الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من هو السنوسي
؟
نشرت سنة 1933 (1)
منذ تسعة أعوام أو قريب منها، وفي يوم صائف شديد الحر لا أزال أذكره، كنت في سوق الحميدية أشتري شيئاً لوالدي المريض في الدار، فإذا بقريب لي مدير مدرسة يجوز بي هو وتلاميذه ويدعوني للذهاب معهم لزيارة السنوسي.
لم أكن أعرف أي شيء هذا السنوسي ولم أفكر في السؤال عنه، بل سرت معهم إلى دار الأمير سعيد في الجسر (2) وكانت تعجّ -على سعتها- بوفود المغاربة ذوي البرانس الكبيرة، وغير المغاربة من وجوه الشاميين وكرامهم، حتى ما نجد فيها مكاناً نمرّ
(1) في «الجزيرة» بتاريخ 1/ 4/1933 (5 ذي الحجة 1351).
(2)
الجسر الأبيض، وهي منطقة قريبة من الصالحية، سُمِّيَت كذلك لجسر أقيم فيها فوق نهر تورا، أحد فروع بردى، وكانت تعتبر يومئذ خارج دمشق يوم كانت دمشق محصورة بسورها القديم. والأمير سعيد هو حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، وقد أعلن نفسه رئيساً للحكومة العربية في سوريا عقب انسحاب الأتراك منها، واستمر أياماً قليلة انتهت بدخول فيصل بن الحسين إلى دمشق، حيث أقاله وأحلّ محله رضا باشا الركابي (مجاهد).
منه، فوقفنا في الدهليز حتى طلع علينا السنوسي، وكان متوسط القامة نحيفاً أبيض اللون، له أنف أقنى كبير وشفتان رقيقتان، يلبس الثياب المراكشية، فقال شيئاً لا أذكره الآن. ولما انصرفنا سألت عنه ماذا يكون، فقال لي أحد الشيوخ: إنه شيخ الطريقة السنوسية.
قلت: شيخ طريقة؟ أهذا كل شيء؟ وهززت رأسي ساخراً ولم أجب.
ومرت سنون طويلة رأيت فيها من ألوان المصائب والعِبَر ما أنساني السنوسي وتلك الزيارة، حتى كان الأسبوع الماضي وقرأنا نبأ وفاته الذي روّع الناس وآلمهم، فأخذت القلم لأكتب عنه، ولكن رددته إلى مكانه وسألت عن السنوسي من جديد: ماذا يكون؟ فقالوا: زعيم عصابة مجاهدة كعمر المختار.
أهذا كل شيء؟ ليبقَ القلم مكانه إذن، ولننتظر من يكتب عنه.
وكتبوا وقرأنا، فما ازددنا بالرجل معرفة ولا عرفنا من سيرته شيئاً! وهكذا نحن أبداً، نمدح ونرثي، ولكن كل رثاء ككل رثاء وكل مديح ككل مديح: ألفاظ رنّانة وخيالات ضخمة، أما الحقيقة وتصويرها والنفس وتحليلها فشيء لا نعرفه.
وهكذا جهل الناس السنوسي حتى ما يظنّونه إلا زعيم عصابة أو شيخ طريقة، فأحببت أن أعرّفهم به في هذه الكلمة الصغيرة كما عرفته أنا، وإن كان ذلك لا يشفي غليلاً.
* * *
كان السنوسي إلى سنة 1916 صاحبَ الكلمة النافذة التي لا مَرَدَّ لها من حدود مصر إلى شاطئ الأطلسي، وكان اسمه مصدر الرعب والإجلال، وكانت الزوايا السنوسية منتشرة في الصحراء تبث فيها الروح والحياة، وكان السنوسيون أينما أرسلوا رُسُلهم شادوا زاوية. والزاوية مسجد ومأوى وقلعة ومدرسة في آن معاً، وشيخ الزاوية هو القائد والقاضي والمدرّس والواعظ
…
إن الزوايا هي مراكز الحياة في الصحراء.
كان جد السنوسي تلميذاً للسيد أحمد بن الإدريسي الذي قدم مكة من مراكش وأقام فيها يعظ ويعلّم، وكان ذلك سنة 1240 هجرية، ثم بَثَّ تلاميذه في الآفاق لينشروا طريقته في الناس. وكان السنوسي رسوله إلى طرابلس، فلم ينشر الطريقة كما كان ينشرها شيخه، بل أسس جمعية نظامية متينة البناء تشبه في متانة تكوينها الجماعات الكبرى في أوربا: الفاشستية مثلاً، وتشبه من ناحية أخرى نظام الفرسان الذي عرفته أوربا في القرون الوسطى.
وكانت خطته قتال الفرنسيين ثم الطليان، أما الإنكليز فكان ينوي تأجيل المعركة معهم، فلما قامت الحرب العامة أرسل أنور باشا إلى السنوسي الكبير -بإيعاز من السفارة الألمانية- يطلب إليه أن يغزو مصر تمهيداً للثورة فيها، فأبى السنوسي ذلك، وبعث باليوزباشي جمال (جمال باشا فيما بعد) إلى القسطنطينية على مركب شراعي فقرر فيها أن السنوسي الذي يقاتل الطليان لا يقوى على قتال الإنكليز معهم. ولكن القيادة العليا أصرت على رأيها، وذهب نوري شقيق أنور باشا إلى ليبيا وأجبر السنوسي على الهجوم، فكانت النتيجة الفشل لأن مصر لم تُرِدْ (أو لم تستطع)
القيام ضد إنكلترا. وعلى الأثر سافر السنوسي إلى القسطنطينية في غواصة ليبرّر موقفه بعد هذه الخيبة، ولم يعد بعد ذلك إلى ليبيا قط، ولم يرَ بعد ذلك صفحة الصحراء التي بَثَّ فيها من روحه روحَ الحياة.
ولكنه لم يهدأ ولم يلجأ إلى الضعف والاستسلام، بل شرع يعمل، وماذا يضره أن يعمل في غير الصحراء؟ أليست كل البقاع ميادين جهاد في سبيل الله؟ وماذا يضره أن يحارب غير الطليان؟ أليسوا جميعاً أعداء الله؟ بلى، وبقي إلى ما بعد سنة 1924 مواصلاً للخليفة حتى نفاه الاتحاديون، فلبث يتنقل من سوريا -حيث أخرجه حكام البلاد، الفرنسيون- إلى فلسطين -حيث طرده ولاة الأمر، الإنكليز- إلى الحجاز وعسير حيث استمر على جهاده إلى أن أدركته الوفاة.
ولكنه لم ييأس قط ولم يعترِ عزيمتَه وهن، واسمعوه يحدّث مندوب جريدة «الفوسته تساتيونج» الذي قدم عسير سنة 1927 ليفوز بهذه الكلمات: "نحن السنوسيين نعيش أحراراً ونموت أحراراً، ونقاتل الاستعمار الأوربي إلى الموت. قد لا نكون اليوم ظافرين، ولكن الحرب سجال، وسيأتي يومنا. هناك دول تَعِدنا بالمال الوافر إذا نحن أغمدنا سيوفنا، ولكنهم لو وزنوا جبال السّراة ذهباً وجعلوا كثبان الصحراء ألماساً لما نالوا منا مرادهم. لا يزال السنوسيون يقاتلون الطليان في طرابلس، وليس بينهم وبين البحر إلا مدة ثلاثة أيام، فإذا سرناها قذفنا الطليان في البحر! والآن: أيطالبوننا نحن السنوسيين بقبول الجنسية الإيطالية؟ كلا، لم نقبل، ولن نقبل أبداً. أهون علينا أن تُقطَع رقابنا من أن نحمل
جنسية إيطالية! إذا عدتَ إلى أوربا فقل للطليان إنهم لم يدركوا روح الإسلام، ولَرُبّ دولة كبيرة تصبح غداً صغيرة. هذه ألمانيا قد هُزمت وهذه روسيا قد قُسمت، ولكنهما نهضتا من جديد
…
إن إيطاليا اليوم قوية والمسلمين ضعاف، ولكن الغد بيد الله".
* * *
إن ألف نفس كهذه النفس -ولو كان أصحابها عُزْلاً- تكفي لإنقاذ أعرق البلاد الإسلامية من الاستعمار. فعليك أيها البطل العظيم رحمة الله، وعلى المسلمين النائمين المتواكلين رحمة الله أيضاً. إنك ميت وإنهم ميتون! (1)
* * *
(1) هذا السنوسي هو الشيخ أحمد الشريف، حفيد مؤسس الحركة الشيخ محمد بن علي السنوسي المتوفى سنة 1859، وقد خلف عمَّه الشيخ محمد المهدي في قيادة الحركة السنوسية سنة 1902. وكان الشيخ أحمد هذا من كبار المجاهدين؛ قاد عشرات المعارك ضد الطليان والإنكليز والفرنسيين في ليبيا وتشاد ومصر والسودان، وقد بالغ الأمير شكيب أرسلان -في كتابه «حاضر العالم الإسلامي» - في وصف شجاعته وعلوّ همّته وأثنى عليه ثناء جميلاً طويلاً. وكما رأيتم في هذه المقالة فقد اضطر إلى مغادرة ليبيا إلى الأستانة، فتنازل عن قيادة الحركة لابن عمه محمد إدريس بن محمد المهدي (وهو الذي صار -من بعدُ- ملكاً لليبيا بعد الاستقلال) وأقام في الحجاز في ضيافة الملك عبد العزيز حتى توفي بالمدينة ودفن فيها، رحمه الله.
والسنوسية حركة إصلاحية تأثر مشايخها بحركة الإمام محمد بن عبد الوهاب، ولا سيما في العقيدة، إلا أنهم تبنوا أسلوب الدعوة =
= بالحكمة والموعظة الحسنة وكرهوا التغيير بالقوة والعنف، ومنهجهم الفقهي يجمع بين الفقهين المالكي والحنبلي، وإن كانوا أقرب إلى تبني الاجتهاد ومحاربة التقليد. والسنوسيون يبالغون في الاهتمام بالعبادات ويَدْعون إلى الزهد، وهذا الجانب في دعوتهم جعلهم قريبين من الصوفية، لكن هذا القرب لم يمنعهم من أن يكونوا شديدي العداء لانحرافات الصوفية والإنكار على بِدَعهم وشركيّاتهم. وقد بلغت الدعوة السنوسية مبلغاً عظيماً من القوة وانتشرت زواياها من مصر إلى مراكش ومن البحر الأبيض إلى جنوب الصحراء، بل لقد جاوزت الشمال الإفريقي وصولاً إلى الهند وإلى الملايو في الشرق الأقصى. وللسنوسيين دور عظيم الأثر في الجهاد الإسلامي في الشمال الإفريقي، ومن أشهر قادتهم عمر المختار الذي كان تلميذاً للشيخ المهدي السنوسي. ومن شاء الاطلاع على القصة الكاملة لهذه الدعوة المباركة فليقرأ الكتاب الوافي للدكتور محمد علي الصلابي:«الثمار الزكية للحركة السنوسية» (مجاهد).