة فَكبر ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده، صدق وعده، وَنصر عَبده، وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده، أَلا كل مأثرة كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة تذكر وتدعى من دم أَو مَال تَحت قدمي، إِلَّا مَا كَانَ من سِقَايَة الْحَاج وسدانة الْبَيْت. ثمَّ قَالَ: أَلا إِن دِيَة الْخَطَأ شبه الْعمد مَا كَانَ بِالسَّوْطِ والعصا (فِيهِ) مائَة من الْإِبِل مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بطونها أَوْلَادهَا» .
هَذَا لفظ أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد:«عقل شبه الْعمد مغلَّظ مثل عقل الْعمد وَلَا يقتل صَاحبه» زَاد فِي رِوَايَة «وَذَلِكَ أَن [ينَزْوَ] الشَّيْطَان بَين النَّاس فَتكون دِمَاء فِي عمياء فِي غير ضغينة وَلَا حمل سلَاح» . وَلَفظ ابْن مَاجَه « (الْخَطَأ) شبه الْعمد، قَتِيل السَّوْط والعصى مائَة من الْإِبِل أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بطونها أَوْلَادهَا» وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن خَالِد الْحذاء، عَن الْقَاسِم بن ربيعَة، عَن عقبَة بن أَوْس، عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم «أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ يَوْم فتح مَكَّة: أَلا إِن قَتِيل
الْخَطَأ شبه الْعمد قَتِيل السَّوْط والعصى، وَالدية مُغَلّظَة مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بطونها أَوْلَادهَا» .
قَالَ أَبُو دَاوُد: وَرَوَاهُ الْقَاسِم بن ربيعَة، عَن ابْن (عمر) مَرْفُوعا، وَرَوَاهُ كَذَلِك أَيْضا النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن جدعَان، عَن الْقَاسِم عَنهُ «أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَامَ يَوْم فتح مَكَّة وَهُوَ عَلَى درج الْكَعْبَة فَحَمدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي صدق وعده وَنصر عَبده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده) أَلا إِن قَتِيل الْخَطَأ قَتِيل السَّوْط والعصى، فِيهِ مائَة من الْإِبِل، مِنْهَا أَرْبَعُونَ خلفة فِي بطونها أَوْلَادهَا، أَلا إِن كل مأثرة كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة وَدم تَحت قدمي هَاتين، إِلَّا مَا كَانَ من سدانة الْبَيْت وسقاية الحاجِّ، أَلا إِنِّي قد أمضيتها لأَهْلهَا كَمَا كَانَا» . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن ابْن جدعَان بِهِ بِلَفْظ:«أَلا إِن قَتِيل الْخَطَأ» إِلَى قَوْله: «أَوْلَادهَا» . وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة، أَنا عَلّي بن زيد بن جدعَان، عَن يَعْقُوب السدُوسِي، عَن ابْن عمر، رَفعه: «أَلا إِن دِيَة الْخَطَأ الْعمد (وَالسَّوْط والعصى)
» . الحَدِيث. وَعلي بن زيد بن جدعَان قد سلف الْكَلَام عَلَيْهِ غير مرّة، وَالقَاسِم لَا يَصح سَمَاعه من
ابْن (عمر) كَمَا قَالَه عبد الْحق وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن خُزَيْمَة أَنه قَالَ: حضرت مجْلِس الْمُزنِيّ يَوْمًا وَسَأَلَهُ سَائل من الْعِرَاقِيّين عَن شِبه الْعمد، فَقَالَ السَّائِل: إِن الله تبارك وتعالى وصف الْقَتْل فِي كِتَابه صفتين عمدا وَخطأ، فَلم قُلْتُمْ إِنَّه عَلَى ثَلَاثَة أَصْنَاف؟ وَلم قُلْتُمْ شبه الْعمد؟ فاحتج الْمُزنِيّ بِحَدِيث ابْن عمر، فَقَالَ لَهُ مناظره: أتحتج بعلي بن زيد بن جدعَان؟ (فَسكت) الْمُزنِيّ، فَقلت لمناظره: قد رَوَى هَذَا الْخَبَر غير عَلّي بن زيد. فَقَالَ: وَمن رَوَاهُ غير عَلّي؟ قلت: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وخَالِد الْحذاء. قَالَ لي: فَمن عقبَة بن أَوْس؟ (فَقلت) : عقبَة بن أَوْس رجل من أهل الْبَصْرَة؛ فقد رَوَاهُ عَنهُ مُحَمَّد بن سِيرِين مَعَ جلالته. فَقَالَ للمزني: أَنْت تناظر أم هَذَا؟ فَقَالَ: إِذا جَاءَ الحَدِيث فَهُوَ مناظر؛ لِأَنَّهُ أعلم بِالْحَدِيثِ مني، ثمَّ أَتكَلّم أَنا. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: أَرَادَ ابْن خُزَيْمَة بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذكرهَا طَرِيق حَدِيث عبد الله بن (عمر) يَعْنِي (السالف) . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه) : حَدِيث ابْن عمر هَذَا مُضْطَرب الْإِسْنَاد، يرويهِ الْقَاسِم بن ربيعَة. فَتَارَة يَقُول: عَن يَعْقُوب بن أَوْس. وَتارَة يَقُول: عَن عقبَة بن أَوْس، عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم. وَتارَة يَقُول: عَن (ابْن عمر) ، عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم.
وَتارَة يَقُول: (عَن ابْن عَمْرو) . قلت: عقبَة بن أَوْس وَيَعْقُوب بن أَوْس وَاحِد كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِم بِإِسْنَادِهِ إِلَى يَحْيَى بن معِين، وَأغْرب ابْن حزم فَقَالَ: عُقبة هَذَا مَجْهُول. وَتَبعهُ عبد الْحق فَقَالَ: لَيْسَ بالمشهور وَلَيْسَ بجيد، فقد رَوَى عَنهُ جماعات وَوَثَّقَهُ الْعجلِيّ فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ ابْن الْقطَّان. (وَقَالَ عبد الْحق: طَريقَة عبد الله بن عَمْرو هِيَ الصَّحِيحَة. أَي وَطَرِيقَة ابْن عمر ضَعِيفَة كَمَا سلف. قلت: لَا جرم) أخرجهَا ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» بِنَحْوِ من لفظ أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي «علله» : هُوَ صَحِيح وَلَا يضرّهُ الِاخْتِلَاف قَالَ: وَأما رِوَايَة ابْن عمر (فَلَا) ؛ لضعف ابْن جدعَان. وَخَالف أَبُو زرْعَة فَقَالَ فِيمَا حَكَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : حَدِيث ابْن عمر أصح من حَدِيث ابْن عَمْرو. قَالَ ابْن أبي حَاتِم: وَقد رُوِيَ حَدِيث ابْن عمر مُرْسلا وَهُوَ أشبه. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : هَذَا حَدِيث اخْتلف فِيهِ عَن
الْقَاسِم بن ربيعَة فَروِيَ عَنهُ (عَن ابْن عمر، وَعنهُ) ، عَن ابْن عَمْرو، وأرسله حميد الطَّوِيل، عَن الْقَاسِم بن ربيعَة، وَقَالَ خَالِد الْحذاء: عَن الْقَاسِم، عَن عقبَة بن أَوْس، عَن ابْن عمر، وَهَذَا أشبه. وَسُئِلَ يَحْيَى فِيمَا حَكَاهُ الْحَاكِم (بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ) عَن حَدِيث عبد الله بن عَمْرو - يَعْنِي السالف - فَقَالَ لَهُ الرجل: إِن سُفْيَان يَقُول: عَن عبد الله بن عمر. فَقَالَ يَحْيَى بن معِين: عَلّي بن زيد لَيْسَ بِشَيْء، والْحَدِيث حَدِيث (خَالِد) إِنَّمَا هُوَ عبد الله بن عَمْرو.
فَائِدَة:
قَوْله عليه السلام: «فِي بطونها أَوْلَادهَا» مِمَّا يسْأَل عَنهُ، وَيُقَال: الخلفة هِيَ الَّتِي فِي بَطنهَا وَلَدهَا، فَمَا الْحِكْمَة فِي ذَلِك؟ وَأجِيب عَنهُ بأجوبة: أَحدهَا: أَنه تَأْكِيد وإيضاح. ثَانِيهَا: أَنه تَفْسِير لَهَا لَا قيد. ثَالِثهَا: أَنه نفي لوهم متوهم يتَوَهَّم أَنه يَكْفِي فِي الخلفة أَن تكون حملت فِي وَقت مَا وَلَا يشْتَرط حملهَا حَالَة دَفعه فِي الدِّيَة. رَابِعهَا: أَنه إِيضَاح (بحكمها) وَأَنه يشْتَرط فِي نَفْس الْأَمر أَن تكون حَامِلا، وَلَا يَكْفِي قَول أهل الْخِبْرَة أَنَّهَا خلفة إِذا بَينا أَنه لم يكن فِي بَطنهَا ولد. خَامِسهَا: ذكره الرَّافِعِيّ حَيْثُ قَالَ: (وَقيل) اسْم الخلفة يَقع عَلَى الْحَامِل، وَعَلَى الَّتِي ولدت وَوَلدهَا يتبعهَا. فَأَرَادَ أَن يبين أَن الْوَاجِب الْحَامِل، ثمَّ ذكر الْوَجْه السالف فَقَالَ: وَيجوز أَن يُقَال هُوَ تَفْسِير الخلفة.