الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المؤمن لا يُلدَغ من جحر مرتين
خذوا الصواب من قلب الخطأ
نشرت سنة 1933 (1)
إذا كانت أعمال الإنسان وتصرفاته لا تخلو من خطأ مقصود أو غير مقصود، فما من خطأ إلا وفيه عبرة، والناسُ عِظةٌ للناس.
ولعل من أفظع الخطيئات التي ارتكبناها في جهادنا ونضالنا الوطني (إذا لم نقل إنها أفظعها على الإطلاق) الاشتراك في الحكم متعاونين مع السلطة المحتلة التي رسمت لمن يتقدمون إلى المناصب الحكومية -من أي عنصر كانوا- خطة لا يسيرون على غيرها ودائرة لا يتجاوزون حدودها، فلم يبقَ أقلُّ فرق بين وطني مخلص مجاهد وخائن خانع مستسلم؛ كما يفعل هذا يفعل ذاك، والحرية للاثنين واحدة، وجُلّ ما هنالك أن الأول متى أُلقيَت إليه الأوامر من الملأ الأعلى يقول أولاً «لا» ثم يخضع، أما الثاني فيخضع لفوره! والنتيجة واحدة.
دعونا نستعرض شيئاً من حوادث الماضي والرجال الذين
(1) في «الجزيرة» بتاريخ 27/ 4/1933 (2 محرم 1352).
برزوا فيها (مع احترامنا لأشخاصهم) لنرى كيف تقدموا إلى المناصب وكيف خرجوا منها، ثم نستخلص من هذا العرض مبدءاً نقرّه ونعمل بموجبه ونسير على مقتضياته:
(1)
كانت الثورة في الشمال قائمة على قدم وساق يقودها إبراهيم هنانو وصبحي بركات، وقد أبى بركات أن يخضع وأن يستسلم فاضطرت السلطة المحتلة أن تعقد معه معاهدة الند للند، وجاءت به فجعلته رئيساً للبلاد السورية. فأكبر الناسُ فيه ذلك الإباءَ، ولا ننسى كيف احتفى به الدمشقيون حتى إنهم حلّوا جوادَي المركبة التي ركبها من محطة القطار وراحوا يجرّونها بأنفسهم! (2) وقدّمت الكتلة الوطنية إلى منصب الحكم الشيخ تاج الدين الحسني، وأقامت له المظاهرات والمهرجانات في كل مكان، ولما أُعلنت الانتخابات للجمعية التأسيسية أطلقوا عليه لقب «تاج القائمتين» ، أي القائمة الحكومية والقائمة الوطنية. (3) وعندما تألفت الحكومة الحالية قدمت الكتلة الوطنية اثنين من رجالها للاشتراك في الحكم، هما جميل مَرْدَم ومظهر أرسلان، وراحت صحفها تتغنى بهذه "الخطوة الواسعة نحو الاستقلال التام الناجز"
…
وأخيراً كانت نهاية الكل واحدة، وبقدر ما كان الاحتفاء بهؤلاء الرجال عظيماً كانت النقمة عليهم شديدة، فأية عبرة يجب أن نستخلص من عرض هذه الحوادث ورجالها أمام الأنظار؟
تُرى ألم يكن من الأفضل أن لا يتقدم هؤلاء الرجال إلى مناصب الحكم؟ ألم يكن الأفضل أن يبقوا في صفوف المعارضين فلا تخسرهم الأمة إلى الأبد؟ ألم يكن الأفضل أن يبقى الوطنيون على سياستهم السلبية مُعْرضين عن هذه التجارب العقيمة التي
أضعنا فيها رجالاً وأموالاً وأرواحاً، وأضعنا وقتاً ثميناً بألاعيب لا نجد ما نقوله فيها غير أنها صبيانية؟!
ما ضرَّنا لو بقي هؤلاء الرجال في الجبهة الوطنية، يَلوح كل منهم بصفاته البارزة كلما اقتضى الأمر؟ ولكنه الخطأ الفاضح بوضع الشيء في غير موضعه أدّى إلى الحال التي نحن فيها، وإلى تلك العقيدة التي تقول بها أوربا وتتخذها مبدأ تسير عليه في سياستها الشرقية، وهي أننا قوم تستهوينا المناصب فننقاد إليها صاغرين.
المبدأ الذي يجب أن نسير عليه بعد الآن لتبقى لهذه البقية من الجبهة الوطنية مَنَعتها وقوتها ووَحدتها هو الابتعاد عن مناصب الحكم والرجوع إلى السلبية المطلقة، ما لم يعلن الجانب الفرنسي بصراحة وبصورة رسمية مشروعَه لحلّ القضية السورية كاملاً، فنناقشه إذ ذاك على صفحات الجرائد على المكشوف بلا مفاوضة ولا مفاوضين.
وما دمنا قد سلخنا ثلاث عشرة سنة ونحن على ما نحن، فلا بأس بثلاث عشرة سنة أخرى، ومضروبة بثلاثة عشر، والأمر يومئذ لله والنصر بيده يؤتيه من يشاء من عباده المخلصين (1).
* * *
(1) ما أشبه اليوم بالأمس؛ كانت الشام فصارت غيرها من البلدان وذهب رجال وجاء رجال، والحال هو الحال. غيّروا ما شئتم ممّا في هذه المقالة من أسماء، ويا للغرابة: ستبقى النتيجة ذاتها، وستحصلون على مقالة صالحة للنشر في صحف الغد! (مجاهد).
من رسائل الصيف (1)
رسالة مختصرة
موجهة إلى «المَجْمَع الأدبي»
نشرت سنة 1933 (2)
أكتب إليك هذه الرسالة مَوْهِناً (3)، وقد بلغتُ الدار مُذ هُنَيّة فألقيت بنفسي على كرسي من الكراسي ساغِباً لاغِباً (4) وأخذت القلم بيدي ورحت أكتب إليك، وأنا أسرع وأهذي كما يسرع ويهذي من أكلته الحُمّى، ورحت أفكر خلال ذلك في ليلتي وكيف كنت أمرح مع الرفاق وأمزح، بل كنت أشدَّهم مرحاً وأكثرهم مزحاً، ثم اكتأبت فجأة وخَثَرَت نفسي، وخالطني
(1) في كتاب «من حديث النفس» مقالة عنوانها «من رسائل الصيف» ، قال في أولها:"هي سلسلة كنت أنشرها في «ألف باء» سنة 1933، لم يبقَ لديّ منها إلا هذه الرسالة ورسالة أخرى، وقد ضاع سائرها فيما ضاع من مقالاتي". فهذه هي الأخرى، ولم أوفق في العثور على سواهما (مجاهد).
(2)
في «ألف باء» بتاريخ 1/ 9/1933 (11 جمادى الأولى 1352).
(3)
أي بعد وَهْن، والوَهْن نصف الليل.
(4)
ساغب لاغب (وسَغْبان لَغْبان): أي تَعِب وجائع.
الشعور بالاستيحاش وأني غريب عن القوم، وسَرَتْ إليهم كآبتي فوَجَموا، وساءني وجومهم وزعمت أن فيه معنى النَّفرة مني وإنكاري، فاعتقدت أن انسحابي واجب، وقمت أريد الذهاب ولا أحسن له الاعتذار، ولا أستمع لما يُلقون من أسئلة وعبارات بل أمضي مسرعاً لا أعقِّب، أحمدُ الله في نفسي على أنّي نجوت منهم ونجوا مني، وإن كنت أعلم أنهم سيضحكون مني ما شاؤوا ويتندرون بي ما أرادوا.
وهذا أنا أبداً؛ ألتقي بالناس وأُخلص لهم الود وأجاريهم في تفكيرهم وأحاديثهم، حتى إذا حسبتُني قد سكنت إليهم واطمأننت إلى صحبتهم هاج نفسي شيء من الأشياء فعادت إلى نِفارها، ورجعت إلى أنسي بالعزلة واستيحاشي من الناس، حتى غدوت أعتقد أني إنسان متوحش، وحتى غدا من أصعب الصعب عليّ أن أضطر إلى لقاء إنسان لم ألقَه أو التعرف إلى كبير من الناس
…
وها أنَذا أفكر الآن كيف أجيب الدعوة التي تفضل عليّ بها أستاذنا العلامة الجليل محمد كرد علي للتعرف بأديب كبير يزوره.
وأذكر أن واحداً من أجلّ وأكبر رجالنا تفضل مرة فدعاني، وذلك إبّان ازدهار دعوتي إلى العقال ونجاحها، وقد كُتب لها أن تنجح أمداً ليس بالقصير (1)، أقول إن هذا الرجل العظيم بعث يَسْتزيرُني، فتباطأت وتعلّلت -على رغبة في نفسي إلى زيارته- ثم لم أجد مخلصاً فضربت له موعداً
…
ولك أن تثق أنّي قضيت ليلاً بطوله أفكر كيف ألقاه وماذا أقول له!
(1) أخبار «الدعوة إلى العقال» في الحلقة 51 من «الذكريات» ، فمن أحبَّ الاطّلاع عليها بتفصيلاتها فليرجع إليها هناك (مجاهد).
أفكر في هذا، وإنك لتعلم -كما يعلم كثير من الناس- أنه يُطلَب إليّ أن ألقي الخطبة ارتجالاً في أمر لم أُعِدَّ له شيئاً، فلا أتهيّب ولا أجزع ولا أحس بأن لفظاً أريده ناء عني، وأريد أن أقابل رجلاً ليس بيني وبينه أسباب متينة فأجزع وأعجز، ولا أجد لفظاً أردّ به هذه الجمل الطويلة العريضة التي يلقيها في وجهي مسلّماً ومجاملاً! فأنا جريء جداً إذا كتبت أو خطبت، ولكني خجول مضحك عَيٌّ إذا تكلمت أو قابلت إنساناً لا أعرفه، فكيف ألقى هذا الرجل الكبير؟
لقد فكرت في ذلك ليلة بطولها، ثم ذهبت قبل الموعد بساعات فانتظرت حول المكان، يقذفني شارع ليتلقاني شارع، ثم جاء صاحبي ودخلنا، فلم أدرِ كيف أجلس ولا عرفت كيف أسلّم عليه، ودارت الغرفة من حولي فاصطدمت بنَضَد عليه آنية، وحاولت الكلام فجاء متقطعاً خافتاً
…
وخرجت ألعن فيّ هذا الحياء وأشتم من دَلَّ هذا الرجل عليّ، وأود لو تفتّحت لي الأرض فغصت فيها أو أويت إلى ركن مظلم لا ألقى فيه إنساناً!
* * *
لقد فكرت في هذا كله والقلم في يدي أريد أن أكتب إليك، وفي يدي الأخرى دعوة معالي الأستاذ الرئيس، تميل نفسي إلى إجابتها والتعرف بالكاتب الكبير، ثم أخشى الفضيحة فأنفر منها وأزمع الاعتذار إليه! فكرت في هذا كله فأحسست في نفسي الألم والضيق، فقمت أفتح شبّاكي وأطلّ منه على شارع بغداد المظلم الموحش، الذي حَرَمته «البلدية» من نور يكشف ما فيه من خزي
وبلاء (1)، ويلمس وجهي نسيم الليل العليل، فأنشَقُه (2) وأبالغ في نشقه.
لعلك تعجب يا صديقي من هذا الاندفاع وتظنني أمزح -لما تعلمه فيّ من الكلام والجدل، وما تعرفه من الصراحة (بل الوقاحة أحياناً) - ويعجب رفاقي الذين يقرؤون هذه الرسالة منشورة في «ألف باء» . ولست أدري لماذا أنشرها على الناس، ولكنني أدري أنني أريح نفسي بنشرها وألقي عن عاتقي عبئاً يثقله! نعم، قد تعجبون، ولكن لا عجب، فأنا أندفع في الكلام والمزاح أحياناً لأدفع عن نفسي هذه العقيدة وأريها أني لست جافياً أبداً، ولكن لا أخلو إلى نفسي مرة عقب هذا الاندفاع إلا كان بيننا حساب طويل أخرج منه كسيراً محطماً!
وإني لأغبط هؤلاء الأشخاص المرحين الذين لا يعرفون الألم إلا بأفواههم (كشاعرنا أنور العطار)، أغبطهم طويلاً وأتمنى أن لو كنت مثلهم. وليس مردّ هذا الجفاء إلى نفسي دائماً، بل إن هنالك من يَضطرني إليه، كبعض إخواننا أعضاء الهيئة الإدارية في «المجمع الأدبي» ، فقد انتُخبت معهم فيمن انتُخب،
(1) يبدو أنه كان "شارع العشاق" في تلك الأيام! وقد مرّ في مقالة «احتجاجاتنا كطبولنا» في هذا الكتاب قوله: "لبثت ساعة في شرفتي أطلّ على هذه الخمائل فترجع بي إلى الماضي، وأرى صورَه تَتَابَعُ أمام عيني فتلهيني عن الشارع الفيّاض بالآنسات والآنسين المتكشّفات والمتكشّفين
…
" (مجاهد).
(2)
نَشِقَ (كفرح): أي استنشق الهواء.
فأكرهت نفسي على الخروج من عزلتها والاندماج في هذه الكتلة الطيبة. ولا أنكر أن قد خالطني بَدِيّاً بعضُ الزّهو والسرور على أن كنت مع المنتخَبين، ثم مللت وضقت ذرعاً بهذا الانتخاب ووددت لو قدرت على الانسحاب، ولكني خشيت أن أصرّح بهذا وأكرهت نفسي كرّةً أخرى على العمل معهم، وحاولت أن أندمج بهم ولكني لم أفهمهم قط، وكنت منهم كالزيت من الماء: تمعسه معساً (1) ثم يأبى إلا الافتراق عن رفيقه، وإنه لَمَعَهُ في إناء واحد (2). وكأني بإخواننا وقد أقاموا على ألسنتهم حارساً من أغراضهم فلا يتكلمون إلا بما فيه صلاحها، وعجزت عن هذا فقلت ما أعتقد، وآذيت مَن قلت له بما قلت واتخذته بذلك عدواً! ورأيتهم يبتّون في الأمور بما يريدون، لا يبالون بكثرة ولا بقلّة
…
فآمنت بأني غريب فيهم، وعدت إلى عزلتي مُوقناً بأني امرؤ مستوحش بالناس لا أستطيع أن أسيغهم ولا يستطيعون أن يُسيغوني، ونفضت يدي من هذا المجمع ومن غيره من المجامع والجمعيات جملة.
(1) عربية معناها الدلك الشديد.
(2)
خبر هذا «المَجْمَع» مفصَّل بتمامه في الحلقة السادسة والستين من «الذكريات» ، وفيها قال:"جمع هذا «المجمع الأدبي» المتفرقين وحاول أن يؤلّف بين المختلفين. ماذا يجمع بين علي الطنطاوي وسعيد الأفغاني، وبين ميشيل عفلق وأنور حاتم؟ إن الماء والزيت تخضّهما فيختلطان، ولكن حين تدَعهما يفترقان، وكذلك كان". وانظر أيضاً المقالة الآتية في هذا الكتاب، وقد ذكرها ونقل أجزاء منها في حلقة الذكريات تلك نفسها (مجاهد).
والعجيب يا صديقي أنّي كلما خالطتني هذه العقيدة ازددت قوة على قوتي، وأحسست روحاً سامية تحلّ في روحي، فأزهد في الناس وفي كل ما يعتزّون به، وأغتدي وأنا آنَسُ بالفقر وأحب الظلام، وأشعر أن نفسي تتصل بعالم آخر تطلب عنده ما أعجزها وجوده في هذا العالم، عالم المجامع والجمعيات والمكر والنفاق. تتصل بعالم الخير والحق والجمال، تتصل بالله، والله حسبنا ونعم الوكيل.
* * *